islamaumaroc

المدن الثقافية الإسلامية -4- فاس

  محمد كمال شبانة

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

إن مدينة فاس التاريخية في المغرب العربي لهي واحدة من درر المدن الإسلامية الثقافية، ولا يضاهي دورها في المغرب الإسلامي سوى القيروان وقرطبة، وما جاء في «المسالك» للعمري: «أنها نشبه دمشق وغرناطة، وأهلها يشبهون أهل الاسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة، وتغيير المنكر، والقيام بالناموس».
ويعزز هذا القول ما جاء عند صاحب كتاب «جني زهرة الآس»، في أخبار فاس، من قوله: «قال الحكماء: لا تستوطن إلا بلدا فيه سلطان حاضر، وطبيب ماهر، ونهر جار، وقاض عادل، وعالم عامل، وسوق قائم...».
ويردف صاحب هذا الكتاب قوله ذلك بوصف أبناء فاس: «فلاعتداله اعتدل أهله، فسلموا من شقرة الروم، وسواد الحبش، وغلظ الترك، وجفاء أهل الجبال، ودمامة أهل الصين، وكما اعتدلوا في الخلق اعتدلوا في الفطنة والذكاء والعلم...».
فلهذه القيمة التاريخية للمدينة، وحفاظا على تراثها العربي الأصيل، نرى أن فاس كانت نموذج المدينة الإسلامية في مهرجان العالم الإسلامي الذي عقد في لندن في منتصف السبعينات، وقررت منظمة اليونسكو المشاركة في إنقاذها كجزء من التراث الإنسان، ورصدت من أجل إنقاذها 20 مليار دولار، كما وجهت نداء عالميا يلح في العمل على إنقاذها.
والآن... ماذا يقول التاريخ في صدد هذه المدينة تأسيسا وتخطيطا. يعزو بعض المؤرخين تأسيس مدينة فاس إلى إدريس الثاني (192 هـ / 808 م) بن إدريس الأول (172 / 175 هـ) اعتمادا على روايات قديمة، ولعل أول من رددها من جغرافي المشرق ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي (1)، ثم تولى ترديد هذه الرواية من لدن الجغرافيين، مثل ما جاء عند أبي عبيد البكري الأندلسي، حين أورد وصفا شاملا لمدينة فاس، فقال: «إن هذه المدينة تتكون من مدينتي مختلفتين، ويحيط بكل منها أسوار، كما يفصلها نهير شديد التيار» وهو يسمى إحداهما (ضفة القرويين) والثانية (ضفة الأندلسيين، وتقع الأولى إلى الغرب من الثانية، كما قرر في وصفه هذا «أن المدينة الواقعة على ضفة الأندلسيين» قد تأسست عام 192 هـ (808م)، وأن مدينة «ضفة القرويين» قد أسست في السنة التالية في عهد إدريس بن إدريس (2).
ولقد جرى على هذا الوصف – من وجود مدينتين منفصلتين – جغرافيون قدامى، من أمثال اليعقوبي (3) والمقدسي (4) والإدريسي. وفي أوائل القرن الرابع عشر الميلادي وجدت تفاصيل أكثر عن مدينة فاس في المصنفات التاريخية المغربية، والتي تشير إلى ما ذكره المؤرخ ابن أبي زرع مؤلف «روض القرطاس» عن المدينة، ونقلها عنه بعدئد كل من الجزنائي في «زهرة الآس (5)، وابن القاضي في «جذوة الاقتباس» (6).
وقد أورد المستشرق ليفي بروفنسال خلاصة رواية كتاب «القرطاسي» بالإضافة إلى المصنفات التي نقلت عنه مقتصرا على الجوانب المهمة في الموضوع، (7) قال: «ولد إدريس الثاني في أوليلي، أو على الأصح وليله، في كتلة زرهون الجبلية (جبل زرهون)، بعد وفاة أبيه إدريس الأول بسهرين، وكان موت أبيه حادثا محزنا، لوفاته مسموما على يد رسول خاص، كان قد أوفده الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة 975 (791) أو 177 هـ (793م). وقد تولى رشيد عتيق إدريس الأول ورفيقه المخلص – مهمة تعليم الطفل حتى كبر، وصار حاكما سنة 188 هـ (804م) بإجماع قبائل البربر بمراكش، ثم مات رشيد بعد هذا بقليل. وفي نهاية السنة التالية – وهي سنة 189 هـ (805م) – وجد إدريس الثاني أفواجا من الهجرات العربية تنشال عليه، مما جعل بعضا من مسلمي إفريقية وإسبانيا تأتي إليه لتربط مصيرها بمصيره، حتى ضاق مقامه بوليله عن استيعاب هذا النمو والمطرد من السكان، بحيث قرر لذلك إنشاء مدينة تكون عاصمة للمملكة، وكان أن وجد في سنة 190 هـ (806م) مكانا مناسبا، يقع على السفح الشمالي لجبل زلغ، وبدأ فعلا في بناء المدينة، غير أن عاصفة عاتية ما لبث أن حطمت الأساس... والمعدات، فوق دولاب العمل.
«وفي السنة التالية – عند مطلع سنة 191 هـ (نوفمبر 806ه) قرر إدريس الثاني الاستقرار بجوار الضفة اليسرى لنهر سبو Sebou على مقربة مباشرة من ينابيع خولان – الساخنة، حيث استحضر المواد اللازمة للعمل، غير أن مخاوفة من عواقب الفياضانات الفصلية للنهر أجبرته على إهمال مشروعه.
