islamaumaroc

اللغة العربية في أبعادها الثلاثة.

  محمد بن علي الكتاني

العدد 256 رجب-شعبان-رمضان 1406/ أبريل-ماي 1986

اللغة كمعادل للوجود والفكر
تعتبر اللغة من المظاهر الأساسية للوجود الإنساني، إن لم تعتبر المظهر الوحيد والجوهري لما يتميز به الإنسان عن الحيوان. ومن ثم حددت الفلسفة القديمة الإنسان بأنه إنسان ناطق.
وعندما نحلل ظاهرة اللغة حسب أي منهج من مناهج التحليل نجد أننا أمام ثنائية لعلها مصطنعة، هي ثنائية الفكر واللغة. ونفرق حينئذ في خلاف لا ينتهي إلى حد، بين العلماء والدارسين حول علاقة الفكر باللغة.
ومن المفيد هنا أن نذكر أهم مذاهب أولئك الدارسين والمفكرين.
فهناك موقف يعتبر اللغة الفكر شيئا واحدا لا ينفصل أمرهما عن الآخر كما لا ينفصل وجها العملة الواحدة عن بعضهما.
وهناك موقف يعتبر اللغة قد سبقت الفكر، وأن الفكر نشأ بواسطتها وعبر تطورها.
وهناك موقف يعتبر الفكر أسبق من اللغة، ومستقلا عنها، وأن اللغة مجرد وعاء خارجي يحتوي عملية التفكير.
وأصحاب الموقف الأول هم النفسانيون السلوكيون.
وأصحاب الموقف الثاني هم الاجتماعيون والأنتربولوجيون والفلاسفة الوضعيون المعاصرون. وأصحاب الموقف الثالث هم الفلاسفة المثاليون الذي يعتقدون أن اللغة ليست سوى وسيلة للتعبير. وأنها مستقلة عن الفكر وتابعة له تماما. وأن الأفكار تنشأ من غير أن يكون للغة دور في تكوينها. وأن الإنسان يفكر أحيانا ويستغرق في تفكيره من غير أن يقدر أحيانا على التعبير عما يخامره من الأفكار والخواطر.
ولا يسع المجال في سياق هذا الحديث للوقوف عند تقويم هذا الخلاف أو عرض أدلة كل فريق من أولئك الفرقاء، لأن الخلاف متشعب وممتد وعميق. ولكن حسبنا من الخلاف أن يفضي بكل فريق إلى ترتيب نتائج أو افتراض أساسيات في منطق التحليل للظواهر الاجتماعية ككل.
فالموقف السلوكي ينظر إلى سطح اللغة. أي الكلام كأنساق محفوظة وعادات يكسبها الفرد ومن خلالها يكتسب التفكير نفسه.
والموقف الأنتربولوجي والوضعي ينظر إلى اللغة كعمق ومجال للفكر، ومن ثم يعتبرها مصدرا للفكر وقواما له، وأن حدودها هي حدود الفكر نفسه، وللموقف المثالي يعتبر اللغة آلة وواسطة ووعاء للفكر لا أكثر ولا أقل، ومن ثم يهتم بتكييف الفكر للغة وتأثيره فيها.
وقد اتخذت هذه المواقف لنفسها مناهج متباينة في دراسة اللغة. فمنها ما انصرف إلى دراسة اللغة (الكلام) في نطاق البنية الصوتية والدلالية والتركيبية للغة من اللغات أو لمجموعة من اللغات المقارنة فيما بينها للانتهاء إلى الإحاطة بالبينة العامة لتلك اللغة.
ومنها ما انصرف إلى تحليل علاقة الفكر باللغة وبحث أنماط الاستجابة اللغوية للمؤثرات الخارجية من حيث هي استجابة سلوكية فكرية ولغوية.
ومنها ما انصرف إلى تحليل أعمق للغة من حيث هي بنية باطنية، وبنية ظاهرية. وأن هناك علاقة تحويلية بين البنيتين يوفرها النحو الخاص بكل لغة. وقد أفادت البحوث اللغوية من هذه التعددية المنهجية، فازدهرت وتغلغلت في البحث عن العلاقة بين المؤسسة اللغوية وسائر الظواهر الإنسانية والاجتماعية الأخرى. وعكست هذه الجهود في مجموعها الاهتمام البالغ الذي حظيت به اللغة في الفكر العلمي المعاصر.
