islamaumaroc

حكم برمجة القرآن الكريم في الكومبيوتر -1-

  محمد الحبيب ابن الخوجة

العدد 256 رجب-شعبان-رمضان 1406/ أبريل-ماي 1986

تلقينا من إدارة مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة بعد انعقاد الدورة الثامنة لمؤتمر المجمع ملفا يتعلق لحكم برمجة القرآن الكريم في الكمبيوتر. وطلب منا المجلس قبل ذلك إعداد بحث حول هذا الموضوع.
وقد أفدنا كثيرا من محتوى الملف وعلمنا:
أولا: أم مثار البحث ما قامت به "مؤسسة مجد توسان بأمريكا" لبرمجة القرآن الكريم في الكمبيوتر. وقد وردت على الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي رسالة بهذا الشأن من "الشيخ هاشم وهبه عبد العال" من جدة يطلبفيها إيقاف المحاولات التي تبذل من أجل بقدسية القرآن الكريم.
ثانيا: أن رئاسة مجلس القضاء الأعلى أدلت  برأيها في الموضوع حين أفادت أن المجلس بالأكثرية قرر عدم مناقشة الموضوع، أو ‘صدار شيء فيه لما تقتضيه المصلحة.
ثالثا: أم مجلس المجمع أصدر في دورته السابعة توصيته رقم (5) يتحرى بها الأمر، ويستهدي فيه بآراء المختصين، حين طلب من الهيئات العلمية المتخصصة بجامعة أو القرى وجامعة البترول والمعادن وجامعة الإمام محمد بن سعود وجامعة الملك عبد العزيز بيان آرائهم في هذا الموضوع وذلك بالإجابة عن أسئلة محددة تتضمنها الاستفسارات التالية:
1- كيفية البرمجة في الكمبيوتر.
2- الفائدة المرجوة منها.
3- بأي الحروف تكون كتابة اللغة.
وقد لاحظنا أن وراء هذه الآراء الثلاثة مواقف متباينة:
الأول منها يقتضي الحرمة.
والثاني يجنح إلى التحفظ والتوقف.
والثالث يدعو إلى بحث الأمر بحثا دقيقا موضوعيا، وذلك برده إلى أصحاب الاختصاص فيما يتقوم به ويتحقق عن طريقة أثره، حتى إذا تبين ذلك واتضحت صورته، طبقت عليه قواعد الشرع وانتهى فيه الحكم اجتهادي يكون بإذن الله هو المختار والمعتمد.
ونحن على علم بالمحاولات المنكرة التي يتعين شجيها في كل مرة يعود المبطلون إلى طرحها على الساحة. وذلك مثل تغيير كتابة المصحف باعتماد الرسم القياس واستبداله بالرسم العثماني، كما أننا على علم بالاتجاهات الخبيثة مثل التأويلات الخاطئة لآيات القرآن الكريم التي لا تعتمد الأثر الصحيح، أو لا تحتكم إلى قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن، ولا تخضع لأحكامها، ولكنها تقوم على مدارك باطنية وتعليلات مبنية على أعداد الحروف وما تضمنه هذه الأعداد من أسرار لدى المتأولين.
وكل ما يتصور أن يعرض أو يحدث من تحريف لكتاب الله الكريم، في مبانيه ومعانيه، بسب تبديل أو تلفيق، أو بسبب تأويل يقوم على الهوى والجهل، أو بسبب القول في كتاب الله بغير علم، فكل ذلك مردود وباطل. والله قد وكل بكتابه حفاظا يحفظونه، وأئمة يدرسونه ويبينونه للناس في كل زمن وجيل. فلا يقوم أحد من أصحاب الأهواء أو غيرهم بأدنى محاولة من المحاولات العدائية المغرضة، أو يصدر عنه شيء في كتاب الله يخالف كلام الأئمة من العلماء بالقرآن وبالشريعة، إلا انتصب له مؤمنون موكلون بحفظ القرآن ومسخرون لحمايته، وقام أهل المعرفة الدقيقة بالتنزيل يواجهون الملحدين في آيات الله بالنقد والتجهيل والتشنيع والتكفير، حسب أقوالهم وافتراءاتهم إبطالا لمكرهم، ونقضا لادعاءاتهم، ودرءا لأوهامهم وجهالتهم، وحماية للقرآن الكريم الذي صانه الله بحفظه من كل تحريف وتبديل، وتكفل سبحانه بهذا العلم في قوله عز وجل: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
وأما المساعي الكثيرة الحثيثة التي ظهرت خارج العالم الإسلامي وبداخله لبرمجة القرآن الكريم، وأمام المحاولات الفردية والجماعية في ذلك، وحرص الطلاب والجامعات والهيئات العلمية والمؤسسات التجارية وغيرها على استخدام الحاسب الآلي والاستفادة منه، يتعين على الفقهاء أن يصدعوا بالقول الفصل الذي تطمئن له النفوس، ويحقق مصالح الناس، ويأخذ بالاعتبار التطورات العلمية والتقنية التي تهيمن على حياتنا وتميز واقعنا الذي نعيشه في كل المجالات، كما عليهم أن يبينوا حكم الله في برمجة القرآن الكريم في الكمبيوتر، مع تحديد الطرق الضرورية والكفيلة بتحقيق الحاجة من ذلك.
