islamaumaroc

ابن زكري من خلال الوجه المغربي

  بنعلي محمد بوزيان

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

مقدمة:
لم يعد ثمة مبرر مقبول للأعراض عن التعريف بالفكر المغربي السالف ورجالاته، فالتراث – وقد شققنا عصا طاعته طويلا – أصبح يستلزم منا أن نتودد إليه ونستجيب له أكثر من ذي قبل، بل وأصبح لزاما أن تتوسع دائرة التعامل معه، بحيث لا تحصر بين يدي نخبة معلومة من ذوي الشهادات العالية يستمرئون احتكارها ويستحلونه حتى صاروا مع الزمن فرسان هذا الميدان بلا منازع، وفي المغرب طائفة واسعة من الشباب يأنسون من أنفسهم قدوة عالية على البحث والتنقيب، والجمع والترتيب، والتصنيف والتبويب، ويأخذون من الألفاظ جوهرها المنتقى، ومن العبارات درها المستجاد. واعتقد – ونحن نقف على عتبة القرن الواحد والعشرين – أننا – نحن الشباب – لسنا في حاجة إلى كتابه نتورى بعدها خلف أسماء أعيان الكتابة ووجهائها تماما كما فعل أجدادنا من ذي قبل، وإلا فمن حقنا أن نتساءل هنا عن الطريقة التي كان هؤلاء الأعيان يكتبون بها وهم في مطلع حياتهم البحثية علما بأن امتلاك المعرفة والإمساك بناصية اللغة ليس هبة تعطى دفعة أو فجأة، ومن هنا أرى ضرورة تشجيع هذا الجمهور العريض من الطلبة فتفتح أمامهم صفحات المجلات والجرائد كيما ينشطوا على منابرها. 
ونحن – هذه الفئة من الشباب – حينما ننادي بضرورة الاهتمام بالتراث، فإننا نربأ بأنفسنا أن نعود إليه لمجرد حب في القديم، أو باعتباره موقفا ارتداديا استخذائيا نتسلى بإنجازاته الباهرة، أو تفاخر برجالاته العباقرة ولكننا – فقط – نؤثر أن ندخل في حوار مستمر مع هذا التراث نستلهم منه ما يمكن أن يفيدنا مستقبلا، وندين منه كل موقف عطل عجلة التقدم، ونرد الاعتبار للأفذاذ المجهولين الذين عبدوا أمامنا الطريق، ونوروا الدروب، ونقوم الباقي لسبب أو لآخر ولكن بأقلامنا لا بسيوفنا كما ارتأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما أن ننفصل عنه، أما أن نعلن القطيعة دونه، متعللين بمقولات جائرة تربط المصير الإنساني بالحاضر والمستقبل وتناهض ما هداهما وتعاديه، فتلك لعمري محاولة جادة لمسخ هوية الإنسان العربي وطمس معالم حضارته كمقدمة ليس إلا لما هو أنكى وأهجن ألا وهو إفراغنا من الامتلاء الإسلامي: وليس إليه من سبيل سوى صرفنا عن أصالتنا، وبلبلة أفكارنا، وخضخضة مبادئنا تحت شعارات العصرنة، والواقعية، والتقدم... الخ.
وليس الغرض من هذا البحث المتواضع معالجة موضوع واقع الكتابة في المجلات المغربية ولا موضوع التراث كما قد تشي به هذه المقدمة وهي عبارة عن خطرات عارضة حضرتني قبل أن أسبر أغوار حقيقة الموضوع من خلال نفضي الغبار عن مصدر مخطوط يحوي بين ألفافه أخبار شخصية فذة في تاريخ المغرب الفكري تلك هي شخصية العالم الموسوعي محمد بن عبد الرحمان بن زكري وباسم الله أبدأ في عرضها.