وإن دل هذا الاهتمام باللغة على شيء فإنما يدل أساسا على دور اللغة في تحقيق إنسانية الإنسان أولا، ودورها آخر الأمر في التواصل والتعايش والتفاهم.
فلولا اللغة ما كان للإنسان أن يؤسس مجتمعا ولا أن يؤسس معرفة ولا أن يعي عالمه ووجوده، ولا أن يحتفظ بإدراكاته ووعيه ول للحظات، ولا أن يدخر تجربة تجارية للأجيال المقبلة.
وهذه طائفة من الآراء العلمية في سياق تأكيد هذه الحقيقة. يقول دي تراسي (1836) وهو فيلسوف فرنسي من مدرسة كوندياك Condillac "إن تكوين الأفكار وثيق الصلة بتكوين الكلمات. فكل علم يمكن رده إلى لغة أجيدت صياغتها. ومعنى قولنا عن علم معين إنه تطور وتقدم هو أن ذلك العلم ضبط لغته. لا أكثر ولا أقل.
ضبطا يتم إما بتغيير ألفاظه وإما بأن يحمل الألفاظ القائمة أدق في معانيها".
ويعلق الدكتور زكي نجيب محمود على هذا بقوله: كانت الفكرة الأساسية التي أراد دي تراسي عرضها على أعضاء اللجنة الفرعية (للعهد القومي الفرنسي للعلوم يومئذ) مستمدة من الإضافة التي أضافها (كوندياك) إلى (لوك)(1) وهي أن اللغة ليست بمجرد التعبير عن أفكار تكونت. بل هي جزء لا يتجزأ من عملية التفكير بنفسها. فاستنتج دي تراسي من ذلك أن تطوير العلوم ريهن بتطوير اللغة، وهي نتيجة لها من الأهمية والخطورة ما لا يحتاج منا إلى بيان. لأنه في هذه الحالة يصبح محالا أن يتغير للناس فكر دون أن تتغير اللغة في طريقة استخدامها"(2).
" وقد كان سابير E.Sapir وهو أحد رواد علم اللغة الحديث من القرن الحالي من أكبر أنصار النظرية القائلة بأن اللغة هي التي تجعل مجتمعنا ما يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر فيها. وأن ذلك المجتمع لا يستطيع أن يرى العالم إلا من خلال لغته ويقول بالنص:
" البشر لا يعيشون في العالم المادي وحده، ولا يعيشون فقط في عالم النشاط الاجتماعي بالمفهوم العادي، ولكنهم في الواقع يعيشون تحت رحمة تلك اللغة التي اتخذوها وسيلة للتفاهم في مجتمعهم. وحقيقة الأمر ان العالم الحقيقي مبني إلى حد كبير على العادات اللغوية لمجتمع معين كما أنه ليس في العالم لغتان تتشابهان تشابها كبيرا إلى درجة اعتبارهما تمثلان نفس الواقع الاجتماعي"(3).
وكان المفكرون المسلمون في عصور الازدهار الثقافي الإسلامي قد اهتموا باللغة من حيث هي أداة للتواصل وتحقيق المعرفة واكتشاف الحقيقة المرموز إليها في النص القرآني. وكانت لهم آراء ربما تفوق في فوقها وعمقها ما جاء به الغربيون. وكان الدافع إلى هذا التفوق المبكر في اكتشاف أهمية اللغة هو القرآن نفسه من حيث هي أداة للتواصل وتحقيق المعرفة واكتشاف الحقيقة المرموز إليها في النص القرآني. وكانت لهم آراء ربما تفوق في قوتها وعمقها ما جاء به الغربيون. وكان الدافع إلى هذا التفوق المبكر في اكتشاف أهمية اللغة هو القرآن نفسه من حيث هو نص معجز من ناحية. ومن حيث خطاب يستوجب الفهم الأكثر صحة للنص. ومن حيث كون بعض آياته تفرض اللجوء إلى التأويل.