وقبل الرجوع إلى أقوال الأخصائيين المستأنس بآرائهم وملاحظاتهم في هذا الشأن ينبغي أن نعرف الكمبيوتر أو الحاسب الآلي.
يقول الدكتور محمد الفيومي – دائرة الحاسب الإلكتروني بجامعة اليرموك:
"الحاسب هو مجموعة من الآلات الإلكترونية تقوم بمجموعة مترابطة ومتتالية من العمليات على مجموعة من البيانات الداخلية، تتناولها بالتصنيف والحسابات وفقا لمجموعة من التعليمات والأوامر المتسلسلة في شكل يسمى برنامجا، بغرض الحصول على نتائج ومعلومات معروضة تفيد في تحقيق أغراض معينة. والشخص الذي يصمم البرنامج يسمى مبرمجا"
ويتركب هذا الجهاز الآلي من ثلاثة أجزاء مختلفة الدور والوظيفة.
الجزء الأول هو: الدماغ أو العقل أو مركز التفكير، وهو الذي يقوم باستقبال وتحليل كل ما يقدم للجهاز من برامج وتعليمات معدة مسبقا، قصد تخزينها بع على وجه من الوجوه.
الجزء الثاني هو: وحدة أو حدات الإدخال والإخراج، وهو عبارة عن جهاز شبيه بجهاز التلفزيون، وبه مفاتيح الآلة الكاتبة يستخدم في مخاطبة الدماغ، وشاشة تظهر عليها المعلومات المطلوب تقديمها بصورة واضحة مقروءة، وجهاز طباعة تنقل به المعلومات المعروضة على الشاشة إلى أوراق مرقونة يحصل عليها المستخدم للحاسب الإلكتروني بغاية السرعة والدقة.
والجزء الثالث هو: وحدة التخزين، وهو عبارة عن صندوق عادي به أسطوانة ممغنطة متصلة بالدماغ، فإذا حصل الوثوق والاطمئنان بصحة المعلومات المعطاة للدماغ وأريد التوفر عليها، أصدر الأمر للدماغ الدماغ الذي يقوم بتسجيلها فورا وفي ثوان على الأسطوانة التي تتسع في المتوسط لنحو مائتي مجلد، ولا ينال بعد ذلك ما يسجل على الأسطوانة محو أو إتلاف، كما يمكن أن تستنسخ منها نسخ لأكثر من مكان، وعلى أشرطة ممغنطة يتيسر معها تكرار النسخ للحفظ والآمان.
ويقول الجهاز بعد ذلك بقدرة فائقو بالتعامل مع المخزون في كل وقت واحد، فيؤلف ويفرق ويختار ويترك ويحلل ويعلل مستعينا في ذلك بكل المعلومات التي شحن بها في جميع الوحدات في لحظة واحدة.
وبهذا البيان تتضح الوظيفتان الخطيرتان للحاسب الآلي اللتان فصل القول فيها الدكتور عبد العظيم الديب:
 أولهما: تخزين المعلومات بكميات هائلة في حيز ضيق مع بالغ الأمانة في الاحتفاظ بها، وكمال العطاء عند بذلها للمتعامل مع الكمبيوتر حيث يتم له ذلك حسب اختياره وطلبه في دقة تامة وسرعة عجيبة وسهولة كاملة.
