islamaumaroc

نحو توحيد التشريع اللغوي

  دعوة الحق

30 العدد

شهدت القاهرة منذ اسابيع خلت التآم الدورة العادية لمجمع اللغة العربية الذي يعيش الآن سنته السابعة والعشرين وقد كانت هذه الدورة –كسابقاتها- فرصة هامة لاستقبال الاعضاء الجدد(1) والترحيب بهم وتبادل الكلمات التي توحي بها مثل المناسبات وكان من المعقول ان تكون الدورة أيضا مجالا رحبا لاستشارة المشاكل اللغوية التقليدية استعراض المقترحات المعروضة في شانها، ثم صياغة المقررات والتوصيات التي ترتبط كثيرا أو قليلا بمثل هذه المواضيع وتستهدف معالجتها.
وقد غدا معهودا –بحق- أن تكون دورات المجمع العربي مسرحا لالقاء الكثير من البحوث والدراسات التي تتناول في مجموعها موضوع الاصلاح اللغوي وما يرتبط به من مصاعب ومشكلات، وقد تعددت –في الواقع- دوات المجمع وجلساته منذ أن تم الاعلان عن انشائه اواخر سنة 1932 ولم يكن ذلك الا عاملا على تعدد الآٍاء والاتجاهات الاصلاحية اللغوية التي كان عليها أن تصطرع في محيطه حول هذا الموضوع، لكن هذه الآراء والاتجاهات –بالرغم مما لها من أهمية جذرية –لم تقتدر –فعلا – على توفير الاساس الصالح الذي ينبني عليه تحقيق مبدأ الاصلاح اللغوي في نطاقه العربي الواسع غير الاقليمي، ومع ذلك فقد كان ضروريا أن يثير انعقاد دورة المجمع كثيرا من العناية والاهتمام فان جلساته تعين –بالاقل- على تركيز التفكير في مشاكلنا اللغوية وتسليط الاضواء على هذه المشاكل واستقصاء عواملها وتحري طرق مواجهتها، وذلك من شأنه –أن يساهم- بالطبع في وصل حلقات المحاولات العربية في هذه الميادين ويقود الى بعض النتائج ولو انها غالبا ما تكون جزئية وثانوية.
والحق أن النشاط اللغوي بالقاهرة كان بداية هذه السنة على قدر من الامتداد وسعة النطاق فالى جانب انعقاد دورة المجمع العربي فان معهد الدراسات العالية التابع للجامعة العربية قد نجح هو الآخر في اتخاد خطوة ثقافية هامة وذلك حينما عنى بالاشراف على اجتماع لغوي استطلاعي تولى اعداده وتنظيمه وحشد له نخبة من اعلام الفكر والثقافة بالجمهورية العربية المتحدة من اجل مقابلة وجهات النظر وتجاذب اطراف الراي حول بعض الجوانب التي تهم علاقات لغتنا الغالية ببعض اللغات الحديثة والقديمة.
وقد كان محور البحت في هذه الندوة يتصل بموضوع المشاكل الناجمة عن الترجمة العلمية والادبية من العربية واليها والوسائل الكفيلة بتذليل تلك المشاكل وذلك بالنسبة للانجليزية والفرنسية والايطاية والفاررسية والتركية واليونانية والاتينية على الاخص.
والواقع أن الندوة لم تعد ان كانت مجالا لنشاط خطابي موفور، تم على أساسه استعراض وجهات النظر في الموضوع دون أن يقع الخلوص من ذلك الى اقرار قواعد ثابتة كما هو الشأن في كثير من مثل هذه المجالات. ولكن هذا لا يعني أن الندوة كانت –فعلا- مجردة عن كل قيمة ايجابية، أنها كانت تكتسي –على العكس- نصيبا من الاهمية النسبية نظرا لما كان لها من ارتباط باحد المشاريع الثقافية البناءة:
مشروع الموسوعة العربية الميسرة الذي تشرف على اعداده مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر بالتعاون مع لفيف من أعلام الفكر والعلم بالجمهورية العربية المتحدة، ولهذا فالندوة لم تكن –في الواقع- الا حلقة من سلسلة تدابير تمهيدية للمساعدة على انجاز المشروع، والاسراع باخرجه الى حيز التطبيق، وفي ذلك ما قد كان من شأنه أن يضفي عليها بعض الاعتبار والتقدير، ولكن اذا كان لنا أن نحيي مشروع الموسوعة المرتقبة فان ذلك لا يجوز أن يصدنا عن التفكير في المشاريع التاليفية التي تتبناها بعض المجامع العربية وخاصة منها ما يتصل بسلسلة المعاجم اللغوية التي ما فتىء الحديث عنها يتردد صداه منذ بعيد، لقد تم الاعلان منذ ثلاث سنوات فقط عن آخر مشروع من مشاريع هذه المعاجم المرتقبة الا أن ذلك لم يفض –فعلا- الى انجاز خطوات عملية، وعلى افتراض إنجازها بتحقيق إحراج معجم أو أكثر فإن ذلك سوف لا يكون من شأنه أن ساهم  -واقعيا- في الحد من فاعلية الأزمة اللغوية التي نحياها والتي تتضافر كثير من العوامل على زيادة تعتقيدها وازمانها، ان هذه الازمة  ليست من البساطة بالقدر الذي يبيح التأكيد بأنها  تتمثل فقط في اعواز بعض التعابير والمصطلحات وانعدام وجود  جملة من الألفاظ  والمفردات، ان لها جوانب متعددة تتجاوز هذا النطاق بكثير وتتجسم في عديد من الصور الأساسية لعل من أبرزها:
1- المشكلة النحوية
2- المشكلة التعبيرية العلمية والفنية
3- المشكلة التعبيرية اليومية.
