islamaumaroc

هدي السيرة النبوية في التربية والتعليم

  محمد بن عبد الهادي المنوني

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

من معطيات السيرة النبوية تكوين ثقافة إسلامية تنظم المجتمع الإسلامي على المستوى الصالح: عقيدة وشعائر وسلوكا ومعاملات وجنايات، فتتناول – إلى جانب الحياة الدينية – تنظيم الأسرة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن أولى ميزاتها أنها تستمد تعاليمها من أوامر الله سبحانه، مصدرها هو القرآن الكريم والحديث الشريف وما اشتق منهما، وتأخذ من غريها ما لا يناقض الإسلام.
ومن هنا يتبين أنها ثقافة مستقلة، لا تشابه الثقافة اللاهوتية الكنهوتية، ولا تلتقي مع الاشتراكية الديمقراطية التي تفصل الدين عن السياسية، وبالأحرى الاشتراكية الشيوعية، وتنكر الخالق والأديان.
                                                   ***
وقد اختلفت الاتجاهات في الغرض من التثقيف، فالغربيون يهدفون إلى أن الغاية هي المعرفة للمعرفة، بينما يرى فريق منهم أن الغاية من ذلك أنها وسيلة لتطوير البشرية ورقيها.
غير أن غاية الإسلام من الثقافة هي إسعاد البشرية في دنياها وأخراها.
ولهذا ينادي الإسلام بتعميم التثقيف لسائر الأفراد، في تعليم إلزامي يتناول معرفة أصول الإيمان، واللازم من شرائع الإسلام، مع علم المحرمات الخمس في الآية الكريمة: (قل إنما حرم ربي الفةاحش ما ظهر منها وبطن...)، الآية، ورابعا معرفة أحكام المعاشرة والمعاملة، والواجب في هذا النوع الأخير يختلف باختلاف أحوال الناس ومنازلهم.
فللحاكم ثقافة إلزامية.
ولكل من المتزوجين علم يخصهما.
وهكذا الشأن في التاجر والصانع.
حتى المسافر يتعلم أحكام ما يعرض له حالات.
وقد جاء عنه صلى تعالى عليه وآله وسلم أنه كان يعلم كل من تعاطى عملا أحكامه وتكاليفه.
فهذه الأصناف – على تفاصيلها – كلها من ثقافة الإسلام الإجبارية، ويرجع تحقيق هذا التعليم إلى الحكام والعلماء قال الغزالي:
«وواجب أن يكون في كل مسجد ومحله من البلد فقيه يعلم الناس دينهم، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه – فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية – أن يخرج إلى من يجاور بلده... ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم... فإن قام به واحد سقط الحرج عن الآخرين، وإلا عم الحرج الكافة أجمعين.
وإنما يجب التبليغ على أهل العلم، فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها، ولعمري الإثم على الفقهاء أشد، لأن قدرتهم فيه أظهر، وهم ببضاعتهم أليق...».
                                                   ***
وقد اهتم العلماء في واجبات الحرفيين بنقط خاصة، فيذكر ابن الحاج في «المدخل» عن مهنة الغراسة أنها تحتاج إلى علم بها وفيها، فأما العلم بها فهو العلم بصناعة الغراسة وما يصلحها وما يفسدها.
ومثل هذا أشار له في مهنتي الفلاحة والقزازة، وفي تعبير آخر لنفس المصدر: «يجب على الصانع أن يتعلم صناعته وفقهها».
ونحو من هذا ما يشير ابن أبي جمرة: من تعليم الإماء، ما يحتاج له من أشغال البيت، فضلا عن تأديبهن بالآداب الشرعية.
                                                   ***
وإلى هذه الثقافة الإلزامية نشير إلى فبروض الكفاية، فيأتي في طليعتها التفقه في الدين: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
وهي إشارة – أيضا – إلى الحض على الرحلة للتثقيف، وتحمل المشاق في سبيله.
وعن فرض الكفاية يقول الغزالي: «أما فرض الكفاية فهو كل من علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الباقين.
ولا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات – أيضا – من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجافة».
                                                ****
وحرضا على نشر الثقافة الإسلامية على نطاق واسع، امتنع المسلمون الأولون من أخذ الأجرة على التعليم، وعن التأليف بذكر الخوارزمي عند افتتاحية كتاب «الجبر والمقابلة»: أن العلماء لم يزالوا يؤلفون احتسابا، وأنه ألف كتابه لحاجة الناس.
وفي تعبير خليفة: فالعلوم ليس العرض منها الاكتساب.
ولهذه الغاية كانت أماكن التعليم مباحة للجميع، ولا تزال لم تحجر ببناء المدارس.
والغاية من ذلك كله هو تعميم التثقيف بين سائر أفراد الأمة، حتى في إدارة الأمور الشخصية.
                                                ***