1) وصف المخطوط:
المقياس: 31 × 22 سم وبمعدل 32 سطرا في كل ورقة و21 كلمة في كل سطر.        
الورق: خفيف صقيل، أبيض، تلاشت أطراف بعض أوراقه.
الخط: مغربي، جميل، مقروء، غير مشكول، محلى بالجمرة.
الهوامش: غاصة بالتعاليق وبتحديد تواريخ وفيات بعض أعلام.
بأول النسخة كما بآخرها بتر بحيث لم يبق منها سوى 104 أوراق متصلة، تبين لي بعد مدارستها وفحصها أنها قطعة مفيدة من كتاب «تحلية الآذان والمسامع U، بنصرة الشيخ ابن زكري العلامة الجامع» لأحمد بن عبد السلام بن محمد بن أحمد بناني، ومما يشي بذلك قولي متحدثا عن محمد بن عبد السلام بناني «قبيلته أولاد بناني الذين هم رهط العبد الجامع لهذا التقييد» وقد ألفه بعد سنة 1213 هـ بدليل قوله: «... أنشدني شيخنا الفقيه سيدي محمد بن أحمد بنيس رحمه الله تعالى في زمن الطاعون أواخر عام ثلاثة عشر ومأتين وألف لما قلت له...». ولعله أن يكون حلى كتابه باسم السلطان مولاي سليمان وأهداه إليه لقوله عند كلامه عن المسجد الذي بالديوان من حومة الصاغة بعدوة القرويين من فاس «... وكان الموسع لفضائه، والمشيد لسمائه... فخر السلاطين مولانا أمير المؤمنين الشريف الحسني المصدر هذا الكتاب المبارك بذكره».

2) تصويب لا بد منه:
نسبت مل المراحل المغربية (1) كتاب «العرف الشحري في بعض فضائل ابن زكري» لأحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني متكئة ف يذلك على النبوغ المغربي للعلامة عبد الله كنون، ويبدو أن هذا الأخير أدرك خطأ هذه النسبة فعاد ليصححها في الطبعات المتتالية من كتابه ومن ضمنها الطبعة الثالثة التي تحت أيدنا. وقد وافق ذلك ما جاء في المخطوطة من أهن هذا الكتاب إنما هو من إنتاج تلميذ ابن زكري عبد المجيد الزبادي المنالي المتوفي سنة 1163هـ وليس من نتاج الغساني ولذا وجب التنبيه.
3)
يسفاد من المراجع المترجمة لابن الزكري أن تاريخ ميلاده لا يزال تائها خلف غيوم المجهول، بحيث لم يتمكن أصحابها أن يكشفوا عنه النقاب ضبطا ولا تقريبا، وأكثر من هذا أنهم اكتفوا بالزهيد القول عن نشأته الأولى ومرباه، فهل معنى ذلك أن المصادر التي حفظت ذكره وأخباره سكتت عنهما أيضا؟
إن ما وقع تحت نظرنا من أوراق التحلية – علما بأنه مبتور – لم يتعرض لاهتماماته ومشاغله ورغباته في الصفر، ولكنه في المقابل أشرف في الحديث عن توقد ذكائه، وقوة عارضته، وإخلاصه وصراحته حتى إن احترافه للدباغة ارتبط بحادثة تتجاوب مع هذا السياق، وبطلها موضع خلاف طبقا لما جاء في المخطوط ونصه «... ثم إن ما تقدم عن الشريف مولاي حمدون طاهر صاحب التحفة من أن سيدي الحاج الخياط الرقعي هو الذي منع أصحاب الترجمة – أي ابن زكري – من الحرفة التي كان يحترف بها في صغره وأمره أن يتجرد للقراءة قد يخالفه ما ذكره الفقيه العدل الشريف سيدي محمد الزبادي شقيق العلامة سيدي عبد المجيد شقيق الشيخ رحمهما الله من أن ذلك صدر من الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي رضي الله عنهما وكان والده يعني الفقيه ابن زكري ملازما ومصاحبا للشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي وكان يحضر مع والده مجلس الشيخ المذكور، فكان يكثر السؤال من الشيخ والبحث، وكان لصغره يجلس في مؤخر الناس وكان الشيخ يستحسن سؤاله وبحثه وعبارته، فأقامه الشيخ يوما من مؤخر الناس وقدمه وقال له: مثلك لا يتأخر ولم يعرفه، وإنما ذلك لما ظهر له من فطنته وقابليته مع سابقية الازل ثم إنه رأى الشيخ بيده يوما أثر الصبغ فسأل عنه من هو، فقيل له إنه ولد سيدي عبد الرحمان ابن الزكري، وقال له والده هو ولدي، فقال له الشيخ: هو يخدم الصناعة، قال: نعم، فقال له: أخرجه من الصنعة، ولا تتركه فيها قط فإن مثله لا يليق للصناعة واجعله لقراءة العلم ولك أجره وإن عجزت عن مؤنه فكل ما يخص من مؤنة فعلي والله المستعان، فأخرجه والده، عند ذلك من صناعة الدباغة وتركه يقرأ العلم حتى فتح الله عليه وكان منه ما كان بسبب الشيخ وبركته». وقد علق صاحب المخطوط على الحادثة بقوله: «ولا معارضة بينهما لاحتمال اجتماع رأي الشيخين معا عل ذلك، إلا أن النسبة إلى الشيخ الرقعي وساداتنا الشرفاء أهل وزان أشهر وأصح والله أعلم» ومهما يكن، فإننا نعتبر الحادثة نقطة تحول غيرت مجرى حياة التلميذ ابن زكري الذي أبدل بساعات الدباغة الطوال ساعات أخرى يقضيها في التحصيل والمطالعة في مسجد عين طلوق أين كان يكب على أوراقه وكتبه والصبيان يلعبون حوله وربما تساقطوا عليه ووثبوا على ظهره وهو لا يشعر بهم.