4- المشكلة الرسمية والاملائية.
5- المشكلة التحديدة (تحديد المدلولات اللغوية التي يسودها الغموض في المعاجم الموجودة).
6- المشكلة التوحيدية (توحيد المصطلحات الحديثة في الاقطار العربية).
الا ان ظاهرة النقص البادي في ميدان المصطلحات العربية الحديثة هي التي كان لها –من بين هذه الظواهر المتعقدة كلها- الحظ الوافرمن عناية الباحثين اللغويين، فكان لها-بذلك- تأثير هام في توجيه انتباه الكثير منهم الى الاهتمام بكل ما يتصل بالتوليد اللغوي عن طريق الترجمة أو التعريب أو غيرهما، وقد كان من المنطق ان يستغرق هذا الاهتمام جهودا فردية  وجماعية موصولة كانت حقا في بدايتها محدودة النتائج ضيقة النطاق، إلا أنها غدت بعد ذلك أكثر فعالية  وتنظيما بعد أن انتصبت المجامع العربية في كثير من أنحاء الوطن العربي وخاصة في مصر وسوريا والعراق، وكان من ثمرات ذلك كله أن حفلت العربية الحديثة بحشد من المصطلحات والتوليدات اللغوية الطارئة مما له اتصال بمختلف فروع المعرفة من فيزياء وطبقات أرض وعلوم احياء ووظائف أعضاء وغير ذلك، إلا أن هذا التطور الملحوظ لم يحل –مع ذلك- بين المشكلة اللغوية العربية وبين أن تحتفظ بكثير من عناصر حدتها وتعقدها واستعصائها على الحلول ليست من لابساطة بالقدر الذي يجوز امكانيات العثور عليها في  يسر وسهولة، ولكن يجب أن يكون هناك أساس قوي-على الأقل- للانطلاق  في  تلمس بوادر هذه الحلول وضبط عواملها وأسبابها وتحري منهاجها ونتائجها، وهذا يقودنا الى التساؤل: ما هو الأساس  الصحيح الذي تنهض عليه عمليات الاصلاح اللغوي في العالم العربي؟ إن هناك –كما سلف- كثيرا من البوادر الجادة التي تستهدف الحصول على نتائج إيجابية معقولة في هذا المضمار ومصداق ذلك ما يمكن ملاحظته من دلائل التطور المجدي الذي غدا يميز حياة لغتنا خلال الحقبة الأخيرة ويفتق امكانياتها التعبيرية، ويوسع مدى قدرتها على استيعاب كثير من مفاهيم حياتنا الجديدة، لكن وجود هذا التطور وتوافر مظاهره لا يجب أن يصرفنا عن التفكير طويلا في فاعلية الأساليب وصلاحية المناهج التي يتم السير على سننها في سبيل تحقيقه، فهل هناك من دستور محدد ينتهج سبيله في عمليات الوضع اللغوي على اختلاف مناحيه؟ هل ثمت من أساليب فعالة في تنسيق بوادر العمل الاصلاحي اللغوي في البلاد العربية؟ وما هي الوسائل التي تتفق في سبيل انجاح هذه الأعمال الاصلاحية وضمان أكبر مجال تطبيق  مشترك لها في مختلف أرجاء العالم العربي؟  انه ليس هناك –على الأرجح- من العناصر الواقعية ما يبيح الرد على هذه الأسئلة بالايجاب وخاصة منها ما يتصل بتوحيد صور المصطلحات الحديثة وضمان تطبيقها المشترك  في الوطن العربي. ولعل في هذه النقطة بالذات ما يجوز الخلوص  منه إلى جانب من أهم جوانب أزمتنا اللغوية التي لا يزيدها التقدم الحضاري العالمي الا أزمانا وتعقيدا، ذلك أن التشريع اللغوي في البلاد العربية تسوده حالة من الاباحية النسبية لا يتوفر له معها بالطبع سبيل التناسق والاستقرار ولم يكن لهذه الحالة –كما هو معقول- الا أن تساعد على نشوء ظواهر فوضوية في ميدان الوضع اللغوي تتجلى آثارها في تنافر المصطلحات المستحدثة وقصورها البادي أحيانا وتضاربها الناشئ عن تضارب المصادر  المنبثقة عنها، وهذا ما نعبر عنه بالازمة اللغوية التي تحتل بالفعل حيزا هاما من مجموع المشاكل الثقافية في العالم العربي.
