islamaumaroc

في عهد الهجرة النبوية

  محمد الحاج ناصر

العدد 259 محرم-صفر 1407/ شتنبر-أكتوبر 1986

درج الناس في العهد الحديث، على استقبال عيد الهجرة بنمط من الاستذكار العاطفي كلما استدار الزمن، كيوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، يستعرضون وقائع الهجرة كما لو أنهم يستعرضون قصة تاريخية، تنحصر دلالاتها ومفاهيمها بحدود زمنية ومكانية، فإن حاولوا أن يتجاوزوا بها تلك الحدود ففي إطار خلقي غالبا، محاطا بهالة عاطفية أبدا، ومن حاول منهم أن يستدل بها في مجال التشريع قصرت محاولته على اعتبارها فاصلا بين عهدين من التشريع الإسلامي، وابتغاء ما يريد من أحكام الشريعة مما شرع بعدها، كأنها هي مجرد فاصل بين عهدين لا غير.


على حين أن الهجرة تشريع يتميز بكل خصائص التشريع وأبرزها : تكيف تطبيقه والاستنباط منه زمنا ومكانا بالظروف المختلفة المتغايرة طبقا لاختلافها وتغايرها.


ويظهر أن الذين درجوا على هذا النمط من استذكار ما يتصل بالهجرة، تأثروا – عن قصد أو عن غير قصد – بما درج عليه البعض قديما من اعتبار الهجرة منقطعة، وأن حكمها قد نسخ بحديث "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وهو حديث رواه ابن عباس وعائشة وأنس وصفوان بن أمية ومجاشع وأبو سعيد الخدري، وآخرون. وأخرجه الستة (1) بألفاظ متقاربة، يزيد بعضهم على بعض، ومن قبلهم ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.


وملابسات هذا الحديث كما أوضحها بعض روايته تبين أسباب انتشاره وتعدد رواته، كما تبين بيانا دقيقا نطاق حكمه، وكان حريا بالذين يزعمون أنه جاء نسخا للهجرة أن يتأملوا ما جاء في بعض ألفاظه من وصف لظروف وبيان محدد لدلالاته.


روى ابن أبي شيبة بسنده عن أم يحيى بنت يعلى عن أبها صفوان بن أمية : "جئت بأبي يوم فتح مكة، فقلت يا رسول الله : هذا يبايعك على الهجرة، فقال : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"(2).
وروى بسنده أيضا (3) عن مجاشع بن مسعود قال : "أتيت النبي صل الله عليه وسلم أنا وأخي قال : فقلت يا رسول الله  : بايعنا على الهجرة. فقال : مضت الهجرة لأهلها، فقلت : علام نبايعك يا رسول الله؟ قال : على الإسلام والجهاد".


وروى عبد الرزاق (4) بسنده عن طاووس مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا".


وصل سعيد بن منصور (5) هذا الحديث بلفظ مختلف شيئان وهو جزء من حديث طويل، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه سلم سأل صفوان الذي روى عنه طاووس هذا الحديث – " ما جاء بك أي أبا وهب؟ قال : قيل أنه لا دين لمن لم يهاجر – قال : ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، اقروا على مساكنكم، فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا".


وأخرجه النسائي (6)، بلفظ قريب من هذا، وأخرج أيضا هو وابن حبان (7)، بسندهما عن عبد الله بن واقد السعدي قال :" وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كلنا يطلب حاجة، وكنت آخرهم دخولا، فقلت : يا رسول الله إني تركت خلفي، وكلهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، قال : لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار".


وأخرج سعيد بن منصور (8) بسنده عن جنادة ابن أبي أمية أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم :" الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك، فانطلقنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا : يا رسول الله، إن ناسا يقولون : الهجرة قد انقطعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تنقطع ما كان الجهاد".


وأخرج أحمد (9) بسنده عن عبد الله بن السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تنقطع الهجرة مادام العدو يقاتل".


وروى أحمد أيضا عن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيآت، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت من المغرب طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل".