4) ثقافته وأخلاقه:
إن ما تخلل التحلية من أجوبة ابن زكري، وتعاليقه، ومصنفاته لبرهان أكيد على سعة إطلاعه واستيعابه وتبحره في علوم العربية عامة حتى غدا مصدرا مهما للمعاصرين واللاحقين يستمعون منه أو يقرأوا له «... ففي أي فن من الفنون تكلم تقول هذا فنه المخصوص به الذي أجاد فيه وأربى على من تقدم... وله في النحو والبيان والمنطق وأصول الفقه والدين والتصوف وغير ذلك تقاييد أبحاثها أبحاث التحرير، وأجوبتها أجوبة من دأبه التحرير والتحقت مائلها بالتحقيق الكثير» (2) وللتمثيل فقط نورد جوابه على سؤاله عن معنى قول القائل:
إذا أكــل الجـراد حروث قـــوم         فحرثي همــــه أكـــل الجراد 
«معنى البيت المتبادر منه بحسب الظاهر الفحوى لا يستشكل ولا يقصده البلغاء لما فيه من قلة الجدوى، والظاهر أن قائله من أهل الإشارات المضمنين إشعارهم لطيف الاستعارات وكأنه يشير إلى معنى قوله تعالى نساؤكم حرث لكم. ويستفاد منه حينئذ أن زوجته كانت ذا فاقة وعيال لوصفه إياها بشدة الخوف من أكل الجراد كما يفيده تكرير الإسناد وكون الجملة اسمية المفيد للدوام والثبوت بناء على أن قوله همه بالرفع مبتدأ أما إذا قرئ بصيغة الماضي فلا دلالة في الجملة على الدوام والثبوت على رأي المحققين فإن العادة حاكمة بأن شدة الخوف من غلاء الأسعار الذي سببه أكل الجراد إنما تكون ما كر وسن ترتيب وله فحرثي همه الخ على ما قبله لتعبيره فيه بجمع الكثرة وبجعل التنوين في قوم للتكثير فيظهر الاستلزام
العادي بين المقدم والتالي». ولم يكتف المترجم بهذا الجواب المنشور بل لخص مضمونه في أبيات تماثل الوزن والقافية وهي:
إذا أكــل الجـراد فشـا بــأرض                 وخيـف غلـو أسعــار البـــلاد 
فأقـوى النـاس خوفـا ذو عيــال                 وأولاهــم بكــد واجتهـــــاد
وأحرى مـن جميـع ذوات خــدر               لهـن صبيـة مـع ضعـــف زاد..
كـزوجة قائــل البيـت المعمـى                 بشاهــد أن همهــا ذو زيـــاد
وكـون الجملـة اسميــة دليــل                 لذلــك مــع تكــرر الإسنــاد
فهـي المقصود باسم الحرث فأفهـم           مراد ذوي الإشارة بانقيــاد
وقــول نساؤكـم حــرث مفيـد  لصحــة ما أدعينــا مـن المراد
وإذا نحن أضفنا إلى هذا الجواب نقولا آخر في النحو والبيان والحديث والتفسير والمنطق نكون قد وقفنا بحق على ثقافة متميزة نكتسي طابعا موسوعيا عميقا.
أما أخلاقه، فبإمكانية التفتيش عنها في ديوان أعماله واهتماماته وهي جمعاء تدل على كمال ورعه، وسلامة طويته، وصفاء مودته، وخلوص محبته لآل البيت، ولكثرة محبته فيهم وانحياشه إلى علم جنابهم أوصى بأن يدفن معهم إن أمكن أو بجوارهم على الأقل، وله رضي الله عنه كلام ذكره في بعض كتبه مداره على هضمه لنفسه واتهامه لها كما هو شأن ذوي الخبرة والبصيرة ومن جملة ذلك ما قاله فيمن يجهل النعمة ويستعملها في خلاف ما هو المقصد والمرام بادئا بنفسه متهما إياها باتخاذ النعمة حرفة لتكسب الذكر وصناعة للتسبب في الصيت والشهرة ثم ذكر لذلك أمثلة خاتما بتوجيه الخطاب للناشئين والطلبة «... فاعتبروا معاشر الطلبة هذه المواطن وأمثالها، وانظروا ما أبعدنا من الإخلاص، وكم بيننا وبين من قرأ العلم امتثالا لأمر ربه واستقام، وتيقنوا أن الموت نازل عن قريب، ولا ينفعنا ما نكتسبه من الوجاهة، ولا ما نجمعه من الحطام، فالتدارك التدارك بطلب العلم النافع الذي تحصل معه خشية الله ومراقبته في الإقدام والإحجام، ويتوصل به إلى الإطلاع على عيوب النفس المعين على التخلص من ربقة الرضى عنها الذي هو أصل كل كعصية وحزن واغتمام، وما يعرف به المرء حاله وما هو عليه فتنجوا بذلك من الغلط واعتقاد الكمال الذي لا تتطلب معه التوبة ولا يرى عنده عتب ولا ملام، وإذا عرف المرء حال نفسه بعثه ذلك على مدافعة الخواطر الفاسدة والتحرز عن توطين النفس عليها فيقرأ العلم وإن خاف العجب مستغفرا منه وهذا مقصودا من سوق جملة الكلام» ويعلق بناني على ذلك بقوله «فقف عليه وتأمله واستفد منه شدة مراقبته لنفسه ومحاسبته لها واتهامها لها وعدم رضاه عنها وهكذا الفضلاء العارفون لا يرون لأنفسهم ولا لأعمالهم مزية ولا يدعون ولا يتكبرون» ثم يفيض في الحديث عن الرقابة والعجب ذاكرا أطرافا واسعة من شهادات العلماء والفقهاء بين مغاربة ومشارقة.