إنه ليس من العسير مطلقا استجلاء مظاهر هذه الأزمة ما دام أن نتائجها تجثم بالفعل على وضوح الكثير من الكتابات العلمية والفنية والفلسفية باللغة العربية وتحيطها أحيانا بععض شوائب الاضطراب الغموض واذا كانت آثار الأزمة تتجلى في بعض المواطن العربية بهذا لاشكل وعلى هذا المستوى الذي يعني خاصة جمهرة المثقفين وطلبة الجامعات فإنها –في المغرب- تاخذ طابعا أكثر حدة وأوفر اتصالا بحياة الجماهير واهتماماتها. واستعراض بعض النماذج المعروضة على الواجهات الشارعية يمكن أن يبرهن لنا على مقدار اتساع المشكلة التعبيرية عندنا ووضوحها فيما نترجمه من عناوين تجرية أو صناعية وفيما ندلي به من مصطلحات معينة تشتمل فيها مظاهر الحيرة بين الترجمة والتعريب والتردد بين الأوضاع المنقولة والموضوعة والتاريخ بين العامية والفصيحة بشكل لا يقبل التأويل أحيانا. ولا غرو أن مثل هذا الوضع  عندنا يعكس – في الغالب أحوالا مماثلة في كثير من البلاد العربية الأخرى، الا أن صورته هنا- على ما يلوح- تبدو أكثر دلالة ووضوحا. إن هناك كثيرا من العوامل المختلفة في نشوء هذه الظواهر اللغوية المضطربة في العالم العربي الا أن من ابرزها –كما قدمنا- ما يتصل بانعدام وجود رقابة عليا على الاستعمال اللغوي في مختلف مناحيه بالبلاد العربية حيث تعتمد المصطلحات في توفر أسبابها على كثير من المصادر المعزولة أو الفردية وحيث لا يخضع كل ذلك في الغالب الاعم لمقاييس مشتركة معينة ومعطيات مسلمة وعامة. وكان من الطبيعي أن تغدو هذه الحالة أساسا لنشوء كثير من المحاذير يوجد من بينها:
1- تضاؤل نسبي في الامكانيات التفاهمية اللغوية بين بعض وحدات المجموعة العربية الحديثة.
2- تضخم القاموس العربي تضخما تكراريا لا ينتج عنه الا ما  ينتج عن التضخم المالي من أسواء ومعاثر.
3- بقاء مشكلة القصور في التعببير العلمي العربي وزيادتها.
4- تركز مظهر عدم التحديد في بعض أنواع الاداة اللفظية العربية. ان بعض مظاهر التضخم اللغوي بهذا الأسلوب قد توجد كذلك في لغات أخرى غير العربية، الا أن هذه الظاهرة بالنسبة للساننا العربي تكتسي صفة أكثر حدة وأبرز أشكالا، ويبدو أن من أسباب ذلك:
1- الأوضاع الإجتماعية التي صاحبت نشوء العربية وتطورها: الموروث التقليدي للعربية من هذا الرصيد الضخم الذي تتوفر عليه من المكررات.
استمرار عوامل هذا التكرار نتيجة لتنائي المسافات بين الأقطار العربية. والواقع أن بعض الاختلاف بين الناطقين باللغة الواحدة لا يختص بالعربية دون سواها (انجلترا والولايات المتحدة- اسبانيا ودول أمريكا اللاتينية- البرتغال والبرازيل) ولكني لا أقدر –مع ذلك أن تعدد مصادر التشريع اللغوي توجد بهذه السعة والكثرة مثل ما يوجد عليه الأمر بالقياس للعربية، فللواحق في اللغات الغربية (BI-RRI)  في الفرنسية و م Bown-U في الإنجليزية مثلا تترجم عندنا تارة على أساس حرف «ب» وتارة أخرى على أساس معنوي مثل «ثاني» في  «بيكاربونا» أو «نصف» في BIMESUEL كما ان التركيب المزجي للالفاظ اليونانية واللاتينية- ذلك الذي يتم على اساسه بناء الكثير من المصطلحات في اللغات الغربية الحديثة – يثير عندنا كثيرا من مظاهر البلبلة والاضطراب، فإلى جانب من يعنى بوضع المصطلحات على اساس اعتبار خصائص اللغة العربية التي لا تقبل هذه الأساليب من التركيب اللفظي عند الغربيين يوجد ثمة آخرون ممن يسايرون هذه الطرق الأجنبية في التوليد اللغوي فيختزلون من الكلمات العربية بعض أحرفها الختامية ثم يؤلفون من كل ذلك  مصطلحات جديدة تماثل في تركيبها المزجي ومدلولها المزدوج تلك التي تتوافر على نطاق واسع في مختلف الألسنة الغربية الانجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها، ومن أمثلة ذلك: «بيكوبي» ترجمة للفظ الفرنسي Inperplanpoire (بين الكواكب) و «كسرطيسي» (كهربائي- مغناطيسي) و «اوراسي» (نسب إلى آسيا وأوربا)، بل أن هناك من بين الباحثين العرب من انبرى لتقديم مقترحات جزئية في الموضوع تقتضي التعبير طبقا لهذا الأسلوب عن المعاني: «بعد النظر» و «التصوير عن بعد» و «دقة النظر أي صغره» و «التصوير الدقيق» بالكلمات «بعنظ» «بعصر» «دقنظ» «قصر»..