فهذا الجاحظ وهو أحد أئمة علم اللغة والآداب وعلم الكلام والفكر يؤكد أن العالم ينقسم إلى عالم يعي ذاته وغيره من العوالم وهو الإنسان وعالم لا يعي شيئاـ فالكائنات إذن إما عاقلة وإما غير عاقلة. وإذا كان العالمان قد استويا من حيث الوجود فقد تفاوتا من حيث إدراك الوجود. وقد خص الإنسان بإدراك الوجود من حيث وهب البيان. أي القوة الناطقة. وقد وهب الخالق المدبر للكون هذا البيان للإنسان ليجعله دالا مستدلا، أي دالا بوجوده على وجود خالقه، مستدلا بالكون على الوجود المطلق، فاللغة للإنسان هي اقتضاء وجودي وليست عارضة من عوارض وجوده. وبهذا المعنى يكون الجاحظ قد قرأ بأن الإنسان قد وهب اللغة والفكر معا لا أسبقية لأحدهما على الآخر. وإنما هما متكاملان لا يتراءى لك أحدهما متقدما إلا بدأ لك من وجه آخر أنه متأخر. وكان يتصور اللغة واصلة بين وجودين من عدة اعتبارات:
فالإنسان روح ومادة، واللغة واصلة بينهما.
_ والله مطلق الوجود، والإنسان نسبي الوجود والخطاب الإلهي وهو (لغة) واصل بينهما.
_ والإنسان في ذاتيته عالم وسائر أفراده وعوالم أخرى واللغة وصل بينهما.
وبهذا المعنى أيضا ندرك الفكرة التي قررها ابن حزم حين نزل الظاهرة اللغوية منزلة الباعث على التئام البشر مع مقتضيات الطبيعة، وبالتالي لالتئام الكون جملة، فقرر أن علاقة الإنسان بالأشياء إنما تتجلى في المعرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط اللفظ.
فاللغة كما مظر إليها الفكر الإسلامي تترقى في منازل الوجود الإنساني فتكون قوة كامنة أي ثدرة غريزية. ثم تخرج من القوة إلى الفعل ثم تصير كلاما مكتسبا وملكة وروية ثم تتوحد مع الفكر فتصير هي والفكر ملكة واحدة.

اللغة كمعادل للقومية العربية
تأخذ اللغة من ناحية ثانية بعدا اجتماعيا وسياسيا حين ترمز إلى الوجود القومي في ماضيه وحاضره وتطلعاته. وحين تحقق لأبناء الأمة الواحدة في المشاعر والأفكار.
ومن المتعارف عليه لدى علماء النفس أن هناك ثلاث نزعات أساسية تساعد على صياغة المجتمع صياغة متجانسة، وهذه النزعات هي: المشاركة الوجدانية والاستهواء والتقليد، حتى إنهم يطلقون على هذه النزعات أحيانا النزعات الاجتماعية، لأنها تعمل بقوة على تماسك البناء الاجتماعي وصيانته من عوامل التمزق والاختلاف.
فالمشاركة الوجدانية تعني إحساس الفرد بالانفعالات والمشاعر التي يحس بها آخرون من أفراد مجتمعه. فيطرب لطربهم، وينفعل بمشاعرهم ويأسي لأساهم.
والاستهواء هو التأثر بآراء الآخرين الذين يمثلون أي مظهر من مظاهر التفوق. والتقليد هو محاكاة وانقياد عفوي لإتيان سلوك يماثل سلوك الآخرين.
وتلعب اللغة الدور الأساسي في تحقيق هذه الأنماط من السلوك كلها. فعن طريقها يتم التعاطف والتأثر والاستهواء والاقتداء والتقليد.
نتصور مثلا طائفة من الناطقين باللغة العربية المتقنين للتعبير القادرين على التأثر ببلاغتها يخاطبون في أي موضوع بأسلوب عربي بليغ ومؤثر، ولو أنه خال من المنطق والاستدلال، فإنهم يناقدون للمخاطب وجدانيا وينفعلون بآرائه ويستجيبون عفويا لمقولاته.