والملاحظ أن الأسطوانة الواحدة تتسع لثلاثمائة مليون حرف، فإذا أضيفت إلى الجهاز وحدات تخزين أخرى تضاعف بقدرها حجم المخزونات، وأصبحت طاقة الاستيعاب فيه رهيبة، ويمكن تخزين المخطوطات بصورتها الأصلية، لتعرض على الشاشة، فيتعين ذلك على جمع أكبر قدر منها، كما ييسر المقابلة والضبط والتصحيح والتحقيق. ويمكن تخزينها بالعنوان وبالمحتوى  على النحو الذي يريده الباحث ويعده له المبرمج.
ثانيتهما: تحليل المعلومات وتصنيفها والاستنتاج منها وإبداء الآراء في أعقد الأمور بناء على ما توفر أو يتوفر عليه الجهاز من معلومات سابقة، وهذا الأمر مذهل حقا لكن الدلائل عليه قائمة وكثيرة، في كل مجالات الاستخدام للحاسب الآلي والاستفادة منه في كل العلوم بأنواعها وفي حياتي الحرب والسلم.
وقد كثرت أجهزة الكمبيوتر وتعددت أنواعها، ورغم التشابه الكبير بينها في الهيكل العام من جوانب معينة.
فهي من حيث القدرة على التخزين والكفاءة في العمل، تتنوع إلى أجهزة صغيرة جدا وصغيرة ومتوسطة وكبيرة وضخمة.
ومن حيث طريقة العمل تختلف الأجهزة من حاسبات إلكترونية رقمية، وحاسبات إلكترونية مختلطة تجمع بين خاصتي الحاسبين الآليين السابقين، وهما خاصية العد والرقابة من جهة، وخاصية القياس من جهة ثانية.
وتختلف أنواع أجهزة الكمبيوتر أيضا من طبيعة أغراض الاستعمال إلى حاسبات الأغراض العامة، وحاسبات الأغراض الخاصة.
وتلك الكثرة وهذا التنوع يشهدان في هذا الظرف باكتساح الحاسب الآلي جميع مرافق الحياة والعمل في أكثر المجالات. وهو لما يتسم به من طاقة ودقة وسرعة أصبح من الضروريات التي لا يتسغني عنها أحد بحال في هذا الزمن البالغ التطور والتعقد، والمتميز بالسرعة المذهلة وبالإلحاح المتزايد على التزايد على كثرة الإنتاج.
وبعد، فالحاسب الآلي أرقى المكتشفات وأبلغها أثراء وأهم الوسائل وأدقها نتائج. وهو يعد ظاهرة العصر والمقياس الذي يفرق به اليوم بين المتخلف والنامي الذي لا يواكب الحياة، أو لا يقدر على مواكبتها، وبين المتقدم والمتطور الذي امتطى العلم فلكا ليهمن عليها ويحكم سيرها.
وقد جاءت تقارير الجامعات العلمية والإسلامية هنا في المملكة العربية السعودية مؤكدة لهذا الاتجاه، ومنادية بجني فوائد استعمال الكمبيوتر ببرمجة القرآن الكريم فيه.
فقال تقرير  جامعة الإمام محمد بن سعود:
إن إمكانات الإفادة من الحاسب الآلي كبيرة جدا، تكاد تكون غير محددة، فكل ما يحتاجه الإنسان من معلومات يمكن أن يوضع له البرنامج المناسب، ويخزن في الذاكرة، ويمكن استدعاؤه بالصورة التي خزن بها، أو على ترتيب آخر، كما يمكن استدعاء أي نوع من المعلومات من كل الموضوعات المخزنة"
وأضاف تقرير اللجنة:
" إن الاستفادة من الكمبيوتر من الأهمية بمكان في جميع المجالات العلمية وغيرها بما في ذلك خدمة البحوث القرآنية".
وقال تقرير جامعة أم القرى:
" إننا متحمسون لفكرة البرمجة في الأبحاث الدينية والشرعية"
كما أشار إلى الإنجازات التي تمت في هذا الصدد، ودعا إلى تأييدها في قوله:
" وقد تمكن مؤخرا الباحث العربي والمسلم بحمد الله وتوفيقه، من اختراع جهاز حديث، أمكن من استخدام اللغة العربية في البرمجة تناظر لغة البيسك... وبدءوا بحمد الله التفكير في إنتاج برامج دينية، وقد وفقوا في بداية خطواتهم، وأرى أن يمدوا بالدعم والمساندة".