وعلى هذا النحو تتكاثر الأوضاع اللغوي الشخصية وتتعدد صورها بتعدد اذواق الكتاب والباحثين وتنوع مشاربهم ودرجات حظوظهم من التوفق أو الاسفاف، وقد تضخمت بالفعل نسبة هذه النماذج من المستحدثات الشخصية ولم يكن من المعقول الا أن تزداد تضخما وذلك باعتبار ما يعترض الكتاب والمترجمين من المعاني والمدلولات الغربية الدقيقة مما يحتم عليهم الاعراب عنها اللجوء الى أنماط وأساليب من التوليد اللغوي الفردي يانف منه آخرون ويستهجنونه فيلجئهم ذلك إلى اصطناع أوضاع جديدة قد لا يقرها فريق ثالث وهكذا ذواليك. وليس لذلك من نتائج في الغالب. الا زيادة اتساع الرقعة التي يمتد عليها خط التناقضات الاصطلاحية في التعبير العربي الحديث وخاصة في بعض الجوانب المعينة. والحق ان من بين العوامل التي تضاعف من هذه التناقضات وتزيدها حدة: عدم التناسق بين المجامع العربية القائمة وتركز الصفة الاستقلالية التي تميز اعمال البعض منها. لقد سجل النشاط اللغوي –حقا خلال العقود الأخيرة آثار مبادرات محمودة لهذه الهيئات العلمية الموقرة، وأن كثيرا من هذه المصطلحات المستحدثة التي تدرج في كتاباتنا ومخاطباتنا اليومية لا توجد غريبة في نشأتها عن أحد المجامع الثلاث، الا أن محدودية المجال الذي يتسع له التعاون بينها لم يكن من شأنه ان يعين على توفير ظروف نشاط اكاديمي عربي بعيد عن النتائج، وذلك بالنظر الى تفاوت النتائج التي تتوصل اليها هذه المجامع واختلاف الأساليب التي تنتهجها والطرق التي تتقفاها وما يتيحه كل ذلك من اتساع المجال أمام بوادر الاجتهاد اللغوي الشخصي بما له من مضاعفات سيئة على الوحدة التعبيرية المنشودة، والأمثلة التالية لها دلالتها في الموضوع: ressort مثفر –زنبرك- رفاس- نابض- دوارة   encyclopédie  ينسكلوبيديا، معلمة موسوعة، دائرة معارف –هيدروجين-مولد ماء-هيدريج-ادريج.
وقد كان من الجائز ان تكون نتائج المشكل اقصر مدى واضيق نطاقا لو كانت تتصل ببعض الجوانب المحدودة من الحياة اللغوية من صنف التي عرضنا لبعض نماذجها من قبل، ولكن الأمر يرتبط فعلا بكثير من المجالات الحيوية التي ينهض عليها -كما هو مفروض- بناء انطلاقاتنا الحضارية الحديثة ومن صور ذلك: هذا الاضطراب الواسع الذي تتميز به الدراسات والاختزالات الكميائية في كثير من المظان العملية العربية فهذه الاختزالات لا يكاد يوجد لها في العالم العربي دستور لغوي يحدد صورها واشكالها ويوجد التعبير عنها بصورة او باخرى، فالى جانب من يرى أنه من الضروري تعريبها بشكل او بآخر يوجد ثمت آخرون ممن يناصرون مبدأ الاقتصار على نقلها الى العربية في صورها الغربية وبالحروف اللاتينية وقد كان مؤتمر المجامع العربية الذي التأم بدمشق (29-9-1956) مناسبة عانة انتهزها الدكتور يحيى الهاشمي (سوريا) لاثارة هذا الموضوع وقد كان في الواقع شديد الحماس لنقل هذه الرموز دون تعبيرها لان :«... هذا التعريب يحدث بلبلة كبيرة حيث أن هذه الرموز غير متفقة في البلاد العربية ويعمم فرضها على جميع البلاد العربية، وقد نضيع في نضيع في ذلك وقتا ثمينا وجهودا قيمة في اشد الحاجة اليها –هذا بالاضافة الى اننا لا نزال مفتقرين للتعميق في الكمياء الى مراجعة الكتب الاجنبية فنحن لا نستغني عن معرفة الاصطلاحات الدولية، وتعليم الطالب اصطلاحين يثقل ذاكرته ويزيد الصعوبات بدلا من ان يقللها، والطريقة المتبعة اليوم هي تقليل الصعوبات لا زادتها، خاصة وان هذه الرموز هي مصطلحات عالمية ولا عنى لنا عنها (2) ...» ومن الجلي أن الكثيرين من الاعضاء لم يكونوا يشاطرون العضو السوري رأيه في الاصلاح اللغوي طبقا لمثل هذه الطريقة الانقلابية ولهذا لم يتم –كما يلوح- اقرار هذه المقترحات المعروضة ولو في شكل معدل ومحور، غير أن ذلك بالطبع لم يسهم- ولو جزئيا –في حل المشكل الذي بقي يثمثل فيما يسود كتابة الرموز الكيميائية في العربية من اضطراب بالغ نتيجة لتأرجح الكثيرين بين مبدأ النقل أو التعريب وبين احتذاء الطريقة الفرنسية أو اتباع الطريقة الانجليزية الالمانية (3). وليس ذلك جديرا باقرار روح النظام والدقة في كتاباتنا العلمية والفنية باللغة القومية كما هو الشان بالنسبة للغات الراقية الاخرى على اننا اذا ما تحولنا  بعد ذلك –ونحن بصدد استعراض مظاهر ازمتنا اللغويه القائمة –عن حقول المباحث العلمية الكيميائية فاننا نلمح هذه الازمة آثارا واضحة في ميادين اخرى أقل أهمية وتعقيدا، ومن ذلك ما يتصل بالاعلام الجغرافية الحديثة والمشاكل اللفظية الناشئة عن صورتعريبها. ومن البين أن معظم هذه الاعلام تأخد في كثير من اللغات الغربية المعاصرة أشكالا في الكتابة والنطق لا يسوغ مطلقا أن تعدلها «أذواق» فردية او شبه فردية، لان كل شكل تعبيري في هذه اللغات تتحدد صورته ويتكامل قوامه باعتبار الخصائص والمميزات التي تساهم  في تكوين طبيعة اللغة وتحدد كيانها. وعلى أساس هذا نستطيع أن نبرر وجود هذه النسب من التغاير في النطق بكثير من الاعلام الجغرافية نتيجة لتعدد اللغات وتباين مناحيها واختلاف جذورها وأسرها. ولهذا فإننا نلحظ أحيانا –اذا ما قمنا بمقارنة بسيطة- ان طبيعة الانجليزية والأمانية مثلا توحي بطرق مخصوصة ومتقاربة في النطق  ببعض الأعلام الجغرافية المعينة، بينما توجد الفرنسية والاسبانية والايطالية وكل منها يتميز بطرق اخرى في نطق هذه الإعلام تختلف كثيرا أو قليلا عن الطرق الأولى. وسر ذلك يؤول –كما يلوح- الى ما يوجد بين لغة «شكسبير» و «نيتشه» من روابط جرمانية وإلى ما يلاحظ بين الفرنسية واخوتها من أواصر لاتينية عريقة، بل ان هذه اللغات الأخيرة أيضا تنطوي فيما بينها على كثير من مظاهر الإختلاف في النطق بالاعلام واملائها ما يبرره اختلاف العوامل المختلفة التي صاحبت نشوءها، والمقتضيات الخاصة التي اسهمت في تكوينها.