بل إن الكلمات التي لكل لغة من الايحاءات والرموز والدلالات النفسية والتاريخية ما لا يمكن التعبير عنه بلغة أخرى، ولذلك لا مجال للحديث عن مجتمع متضامن أو وحدي أو مناخ خارج لغته المشتركة التي تحقق الانسجام والتوافق والاشتراك في المشاعر والأفكار فيما بينهم، ولذلك يقول العالم اللغوي العربي الذكتور إبراهيم أنيس:
"إن القومية في حقيقة أمرها ليست إلا شعور بما يجذب أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض لتتألف منهم وحدة متميزة. وقد تخدعنا بعض المظاهر الخارجية والعادات الاجتماعية الطارئة التي لا تتسم بالثبات والدوام. والتي تطرأ على الشعوب في فترة من تاريخها تحت ضغط سياسي أو اقتصادي أو حتى ثقافي. وقد يخدعنا هذا كله فتلتمس فيه مقومات القوميةـ غافلين أو متغافلين عن الرباط الحقيقي ذي الصبغة الدائمة الخالدة الذي قامت القرون الطويلة بنسجة ودعمه وتعميق جذوره. في قلوبنا ونفوسنا وهو اللغة.
فتصورنا للقومية بوصفها رباطا وثيقا بين الأفراد يبدأ من الأسرة التي هي أصغر صورة للقومية ثم القرية وهكذا. وعلى قدر اتساع مناطق القومية يقل وثوق ذلك الرباط بين الناس، لا لشيء سوى أنهم يكتشفون أن بينهم فروقا نطقية محلية تباعد بينهم، وتخلخل تماسكهم. فإذا نشأ بيتهم ما يسمى باللغة المشتركة عادت إليهم وحدتهم، وتطلعوا إلى هذه اللغة التي تلم شتاتهم، وتجمع ما قد تبدد من وحداتهم وانسجامهم. وإذا لم تتكون لقوم من الأقوام تلك اللغة المشتركة فلا قومية بينهم إلا من حدود الأسرة أو القلبية(4)".
ولذلك قام بناة القوميات الأوروبية في العصر الحديث بتعميق الوحدة اللغوية والارتكاز عليها في تحقيق الوحدة القومية بين شعوبهم. فهذا هودر العالم الألماني يكتب عن علاقة اللغة بنفسية الأمة، ويقول في هذا السياق:
"إن لغة الآباء والأجداد بمثابة مستودع لكل ما للشعب أو الأمة من ذخائر الكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، وإن قلب الأمة لنبض في لغتها، ويتحرك بحركتها. وإن من يحاول أن ينتزع من شعب لغته أو ينال من أقوالها يحاول يحاول أن يمس أثمن ثروة لذلك الشعب(5)".
ونظن أن اللغة العربية أصدق مثال وأوفاه على ما للغة من تأثير في تحقيق الوحدة والتضامن والعمل على الاستمرار التاريخي في ظل القيم التي تدخرها اللغة العربية عقيدة وتراثا وقيما أخلاقية.
ويستطيع المرء أن يلاحظ أن الشعور بالوحدة العربية لدى العرب نشأ منذ العصر الجاهلي واستمر إلى العصر الحديث، مرورا بكل العصور التاريخية الممتدة على مدى القرون. وأن يلاحظ أن اللغة العربية كانت في مقدمة عوامل هذه الوحدة، ويجد في القرآن الكريم البوثقة التي صهرت كل الأجيال والعقول والقلوب في قالب واحد من التجاوب العميق مع كلام الله. ومن خلال هذا التجاوب الذي لا ينقطع لحظة عبر التاريخ الإسلامي تكونت لدى المسلم العربي خاصة تلك الاستجابة اللغوية الحميمة إلى كل خطاب عربي آخر، والتي ظلت تشده إلى العربية آدابا وتراثا وفكرا وتاريخا.
فلا غرابة أن تتجه حركة النهضة الحديثة في عالمنا العربي إلى استثمار هذا العامل الأساسي في استرجاع الوحدة العربية، كما لا غرابة أن يتجه الاستعمار الغربي منذ احتل الأوطان العربية إلى تدمير هذه اللغة ومحاصرة تأثيرها، وتضييق نطاقها وفصل الأجيال الحديثة عن ماضيها بكل وسيلة من الوسائل.