أما المحاولة الثالثة فإنها ستكون أوفر حظا، إذ يختار للمدينة أرضا مغطاة بأعشاب جافة متشابكة ومغمورة بالمياه الجارية، ويعبرها نهير تغذية ينابيع مجاورة. وهذا الموقع لحظه عمير وزير إدريس الثاني واقترحه عليه، وكان قد اشتراه المحتلون من بربر زناتة المنتمين إلى أحزاب منافسة، والمعتنقين للإسلام والمسيحية واليهودية، وحتى لمذاهب عبادة النار نفسه. «ثم يأتي إدريس الثاني نفسه ليستقر في هذا المكان، بل ويصدر الأمر ببدء إنشاء المدينة على التحقيق في أول أيام شهر ربيع الأول سنة 192 هـ (4 يناير 818م)، حيث يشرع في بناء حي تخترقه ستة أبواب على الأرض الواقعة على الضفة اليمنى من النهير. أما في الداخل فيبنى مسجدا بجانب الآبار على مقربة من معسكر إدريس الذي يحميه سور من خشب، وقد أصبح هذا الحي أحد أحياء المدينة، وسمى باسم «حي الأندلسيين».
«بعد ذلك بعام على التحقيق – بحسب التوقيت الهجري، الموافق 23 ديسمبر سنة 808 م – شرع إدريس الثاني في تشييد حي جديد مواجه للحي الأول وقد أدى إنشاء هذا الحي إلى إغلاق أسواره لجزء صغير من مجرى النهير، كما أدى إلى امتداده بشكل ملحوظ على الضفة اليسرى يطلق عليه اسم «حي القرويين» الذي كان يشبه الحي المقابل له في إقامة ستة أبواب أيضا. أما في داخله فنجد الحاكم يأمر ببناء مسجد ما لبث أن أقيمت حوله أسواق وقيسارية وقصر.
«ثم لا يلبث هذا الإنشاء المزدوج الذي قام به إدريس الثاني إلا قليلا حتى يمتلأ بالسكان بسرعة ظاهرة، وذلك بفضل التسهيلات العديدة التي منحها الأمير من وفدوا للإقامة فيه، وإن كان معظم النازحين إلى المدينة الشرقية من البربر، في حين أن أكثر الوافدين إلى المدينة الغربية من العرب، وبسرعة كبيرة تحتفظ بهؤلاء المسلمين وبطائفة ملحوظة من اليهود»، ويأخذ هذا التجمع اسم «مدينة فاس»، ويستقر فيها مع الأمير أسرته وحاشيته. ولم يكن في ذلك الوقت قد تجاوز السابعة عشرة من عمره، وظل بها إلى سنة 187 هـ (812 – 813م)، ثم رحل بعد ذلك في حملة إلى الأطلس الكبير عاد بعدها إلى مدينة فاس، ثم غادرها سنة 199 هـ (814 – 815م) متجها إلى تلمسان، وبعد هذا بثلاث سنوات عاد إلى عاصمته، والتي استقبلت في ذلك الحين حملة قوية من عساكر الأندلس، ممن طردهم الحكم الأول أمير قرطبة الأموي، وذلك عقب «وقعة الربض»، وسمح لهم إدريس الثاني بالقرار في الحي الشرقي. منذ ذلك الوقت لم يبرح إدريس مدينة فاس.
«بعد هذا بعشرة أعوام – في سنة 213 هـ (828م) – مات إدريس في ظروف غامضة، في فاس نفسها، أوفى وليلة، تاركا مدينته المزدوجة يانعة مزدهرة، كما ترك عند وفاته أطفالا كثيرين، كان منهم على الأقل إثنا عشر ولدا تقاسموا أملاكه».
ويعترف ليفي بروفنسال في مساق هذا الحديث عن مدينة فاس، بأن رواية صاحب «القرطاس» قد اشتملت على تفاصيل كثيرة عن كل مرحلة من مراحل إنشاء المدينة المزدوجة، وأن هذا المصدر ذو قيمة نادرة بين المصادر الأخرى في الموضوع، حيث ضم المعلومات الطبوغرافية فيما يتصل بتخطيط الحيين وأبوابهما تكاد تكون فريدة في بابها إذا ما أضفنا إليها روايات البكرى التي ألمحنا إليها، ولهذه المعلومات قيمتها التاريخية أيضا عند القيام بالموازنة بين خريطة فاس الحالية بنظائرها التي كانت لنفس الموقع طوال القرون الأولى من التاريخ الإسلامي.
كذلك يضيف صاحب «القرطاس» إلى ما سبق، أن مدينة فاس قد نمت من بعد وترعرعت بحركة العمران والمرافق التي استلزمت ذلك، ولكن الحيين اللذين اشتملت عليهما المدينة كان لكل منهما مصير لا يواكب مصير الآخر، نظرا للاضطراب الذي سادهما على مر التاريخ، فهما تارة متضادان، وتارة متفقان، حتى عدت السنون وجاء المرابطين يوسف بن تاشفين (400 – 500هـ) ليحطم الحواجز التي تفصلهما، ويوجدهما بصفة نهائية في مدينة واحدة عام 462 هـ (1069م)، ومنذ ذلك الحين بدأت تستقر هذه المدينة الكبرى في العصور الوسطى، التي لم تلبث أن أصبحت «مركز الإسلام في المغرب الأقصى»، زاخرة بمواردها العلمية والصناعية والتجارية.
وتجدر الإشارة إلى أن ضفة القرويين هي (مدينة القرويين) الضاحية التي عمرها سكان المغرب الأدنى الذين وفدوا من القيروان، وحيث بنى بها جامع القرويين الذي أسسته السيدة فاطمة الفهرية، وسنخصص له حديثا يليق بماله من أثر إسلامي عظيم.
ولقد تضاءل مركز فاس السياسي في عصر كل من المرابطين والموحدين، حيث اتخذ هؤلاء من مراكش عاصمة لهم، حتى أتى بنو مرين فأعادوا لفاس مجدها الإداري، واتخذوها عاصمة لهم.