ان الفوارق الصوتية التي تنطبع بها هياكل بعض الألفاظ المشتركة بين اللغات (كالأعلام الجغرافية مثلا) قد لا يكون لوجودها مبرر معنوي معقول، ولكنها –مع ذلك- تشكل احيانا مظهرا من مظاهر التمايز العام الذي يوجد بين مختلف اللغات والذي يمنح لكل منها شخصيتها الفريدة وطابعها الذاتي الخاص.
على ان الامر بالنسبة للعربية يتناقض مع هذه المسلمات بعض التناقض فكثير من الاعلام الجغرافية الحديثة لا تتحدد لها في السنة المتحدثين العرب صور معينة  مخصوصة تتلاءم وطبيعة اللسان العربي وتنسجم مع لحنه وروحه، بل انها تتأرجح دائما بين الصور الأجنبية من فرنسية وانجليزية واسبانية بحسب نوع التأثير اللغوي الأجنبي الذي قد يوجد المتحدث واقعا تحت مفعوله، ومن ابسط الشواهد على ذلك ما يلاحظ عل الاذاعيين العرب في البلاد الأجنبية من تباين في التعبير عن بعض الاعلام الجغرافية، حتى اذا ما اوغلت  في استقصاء سر ذلك التباين وجدته متأصلا عن الاختلاف اللغوي الحاصل بين البلاد التي يتحدثون منها، ذلك ما لا يلاحظ على من هم في نفس الوضعية ن الاذاعيين الفرنسيين أو الانجليز مثلا، على أنه ليس منن الضروري أن تكون للعربية طريقتها الفريدة المخصوصة في التعبير عن المسميات م هذا الصنف، فقد يسوغ مثلا ان نتبنى طريقة احدة اللغات في الموضوع كالانجليز مثلا، وقد نفعل ذلك بعد أن نلحق باللفظ العربي ما يلائم طبيعته من تعديل جزئي أو غير جزئي، الا أن الذي  يهم أكثر من ذلك هو أن تكون طريقة معينة توحد مذاهبنا في النطق بمثل هذه الألفاظ وذلك ما لا تتوفر عناصره الآن.
على أن ميدان الترجمة الحديثة وما في بابه ليس بالضرورة وحده العامل الأساسي الوحيد في استمرار مظهر التناقض الاصطلاحي الذي نعاني  منه، ان هناك من العوامل القديمة أيضا ما يزيد في تعقيد المشكل ويضاعف من تشعباته، ومن ذلك ما تزخر به المعاجم العربية القديمة –كما لحظناه- من ألفاظ يعوزها التحديد فيالدلالة والتدقيق في المفهوم ويشوب مؤداها الكثير من الغموض والابهام. ومن الواضح ان جملة هذه الألفاظ العربية أو الدخيلة قد يكون من الجائز الاعتماد عليها في التدليل على ما يوازيها أو يقاربها من المدلولات الحديثة والطارئة، ولكن اللجوء الى مثل هذه الاستعمالات -ضمن دائرة الجهاد الفردي ودون رقابة مجمعية رسمية- كان هو الآخر أساسا لكثير من مظاهر الفوضوية الاصطلاحية التي لها دلالتها وذلك بالنظر الى ما يحدثه غموض اللفظ من اختلاف في دلالته ومضمونه، الامر الذي يؤدي بالطبع الى تعدد مواطن استعماله بدون تحديد أو تدقيق، ومن المنطقي ان يشكل ذلك أساسا تتسرب بمقتضى وجوده بعض عناصر الارتباك والهوش الى كثير من المعاني اللفظية في التعبير العربي مما يخل أحيانا ببعض وضوحه ونصوعه. وثم الى كل ذلك عامل آخر له كثير من الارتباط بالظروف التاريخية التي اجتازتها كثير من البلاد العربية، وهذا العامل هو نتيجة الاحتكاك بالغزاة القدماء او المحدثين الذين سبق لهم في فترات متفاوتة ان مارسوا أنواعا من السيطرة السياسية أو غيرها على بعض ربوع الوطن العربي. لقد كان من المعقول  أن يخلف هذا الاحتكاك آثارا متعددة في كثير من جوانب الحياة العربية العامة، ومن ذلك ما تم من تسرب لغوي أجنبي  لا نزال نلحظ آثاره الى اليوم ويمكننا ان نتخذ نموذجا لهذا التسرب: المصطلحات التي تتصل بمجال الحياة العسكرية وخاصة منها ما يرتبط بميدان الرتب والدرجات وما يليها، لقد كان الاحتلال العثماني لأقطار الشرق الادنى والأوسط أساسا لتسرب كثير من الاستعمالات التركية في الموضوع الى مصر والعراق وغيرهما. ولم يشذ المغرب عن القاعدة بالرغم مما كان له حينذاك من وضعية سياسية خاصة ازاء الامتداد العثماني الا أن الجيش المغربي مع ذلك  عرف كثيرا من الاصطلاحات المتنوعة التي تؤول بأصولها الى مصادر عربية والتي كان لها مجال استعمال واسع في اطاراته ومرافقه.