ثم نبه إلى تأكد الحاجة إلى استخدامه في الأوساط الطالبية وبفروع الجامعة حيث قال:
" إن الأبحاث التي يقوم بها طلبة العلم والدراسات الشرعية العليا عديدة ومتنوعة، وقد يحتاجون في دراساتهم إلى الحاسبات الآلية، لمساعدتهم في إنجاز عملهم، اختصارا للوقت وتسهيلا للعمل والدقة في الإنجاز، وما من شك بأن هنا فوائد كبيرة في استخدام الحاسبات الآلية في هذا المجال، مثل الفوائد التي عادت من استخدامها في أي مجال آخر".
ووقف نفس من استخدام الكمبيوتر في الأغراض الدينية وفي برمجة القرآن الكريم تقرير جامعة الملك عبد العزيز، حين أجاب عن بعض أسئلة المجمع، ووصف ما لحق الحاسب الآلي من تطور في هذا العصر بقوله:
 " وتوجد حاليا وحدات شاشات مرئية، ووحدات طباعة تستخدم الحروف العربية".
ومن ذلك انتقل إلى القول بأنه " يمكن الاستفادة من هذا الإنجاز التكنولوجي، في كل ماله علاقة بالقرآن الكريم، من تسجيل له، ولألفاظه الكريمة حسب ورودها، ثم الانتقال إلى معاني المفردات الخ".
وجرى على نفس النسق تقرير جامعة البترول والمعادن، حين أجاب عن سؤال مجلس المجمع ما هي الفائدة المرجوة فقال:
" يمكن حصر الفائدة المرجوة من برمجة القرآن بالحسب الآلي في أربع نقاط رئيسية هي:
أ – استخدامات المجمع الفقهي التي ترتكز على تصنيف آيات الأحكام تحت مواضيع رئيسية، مثل العبادات والمعاملات ونحوها، أو تحت مواضيع فرعية كالبيوع ***يتبع ص17
والربا مع إمكانية إضافة آراء الفقهاء وأقوال المفسرين في القضية الفقهية التي تعالجها الآية.
ب – المعجم المفهرس لألفاظ القرآن.
ج – تصنيف الآيات حسب مواضيع مختلفة مثل العقيدة وقصص الأنبياء والأمم والأماكن.
د – استخدامات عامة تشمل:
1 - الحصول على سورة يذكر اسمها.
2 – الحصول على آية برقمها في سورة معينة.
3 - الحصول على آية لمحتواها أو بكلمة معينة في السورة.
4 - الحصول على آية بالموضوع.
5 - الحصول على سورة بالموضوع.
6 - الحصول على ترتيب الآيات حسب النزول. وغيرها ذلك من التطبيقات الهامة".
ورغم هذه المواقف وأمثالها المعلن عناه من طرف الأخصائيين، والتي حملت عددا من الهيئات والعلماء وأصحاب الخبرة على اللجوء إلى استخدام الكمبيوتر في الأغراض العلمية الدينية، مثل الأستاذ محي الدين عطية من أسرة مجلة المسلم المعاصر ومن أعضاء الندوة العالمية للأنشطة الإسلامية، والمعهد الإسلامي بلندن، وكلية الشريعة بالجامعة الأردنية، والاتحاد الإسلامي بأمريكا الشمالية وغيرها، وأمثال الدكتور عبد الفتاح الحلو أستاذ علم المكتبيات بجامعة الإمام محمد بن سعود، والأستاذ عبد القادر احمد عبد القادر خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والدكتور محمد مصطفى الأعظمي، والدكتور علي لاظ، فإن تخوفات كثير ومخاوف كثير ومحاذير ما تزال قائمة على الطريق خصوصا في هذه المرحلة التأسيسية الانطلاقية، التي سوف تبرر نتائجها بإذن الله برمجة الحاسب الآلي واستخدامه في الأغراض المختلفة، وفي مقدمتها القرآن وعلومه.وطبيعي أن تلابس كل جديد المخاوف، وهذا ما حصل فعلا مع الهاتف عند ظهوره، وجهاز الإذاعة بعد اختراعه، والتلفزيون عندما غزا المحلات العامة والخاصة، وأشرطة الكاسيتات التي يسجل بها كل شيء صوتا وصورة، ولا يلازم أن يكون انتشار هذه الوسائل المستخدمة في الخير وفي الشر  مبررا لوجود الكمبيوتر أو بالأحرى لبرمجة القرآن الكريم وعلومه فيه، فإن جماعة من العلماء نبهت إلى جملة من المحاذير تمنع من استخدامه في هذا الغرض، أهمها ما ورد في الملف الموضوع بين أيدينا، وهي:أولا: أن في برمجة القرآن الكريم في الحاسب الآلي تقليلا من الاهتمام بدراسة القرآن الكريم وحفظه واستذكاره، لأن برمجته في الكمبيوتر توفر للباحث الحصول على مطلوبه منه، دون إلمامه بالقرآن قراءة وحفظا.