وإلى جواز فاس القديمة توجد فاس الجديدة، التي بناها الأمير أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني عام 674 هـ (1275م)، وقد أطلقت عليها عدة أسماء كالمدينة البيضاء، والبلد الجديد، والمدينة الجديدة.
إن فاس منذ القديم تحتل مكانة مرموقة من بين مدن المغرب لما ذكرنا، من اتخاذها عاصمة للملكة فترات من الزمن، وعلى الصعيد الإسلامي فإنها تمثل واحدة من المدن الثقافية الإسلامية، لما اشتملت عليه من جامعة عريقة وهي «جامعة القرويين»، كما سنفصل القول بعدئذ.
من آثارها القديمة – إلى جانب القرويين – مدرسة أبي عنان المريني، وساعتها الشمسية الغريبة، ومدرسة العطارين، ومدرسة المصباحية، ومسجد الأندلس، وزاوية إدريس الثاني مؤسس المدينة حيث يوجد ضريحه، وكلها منشآت على الطراز الأندلسي المغربي كأروع آثار فنية ما زالت تحتفظ بروائها.
وتتصل فاس القديمة بفاس الجديدة عبر حدائق أبو الجنود الغناء، وتعتبر أبواب فاس الجديد غريبة الشكل، كباب الشاكمة، وباب الدكاكين، وباب السمارين. وتوجد قبور المرينيين على مرتفع يشرف على المدينة الواقعة في سفح جميل أخاذ «في جوف صدفة من الأسوار العتيقة»، وقد دفن بالمدينة – وخاصة في أطرافها – مثير من علمائها البارزين وقوادها المشهورين، بالإضافة إلى بعض اللاجئين السياسيين أمثال لسان الدين ابن الخطيب السلماني المعروف (713 – 776 هـ)، والذي وصف فاس بقوله:
رعـى اللـــــه قطـرا ينبت الغنى      وآفـاقـه ظـل على الـدين ممـدود
نعم العرين لأسود بني مرين، ودار العبادة التي يشهد بها مطرح الجنة ومسجد الصابرين (8).
أم القرى، ومأم السرى، وموقد نار الوغى ونار القرى، ومقر العز الذي لا يهضم، وكرسي الخلافة الأعظم، والجرية التي شقها ثعبان الوادي فما ارتاعت، والأبية التي ما أذعنت إذعانها للإيالة المرينية ولا أطاعت. 
أي كلف وكلف، ومتفق ومختلف، ومحاباة وزلف، وقضيم وعلف، وخلف عن سلف، إنما الدنيا ّأو دلف (9).
سألت العالم الثاني (10)، ومحراب السبع المثاني، ومعنى المغاني، ومرقص النادب والغاني، وإرم المباني (11)، ومصلي القاصي والداني، هي الحشر الأول، والقطب الذي عليه المعول، والكتاب الذي لا يتأول.
بلد المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الرجل والفارس، الباب الجامع من موطأ المرافق، ولواء الملك الخافق، وتنور الماء الدافق، ومحشر المؤمن والمنافق، وسوق الكاسد والنافق، حيث البنى التي نظر إليها عطارد (12) فاستجبناها، وخاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود، فسترها بالغور وأخفاها (13)، والأسواق التي ثمرات كل شيء إليها قد جبيت، والموارد التي اختصت بالخضر وحبيت، والمنازة المخطوبة، وصفاح الخلج المشطوبة، والغدر التي منها أبو طوبة (14).
بلـد أعـارتـه الحمـامـة طوقهــا         وكســاه – ريش جنـاحــه – الطـاووس
فكـأنمـا الأنهـار فيـه مــدامــة          وكـأن سـاحــات الـديـار كئـوس (15) 
اجتمع بها ما أولده سام وحام، وعظم الالتئام والالتحام، فلا يعدم في مسالكها زحام، فأحجارها طاحنة، ومكاتبها مائجة، ورحابها متمائجة، وأوقافها جارية، والهمم فيها – إلى الحسنات وأضدادها - متبارية». إلى آخر ما وصفها بع...(16).
جامع القرويين:
يروي المؤرخون أن هذا المسجد كان في الأصل جامعا صغيرا يطلق عليه «جامع الشرفاء»، وقد أقامه إدريس الثاني إبان حكمه في «عدوة القرويين»، وظل المسجد الصغير على حاله حتى عام 254 هـ، حيث كان في فاس رجل من عرب القيروان يدعى محمد بن عبد الله الفهري، ثم وافته منيته، وترك لابنتيه فاطمة ومريم ثروة كبيرة، فاهتمت فاطمة بجامع الشرفاء، وأنفقت جل نصيبها – من تركة والدها – في تجديد بنائه وتوسعته، فتضاعف حجمه، وأقيمت له الصومعة التي ما تزال على حالها من التخطيط حتى يومنا هذا، بعد أن أعيد بناؤها على نفس الطراز عندما جرى توسيع الجامع عام 344 هـ، وتبلغ مساحة كل ضلع من أضلاع قاعدتها خمسة أمتار، بينما يبلغ ارتفاعها 20 مترا، وهي مكسوة بالقيشاني (الزليج) تعلوها قبة صغيرة.
يقول عبد الرحمن المراكشي في شأن المدينة والمسجد، منوها فيهما بحضارة فرطبة والقيروان – حيث سكنها القرطبيون (أهل الريض)، كما قدم إليها في مرحلة أخرى جماعة من القيروان وأقاموا بها:
«مدينة فاس هي حاضرة المغرب، وموضع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان وعلم قرطبة، عندما كانت قرطبة، عندما كانت قرطبة حاضرة الأندلس والقيروان حاضرة المغرب، فلما اضطرب أمر القيروان وأمر قرطبة رحل عن هذه وهذه من كان فيهما – من العلماء والفضلاء فرارا من الفتنة، فنزل أكثرهم مدينة فاس...، وما زلت تسمع المشايخ يد عونها «بغداد المغرب»، وليس بالمغرب شيء إلا وهو منسوب إليها، وموجود فيها ومأخوذ منها، لا يدفع هذا القول أحد من أهل المغرب...».