بيد أن احتكاك العالم العربي بالغرب عن طريق الاستعمار الحديث قد ادخل على الوضع اللغوي –في هذا المقام- كثيرا من العناصر الجديدة، فقد استطاعت –غالبا- لغات البلاد المسيطرة أن تحقق الكثير من ألوان التسرب واحدة، بل ان نتائجه كانت تختلف باختلاف لغات البلاد الحاكمة من فرنسية او انجليزية وغيرها. ولم يكن لهذه الحالة أن تستمر طويلا دون أن تثير الانتباه الى وجوب معالجتها، وهذا ما تم عليه الامر بالفعل، فقد عنيت بعض الأقطار العربية منذ بعيد (سوريا والعراق) بترجمة كثير من المصطلحات العسكرية الأجنبية وخاصة ما يتصل بميدان الرتب والدرجات المختلفة، لكن تلك البادرة –بالرغم عن أهميتها- لم تساهم –عمليا- في التخفيف  من حدة الاختلافات الاصطلاحية العربية في هذا الموضوع، بل انها –على النقيض من ذلك- لم تفعل الا أن اضافت عناصر تعقيد جديدة الى المشكل كان من نتائجها تركز مظهر عدم الانسجام في المحاولات التوحيدية اللغوية بالعالم العربي.
وفي المثال التالي- وهو يتصل بالموضوع- ما يبرهن على مدى  سعة الاختلافات الناشئة عن هذه الحالة (ومن الواضح ان ذلك كله ليس –في جوهر الامر- الا نتيجة منطقية للبوادر الخاصة التي تستهدف الاصلاح اللغوي داخل النطاق الاقليمي الضيق):
مصطلحات عسكرية مصرية: يوزباشي، صاغ، بكباشي، قائمقام، اميرالاي، لواء
مصطلحات عسكرية عراقية: رئيس، رئيس اول، مقدم، عقيد، زعيم، امير، لواء.
وقد ادركت بعض الحكومات العربية ن قبل محاذير استمرار هذه الأوضاع اللغوية الغربية فكان من نتائج ذلك المذكرة التي حضرتها سنة 1938 وزارة الخارجية المصرية وصادق عليها مجلس الوزراء بالقاهرة والداعية الى تنظيم الجهود لتوحيد المصطلحات الطبية في الأقطار العربية. وقد كانت الجمعية الطبية المصرية قد طرحت الموضوع على مؤتمرها المنعقد أوائل سنة 1938 ببغداد وذلك في شكل اقترحات تقضي باتصال الحكومة المصرية بحكومات الاقطار العربية في الشرق الادنى من أجل الاتفاق الرسمي على:
1) تأليف لجنة من الأطباء واللغويين للنظر في موضوع توحيد المصطلحات العربية في الميدان  الطبي.
      2)   تأليف لجنة تشارك فيها كل حكومة عربية بعضوية رسميين على ان تجتمع اللجنة بالقاهرة شهرا في كل سنة لبحث المصطلحات  الطبية واختيار اصلحها مما وقع اقتراحه أو عثر عليه في المعاجم الطبية والبحوث اللغوية الطبية في مختلف البلاد.
3) اقرار رسمية الآراء والمقترحات التي تتخذها اللجنة والالتزام باتباعها في جميع الدوائر التابعة للبلاد المشاركة.
ومن نافلة القول الاشارة الى ان استبعاد المجامع العربية عن ذلك المشروع لم يكن مما يعين على استكمال أسباب التوحيد اللغوي الذي كان يستهدفه، على الرغم من اقدام الحكومة المصرية بعيد ذلك على تجميد نشاط المجمع المصري سنة 1939 والفتور الذي بدا على نشاط المجامع الأخرى غداة نشوب الحرب العالمية الثانية.
وكان علينا أن ننظر بعد ذلك عقدين من السنين تقريبا لكي نستققبل في 29 شتنبر سنة 1956 مؤتمر اتحاد المجامع العربية الذي تم التآمه بدمشق وذلك من أجل تنظيم تعاون «المجامع والجامعات وسائر المؤسسات على وضع المصطلحات وتحقيقها..) ومساعدة الامانة العامة للجامعة العربية» على اكمال جميع المصطلحات العلمية في كتب التعليم الابتدائي والثانوي في البلاد العربية ووضع«.. معجم فرنسي انجليزي عربي شامل للمهم من المصطلحات العربية والمعرفة واتخاذ الوسائل لكي تصبح اللغة العربية لغة التدريس في الجامعات (4)..».