كما روى حديث مجاشع ابن مسعود الذي ذكرناه آنفا، وكذلك حديث صفوان بن أمية.


وأخرج الطبراني (10)، بسنده عن وائلة بن الأسقع قال :" خرجت مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أقبل الناس من بين خارج وقائم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى جالسا إلا دنا إليه، فسأله : هل لك من حاجة؟ وبدأ بالصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، حتى دنا إلي فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت : نعم يا رسول الله ، فقال ما حاجتك؟ فقلت الإسلام. فقال : هو خير لك، وتهاجر؟ قلت : نعم – قال : هجرة البادية أم هجرة الباتة؟ قلت : أيهما أفضل؟ قال : الهجرة الباتة أن تثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرة البادية أن ترجع إلى باديتك، وعليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومكرهك ومنشطك وأثرة عليك، قال : فبسطت يدي إليه فبايعته قال : واستثني لي حين لم أستثن لنفسي فيما استطعت" في حديث طويل.


ونقل الهيثمي (11) عن أحمد حديث رجاء بن حيوة عن أبيه وقال : حيوة لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
ونقل الحديث عن الرسول الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال : "لا تنقطع ما قوتل العدو"  ثم نقل حديثا عن البزار وتعقبه بقوله : وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو ضعيف، ولفظ الحديث عن ثوبان قال :"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" ثم نقل عن أحمد حديث عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله يقول :"لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها" الحديث، وتعقبه بقوله : وفيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف.
وأورد أبو داود (12) بسنده حديث معاوية المذكور آنفا.


وأخرج البخاري بسنده (13) عن عطاء بن أبي رباح قال : زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي فسألناها عن الهجرة فقالت :"لا هجرة اليوم – كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم، فقد أظهر الله الإسلام واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية".


وتعارض بعض ألفاظ هذه الأحاديث وما شاكلها ظاهريا حمل جهابذة الشراح والفقهاء على بيان ما قد يبدو كما لو كان تعارضا بينها، إنما هو توافق وتكامل، فعقب ابن حجر (14) على حديث عائشة بقوله : أشارت عائشة على بيان شرعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة "والحكم يدور مع علته" فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق، لم تجب عليه الهجرة منه" وإلا وجبت" ومن ثم قال الماوردي : إذا قدر – بضم القاف على ما يظهر – على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة بها أفضل من الرحلة منها لما يرجى – من دخول غيره في الإسلام – اهـ.


وعقب على حديث ابن عباس بقوله (15)، قال : الخطابي وغيره : كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو، هنا ينتهي كلام الخطابي.


ويستطرد ابن حجر قائلا : وكانت الحكمة أيضا من وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت.
"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم قالوا  كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" (16).


(وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها).


وقد روى النسائي عن طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا " لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين".


ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعا "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين".
وهذا محمول على من لم يأمن على دينه.


وعقب النووي على حديث عائشة (17) بقوله :قال أصحابنا وغيرهم من العلماء :"الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة"، وتأولوا هذا الحديث تأويلين :
أحدهما لا هجرة بعد فتح مكة لأنها صارت دار إسلام فلا تتصور – بضم المثناة الأولى وفتح الثانية – منها الهجرة.


والثاني وهو الأصح – في رأي النووي – أن معناه : أما الهجرة الفاصلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل مكة، لأن الإسلام قوي وعز قبل فتح مكة عزا ظاهرا بخلاف ما قبله. اهـ.


قلت : ورأي النووي هذا يقتضي التأمل، فكلما نشأت ظروف تجعل على المسلم حرجا في الاستعلان بدينه عبادة ومعاملة، وتوجب عليه الهجرة كان وضعه بسببها كوضع المسلمين قبل فتح مكة. والله أكرم بعابده من أن يفاضل بينهم إلا أعمالهم، ما لم يقصر عن بعض، وما ذنب المسلمين بعد العهد النبوي إلى يوم القيامة إن كان الله قد قدر حياتهم في غير عهد النبوة. أليس يحسبهم أنهم حرموا رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعايشته والجهاد معه وشهود النشأة الأولى للإسلام؟ "إن رحمة الله قريب من المحسنين".