يشتمل المسجد حاليا على صحن مغطى مسقوف، يرتكز على أعمدة تعدادها ثلاثمائة وخمسة وستون بعدد أيام السنة، تزينها الأقواس ذات الأشكال المختلفة، فبعضها ذات عقد واحد بينما البعض الآخر متضاعف العقود، وتوجد عند القبة الرابعة أقدم لوحة في الجامع، إذ يرجع تاريخها إلى منتصف القرن الثالث الهجري، وقد سجل عليها أن السيدة فاطمة الفهرية تطوعت ببناء الجامع، وأن الأساس قد حفر في أول رمضان سنة 245 هـ.
وهناك لوحة أخرى بين أفريز القبة المريعة، قد نقشت عليها الوثيقة التالية:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمله عن أمر الملك، العادل، الآمر بالخير والفضل، أمير المسلمين، وناصر الدين، علي بن يوسف بن تاشفين... وكان إتمام ذلك – بحمد الله وعونه وتوفيقه – في شهر رمضان المعظم من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة». ومعنى هذا أنه قد أضيفت إلى المسجد زيادات هامة وكبيرة بين عامي 528 هـ و539 هـ. وصنع للجامع محراب ومنبر جديدان، وكما أعيد بناء الأبواب التي تعتبر تحفة فنية رائعة، فقد كسيت الأبواب الخشبية بالنحاس، وأقيم على كل باب قبة صغيرة، ولكل باب من هذه الأبواب الثمانية عشر ذو حلقة معدنية كبيرة، وتزين واجهة الأبواب صفوف من المسامير ذوات الرؤوس.
هذا ويتوفر المسجد على خمسة مصادر للمياه، ومنذ القدم والمياه تجرى في الجامع طوال العام، كما تعمه في كافة أرجائه الإنارة الكافية، فقد كانت تكثر فيه السرج، وتغلظ الفتائل، لأن في الإضاءة بهاء للدين، وأنسا للمجتهدين، ونفيا لمكانة الريبة، وهداية للسابلة، وتنزيها، لبيوت الله من وحشة الظلام».
ولذلك ترى في صحن الجامع الثريات الكبيرة التي تتفرق في كافة أرجاء المسجد، وفي الوسط ثريا ضخمة، وإلى جانبها ثريا أصغر، يروى أنها كانت في الأصل ناقوسا حمل من إحدى المعارك التي جرت في الأندلس، وكسى الجرس بثلاث حاملات للقناديل، ونقش عليه «وصلى الله على سيدنا محمد... الملك لله... والعزة لله...»، وبالمسجد بعض من الأجراس الأخرى التي حولت إلى ثريات، وكانت قد نزعت – بأيدي الجنود المسلمين – من أعالي الكنائس القشتالية شمال الأندلس.
ويلاحظ أن منبر المسجد قد صنع من خشب الصندل والأبنوس والجوز، وأن نقوشه مطعمة بالعاج، وبجوانبه زخارف وتوريقات نخلية دقيقة، وهو كغيره من معظم المنابر المغربية – متحرك، يخرج عند الخطبة في يوم الجمعة، ثم يعود – بعد ذلك – ويختفي داخل الجدران طيلة الأسبوع.
هذا، وما أن اكتمل بناء الجامع فيما مضى حتى بدأ يؤدي رسالته، إلى جانب المساجد الكثيرة التي تغطى بها مدينة فاس، من حيث كونها مراكز لتثقيف المسلمين، وتبصيرها بأمور دينهم ودنياهم، شأن معظم مساجد المدن الإسلامية في المشرق والمغرب، والتي لم تكن وظيفتها قاصرة على العبادة ليس إلا، بل تكوين المسلم الصالح تكوينا شاملا للعبادات والمعاملات.
وطبيعي أنه لم يكن في الحسبان عند إنشاء هذا المسجد أنه سيكون له شأن عظيم، وأنه سيصير بمرور الأيام سجلا علميا حافلا لأعداد من العلماء المغاربة وسواهم من الوافدين من عدة أقطار لينهلوا من ينابيع المعرفة، ولا سيما من القارة الإفريقية بحكم صلة الجوار والقربى.
وتمضي فترة على افتتاح جامع القرويين، ويعمر بالمؤمنين لأداء الصلوات شيئا فشيئا، ثم أخذت الدروس الدينية طريقها إليه، بفضل طائفة من العلماء والأساتذة أثناء النهار وبين العشاءين، وذلك في علوم التفسير والحديث والفقه، وكذا علوم اللغة العربية، فهكذا استدارت الحلقات العلمية للدروس في هذه المواد، وأضحى المسجد منذ ذلك الحين مركزا علميا بارزا، بحيث استقطب العلماء والطلاب من معظم مساجد المغرب، حتى صارت له القيادة في هذا الميدان العلمي والثقافي.
ولقد حظي هذا المسجد العلمي بعناية ملوك المغرب الذين توالوا على الحكم، فقد أضافوا إليه في بناياته ووسعوا في أرجائه، وذلك تمشيا نع تطور رسالته ونموها، ولم تبخل دولة – من الدول التي حكمت المغرب – عليه في إمداده بالوسائل الكفيلة بمواصلة رسالته العلمية السامية، ومن ذلك إلحاق خزانة متسعة ضمن العديد من الكتب العلمية، تتصدرها المئات من المخطوطات الثقافية، لعصور توالت ودول انتقضت بين المغرب والأندلس، في شتى فنون المعرفة، بحيث أضحت هذه الخزانة في مجال المخطوطات – كما وكيفا – من بين أمهات الخزائن في العالم.