ثانيا: احتمال دخول التغيير على النص القرآني عن قصد أو عن غير قصد، وذلك ما نص عليه بوضوح تقرير أم القرى حين قال: " إن الكتابة أو الطباعة على الورق العادي لا يمكن شطب الكلمة أو تعديلها دون أن تلاحظ، في حين يمكن عمل ذلك في الحاسبات الآلية بسهولة، وربما تمحي بعض الأجزاء أو عند تعرضها لمجال مغناطيسي قوي، أو للأشعة السينية".
 وقد عقب على قوله هذا بطلب " منع تداول المصاحف المطبوعة على الأسطوانات المغناطيسية والأشرطة المغناطيسية لأنه يمكن تغيرها بسهولة، وبعد إجازتها من اللجان وذلك بين العامة من القراء وصغار الباحثين".
وقد أجاز ذلك للمؤسسات التعليمية والدينية ومراكز البحوث التي يشرف عليها علماء ومختصون.
رابعا: يحصل تسهيل الرجوع إلى الآيات التي يستدل بها في موضوع ما أو الكلمات القرآنية عند الحاجة إليها باستخدام المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وهو مطبوع ومتداول، وبعد التأمل في هذه المخاوف والمحاذير تبين لنا:
1 - أن دراسة القرآن الكريم وحفظه واستذكاره نعمة خص الله بها الصفوة من عباده المسلمين في كل زمان، فلم يكن ذلك ظاهرة عامة بين الناس جميعا. ولولا ذلك لما تمايزت الأقدار وتفاوتت المنازل. وفي برمجة القرآن الكريم وعلومه في الحاسب الآلي دعم للحفاظ والباحثين والذاكرين لكتاب الله، وإعلاء لمنازلهم وترغيب للمتعلمين لأن يكونوا أمثالهم من أهل الذكر والعلم بالقرآن، ليزدادوا بالحفظ خيرا وبتلاوته وتعلمه أجرا وبضمان وجود الحفاظ والأئمة الذاكرين لأحكام القرآن الكريم وعلومه وقراءاته وأسرار تنزيله تتمكن هذه الصفوة الخيرة المتكاثرة بإذن الله من أن تنشر العلوم القرآنية بأيسر الطرق وأدقها وأحكمها، فلا تلجأ إلى المحاضرة والدرس أو الكتابة والنشر فحسب، بل تضيف إلى ذلك كله تخزين جملة من المعلومات الحاصلة من الوسائل المتقدمة ومن  أمثالها الغير المتناهية نوعا وعددا، كالمؤلفات العلمية والتفاسير والأحكام الشرعية وكل ما صنف في القرآن الكريم وعلومه. فإذا أودعت ذلك كله الحاسب الآلي لم يبق على الباحث، مختصا كان أو غير مختص، ومن الخاصة كان أو من العامة، إلا أن يضغط على زر للحصول على مطلوبه من المعلومات مهما دقت أو كثرت، ولكن في قدرة العالم الواحد الإجابة عنها، أو كانت تحتاج إلى جملة من آراء العلماء والخبراء بكتاب الله وما وسعه من علوم وفنون وأحكام وهداية، فالحاسب الآلي بعد برمجة القرآن فيه يكون قادرا على الوفاء بجميع ذلك، وقد يكون من أول المستفيدين منع والمنتفعين به في هذا الشأن الحفاظ والعلماء أنفسهم.