وقد كان من بوادر التفاؤل «انه حينما تنادت المجامع العلمية لعقد هذا المؤتمر كانت ترمي الى عقد نهضة لغوية شاملة تمكن الأمة العربية من مسايرة ركب الحضارة الانسانية العالمية في تطورها في مختلف جوانب الحياة، وكان لا بد لذلك من تفاهم تام بين المجامع اللغوية العلمية في شؤون اللغة ورسم مناهج العمل في هذا الشأن الخطير حتى تستعيد اللغة العربية سيرتها الأولى التي وسعت الشرائع والعلوم والحضارات القديمة وتتجارى في العصر  الحاضر مع اللغات العالمية المماثلة(2)...».
ولهذا فقد كان المؤتمر كناية عن خطوة تمهيدية فقط لانجاز المشروع الهام الذي راودت فكرته الأذهان والذي يتمثل في تأسيس اتحاد للمجامع العربية تتكفل بتنظيم الصلات بين «المجامع العربية ووزارات المعارف والإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، على ان تتحدد صفته كمرجع أساسي لتوحيد المصطلحات التي تضعها المجامع والمؤسسات العلمية والعلماء طبقا لدستور محدد للتعريب وقياسية بعض الأوزان والجموع(3)".
لقد كان تحديد صفة الاتحاد المفترض كمرجع أساسي للتوليد اللغوي –بالاضافة الى التفكير في وضع دستور منهجي لعمليات الترجمة والاشتقاق والتعريب- كان كل ذلك خطوة رئيسية نحو تحديد نطاق التناقضات الاصطلاحية التي كانت من أهم العراقيل في طريق انبعاث لغوي عربي سوي، اذ عليها يتوقف نجاح النشاط المجمعي الذي لا يجوز نكران ما أسداه إلى العربية من خدمات موفورة، ولا ريب أن هناك كثيرا من التعقيدات التي تعترض المجمعيين العرب في استحداث المصطلحات الجديدة الملائمة، وتتضاعف هذه المعتقدات –بحق- كلما كان هناك نزوع الى التقيد بمبدا ايثار الوضع على التعريب، وخاصة في الحقول العلمية حيث يفترض للمصطلح الجديد أن يكون –الى جانب سلامته  اللغوية طبعا- دقيق الدلالة، محدد المضمون، معدا لتقبل التغيرات الصورية التي تحتمها أحيانا ملابسات التعبير وظروفه.
كل هذا يشكل بالنسبة لرجال المجامع العربية مركبا من المصاعب والتعقيدات متعددة الصور والاشكال ولكن هذه المصاعب نفسها لم يكن لها ان تساعد على خلق كل هذه البلبلة اللغوية في العالم العربي  لو كان الاهتمام بوضع اللفظ يوازي –على الأقل- العناية بنشره واذاعته وتوطيد مكانته وتوحيد صورته في مختلف ارجاء الوطن العربي.
لقد سلف لكثير من المجمعيين ان تعرضوا –في تقاريرهم الدورية- لهذه الناحية بالذات ولكن الحلول التي كان يرتئيها العديد منهم لم تكن تعدو نطاق الامكانيات المعنوية التي تتوفر للمجمع كالتقريب بين الدارجة والفصيحة وتبني المصطلحات العامية وايثار مبدأ النقل على الوضع الى غير ذلك.
وقد كان قرار مؤتمر دمشق للجامع العربية بتنسيق التعاون بين اتحاد المجامع المرتقب وبين الحكومات والمنظمات الرسمية العربية كالأمانة العامة للجامعة العربية – كان ايذانا بتبلور اتجاه عملي للنشاط الجمعي وارهاصا بقرب دخول مشكل الوضع   اللغوي في طور جديد وحاسم نسبيا. بيد أن الأعوام القليلة التي تلت انعقاد المؤتمر لم تنقض دون ان تبرهن على أن هذا المشكل لا يزال على تشعباته وتعقداته المعهودة أو هذا –على الأقل- ما نحس به هنا في هذا الجزء الغالي من الوطن العربي الأكبر.
وآية ذلك في القرارات المتخذة في المؤتمر –على افتراض امكانية وقوع تطبيقها فعليا في جناح العروبة الشرقي- فان آثارها تعد سلبية ومعدومة تماما بالنسبة الى أقطار المغرب العربي- كما هو ملحوظ فعلا- فهذه الأقطار لا توجد –عمليا- على أي اتصال بعيد المدى والمفعول بنتاج النشاطات المجمعية، وليس لذلك  من نتائج     بالطبع الا المساعدة على ازدهار محاولات الوضع اللغوي الفردي والاسهام بالتالي في تعزيز عناصر المشكلة التعبيرية الأساسية. ومن شأن كل هذا بالطبع أن يعين على استمرار المحاذير الآتية:
1) تدني مستوى الترجمة العلمية والفنية بالنظر لانعدام وجود مجامع محلية –كما هو الشأن في الشرق-
2) اضطرار البعض –ممن لهم بعض القدرة اللغوية- الى محاولات الوضع الفردي مما يؤقلم بعض المظاهر التعبيرية في هذا البلد ويضاعف من أزمة المصطلحات العربية بصورة عامة.
بل أن هناك من بين مظاهر الاختلاف والتباين في المدلولات اللغوية الحديثة ما يوجد موفورا بين الكتاب والمترجمين في المغرب العربي أيضا (تونس والمغرب مثلا) والقيام بمقارنة بعض الترجمات المعينة في القطرين العربيين يمكن أن تسهم في تأكيد ذلك.