وقد أخرج الطبراني (18) بسنده عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية وقال :"أنا برئ من كل مسلم أقام مع المشركين".

وتعقبه الهيثمي (19) بقوله : ورجاله ثقات.


وروى البيهقي (20) بسنده عن جرير بن عبد الله البجلي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة".


وأخرج عنه أيضا أنه قال :" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس، وقلت : يا نبي الله، ابسط يديك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم بالشرط مني. قال : أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المؤمن وتفارق المشرك".


وأخرج أيضا بسنده إلى يزيد بن عبد الله بن الشخير (21) قال :" كنا بالمربد جلوسا وأراني أحادث القوم أو من أحدثهم سنا، قال : فأتى علينا رجل من أهل البادية فلما رأيناه، قلنا : كأن هذا رجل ليس من أهل البلد، فقال أجل : لا ، هذا كتاب كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال القوم : هات، فأخذته فقرأته، فإذا به (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لبني زهير بن القيش – قال أبو العلاء وهو من عكل – إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وفارقتم المشركين وأعطيتم الغنائم الخمس وسهم النبي الله عليه وسلم والصفي – وربما قال وصفيه – فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله).


وأخرج البخاري بسنده إلى محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود الأسدي (22) قال :"قطع – بضم القاف – على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه – بضم المثناة الأولى وكسر الثانية، بعدها موحدة ساكنة على البناء لمجهول – فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمي به – بضم الياء على البناء للمجهول – فيصيب أحدهم فيقتله، أو فيضرب فيقتل، فأنزل الله :"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم". (23) الآية.


قال ابن حجر (24) كذا في سبب نزولها، وفي رواية عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس عند ابن المنذر والطبري، كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت، فكتبوا بها إلى  من بقي منهم وأنهم لا عذر لهم فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فنزلت "ومن الناس من يقل آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ..." (25). فكتب إليهم المسلمون بذلك فحزنوا، فنزلت "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا"(26) الآية، فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلاحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل. (27)


ونحسب أن مجموع الأدلة التي سقناها قاطعة في أن الهجرة لم تنقطع، وان امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن المبايعة على الهجرة بعد فتح مكة لا يدل على انقطاع الهجرة أبدا، وإنما يدل على الظرف الذي إذا تحقق انقطعت الهجرة ما بقي متحققا، وهو أنه إذا كانت الغلبة للمسلمين بالنفوذ أو بالحكم انقطعت الهجرة إلا على من يقيم في بلد يهيمن عليه غير المسلمين، ويؤذون المسلمين أو يضيقون عليهم في إقامة شعائر دينهم، عبادة ومعاملة وعلاقات اجتماعية وأحوالا شخصية. أما حين يضعف المسلمون نفوذا أو حكما – كما هو شأنهم اليوم – فإن الهجرة تتعين على كل مسلم مقيم في بلد يهيمن عليه غير المسلمين، إلا عن تكن إقامته فيه وسيلة لنشر الإسلام والدعوة إليه والتمكين له حكما ونفوذا، وإذا كان من المناعة أو كان من يحكم ذلك البلد من الوعي وحسن الاعتبار بحيث لا يضطره إلى القيام بأي عمل يسيء إلى الإسلام أو ينال من قوة المسلمين، اقتصاديا أو تقينا أو سياسيا أو عسكريا أو إعلاميا، وتكون الهجرة آكد وأشد إلحاحا في الفرض على المسلمين من ذوي التخصص التقني أو المهارة المهنية العالية أو الاختصاص في أي فرع من فروع المعرفة والعلم، إذ أنهم يؤلفون قوة ضرورية للأمة الإسلامية يعضد سعيها في سبيل اكتساب المزيد من أسباب التقدم والمناعة والاستغناء عن الغير والهيبة بين الأمم، ذلك بأن التطور التاريخي والتقني وما أصاب المسلمين لقرون شتى من أسباب التخلف والضعف في مختلف نواحي الحياة، ثم ما ينهدون إليه اليوم من استدراك ما فاتهم والسعي إلى اللحاق بمن سبقهم، سيجعل كل قادر على إضافة عنصر من عناصر المساندة والإمداد للأمة  الإسلامية كافة أو أقطارا مطالبا بعينه أن يسهم بكل ما يملك من قوة في هذا المجال، وأن كل مسلم يتخلف عن ذلك بحجة أنه مواطن لدول غير إسلامية غالبة وأن حب الوطن أو الخضوع لتلك الدول يصرفه عن مناصرة إخوانه في الأقطار التي يغلب فيها الإسلام حكما ونفوذا لا يمكن اعتباره إلا خاذلا للإسلام، مخلا بواجباته، متخلفا عن نصرته، معينا لعدوه وإن بصورة سلبية.