وتروى المؤرخات المغربية خاصة أن قاضي القضاة بفاس كان يتولى إدارة شئونها، بحكم أنه كان بمثابة شيخ الجمع الأكبر، فقد كان يشرف على اختيار الأساتذة، ووضع الشروط الواجب توافرها، في راغبي الدراسة من الطلبة، كما يحدد المواد الدراسية، والمؤلفات العلمية التي هي مادة التدريس، بالإضافة إلى إشرافه على منح الإجازات العلمية بالاتفاق مع العلماء المختصين، وتلقيه العطايا مادية وعلمية، للإنفاق على العلماء والطلبة.
لقد كان مسجد القرويين ملتقى فكريا لعديد من الشيوخ الفقهاء الذي عاصروها المراحل الأولى من تاريخه، حيث كانوا يمارسون مهمة الوعظ والإرشاد، لا يبتغون من وراء ذاك سوى الأجر والثواب عند ربهم، بالإضافة إلى بعض الدروس العلمية أحيانا. وهكذا أضحى المسجد في العصور المتوالية يعج بكثير من العلماء المرموقين من داخل المغرب ومن الأقطار الإسلامية المجاورة خاصة، حبا في العلم والتدريس، واستجابة لرغبة بعض ملوك المغرب، الذين مدوا يد العون لهاء العلماء، لا سيما في الوقت الذي كانت فيه مدينة فاس العاصمة الإدارية (عصر المرينيين)، وحيث تهيأت للفقهاء الوافدين وسائل الإقامة إلى جوار القرويين، فأضحوا متفرعين للاشتغال بالعلم والتدريس، وعملوا على رقي النهضة الثقافية بالمغرب، مما كان له أثر واضح في ازدهار جامع القرويين والارتقاء بمستواه التعليمي.
ولم تكن عناية أولى الأمر بالمغرب نحو القرويين قاصرة على الفقهاء والمدرسين سواء – منهم المغاربة أو الوافدين...، بل شملت هذه العناية – كما أشرنا – طلاب العلم المواطنين والقادمين من الأقطار الإسلامية، وكان من الضروري بالتالي – وقد تضاعفت أعدادهم بمرور السنين – أن تهيأ لهم أسباب المعيشة ووسائل الدروس والتحصيل، وقد كان توفير السكنى لهم أقرب الجامع من أهم ما كان يشغل بال القائمين على الأمور العلمية بفاس – وهكذا بدأت فكرة إنشاء المدارس العلمية المشتملة على دور السكنى في الأحياء القريبة من القرويين منذ عصر المرابطين، ففي عام 670 هـ أسست مدرسة الحلفاويين، وفي عام 723 هـ أنشئت مدرسة العطارين، ثم المدرسة المصباحية عام 754هـ، والمدرسية العنانية، أما في المدن المغربية الأخرى فقد أقيمت مدرسة ابن يوسف بمراكش في عهد المرابطين، وكانت هذه المدارس في مجموعها تشتمل على الخزانات العلمية التي تجمع العديد من المراجع والمصادر في مختلف العلوم.
نظام الدراسة:
لم تكن الدراسة في القرويين في بداية عهودها ذات نظم معينة أو شعب متخصصة، بل كانت تتناول سائر الفنون المعروفة يومئذ، ومعظم العلوم التي تتناولها الكليات الجامعية اليوم، وبالتالي فقد كانت تدرس بها العلوم اللغوية والأدبية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الرياضية والطبيعية، ولكن الدراسات الإسلامية هي التي كانت تختص بقدر أكبر، وتحظى باهتمام أعظم، كالتفسير وعلومه، والحديث وعلومه، وأصول التشريع الإسلامي، وعلوم فقه المذهب المالكي، مع اعتماد المؤلفات الأصلية والمشهورة في المغرب والمشرق.
وعندما يلتحق الطالب بهذه الجامعة فإنه كان عليه أن يدرس عدة سنوات قد تصل إلى عشر أو أكثر، يلازم فيها تلقي العلم على مختلف العلماء المتخصصين، وخلال هذه الدراسة يتعرف الأستذة على طلابهم النابغين، الأمر الذي يخولهم – بعد فترة من الوقت يختبرون خلالها معلوماتهم – أن يمنحوهم الإجازات العلمية طبقا لتبريزهم وتفوقهم، ويقام حفل خاص توزع خلاله تلك الإجازات التي تجيز لهم حق التدريس، أو شغل الوظائف الرسمية كالقضاء، والعدالة، أحيانا بعض المناصب الرئيسية كالوزارة أو السفارة، حسب الاستعدادات، والخبرات العامة، فوق الحصول على الإجازة العلمية.
أما الطلبة الوافدون من الأقطار الإسلامية الأخرى، فإنهم بحصولهم على تلك الإجازة يصبحون في وضع يمكنهم من أداء واجبهم نحو أوطانهم، فيعودون إلى بلادهم لنشر الدين وتقلد الوظائف التي تناط بهم في حدود إمكانيتهم العلمية.
وتجدر الإشارة – بهذه المناسبة – إلى أن جامعة القرويين تضم خزانة علمية كبرى، بحيث تغطي احتياجات العلماء والمدرسين، وتواكب النمو العلمي للطلاب والباحثين، من مصادر رئيسية هامة، ومراجع في شتى ألوان المعرفة، ولاشك في أن العناية التي كان يوليها ملوك المغرب للقرويين كانت تتناول – بطبيعة الحال – تلك الخزانة التي أوقف عليها هؤلاء الملوك ووزرائهم العديد من الكتب، إلى جانب ما كان يجلب من هذه المصادر من بلاد العالم، حتى غصت الخزانة بآلاف المخطوطات النفسية التي يقل نظير بعضها في المكتبات الوطنية في الخارج، حتى قيل إن تعداد هذه الكتب يكاد يبلغ ثلاثين ألفا، بين علوم وفنون وآداب لمختلف المؤلفين في العصور الإسلامية.