فإذا اضفنا الى كل هذا ما يبدو من أن مشروع الاتحاد المجمعي المعلن عنه في اكتوبر 1956 لم يفض بالفعل إلى اتخاذ خطوات فعلية امكننا ان نستبيح الشعور ببعض الريب في فاعلية  المقررات المتخذة بدمشق وقيمتها العلمية الواقعية، وخاصة فيما يتصل بفاعلية «سلطة» الاتحاد المجمعي التي تنص عليها المادة الرابعة من هه المقررات. وهذه «السلطة» ان لم تتوافر للمنظمة المفترضة فسوف لا يكون هناك سبيل في الواقع الى تحديد نطاق هذه الفوضوية اللغوية التي نعيشها، فليس من المعقول مطلقا أن تبقى أعمال هذه المجامع منحصرة في حدود الاطار الأكاديمي لا تعدوه الى غيره الا بقليل، ان الامر –في جوهره- ليس امر الفاظ أو عبارات   أو غيرها انه مستققبل ها اللسان العربي الي هو العماد الأساسي لقوميتنا العربية الغالية، وعلى ها فان الحكومات العربية سوف لا تكون قد تباعدت عن مسؤولياتها وواجباتها اذا ما اقدمت –بجد- على تبني نشاط الاتحاد  المجمعي المرتققب ومساعدته على الارتباط بالجماهير «والمتعلمين على الأخص» عن طريق اصطناع بعض ظروف السلطة له في مختلف ربوع الوطن العربي.
ان مقررات مؤتمر دمشق قد تصلح –في مجموعها- ان تكون أساسا لتفسير مفهوم "السلطة"  التي يتعين أن تتوافر للاتحاد أساسا لتفسير مفهوم "السلطة" التي يتعين أن تتوافر للاتحاد المجمعي بصورة واسعة النطاق،  وخاصة اذا ما وضعنا في الاعتبار بعض البنود المندرجة في المقررات تلك التي تطوق الحكومات العربية –فعليا- بكثير من المسؤوليات ضمن دائرة التعاون مع اتحاد المجامع وتحت إشراف الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
ولقد كنت عرضت –في مقال سابق- الى جملة من النقط المرتبطة بخط المغرب العربي والمهاجر في الشرق الاقصى والامريكتين وشرقي افريقيا – في هذا العمل العربي الكبير، وقد كان من بين ذلك:
1) وجوب الاهتمام بانشاء "وكالات" لاتحاد المجامع المفترضة وذلك في جميع الاقطار العربية الافريقية ذات الامكانيات العلمية الضعيفة كالمغرب وليبيا مثلا.
2) ربط صلات اوثق مع العلماء والباحثين في هذه الاقطار وتوسيع نطاق الاستفادة من قدراتهم العقلية وخبرتهم العملية (ومن العملوم أن المجمع يتوفر بالفعل على عضوية السيد عميد الجامعات المغربية منذ أكثر من سنة ونصف).
3) فحص دخائر المكتبات المغربية واستغلال ما يمكن أن تنطوي عليه من مصادر في الموضوع.
هذا بالاضافة الى الى ما يتحتم أن تقدمه الحكومات في المغرب من مساعدات متنوعة، في نطاق ما تتوفر عليه من جامعات ومعاهد وكليات وما تمتلكه من وسائل الطبع والنشر والتوزيع وما تشرف على رعايته أو تسمح بوجوده من هيئات ثقافية ومنظمات فكرية ومؤسسات توجيهية، كل ذلك في اطار التعاون الحكومي العربي ضمن نطاق الجامعة العربية ذلك التعاون الذي هو –كما اعتقد- العنصر الاساسي في كل انطلاقة اصلاحية واسعة المدى من مثل هذا النوع. على انه ليس من الحتمي أن يكون لتضافر الجهود على هذا الشكل التأثير النهائي في حسم مشاكل اللسان العربي حسما نهائيا وباتا، ولكن ذلك سيكون له –على الاقل- مفعول واضح في التخفيف من حدة المشاكل والكبح من جماح سيرها الطرد نحو التضخم والتعقد.
انه اذا كان علينا أن نضع الامر في هذا الاطار الطويل العريض فذلك لانه يمس مستقبل لغتنا الغالية التي نأمل لها –جميعا- أن تحضى-الى جانب الانجليزية والفرنسية – اداة تفاهم عالمي دولي وتصبح الى كل ذلك وسيلة مثلى للتعبير عن حقائق البعث العربي الحديث في ميادين العلم والصناعة والتطور الفني.
فهل سيكون ظهور اتحاد المجامع العربية الخطوة العلمية الضخمة في هذا السبيل؟ ولكن هل أضحى هذا الاتحاد حقيقة واقعية؟ واذا كان ذلك فما مصير المقررات التي تم اتخادها في دمشق فور الاعلان عن قيامه؟.

(1)ضم المجمع إلى عضويته هذه السنة: الدكتور أحمد بدوي مدير جامعة عين شمس والأستاذ محمد خلف الله أحمد عميد كلية الآداب بجامعة الاسكندرية والشاعر العربي الأستاذ عزيز أباظة، وكان المجمع قد ضم إلى عضويته في السنة الماضية السيد محمد الفاسي.
(2)الديباجة المتصدرة للمقررات.
(3)من مقررات المؤتمر ايضا. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here