islamaumaroc

من وحي أكادير

  دعوة الحق

30 العدد

كـنــت – يا اكادير – موطن جمال الطبيعة وسحرها الذي خلب الالباب، ولفت الانظار، وجلب الرواد من كل حدب وصوب، كنت مبعث كثير من التأمل والتفكير، لانك تحليت– يا اكادير –بكثير من معاني العظمة التي تجلب في امواج المحيط العاتية، وهامات جبال الاطلس المشرفة الشامخة، فكنت بين هذه وتلك كعروس مجلوة فوق منصتها.
هكذا خيلت لنا احلامنا –على الاقل– وما كنا في الحقيقة لنتصور انك كنت وسط هاتين النهايتين (علو الجبال السامق، وعمق البحر السحيق) تعيشين في خطر، وتنتظرين – الى اجل محدود في لوح القدر المسطور– ان تنحدري الى الهاوية الماحقة... وقد كان.
كنت يا اكادير –معقد الرجاء، ومحط آمال خلق كثير، تروج بضاعتك، وتنفق سوقك، ويجد فيك العامل ما يعمل، والصانع ما يصنع، فانت حركة دائبة وعمل مستمر، ثروة ثمينة... والكل يعيش في كنفك راضي البال، مرتاح الضمير، ولم يكن يدور بخلد احد ان كارثتك ستكون سوداء، وضحاياك ستظل جسيمة، وخسائرك ستبقي فادحة.
كنت مهبط الوحي لدى الكثير من الكتاب والشعراء، ومنتجي الراحة والاستجمام من عامة الناس وخاصتهم، والدليل ضحاياك انفسهم، ففيهم الكاتب القصصي، وفيهم الشاعر المجيد، وفيهم غير هؤلاء من مختلف أنحاء الكون، وسبحان من جمع العالم في واحد.
كيف كنت –يا اكادير الشهيدة- وكيف كان المصير؟ بل ما هذا الغدر البين؟ أهو منك؟ اذ سخوت ببنيك ودفعت بهم –واعية او غير واعية- الى أنياب القدر الكاشرة، وغضبة الطبيعة الكاسرة؟ أم انك كنت أنت نفسك الضحية وكبش الفداء لغيرك من مدن المغرب، فلم تشعري الا وقد استحالت مفاتنك الى فتنة للناس عارمة، وأصبحت مغانيك وكان لم تغن بالأمس؟.
كم كانت الأقوام ترتاد ساحتك، وتتملى مفاتنك، وتشاهد محاسنك عن كثب قبل أن يقع المحذور، ويحدث الحادث المؤلم، ولكن الإرادة الالهية شاءت أن يقع بعض الأقوام في الشرك فيصابون وهم براء، لحكمة لا ندريها ويدريها الخالق جل جلاله.
كيف حصل الزلزال الكاسح؟ أهي انتفاضة منك أردت بها ان تزيحي عن كاهلك غبار العصور المتطاولة ففقدت توازنك وهويت بمن فيك الى قعر الفناء؟
أم هو تأديب من الله، وقمع للناس الذين ربما نسوا خالقهم العظيم، فتعاظموا وطغوا وتجبروا، وحسبوا انهم كل شيء وماهم –في الواقع- بشيء؟
أم ابيت الا أن تكوني الدليل الجلي على تغير العالم وتقلبه، ذلك التغير الذي يراه المناطقة وعلماء التوحيد دليلا على حدوث العالم وطروئه، بينما يراه غير المناطقة وعلماء التوحيد سيفا مصلتا فوق رؤوس العباد ينذرهم بكوارث يشيب لهولها الولدان؟.
اكادير الميتة، لمن يقدم فيك العزاء؟  المن دفنوا أحياء تحت الانقاض، فاخرج اكثرهم ليدفن مع الاموات، وبقى بعضهم اكثر من أسبوع لينقذ ويعالج مع الحياء؟.
أيقدم العزاء لمن انتزع من بين براثن الموت انتزاعا، فتركهم وقد شوهت أجسامهم عاهة من العاهات؟ أم يقدم لتلك الآلاف المؤلفة من المصابين الذين اصبحوا لا مأوى لهم، ولا راعي ولا ممتلكات، بعد  بعد أن كان لكل منهم نصيبه في الحياة؟
تبا لهذه الدنيا الغادرة التي تبسم حينا وتعبس آخر، وقد يكون (الحين) على قصره بعيد الاثر، عميق الهول، شديد البأس، وناهيك ببضع ثوان تزلزل فيها الأرض زلزالها، وترتج أركانها فيصبح عاليها سافلا وغنيها فقيرا، وسليمها مصابا، وحيها ميتا.
كارثتك –يا أكادير- من نوع فريد غريب، يتمثل تفرده وغرابته في نواح:
1- ان منطقتك كانت تعتبر من الوجهة الجيولوجية مستقرة ثابتة، فلا خوف والحالة هذه من الزلازل أوالبراكين، غير ان الحادثة اثبتت ان لكل قاعدة استثناء، ولكل فرض أو نظرية مخالفات، وهذا موطن الغرابة.