2 - إن قدسية القرآن  واحترامه لا تقل ولا تنزل بحسب اختلاف الوسائل والأوعية الحافظة له. فالمسلمون يوقرونه في الذكر وفي الحفظ، وفي الصحف المخطوطة والتساجيل المضبوطة وفي اللوحات تضيء به وتعرضه، وفي الأوراق ترسم عليها آياته وفواصله، ويجد العلماء المسلمون في اختلاف الوسائل لعرضه وتعليمه ونشر حكمه وأحكامه وعلومه بين الناس العناية الربانية به المتمثلة في إذاعته وحفظه وهداية الأولياء المتبعين لطريق الحق، ومحاجة وإعذار الغافلين والمنكرين المعطلين الذين لا يبغون عن ضلالاتهم حولا. فلا تتعدد صور ذكره وعلمه وقراءاته وسماعه إلا إذا كانت على جميع الأشكال، ومع اختلاف الصور مدعاة لمزيد التوقير والتقديس والاحترام والخشوع تزكية للنفوس وتطهيرا لها، وتمثيلا ومراقبة دائمين له، وخضوعا لحكمه وانقيادا لندائه ودعوته.
3 – تغيير المكتوب بعد إصلاحه، وإمكانية عدم تردد القارئ مع ذلك في صحته واحتمال انطماس النصوص متى تعرضت لمجال مغناطيسي أو للأشعة السينية، مما يحمل على عدم الاطمئنان على صغار الباحثين وعامة الناس أمران جائزان وقليلان، وقد يحصل مثل ذلك عند طباعة المصاحف وصدور نسخ رديئة بسبب سوء الطبع أو كثرة الحبر، ويحصل مثله عند مقابلة الصور بأضواء تعشي النظر أو تغالطه بما تخيله من بقع سوداء يختفي معها المنظور في الصورة، وهذه الحالات ليست الأصل، ولكنها قد تحدث في البداية عندما يكون الإعداد الفني للأجهزة ناقصا أو غير مضبوط، ولم يتردد مع ذلك أحد في استخدام الطباعة العادية ولا التصويرية، والمعروف الآن بشأن الحاسب الآلي أنه مر بتجارب فنية وتطورات فائقة ومتقدمة تضمن سلامة معروضاته، وتطمئن على الاستفادة من استخدامه في كل المجالات مهما بعدت أو دقت، فلا يعقل الاستغناء عنه لمجرد احتمالات مدفوعة بالمراقبة الفنية والعلمية.
4 – أن المعجم المفهرس المتداول لا يغني بحال عن الحاسب الآلي لضيق آفاق استعمال الأول وانحصار فوائده في أشياء محدودة، واتساع مجالات الاستفادة من الثاني في الجمع والتحليل والاستنباط، وبما
فصلنا القول فيه تتلاشى بإذن الله المخاوف والمحاذير كلها.
ويمكن استعمال الكمبيوتر في هذا الغرض الشريف، خصوصا بعد أن وجدت الحاسبات الآلية باللغة العربية. صرح بذلك تقرير جامعة البترول، وبشر بتقدم هذه الآلات تقرير أو القرى الذي جاء فيه:
"إن الحروف أصبحت عربية وجميلة الشكل، بالإضافة إلى مميزات جديدة، وهي وجود التشكيل عليها، من فتح وجر وضم وتشديد تنوين ومد، مما يساعد – في رأي جامعة الإمام – على ضبط الآيات ضبطا محكما، غير أننا لضمان الاستفادة المطلوبة من برمجة القرآن الكريم في الكمبيوتر لا بد من مراعاة شروط، من اللازم والضروري توفرها في كل مراحل استخدامه:
أولها: الرجوع في الناحية الفنية المتخصصين حتى يكون استعمال الجهاز بطريقة دقيقة وسليمة لا تظهر معها العيوب التي تستوجب الخوف على النتائج والحذر مما قد يصيبها من تغيرات بسبب سوء الاستعمال " توصية جامعة الإمام ".