من تقاليد القرويين:
إن طريق الدرس والبحث في ساحة القرويين تتميز ببعض الخصائص، وذلك فيما يتصل بطريقة تلقى الدروس، حيث كانت تعقد الحلقات الدراسية من حول الأستاذ الذي يعلوها بمنصة خاصة، وفيها يطلب من بعض تلاميذه أن يفتتح الدرس بالبسملة، ثم قراءة النص المراد شرحه في المادة، وبعدها يبدأ الأستاذ في الشرح، وأخيرا يطلب من أحد التلاميذ قراءة ما ورد من نص في الكتاب المقرر، وخلال هذه القراءة يستطرد الأستاذ مع الطلاب بالتعليق والتوضيح أيضا، والاستشكال في بعض المواطن أحيانا، وتلك هي الطريقة التي كان يسير عليها «الجامع الأزهر» في تلك العصور، وهي الطريقة المثلى لهضم المادة والإتيان على جوانب البحث فيها، بما يعمق المعرفة ويؤصلها لدى طالب العلم. 
«وهكذا، يبدو كيف استوفى جامع القرويين أسباب نموه وازدهاره، واستكمل وسائل نهضته منذ عهد مبكر، وأثناء فترات متتالية، ومراحل متواصلة، وخاصة منذ عهد الدولة المرينية، حيث توافرت له عناصر الجامعة، وثبتت له الصفة الجامعية، وتحققت له الشخصية المعنوية، وأصبح معها مؤسسة علمية أكاديمية، تذكر في المشرق وغيره من البلاد كما تذكر في المغرب، وتضاهي مثيلاتها من الجامعات الإسلامية المشهورة.
«واستمرت جمعة القرويين عامرة تواصل سيرها الحثيث، متخطية كل الصعاب، ومتحدية كل العقبات، تؤدي رسالتها العلمية والحضارية من حيل إلى جيل، محافظة بذلك على التراث الإسلامي والمد الحضاري ومقومات الشخصية الإسلامية، وأصالة الأمة المغربية، فأنجبت العلماء الأفذاذ، والشيوخ الكبار الذين علموا وكتبوا، ودرسوا وألفوا، ممن تزخر بهم كتب تاريخ المغرب وتراجم رجاله، وتذكرهم الأجيال الماضية والحاضرة، وتخلدهم – مؤلفاتهم القيمة، التي كانت وما تزال أهم المصادر والمراجع في البحوث والدراسات الإسلامية (17).
جامعة القرويين حديثا:
حظيت هذه الجامعة ضمن قطاع التعليم في المغرب بعناية أولى الأمر، لتكتسب مظاهر واضحة التقاليد، ولتبرز لها خصائص الجامعية بما يواكب حضارة العصر الحديث جهد الطاقة وقدر الاستطاعة، وقد كان أبرز مظاهر التطوير والتجديد هو التنظيم الذي أدخل على سير الدروس لتلائم في مجموعها مستويات الطلاب عامة، وهكذا نرى السلطان المولى محمد بن عبد الله، الذي أصدر منشورا عام 203 هـ (1789م) في صدد هذه الجامعة، وخصص لتدريس كتب معينة بها وتقرير مواد خاصة للدراسة. ثم تلاه السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، الذي وجهه خطابا بتاريخ 12 محرم 1216 هـ إلى قاضي القضاة بفاس، وفيه يشير عليه بأن يوجه أنظار المدرسين بالقرويين إلى أن يعملوا ما في وسعهم لمصلحة الطلاب، وتيسير مهمتهم العلمية.
أما السلطان المولى يوسف فقد طلب من العلماء في رمضان 1330 هـ (سبتمبر 1912م) عقب توليه السلطة أن يعدوا له تقريرا حول إضافة بعض المواد في الدراسة، كما أنر بتأسيس «مجلس علمي» توكل إليه أمور الجامعة، ويضم طائفة من علماء القرويين المتمرسين بالشئون العلمية والإدارية.
«وفي 20 جمادى الأولى 1333 هـ (5 – 4- 1915) وبعد سنة من تأسيس المجلس العلمي وردت رسالة مخزنية تحمل الأمر بجعل الانخراط في صفوف العلماء متوقفا على النجاح في الامتحان، واجتياز مباراة.
«وفي 16 ربيع الثاني 1346 هـ (13 – 10 – 1927م) صدر ظهير يفيد أن رواتب العلماء قد زيد فيها، وأنه قد تأسس بالرباط مجلس أعلى برئاسة السلطان المولى يوسف، وعضوية الصدر الأعظم، ووزير العدلية والأوقاف والحاجب، وتقضي بتعيين أمين ورقيب، وكان يعد المجلس بمثابة هيئة عليا تراقب المجلس العلمي بفاس» (18).
وهكذا... واصلت جامعة القرويين رسالتها في حدود الإمكانيات التي أتاحتها لها الظروف المعاصرة، وخاصة في مرحلة الاستعمار الأجنبي، إلى أن قيض الله لهذه البلاد أن تنال استقلالها الأجنبي، إلى أن قيض الله لهذه البلاد أن تنال استقلالها عام 1956 بقيادة الملك محمد الخامس، والذي رأى أن يعيد النظر في شؤون الدراسة بجامعة القرويين، بحيث تستقطب أكبر عدد ممكن من طلاب العلم من الداخل والخارج، ولتسير الجامعة وفق مقتضيات العصر الحاضر، على أسس منهجية في دراساتها، وحتى تنتهي تلك الدراسات بمؤهلات علمية تتعادل مع مؤهلات الجامعات المناظرة، وليمكن لخريجيها أن يشقوا طريقهم إلى الوظائف المناسبة في الدولة.