وأقبح من هؤلاء عملا وأخس منزلة من أن يكون من أبناء بلد أو قطر يغلب عليه المسلمون حكما أو نفوذا، ويكون له تخصص مما يحتاجون إليه في سعيهم إلى المناعة والاكتفاء الذاتي فيهجر بلاده إلى بلاد أخرى لغير المسلمين، بحجة أنه يجد في مهجره كفاء لعمله أعلى قيمة وتقديرا لعلمه يبوئه رتبة أسمى. ومثل هذا لا نعتقد أنه سيجد عذرا أمام الله، بل نراه مسؤولا مباشرة عن كل أذى يلحق المسلمين من مهجره، سواء كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإذا أسهم مثلا في صناعة سلاح أو تطويره أو اكتشافه، وأصاب المسلمين أذى من ذلك السلاح، بأن استعملته الأمة التي يعمل فيها ضد بلد مسلم، أو باعته لمن استعمله، أو وصل إلى من استعمله بطريقة من طرق الاختلاس أو الجاسوسية أو إلى ذلك من الوسائل المشروعة أو غير المشروعة، فهو مسؤول مباشرة عن كل قطرة دم إسلامية تراق، وعن كل عنت يلحق المسلمين من أي شكل كان، بذلك السلاح، لا عذر له، ولا نحسبه ينجو من العقاب الذي نص عليه القرآن في قتل المؤمن عمدا "ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما" (28) الآية.


بل ما من شك في أن كل مسلم سواء كان من الأقليات الإسلامية في البلد غير الإسلامية أو من البلاد التي يغلب فيها أو يحكم فيها المسلمون، له اختصاص في شؤون الاقتصاد وما إليها من التقنيات المالية، يهجر البلاد الإسلامية، أو لا يهاجر إليها، مسؤول عن عدم إسهامه في تنمية الاقتصاد الإسلامي أو اقتصاديات البلاد الإسلامية وإن لم يعمل في مجال تخصصه لصالح المسلمين فكيف إذا عمل؟


وليس معنى ذلك أن الأفراد العاديين الذين لا يملكون مهارات خاصة مما يحتاج إليه المسلمون، أو يملكون شيئا منها ولم يجدوا عملا يعولون به أنفسهم ومن تجب عليهم إعالتهم في أي بلد يحكمه أو يغلب فيه المسلمون، مقطوع عذرهم إذا هم هاجروا إلى حيث يجدون عملا يقوم بضروراتهم وضرورات ذويهم، بل قد يكون بعض هؤلاء مجاهدين، لهم أجر المجاهدين في الميدان، وهم يكدحون في سبيل كسب قوتهم وقوت من يعولون، إن الله سبحانه وتعالى ندب المسلمين إلى الانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله"(29) الآية.