5) شيوخه:
لم يسرد لنا صاحب التحلية قائمة شيوخ ابن زكري كاملة، فقد أهمل البعض وتناول البعض الآخر بإيجاز واقتضاب، بينما ركز على واحد فقط فعرفنا به مسهبا، ونثر أمامنا مجموعة فسيحة من أخباره ومآثره الصالحات واهتماماته المتشعبة، ذلكم هو المسناوي (3) الذي قدمه هكذا «ومن أشياخه من علماء الظاهر الذي شاع فضلهم عند كل باد وحاضر، محمد بن المسناوي الدلائي قال بعض الشيوخ من تلامذته كان آية الله تعالى في الحفظ والإتقان والضبط ما رأت عيناي قد مثله خلقا وإنصافا ومروءة وتواضعا ووقارا واحتمالا وحياء وصبرا وصدق لهجة وسخاء وإيثارا مع تبحره في علم النحو وبلوغه فيه مبلغا لم يصل إليه أحد من أترابه مع المشاركة في سائر العلوم العقلية والنقلية والحديثية وحسن الادراك وقوة الفهم وحب الخير للمسلمين» وبعد ذلك انشغل بحصر شيوخه وكعاداته أفرد أبا محمد عبد القادر الفاسي بالحديث المطول مقتصرا على ذكر سنده في كتاب الموطأ الذي رواه عن عم أبيه العارف بالله تعالى أبي زيد سيدي عبد الرحمان الفاسي المتوفى سنة ست وثلاثين وألف، وهو عن العلامة النظار، أبي عبد الله محمد بن قاسم القصار المتوفي بمراكش سنة اثنتي عشرة وألف... وهلم جرا الخ ما ذكره في الكتاب، أما كلامه عن شيخه الآخر محمد الفاسي المتوفي سنة 1116هـ فهو على قصره كان يرشح بالإعزاز والإكبار ويفيض بالتجلة والتقدير وقل مثل ذلك في شرفاء وزان والحاج الخياط الرقعي سنة 1115هـ.