مراحل التطوير للجامعة قبل الاستقلال:
«... وفي هذا الصدد صدرت عدة ظهائر وقرارات تتعلق بإدخال التنظيم الجديد على جامعة القرويين.
1- ففي 26 ذي الحجة 1348 هـ (25 مايو 1930) صدر ظهير شريف يعين المدرسين، ويرتبهم ثلاث مراتب وينفذ لهم رواتبهم.
2- وفي 10 ذي القعدة 1346 هـ (26 مارس 1931م) صدر ظهير شريف، يسند بها للمجلس الأعلى، إلى جانب من ضابط بتنظيم التعليم، وتحسين طرقه بالقرويين.
3- وفي 16 ذي الحجة 1342 هـ (14 مايو 1931م) فتحت إدارة المجلس الأعلى أبوابها في وجه الطلاب الذين يريدون الانخراط في النظام، ودشنت الدروس النظامية في 8 شوال 1350هـ (16 فبراير 1931م).
4- وفي 10 ذي الحجة 1351 هـ (31 مارس 1933م) صدر الضابط المسنون في أحد عشر فصلا، يتضمن تقسيم الدراسة إلى ثلاث مراحل:
أ- ابتدائية، ومدتها ثلاث سنوات.
ب- ثانوية، ومدتها ثلاث سنوات.
ج- عالية، مدتها وثلاث سنوات، وتحتوي على شعبتين شرعية، وأدبية، وتنتهي بتخويل المتخرج شهادة «العالمية»، وهي أعلا شهادة كانت تمنحها جامعة القرويين.
«كما نص هذا الظهير على تحديد المواد المدروسة، وتعيين الكتب المقررة، وعلى الزيادة في عدد العلماء المدرسين، ورفع رواتبهم، وتحديد مهمة المراتب، والعطل الأسبوعية والفصلية، ونظام الامتحانات، والوظائف التي تخولها مختلف الشهادات، إلى غير ذلك من التنظيمات التي كانت من أعظم مكاسب جامعة القرويين في عهد محمد الخامس، وأساسا للمكاسب التي تمتعت بها هذه الجامعة بعد الاستقلال» (19).
وما أن أشرق فجر الحرية على البلاد، حتى حظيت القرويين بعناية خاصة من ساكن الجنان الملك محمد الخامس، حيث كان قد وعد بمزيد من الرعاية والاهتمام بها، تقديرا منه لهذه الجامعة العتيدة، والتي حفظت للبلاد دينها الإسلامي ولغتها العربية فيما انصرم من العصور، وهكذا تفضل بزيارة خاصة لمسجد القرويين، وخطب في طلابها وعلمائها مشيدا بدور الجامعة الحضاري، ومؤكدا العزم على مواصلة إصلاحها ورعايتها، وذلك بما يكفل لها أداء رسالتها على أحسن وجه، وقد استهل هذا النظر الكريم بتأسيس لجنة عليا للسهر على إصلاح التعليم بصفة عامة، وجامعة القرويين بصفة خاصة، كما خصصت لها إدارة لرعاية شئونها بوزارة التربية الوطنية، بحيث تشمل معاهدها الابتدائية والثانوية إلى جانب كلياتها، وخصصت لكل هذا الأبنية المناسبة، وبذلك انتقلت الدراسة من المسجد والجوامع التابعة إلى مدارس حديثة مجهزة علميا، مما كان له أكبر الأثر في النهوض بالتعليم الديني في المغرب الحديث.
هذا، وتدخل في نطاق القرويين للتعليم العالي كليات ثلاث على النحو التالي:
1- كلية الشريعة، ومقرها مدينة فاس.
2- كلية أصول الدين، ومقرها مدينة تطوان.
3- كلية اللغة العربية، ومقرها مدينة مراكش.
وقد نالت جامعة القرويين العناية اللائقة بها في وقتنا الحاضر من لدن جامعة الحسن الثاني، حيث كانت في حاجة إلى المزيد من الرعاية والاهتمام، وذلك حفاظا على الثقافة الإسلامية، ونشرا لها من طول البلاد وعرضها.
وفي الخطب السامية لجلالته، والظهائر الملكية. والمراسيم الوزارية التي تستهدف – النهوض بجامعة القرويين ومعاهدها، وتزويدها بالإمكانيات الضرورية، وإعادة النظر في برامجها ومناهجها، وتحديد الدراسات التي تختص بها كل كلية من كليات هذه الجامعة، مما يجدد شبابها، ويعطيها نفسا جديدا يساعد على تخريج العلماء المتضلعين في علوم اللغة العربية، والفكر والحضارة والشريعة الإسلامية، وعلى بعث حركة ثقافية ونهضة علمية شاملة، تنعكس آثارها على التكوين المتين والتثقيف، لتؤدي الجامعة رسالتها التاريخية داخل المغرب وخارجه.
التنظيم الحديث لجامعة القرويين:
وفي هذا الصدد كان جلالته قد أصدر ظهيرا شريفا بتاريخ 12 رمضان 1382 هـ (6 فبراير 1963م)، بإعادة تنظيم جامعة القرويين تنظيما جديدا، يتلاءم وروح العصر الحديث شكلا وتربويا بما يحقق النهوض بهذه الجامعة، ويكتمل معه إطارها العام بمختلف الكليات، ويستجيب لتحقيق الغاية المنشودة منها، بتكوين علماء متخصصين في فروع العلم والمعرفة، يشتغلون وظائف عامة في الدولة، يقومون بخلق نشاط فكري وثقافي وحركة علمية في هذا المضمار.