وفي فجر الانبعاث العربي ظهر المصلحون الكبار الذين أيقظوا الشعوب العربية من سباتها ووجهوها نحو الإصلاح وطرح الأفكار البالية والتقاليد الجامدة. وكان في مقدمة ما دعوا إليه إصلاح اللغة العربية، يقصدون لغة الكتابة التي كانت قد تحولت إلى صناعة ركيكة أو عامية فجة، وفي مقدمة المصلحين يأتي الشيخ محمد عبده الذي قال عن نفسه وهو يحدد أهداف الإصلاح:
"وارتفع صوتي بالدعوة إلى إصلاح أمرين خطيرين أو عظيمين:
تحرير الفكر من التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة.
وإصلاح اللغة العربية".
هكذا بدأ منهج الإصلاح لمفكر عميق النظر، فهو يقوم على قطبي الفكر واللغة. وقد كان الإصلاح اللغة يعني تحريرها من الجمود، وإحياء تراثها بإحياء ثقافتها من جديد. بعد أن فسدت أذواق الناس وجمدت قرائحهم واستعجمت ألسنتهم، ووقعت القطيعة بينهم بين تاريخهم وتراثهم.
لم يفهم الناس يومئذ معنى أن تكون البداية من اللغة هي البداية المنهجية للنهضة، بل مشو مكبين على وجهوههم، وضنوا أن البداية للرقي هي في اصطناع الأزياء الجديدة، واستهلاك المصنوعات الغربية الحديثة. إذا كان تصورهم للغة من البساطة بحيث لم يتجاوز حدود الإدراك العامي. إلا أن الزمن كان كفيلا بأن يظهر ذلك التناقض الذي ينطوي عليه واقع الأمة العربية يومئذ، إذ بعد مرور عقدين أو ثلاثة من السنين بدأ الصراع اللغوي بين أنصار الفصحى وبين أنصار العامية، بين دعاة القومية الضيقة الذين رأوا منهج النهضة في إحياء لغات مندثرة أو اصطناع عاميات مبتذلة، وبين دعاة اللغة العربية وحماتها الذين رأوا ألا قومية ولا شخصية إلا في إطار الإسلام والعروبة بالمعنى اللغوي لا العرقي.

اللغة كمعادل للعقيدة:
إن ارتباط اللغة العربية بالإسلام من المسائل التي مر بها الكثير من الباحثين والمفكرين وغير أن يمحصوها بالقدر الذي ينبغي إلا قليلا منهم.
ومن هذا القليل نجد الإمام الشافعي في مقدمة الأئمة الذين أحسوا بارتباط اللغة العربية من جهة إعجاز القرآن الذي هو مناط العقيدة والبرهان على صدق مبلغها.
ومن جهة الاستنباط لأحكام الشريعة على أساس فقه اللغة التي نزل بها القرآن. ومن جهة تصحيح العقيدة في المسائل المشتبهة حين تهجم الشبه على عقول الجاهلين بلغة القرآن فيحسبون المجاز حقيقة والحقيقة مجازا، والمحكم متشابها والمتشابه محكما. وقال في رسالته:
"فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله تعالى، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك. وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت، وما أمر بإتيانه ويتوجه لما وجه له، ويكون تبعا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبرعا".
ومن هؤلاء الأئمة المحدثين الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار(6) الذي قال في الموضوع:
"وجملة القول إن إقامة دين الإسلام متوقفة على لغة كتابه المنزل وسنة نبيه المرسل، سواء في ذلك هدايته الروحية ورابطته الاجتماعية وحكومته العادلة المدنية، وأن المسلمين لم يكونوا في عصر من العصور أحوج إلى الوحدة المفروضة عليهم المتوقفة على هذه اللغة فهم في هذا العصر الذي تمزقوا فيه كل ممزق، فأصبحوا أكلة لمنهومي الاستعمار ومستعبدي الشعوب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" (7).