6- تلامذته:
كان قرار الشيخ ابن زكري بالديوان من حومة الصاغة فاس القرويين، وكان إماما بالمسجد الذي هنالك، وله به مجالس للعلم يقرئ فيه غدوة الحكم لابن عطاء الله حتى ضاق المسجد على الناس، وضع به سرير من خشب يجلس عليه بعض الناس من الضيق وثرة الازدحام، وفي رحابه أخذ عليه جم غفير من النبهاء كثرت أسماؤهم وطال عددهم حتى كاد يخطئهم قانون الضبط والحصر، وكدأب بناني، نراه قتورا مقتصدا في الحديث عن بعض تلامذته النجباء أمثال أحمد بت قاسم جسوس ومولاي حمدون طاهر ومحمد بن عبد العزيز الطاهر الحسني، على حين أطنب في الكلام عن تلميذه عبد المجيد الزبادي المنالي المتوفي عام 1163 هـ وربما لأنه كان ألزمهم له وحفظهم لذكره وأرعاهم له بظهر الغيب، كما أثبت له قصائد في مدح المترجم منها قوله:
أجلت فــي النـــــاس فكــري            فــي الصحـــو منـي وسكـري
فلـم أجـــد طــــول عمــري              شيخــــــا كشيخـي ابن زكري
وأورد له أخرى: كلاميته التي خاطب بها شيخه يوم ختمه الجامع الصحيح في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف وهائية أنشدها في حضرته يوم ختمه حمن ابن عطاء الله أواخر جمادى الآنية من نفس العام، وثالثة شيعه بها يوم خرج حاجا بخامس رجب عام اثنين وأربعين ومائة وألف ومطلعها:
أستــودع اللــه من ســاروا بقلبي  في هوادج المجد فوق الدهم والإبـل
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنصاحب التحلية اتكأ كثيرا على العرف الشحري وهو ينجز كتابه ذاك.

7) مؤلفاته:
وبإمكان متصفح المخطوط أن ينجز مسردا كشفا لبعض مؤلفات ابن زكري تذكرها كما وردت، وقبل ذلك أود أن أشير إلى أن كان في نية ابن زكري تفسير القرآن الكريم كاملا لو مد الله في أجله بدليل ما جاء في الورقة الخامسة: ?وكان مرده رحمه الله تفسير الكتاب العزيز كله بدليل قوله في آخر تفسير سورة الكهف انتهى تفسير سورة الكهف والله أسأل أن يمدني بالإعانة على ما بقي إنه على كل شيء قدير? ومعنى هذا أنه فرغ من تفسير النصف الأول من القرآن الكريم ولم يكتف بتفسير بعض الآيات والسور كما يظن البعض.
1) السيف الصارم في الرد على المبتدع الضارم (4) وهو في تقبيح بدعة التفريق بين المسلمين، وأشار صاحب دليل مؤرخ المغرب الأقصى إلى تسمية أخرى وهي: الفوائد المتبعة في العوائد المبتدعة، وليس فيه تفضيل العجم على العرب.
2) وهنا سأورد ما جاء في الورقة الثامنة والخمسين وهو مما قاله صاحب العرف الشحري في مدح تأليف شيخه ابن زكري خصوصا وعموما فمن أول قوله في شرح الفريدة:
يا إمامـا لـه الخصـال الحميــدة             والجايـا مــع المزايـا العديــدة
وأطاعـت لـه العلـوم أصــولا              وفروعـا لهــا البحـار مديــدة
وضـح النحـو مثـل صبح بأفـق             عندمـا جئتنــا بشـرح الفريـدة
فجــزاك الإلاه خيــر جــزاء               يا ابن زكـري كما نفعت عبيــدة
وقوله رضي الله عنه في شرح النصيحة:
يا إمام حـوى الفهـوم الفسيحــة             وروى مسنـد العلـوم الصحيحـة
لم تـزل تتحف البرايـا بنصــح              ثم أكملتـه بشــرح النصيحــة
وقوله قدس الله سره في شرح الحكم:
جزيت ابـن زكري بخير فكــم            نهـاك برفــع المحـل حكــم
مـدى الدهـر ترشدنــا للهـدى             وتشفــي مـن الجهـل كيفاؤكم
وأتحفتنــا ولــك الأجــر إذ               منحت المريدين شـرح الحكــم
ومن الثاني قوله:
أطالب العلم إن نشــأ بدائعــه                  وشرح غامضـة وفـك معضلــة
وعقـل شــارده ونفــي وارده                 وجبـر ناقصـه، ذكـر مغفلــة
وجمــع مفتـرق ونظـم منتثـر                 وقصــر ما طال مع تبيين مشكلة
فانظر تآليف شيخنا ابن زكري تجد           للعلم في طيبهـا سيفا بمنصلة (5)