2- إن الزلزال المفجع الذي كبس السكان بحطامه، وقع فغي سنة كبيسة، بل في اليوم الذي جمعت ثلاثة أرباعه من السنوات الثلاث السالفة لتؤلف يوم الكارثة (يوم 29 فبراير سنة 1960) ولعل الواد منا يزداد استغرابا اذا تذكر ان الزلزال وقع في آخر ربع لآخر ساعة من ذلك اليوم المشؤوم.
3- ان ذكرى الفاجعة لن تحل الا بعد مرور ثلاثة أعوام كاملة، وكان معنى هذا أن ذوي الضحايا وأقرباءهم لن يتمكنوا من بكاء مصابهم وتأبين موتاهم، الا بعد مرور تلك الأعوام.
فانظري يا أكادير، كيف شحت الاقدار بحلول موكب ذكراك الحزينة، بينما سخت بتوالي الهزات الأرضية العنيفة التي كلفت الأفراد والهيآت والدول ثمنا باهظا.
4- ان مصابي أكادير من كل جنس ودين ومن مختلف القارات والدول، مما وحد القلوب، وجمع شمل الشعوب، وشحذ الهمم، فهب الضمير العالمي والروح الانساني مسرعا نحو انقاذ كل ما يمكن انقاذه (اسعافات، وأدوية، وآلات لرفع الانقاض، تتحرك في كل اتجاه، اكتتابات تفتتح في عواصم العالم ومدنه، المغرب –عرشا وشعبا- يتجند كله للعمل رجالا ونساء..) وتتوح هذه الأعمال كلها بقرار جلالة الملك وعزيمة الشعب المغربي أن يعاد بناء المدينة كما كانت أو أحسن مما كانت.
كنت –يا أكادير- مصدر الالهام حية، فصرت مهبط الوحي ميتة: انك توحي بمعنى سام جدا، طالما نادى به الفلاسفة، وكافح دونه بعض المفكرين  والمصلحين في بعض الأمم أو العصور... انك توحي بــ "مدينة فاضلة" أو بــ "يوتوبيا" جديدة... توحي باتحاد العالم في سبيل المثل الأعلى للحياة،  وفي العمل لإنقاذ البشرية من الآلام التي تعترض سبيلها، وللنهوض بها ألى أوج الرقي الحقيقي والسلام المنشود: فلا  اطماع ولا نزاع ولا حرب، لا جهل ولا مرض ولا فقر، لا قوي ولا  ضعيف ولا تمييز من أي نوع كان، بل كل شعب يعتبر خلية في مجتمع "انساني" كبير، وكل الامم تعد اعضاء  في الأسرة "الانسانية" العظمى، واذا مرض احدها هب الجميع لمواساته وعلاجه، واذا انحرف الآخر عن جادة الحق والصواب انهال عليه اللوم والتقريع من كل جانب، فيحس من نفسه الخجل ويرتدع.
ان الانسان –بما اوتيه من حكمة وعلم وتقدير- يتمتع بقوة تسخير الطبيعة والاستفادة منها في مشروعاته وأعماله النافعة والضارة على حد سواء، فلماذا لا يكرس حياته، ويوجه تفكيره وشعوره وجهوده نحو الصالح العام، وفي سبيل خدمة الانسانية، وتعهد نموها، لا للتنكر لتلك الخدمة،  وعرقلة ذلك النمو.
لقد صرفت ولا زالت تصرف جهود كبيرة، وانفقت ولا تزال تنفق اموال لا حصر لها، في سبيل التسلح والدعاية وقت السلم، وفي سبيل الحرب وقت نشوبها واشتداد أوارها... أفليس من الأفضل لأمم الأرض قاطبة –وكلها تدعي المحافظة على السلام والحضارة، والعمل للرفاهية- ان تختصر الطريق، وتسلك ايسر السبل لادراك ما يتمناه الجميع، وهو نزع السلاح وتحريم الحرب الذرية وغير الذرية،  ثم التعاون الأخوي بين سائر الأمم؟.
ان كارثة اكادير –ولا زالت بيت القصيد في هذا الحديث- قد مهدت السبيل، وقامت نموذجا حيا للتعاون الدولي الذي ينبغي أن تنبني عليه حياة المستقبل:(ان نضيق افق الانانية والاثرة، وان نوسع دائرة الايثار والتنكر للذات، وأن نعمل جادين متضامنين للتحفيف من الويلات ولتوفير الخيرات).
ولعل امارة طيبة تلوح في الأفق، وتبشر بتحريم الأسلحة الذرية الفتاكة، التي من شأنها ان تفني العالم في رمشة عين، تلك الامارة هي مؤتمر (جنيف) الحالي لنزع السلاح، وهو مقدمة –ولاشك- لعقد مؤتمر "القمة" المقبل. فإذا توافر حسن النية لدى المؤتمرين فإن الانسانية ستجني من وراء ذلك خيرا وحرية وأمنا وسلاما دائما.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here