وقد لاحظ الكاتب المفكر الحجة مصطفى صادق الرافعي بأن القرآن جعل الجنسية العربية تتسع وتشمل كل المؤمنين عن انقياد وسخاء واعتزاز، ب عد أن قاد العرب إلى رحاب الإيمان والهداية بزاما الإعجاز وروعة البيان الذي كان لهم فطرة غالبة. ويقول:
"ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة جنسية لا عصبية فيها (8) إلا عصبية الروح، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم، وساوى بين نفوسهم، ووأجراهم على المعادلة في أمورهم، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت لأنها لا توجهه إلا لله، فكان بينها وبين الله كا ما تحت السماء. ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية في الألسنة، ثم ألف بين القلوب على مذهب واحد، وفرغ من أمر العرب فجعلهم سبيلا إلى التأليف بين ألسنة الأمم ومذاهب قلوبها، على تلك الطريقة الحكيمة التي لا يأتي علم التربية في الأمم بأبدع منها.
فأما التوفيق بين مذاهب قلوبهم، فباللين الطبيعي الذي جاء به القرآن، ولو نزعت الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر، وإن ظنت منزعها إلى الخير، وأما التأليف بين ألسنتهم فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر، ببقائه على وجهه العربي الفصيح لفظا وحفظا وأداء، لا يجد إليه التبديل سبيلا، ولا يأتيه الباطل موجها أو محيلا، ولا يدخله التحريف كثيرا أو قليلا، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تتحلل منها الألسنة المختلفة أبدا، وهذا من أرقى معاني السياسة، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جنع تفريق، وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق البياعات وعروض التجارة ونحوها، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد، وفيها كذلك التغرير والخطار، والكذب والخداع، ولكل من أهلها شرعة ومنهاج.
فبقاء القرآن على وجهه العربي، مما يجعل المسلمين جميعا على اختلاف ألوانهم، من الأسود إلى الأحمر، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسم واحد ينطق في لغة التاريخ بلسان واحد، فمن ثم يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قج زال عن حيزه، وانتقى من صفته الطبيعية، لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافله، إنما هي في الحقيقة لون القلب لا سحنة الوجه"(9).
وبعد أن يستعرض صنيع التاريخ باللغات الكبرى من يونانية ولاتينية وصنيع التاريخ بلغات الكتب السماوية بالأخرى و صنيع التاريخ باللغات الأوربية في تفرقها وتشبعها وإدالة بعضها من بعض يلتفت إلى العربية فيجدها قد صمدت لدواعي الانهيار والزوال بفضل القرآن.
كيف صيرها القرآن جنسية متجددة مع الأجيال، يعصمها من الزوال كما يعصم العقيدة من الزيغ والانحراف.
ولم يمنع ذوي السلطات والنفوذ أن ينزلوا العاميات منزلة العربية إلا القرآن.
على أن البعد العقدي الذي تتميز به اللغة العربية هو كما وقف عليه الشافعي بعمق وهو أن اللغة العربية هي السبيل إلى إدراك معجزة القرآن،وأن الإيمان يقوى بقدر تمكن المسلم من لغة القرآن. ويضعف بقدر ضعفه فيها. وإننا لنشاهد هذا في عصرنا مشاهدة المحسوس، ونرى أن الأجيال التي فقدت سليقة العربية، ورامت اكتسابه بالتعليم، ولم تنل أي حظ من التكوين العربي يضاهي ما حصلت عليه من اللغات الأجنبية هي في إيمانها على قدر نية تحصيلها من العربية أو تمكنها فيها.
وإن السؤال الذي يقض مضاجع الغير على دينهم هو: كيف يتسنى للأجيال التي لم تنشأ على العربية أن تؤمن بكون القرآن معجزا وهي لا ترى في لغته ذلك الإعجاز الذي يميزه عما سواء، من ضعف تمييزها بين طبقات الكلام العربي، فكأنها عديمة الإحساس بأقوى دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو هذا الإعجاز القرآني.
وهذا ما أحس به مفكر مسلم خضع في تكوينه العقلي واللغوي للثقافة الغربية، وأدرك الحواجز التي تحول بينه وبين تمحيص عقيدته، فوثب به الإيمان على لب المشكلات التي تتخبط فيها الأجيال التي نشأت مثله على ثقافة معادية للإسلام باسم العلم.