8- تبرئته:
لقد أرغمت إنتاجات ابن زكري الفكرية مثقفي عصره بفاس على أن ينقسموا إلى أنصار وخصوم أثاروا زوبعة من المشادات الكلامية لم يرتفع غبارها ويشتد أزيزها إلا بعد موته، ولعل أخطر تهمة اقترنت بشخصيته تلك التي روج لها المؤرخ محمد بن الطيب القادري (1124 – 1187هـ) وخلاصتها أن المترجم سخر تآليف بأكملها في تفضيل العجم على العرب، ولم يكن بناني صاحب مخطوطتنا ليسكت عن ذلك أو يمر على الحادثة مرور العجلان الذي لا زاد له وإنما وقف لينتصر له ويدافع عنه دفاعا حارا بعد أن أورد طائفة لا بأس بها من شهادات برأت ساحته واعتبرت ما قيل في حقه لغوا لا يعتد به وبهرجا لا يؤبه له يقول: «وأخبرني شيخنا العلامة أنه سمع شيخنا الإمام القدوة البركة الهمام صاحب الأخلاق الزكية والخصال الجليلة المرضية والمآثر الحميدة والتصانيف العديدة أبا عبد الله سيدي التاودي بن سودة رحمه الله تعالى ورضي عنه يقول إن ما ينسبه بعض الناس إلى الشيخ ابن زكري مكذوب عليه مفتري وأن تأليفه المنسوب إليه فيه تلك المقالة متقن محرر، وممن برأ ساحة الشيخ مما نسب إليه شيخ شيوخنا الإمام العلامة صدر المحصلين الساعي مدة عمره فيما يرضى الله رب العالمين صاحب الفتح الرباني أبو عبد الله سيدي محمد بن الحسن بناني رحمه الله تعالى ورضي عنه وذلك أنه كتب بخط يده على كلام المؤرخ – أي القادري -  ما نصه: حاشا الله لم يقل ذلك ولم ينتسب إليه وإنما مضمن تأليفه منع التفضيل بين الأشخاص بغير التقوى... وحدثني ولده... إنه كان يقول أنا أكون خصيما لذلك المؤرخ يوم القيامة في المحشر عن الشيخ ابن زكري، وقد علق على هذه الشهادات بقوله: «وبهذا كله يتين لك أنه لا يحل لمن نظر في تأليف الشيخ وما خطه فيه من الكتابة أن يعتقد أن الحامل له عليه العصبية والقرابة وأنه لا عبرة بمن زعم هذا فإن من ثبت دينه واشتهر علمه كهذا الشيخ لم يلتفت فيه لكلام أحد».

9) مرضه... موته... وصيته:
قال صاحب المخطوط «قال تلميذه في العرف الشحري وقد دخلت عليه يوما أعوده مع بعض الإخوان فذكرت له بعض شفقتنا عليه، وشوقنا إليه، فقال انظروا إلة قلوبكم فكذلك هي قلوبنا معكم أو أكثر ووالله لو وجدت ما غبتم عنا لحظة ولكن لا خيار مع الزمان، ثم طلب منا أن ننوب عنه في زيارة أب يغالب عشرة أيام فانصرفنا عنه وهذا آخر م سمعته منه من الكلام، فلما كان عاشر الأيام نزل به جيش الحمام، فقبضه الله إليه وقد ناح لفقده حتى مطوق الحمام، ليلة الأربعاء الثامن عشر من صفر سنة أربع وأربعين ومائة وألف فأصبحنا لمصابه لا ندري وراء من خلف والجفن في نشر للدموع ولف.
وقد كتب وصيته وجعلها تحت وسادته امتثالا لما ورد ف يذلك، ونستغني عن إثباتها بتدوين أهم ما ورد فيها:
1) أن يغسله بعض السادات الشرفاء من الطاهريين ويحضر معه من يعينه ممن يحسن كيفية الغسل من طلبة العلم.
2) أن تحدد أجرة الغاسل والحامل للنعش وأن يسرع في التجهيز وعدم انتظار وقت معين.
3) الذي يغسله هو الذي يدخله في قبره ولا يدفع شيء من ثيابه للغاسل فإن ذلك من البدع المنهي عنها.
4) أن يكون الدفن بين ساداتنا الشرفاء الطاهريين يشتري له موضع هناك من ثلث متخلفة... الخ...
وقد حظيت هذه الوصية باهتمام المؤلف فراح يعلق عليها ويذيلها بفوائد شاء لها أن تكون تذكرة لأولي الألباب يوم المعاد والمآب بلغ بها اثنين ومائة فائدة قال بعدها: «هذا وقد نفذت وصية الشيخ رضي الله عنه وأقبر بأقصى الدرب الطويل من عدوة فاس القرويين مع ساداتنا الشرفاء الطاهريين وقد جمع ذلك المحل وما حوله جماعة من العلماء والعاملين والأولياء الصالحين».