ثانيهما : اشتراك الفنيين المختصين مع العلماء الأخصائيين في القرآن وعلومه، في القيام بوظيفة البرمجة، أي في إدخال المعلومات في الحاسب الآلي وتخزينها فيه، ثم يتولى المسؤولين على الناحية العلمية مراجعة ذلك، للوثوق من دقة النتائج وسلامتها. ودعت إلى ذلك جامعة الملك عبد العزيز في قولها:
" وإدخال المعلومات يجب أن لا يترك في أيدي المختصين بالقرآن الكريم وعلومه، ولا تقف مهمتهم عند حد إدخال المعلومات المطلوبة، ولكن يجب أن تتعداها بالمراجعة لما يتم إدخاله قبل السماح باستعمال ذلك وتعميمه".وصرحت بمثل ذلك جامعة أم القرى في اشتراط أن لا ينفرد بالبحث المسؤولون عن الحاسب الآلي، وذلك لعدم تمكنهم من علوم الشريعة، وأن يتم ذلك تحت الإشراف الدقيق والقريب من العلماء والمختصين.وقد ترتبت على نتائج الاستطلاع الآراء في هذا الموضوع دعوة صريحة لجامعة الملك عبد العزيز إلى وجوب التعاون في مثل هذا المهم. كما طالبت جامعة الإمام للرابطة.
أولا : بتفريغ أعداد كافية من أشخاص الرابطة مع مساعدين من أجل إعداد البرامج المناسبة، ومعرفة وسائل البرمجة، وإعداد المعلومات وتحليلها، وتغذية الجهاز بها، وطرق الاستفادة منها.
ثانيا : بإعداد أجيال متعاقبة من أشخاص الرابطة، مدربة، ولعل هذا الاتجاه يفسره حب مواكبة التطور العلمي باستعمال الأجهزة الدقيقة هي البحوث والدراسات القرآنية والشرعية.
وإسناد هذا الأمر إلى الأمناء من رجال العلم الديني البصراء بفروعه وفنونه، والمطلعين على دقائقه وأسراره، وذلك يكفل تحديد المسار القويم، وإيجاد الأصل الذي يرجع إليه ويصحح به ما قد يصدر عن غير الخبراء والذين في قلوبهم مرض من المهتمين بتتبع ما تشابه من القول ابتغاء الفتنة، والتمكين من الرد عليهم، وتنفيذ أقوالهم، مثل ما ظهر ذلك في ميدان التدريس والمحاضرة والتأليف حين انكشفت أسرارهم، ودخائل نفوذهم وبأن للعالمين جهلهم ومكرهم، وتهافتت نظرياتهم وافتراءاتهم.
والذي تطمئن إليه النفس في هذا الموضوع وهو حكم برمجة القرآن الكريم في الكمبيوتر الجواز مع التزام بالشروط المتقدمة التي وقع التصريح بها في التأكيد عليها، وذلك:
أولا : لما فيه من منافع للناس والأصل في المنافع الإباحة. قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في  الأرض جميعا)
وقال عز وجل : (ألم تعلم أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة).
وقال سبحانه:
(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) .
ثانيا : لوجوب الأخذ بكل ما يتعين على التقدم العلمي في مجال الدراسات الشرعية والإسلامية. وهذا من باب العادات التي يتوسع فيها. قال الإمام الشاطبي في الموافقات:
" إن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات، وأن المعتبر في ذلك مصالح العباد، والإذن دائر معها أينما دارت، حسب ما هو مبين في مسالك العلل، فالشارع قصد اتباع المعاني، لا الوقوف مع النص بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيها خلاف ذلك".
وقال شيخ الإسلام بان تيمية في القواعد النورانية:
" والعادات هي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه. فالأصل فيه العفو وعدم الحظر، فلا يحظر منها إلا ما حضره الله سبحانه".
وثالثهما: لكون هذه السبيل تعين على أداء الأمانة على أكمل وجه، وتجعلنا مضطلعين في هذا العصر بأحكم الطرق وأنجع الوسائل في تبين كتاب الله وتفصيل آياته، دون غفلة أو شك أو كتمان، وهل الحاسب الآلي إلا وسيلة سخرها الله لنا بفضله في هذا الزمان لتمكيننا من الوصول إلى أغراضنا العلمية الشرعية، ومطالبنا الدينية والقرآنية، بمنتهى الشمول والاستيعاب والدقة ومع فائق الضبط والسرعة !؟.
والله ولي الفضل بدءا وعودا، لا خير إلا خيره، إليه يرجع الخير كله، وهو الغني الحميد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here