قال مالك بن نبي في كتاب الظاهرة القرآنية:
لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق كلام البشر، وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساسا عقليا ضروريا، فلو أننا طبقنا نتائج فرض ما رجليوث كما فعل الدكتور صباغ – لأنهار ذلك الأساس. ومن هنا توضع مشكلة التفسير في صورة خطيرة بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني بالنسبة إلى إعجاز القرآن في نظر المسلم. وربما لم يكن التطور العقلي ليقتصر هو دفع شبابنا الجامعي إلى ملاحظة تقادم المقياس الذي كان يقدم حتى ذلك الحين القاطع على المصدر الغيبي للقرآن. أما بالنسبة للعقل ذي الصبغة الديكارتية فأية قيمة تبقى لبرهان يبدو منذئذ وقد فقد موضوعيته، وأصبح ذاتيا محضا وهذا الموضوع لا يتصل ببيان الرآن الذي بقي على ما هو عليه حين نزوله، ولكن بوضع المسلم نفسه.
والحق أنه لا يوجد مسلم- وبخاصة في البلاد غير العربية – يمكنه أن يقارن موضوعيا بين آية قرآنية، وفقرة موظونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي، فمنذ وقت طويل لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط من مقارنة أدبية متيجة عادية حكيمة، ومنذ وقت طويل أيضا تكتفي عقائدنا في هذا الباب بالتقليد الذي لا يتفق وعقول المتعلقين بالموضوعية.
فمشكلة التفسير توضع إذن في ضوء جديد". (10).
وهكذا يمكن تأكيد ارتباط اللغة العربية بالعقيدة ارتباطا عضويا ويصبح التمكن منها استمرار أنساقها ونظامها من قبيل الضرورة التي تفرض استمرار الدين من قبيل الضرورة التي تفرض استمرار اللغة العربية.
نخلص من هذا التحليل أبعاد اللغة العربية الفصحى باعتبارها معادلا للفكر ومعادلا للعقيدة ومعادلا للقومية بمعناها الإنساني لا بمعناها العرقي، نخلص من هذا كله إلى نتيجة أساسية تفرض نفسها وهي أن الحفاظ على اللغة العربية بأنساقها ومعجمها ونحوها وجمالياتها ومنطقها الداخلي هو في نفس الوقت حفاظ على الوجود العربي والإسلامي والإنساني للأمة التي تلتف حول القرآن وتلتزم برسالة الإسلام وتحمل للإنسانية منذ القدم رسالة خير وعطاء وإسهام حضاري ونضال عن القيم العليا.
إن هذا التطابق بين الوجود بين اللغة في الإطار العقدي والإنساني والقومي يفسر لنا لم كانت اللغة العربية مستهدفة دايما للتشعيب عليها وعلى الناطقين بها، من قبل الشعوبيين القدماء الشعوبيين الجدد والمستعمرين، على النحو الذي نجده مفصلا في التاريخ العربي الحديث، مما لا داعي لتناوله في هذه المقالة(11) ولذلك ينبغي أن ندخل في حسابنا كلما هبت زوبعة من هذه الزوابع المصطنعة للنيل من اللغة الفصحى أنها خطة من خزز الغزو المبيتة ضد الأمة العربية للمس بأقوى غزوة من عرى وجودها والتحاما.
ولن تكون عاقبة الذين يخوضون المعركة ضد اللغة العربية أو يحبطون في حبل أعدائها غير عاقبة الذين خلوا من قبل.

------------------------------------------
1) كوندياك condillac فيلسوف فرنسي (1780).
2) ولوك (جون) lok john  فيلسوف إنجليزي (1704).
3) تجديد الفكر العربي ص: 211.
4) أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة للكتورة نايدخرما ص 220.
4) ابراهيم أنيس: اللغة بين التربية والعالمية ص 103.
5) المرجع نفسه.
6) الجزء التاسع ص 312.
7)  المرجع السابق.
8) إشارة إلى الحديث الشريف: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية).
9) الرافعي: إعجاز القرآن ص 87/88.
10) الظاهرة القرآنية ص 36.
11) فصلنا الكلام في هذا الموضوع في كتابنا (الصراع بين القديم والحديث) فليرجع إليه من شاء الوقوف على تفاصيله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here