10) وثاؤه:
وبأبيات في رثائه ينتهي ما معنا من أوراق هذا المخطوط الذي لم يشر أحد إلى مكان وجوده، والقصيدة لتلميذه عبد المجيد الزيادي سماها «وقلت أرثيه وأبكيه، وأرغم عدوه وأنكيه، مشيرا إلى تجديد الحزن على فقد شيخنا أبي عبد الله سيدي محمد ابن العلامة صاحب التصانيف الشهيرة سيدي محمد ميارة وقد توفي يوم الجمعة منتصف المحرم فاتح السنة المذكورة (1144هـ) وحيث لم يكن الوقت وقت رثائه فليس في سوقه على سبيل التبرك بذكره والتشريك في هول البين ونكره ما يستبعد ويستنكر، فالشيء بالشيء يذكر» ثم قال:
أبــك الربـوع ولا تكـن كالجلمـد                مـا رأي مـن لم يبكهــا بمســدد
وأدر الدمـوع بمـرسل ومسلســل              لا تـرض بالمقطوع دون المسنـــد
وزد الولوع ولا تخالط في الهــوى            مللا فتترك في الـبراح المصلـــد
وإذا انتهى الدمع اختصر ثلثا وجــد           منـــه بثلثيـــه ودم كالأرمــد
حال الأسى دون الأسى فالقلب مـن           وجــد علــى حد الحسام المجـرد
لم لا وأنت فــقدت جمـع أحبـة                قد أنقذوك مـن الجحيــم الموقــد
سلكوا بك البيضـاء دون تشعــب             وأروك ســر السيـر في كم مشهـد
والحق أن دراسة هذه المخطوطة المفيدة تتطلب مكنا وقتا وإرادة، وصبر وأناة، وكلها أمور لا تخطئ الباحث لولا أن رغبتنا في إخراج هذه العجالة إلى حيز الوجود كانت أوفى وأوفر، وكل ما نأمل أن تعقبها دراسة مكملة تتناول أدب ابن زكري وآراءه ونشاطه الفكري في مصر.

هوامش:
U) العنوان الكامل للكتاب هو: تحلية الآذان والمسامع بنصرة الشيخ ابن زكري العلامة الجامع. أو الوجه المغربي بنصرة العلامة ابن زكري، أو النور اللامع، وكنز رواة الجامع. أو المنهل العذب المروي، في نصرة العلامة ابن زكري، أو بستان الفوائد المحدثات البدائع، أو رشف الضرب، بتفضيل بني إسرائيل والعرب انظر دليل مؤرخ المغرب الأقصى عبد السلام بن سودة ج 1 ص: 48.
1) انظر محمد الأخضر الحياة الأدبية على عهد الدولة العلوية ص: 217 هامش 1 – ابن سودة الدليل ج 1 ص: 189...
2) هذه الشهادة مستقاة من كتاب العرف الشحري لعبد المجيد الزبادي.
3) محمد الأخضر الحياة الأدبية ص: 196 وكذا المراجع والمصادر التي ذكرها ف يهامش 1.
4) ورد العنوان في الدليل ج 1 ص: 118 هكذا «السيف الصارم في الرد على المبتدع الظالم» بدل الضارم التي في المخطوط وفي اللسان ضرم عليه وتضرم إذا احتد غضبا.
5) لابن زكري مؤلفات أخرى وردت في ثنايا المخطوط وعند محمد الأخضر الحياة الأدبية ص: 218 / 219.


    
   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here