ولا نحسب فترة من تاريخ الإسلام، بعد أيام البعثة النبوية، تتعين فيها الهجرة وتتأكد بإلحاح على كل مسلم يأنس من نفسه كفاية تسهم في إمداد المسلمين بأسباب المناعة والعزة من الفترة التي نعيشها الآن. فالأمة الإسلامية في جهاد تواجه قوى مختلفة، وهي على اختلافها يتزايد مع الأيام شراسة وصلابة وحقدا على الإسلام والمسلمين. فإذا لم تجب الهجرة اليوم فمتى تجب؟


ذلك : ومن الخطأ كل الخطأ التعلق بدعوى نسخ الهجرة، فالذين قالوا به من الصحابة إنما اعتمدوا على اعتبار أن موجب الهجرة قد زال بفتح مكة وهيمنة الإسلام حكما ونحلة ونفوذا على شبه الجزيرة العربية، هيمنة دأبت تمتد وتتسع على ما حولها، وما فتئت أن شملت معظم العالم المتحضر يومئذ. ثم إن من قال منهم بالنسخ يحتمل أنه لم يبلغه ما اعتمد عليه غيره من أحاديث تنص على أن الهجرة لم تنقطع وإن كان هذا الاحتمال بعيدا فما يتصل بالبعض منهم، كابن عباس وأنس وأبي سعيد وعائشة، وهؤلاء كانا يصدرون في رأيهم اعتبارا لما أسلفنا آنفا من الظرف المحيط بهم وبالمسلمين، وما منهم من أحد تصور أن يصير الإسلام إلى ما صار إليه اليوم، وما أحسبهم يعتبرون النسخ إلغاء للحكم، وإنما كانوا يعتبرونه وقفا له وتعليقا، فهؤلاء وأمثالهم من أئمة الصحابة- رضوان الله عليهم – كانوا حفظة للقرآن وأعلم الناس في عهدهم بتأويله، وملابسات نزوله وترتيبه، وأي أحد يرجع البصر أو يجيل الذاكرة في القرآن الكريم يتبين أن الدعوة إلى الهجرة لم تنقطع طيلة فترة نزول الوحي تقريبا، منذ الهجرة إلى المدينة، فسورة البقرة من أول ما نزل بعد الهجرة، وفيها يقول الله الحكيم الخبير :"إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم". (30) الآية.


سورة الأنفال التي نزلت بعد البقرة وكانت أول سورة تكاد تكون خاصة بالأحكام المتصلة بالحرب ومعقباتها، كانت آياتها الأخيرة ابتداء من قوله تعالى :"إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله"(31) الآية، والآيتان التاليات لها والأخيرتان من السورة تفصيلا دقيقا لأحكام اجتماعية وسياسة خاصة بما يتصل بالهجرة إيجابا وسلبا، وفي سورتي الممتحنة والنساء اللتين نزلتا من بعد أحكام تتصل أيضا بالهجرة، وفي كلتا السورتين عدة أحكام تتصل بالحرب والمحاربين، ثم تأتي من بعد هذه السور سورة التوبة وهي من آخر ما نزل حتى لقد قال بعضهم أنها الأخيرة في النزول "إذ نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، ومعظمها يتصل بغزوة تبوك، والأحكام التي شرعت بسببها أو بمناسبتها، وفي هذه السورة يقول العلي القدير :"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم" (32) الآية.


ثم يقول بعد آيتين : "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين"(33) الآية.


وهاتان الآيتان من الآيات الأربعين التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – ليقرأها في موسم الحج الذي كان أميره أبو بكر  - رضي الله عنه – وكانت هاته الآيات لخطرها إذ فيها إلغاء لما كان بين المشركين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهود، وإعلان بعدم تجديد بعضها عند انتهائها، وأحكام أخرى تتصل بالمسجد الحرام وتطهيره من بقايا الوثنية ورجس الوثنيين – آثر رسول الله صلى الله عيه وسلم أن يحملها إلى الناس رجل من آل بيته، تأكيدا لشدة التزامه بتطبيقها تطبيقا دقيقا وحسما لما قد يتشبث به بعض المشركين من أعرافهم التي كانت تقضي بأن لا يتم إلغاء العهود إلا بإعلان ممن وقعها أو من أحد من ذويه.