كذلك اهتمت هذه الثقافة بالتطبيق الأخلاقي، فقام التعليم الإسلامي على تربية المتعلم على العمل بالأخلاق الحسنة، من الإخلاص والصبر وحسن النية والإحسان، حتى يتربى في المتعلمين الوازع الديني، ليحرسهم ويمنهم من الانحراف.
                                             ***
ومن حسنات الثقافة الإسلامية اهتمامها بمبدإ التعادلية بين علوم الإسلام والثقافات الوافدة، فتكون الأصالة للمواد التي تهتم باللغة العربية وبالقرآن الكريم والحديث الشريف وبمجموعات التراث الحضاري الذي خلفه السلف وديعة لدى الخلف، حتى يكون مجموع ذلك سندا لتشريعنا، ومصدرا لإحياء لغتنا، ومرجعا لبعث حضارتنا،ن ومرجعا للإرشاد والدعوة والحجاج.
وقد تعرض هذا التراث لمضايقات متعددة في فترات مختلفة، وكان أولها ظهور العلوم الوافدة في صدر الدولة العباسية، فلمعت – أولا – بالعراق، ثم أخذت تنتشر في بقية العالم الإسلامي.
ولما كانت هذه العلوم مكتوبة بلغات أجنبية لم ينصرف المتعلمون كلهم أو غالبيتهم لتعليم تلك الألسن، وإنما انصرفت زمر منهم لذلك، حيث قاموا بتعريبها، وأسست لهذه الغاية دار الحكمة ببغداد، حتى تكون لهذا الفريق، ويبقى التعليم الأصيل يسير في مهيعة دون مضايقة.
ويبدو أن منشآت في مناطق أخرى كان من أهدافها خدمة هذه الغاية، وذلك مثل بيت الحكمة بالقيروان أيام الأغالبة، ودار الحكمة بالقاهرة أيام الفاطميين.
ثم اتبع هذا الاتجاه في عصر النهضة بالنسبة لدار لعلوم من الأزهر بمصر، والمدرسة الصادقة مع الزيتونة بتونس.
وهي مجموعة من النماذج تبين لنا سياسة الإسلام في الأخذ بالعلوم الداخلية النافعة، مع الاحتفاظ بأصالة التعليم الديني.
ومن جهة أخرى يتلخص من ذلك اهتمام التربية الإسلامية بوجود طائفة يتوفرون على معرفة اللغات، وهي نقطة تتأكد بوجود دواعي ذلك، كتوقيف الدفاع أو الإدارة عليها، وكالعلم بلغات الأمم والمدعوة، أو بلغات الحجاج الديني، ومن هنا نتبين أن اللغات المعنية بالأمر ليست اللغات الحية وحدها، وإنما تشمل غيرها أيضا.
                                                   ***
ولمراعاة الأصلة في الثقافة الإسلامية شواهد، منها منع تفسير القرآن الكريم بالرأي، والدعوة إلى الاقتصار في العقائد على الوارد...
وفي ميدان الدراسة: الاستناد على المصادر الوثيقة، ولهذا كان الرجوع لكتب الأقدمين من أهم أركان العلم.
كذلك كثر الحض على اختيار الشيوخ المفضلين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، وقال ابن مسعود ض: «لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن شرارهم ضلوا».
                                                ***
ومن مبادئ هذه الثقافة مراعاة استعداد المتعلمين، جاء عن ابن عمر مرفوعا: «أمرنا – كعاشر الأنبياء – أن نكلم الناس على قدر عقولهم»، وجاء في تفسير الرباني: الذي يعلم بصغار العلم قبل كباره».
ومن هذا أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقي إليه اللائق به، ولا يذكر له أن وراء ذلك تدقيقا يذخره عنه أستاذه، قال الغزالي بعد هذا: «وبهذا العلم أن يكون من تفيد من العوام بقيد الشرع، ورسخ في نفسه العقائد المأثورة عن السلف... وحسن مع ذلك سيرته، ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك، فلا ينبغي أن يشوش على اعتقاده، بل ينبغي أن يخلى وحرفته».
ومن مسائل هذا الباب، تحذير المعلمين من تحديث الناس بما لا يعرفون، فيروي البخاري عن علي ض: «حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينفرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله»، ولمسلم في مقدمة الصحيح موقوفا على ابن مسعود ض: «ما حدث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلا كان فتنة عليهم».
وقد كانت مراعاة استعداد المتعلمين إحدى الأهداف لاختصار المتأخرين، يشير لهذا قول الإمام النووي في افتتاحية شرحه لصحيح مسلم: «ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين لبسطته، فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات».
وفي تعبير لأبي على حسن العطار شيخ الأزهر «... اقتضت الحكمة الإلهية أن يقوم في كل عصر من يدون لأهل ذلك العصر على شاكلة عقولهم، ويقرب إليهم كلام من تقدم على قدر قرائحهم وفهومهم، طلبا للتسهيل، وروما للتحصيل».
وبعد فإن الموضوع لا يزال يتطلب الشيء الكثير، غير أن ضيق المدة بين تاريخ الاستدعاء وتوقيت المؤتمر: حال دون التبسط في العرض، ولهذا لا يمكن إلا أن أختتم قائلا: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

 

 

 

 

 


          

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here