وقد تضمن الظهير المذكور العناصر التي اقتضاها إصلاح الجامعة، وإعادة تنظيمها من جديد، فحدد اختصاصها وأهدافها، وأعطاها صبغة المؤسسة العمومية المتمتعة بالشخصية المعنوية، كما حدد الكليات التي تشتمل عليها الجامعة، وهيئة التسيير التي يمثلها مجلس الجامعة، ووضعية رجال التعليم بها، واختصاصات كل كلية، والإجازات الوطنية التي تسلمها.
وقبل أن ننهي الحديث عن جامعة القرويين يطيب لنا أن نقتطف فقرات مما سطره بعض الكتاب الأوربيين، الذين نوهوا بالدور الثقافي والإنساني لهذه الجامعة:
1- فقد كتب ديلفان في كتابه «فاس وجامعتها» يقول: «مدينة فاس دار العلم بالمغرب، التي بها جامعة القرويين، تعد أول مدرسة في الدنيا».
-2 وكتب المستشرق الروسي «جوزي كريستوفيتش» مقالا، ترجمته مجلة الهلال المصرية (أبريل 1956) قال: «إن أقدم كلية في العالم ليست في أوربا – كما كان يظن – بل في إفريقيا في مدينة فاس، فقد تحقق بالشواهد التاريخية أن هذه المدرسة كانت تسمى «جامعة القيروان» - ويقصد القرويين – والتي أسست في الجيل التاسع للميلاد، وعليه ليست فقط أقدم كليات العالم، بل في الكلية الوحيدة التي كان يتلقى فيها الطلبة العلوم السامية في تلك الأزمنة، حين لم يكن سكان باريس وأكسفورد وبولونيا يعرفون من الكليات سوى الإسم، فكان الطلبة يتواردون على كلية (القرويين) من أنحاء أوربا وبريطانيا، فضلا عن بلاد العرب الواسعة للانخراط في سلك طلابها، وتلتقي العلوم باللغة العربية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين وغيرهم، ومن جملة من تلقى علومه – في هذه المدرسة من الأروبيين – جيربرت أو البابا سيلفستر، وهو أول من أدخل إلة أوربا الأعداد العربية، وطريقة الأعداد المألوفة عندنا بعد أن – أتقنها جيدا...».
4- وذكر الكاتب البريطاني روم لاند أنه: «شيد في فاس في أيامها الأولى جامع القرويين، الذي هو أهم جامعة وأقدامها، وهنا كان العلماء منذ ألف سنة يعكفون على المناظرات الفلسفية والأبحاث الدينية، وكان المثقفون يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من مفكري الإغريق، وقد تطورت على نحو ما حدث في جامعة السوربون التي كانت أول أمرها تعطي بعض الدروس في اللاهوت، يلقيها أحد الرهبان في حجرة قريبة من نوتردام في باريس، ثم أقام أحد المحسنين منزلا لإيواء الطلبة الفقراء، وهكذا كان الحال في الجامعة أوكسفورد وسلامنكا».
          --------------
1) لقد جمع الأستاذ بلا شير المستشرق المعروف هذه الروايات في مقال له بعنوان: «فاس عند الجغرافيين العرب في العصور الوسطى» المنشور في مجلة Hesperis هيسبيريس ج – 18، سنة 1934ن من ص 41 – 48.
2) انظر: «جزائر بني مزعنة» Desalne الطبعة الثانية، الجظائر 1911م ص 115، طبعة أحدث بالجزائر أيضا 1913م، ص 226.
3) انظر: «صفة المغرب» المأخودة من كتاب «البلدان» لأحمد بن أبي يعقوب ابن واضح الكاتب المعروف باليعقوبي، نشره Geoge 2M.J.D  طبعة ليدن 1860 ص 19.
4) انظر: «حسن التقاسيم، طبعة Geoge De ليدن 1906 ص 229.
5) نشرها وترجمتها وعلق عليها A. Bel باسم «زهرة الآس»، وهي تتناول تأسيس مدينة فاس، طبعة الجزائر عام 1923.
6) انظر: الطبعة الحجرية لهذا الكتاب في فاس سنة 1309 هـ.
7) انظر: الإسلام في المغرب والأندلس، تأليف ليفي بروفنسال، ترجمة د. السيد محمود سالم، د. محمد صلاح الدين حلمي، ص 7 – 10). 
8) مسجد الصابرين: أحد معالم فاس الإسلامية، راجع: مجلة «البحث العلمي» (السنة 12 – العدد 24) يناير – أبريل 1976.
9) أبو دلف: هو أبو القاسم عيسى بن إدريس العجلي، أمير الكرخ وسيد قومه، وأحد الأجواد من الشعراء كان من رجال الرشيد وابنه المأمون، وقد عقد له الكتاب بي طيفور جزاءا خاصا من كتابه (بغداد في تاريخ الخلافة العباسية) عند حديثه عن المأمون، وقد توفي أبو دلف عام 226 هـ. والشطي المذكور اقتباس من قوله:
إنما الدنيا أبو دلف بين مغزاه ومختصره
فإذا أولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره
10) ويقصد بالعالم الأول، «الأندلس» يومئذ.
11) إرم المباني: علم المباني.
12) عطارد: نجم سيار قريب من الشمس.
13) التعبير كناية عن موقع المدينة في السفح المنخفض، وهو حسن تعليل رائع لوقاية المدينة من عين الحسود بموقعها هكذا.
14) أبو طوبة: الريح الطيبة.
15) البيتان من قصيدة للشاعر ابن الليانة يصف فيها جزيرة ميروقة.
16) انظر: «معيار الاختيار» في ذكر المعاهد والديار لابن الخطيب، تحقيق ودراسة وترجمة للإسبانية، ص 78 – 81 نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي (الرباط 1977م). 
17) دليل جامعة القرويين – إصدار مديرية التعليم الأصيل بالمغرب (1978م).  
18) المصدر السابق.
19) نفس المصدر.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here