وتضمين هذه الآيات أحكاما تتصل بالهجرة وموقعها من سياسة الدولة الإسلامية وإستراتيجيتها برهان دامغ لكل من قد يتوهم أن الهجرة شرع ظرفي انتهى بظرفه ذاك، بحجة أنها إنما شرعت لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحشد المناصرين والمآزرين حوله، ومؤكد أنها إنما شرعت لحشد قوى المسلمين وتوطيد تآزرهم وتحقيق ما يجب أن يكون بينهم من تكامل وتظاهر كلما كانوا بحجة إلى التآزر والتظاهر والاحتشاد – فالهجرة شرع خالد يتعين بشكل عيني كلما توفرت ظروفها وتأكدت موجباتها – وهل هنالك ظروف أو موجبات أوفر وآكد مما يحيط بالمسلمين اليوم من ظروف وموجبات؟؟


ونعتقد أن هذا الجانب من الهجرة يجب أن يقف أول الأمر من العلماء والقادة طويلا طويلا، فيه الحل لمشكلات شتى يعاني منها المسلمون فترهقهم وتعنتهم، أنه إذا تظافرت قوى المسلمين التقنية في مختلف فروع الحضارة وأزيلت في مواجهتها اعتبارات الحدود السياسية أمكن للمسلمين أن يجدوا غناء عن كثير ممن ينفقون في سبيل الحصول عليه، ويبذلون الكثير من المال والحرية وماء الوجه من هذه الثروة الاقتصادية والسياسية التي أصبحت لها الهيمنة في العصر الحديث، ثروة الخبرات التقنية  والمهارات الصناعية والاختصاصات في العلوم التجريبية والاقتصادية، ولقد آن للمسلمين أن يدركوا أن من أهم أسباب بقائهم ضعافا هذه العراقيل والعقبات التي تقيمها اعتبارات الحدود السياسية، وكان الأحرى أن تمحوها اعتبارات الوحدة الإسلامية، وصدق الله العظيم " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"(34) الآية.

______________
1 – أصحاب السنن الست في مؤلفاتهم.
2 – "المصنف" ج :14- ص :499.
3 – نفس المصدر – ص :500. 4 – "المصنف" ج:5 – ص :309.
5 – "السنن" ج:2 – ص :137.
6 – "السنن" ج:7 – ص :146.
7 – نفس المصدر "مورد الظمآن" – ص :380.
8 – المرجع الأسبق.
9 – "الساعاتي" ج20  - ص :295.
10 – "المعجم الكبير" ج:22 – ص :80.
11 – "مجمع الزوائد" ج:5 –ص :251.
12 – "السنن" ج:3 – ص :1.
13 – "فتح الباري" ج:7 – ص :178.
14 – المرجع السابق.
15 – "فتح الباري ج:6 – ص :28.
16 – "سورة النساء – الآية :97.
17 – "شرح صحيح مسلم" ج:13 – ص :8.
18 – "المعجم الكبير" ج:4 –ص :114.
19 – "مجمع الزوائد" ج:5 –ص :153.
20 – "السنن ج:9 – ص :13.
21 – انظر أيضا نفس المصدر ج:6 – ص:303.
22 – "فتح الباري" ج:8 – ص :197.
23 – انظر رقم :16.
24 – المصدر السابق ص :198.
25 – "سورة العنكبوت" الآية رقم 10.
26 – سورة النحل – الآية رقم 110.
27 – "التفسير " ج:5 – ص :148 وج :5 –ص :123. و ج20 –ص :86.
28 – سورة النساء – الآية :93.
29 – سورة الجمعة – الآية رقم 10.
30 – الآية رقم 218.
31 – الآية رقم 73.
32 – الآية رقم 22.
33 – الآية رقم 24.
34 – سورة آل عمران – الآية :103.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here