islamaumaroc

[كتاب] الفجر الساطع على الصحيح الجامع، [لأبي عبد الله الزرهوني]

  يوسف الكتاني

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

قدمت في البحث السابق بهذه المجلة العتيدة تعريفا مركزا لأول شروح صحيح البخاري على الإطلاق وهو كتاب «إعلام السنن» للخطابي وها أنا أتابع أبحاثي بتقديم تعريف عن ذخيرة أخرى من ذخائر المخطوطات بالخزائن المغربية وهو كتاب «الفجر الساطع على صحيح الجامع» في شرح البخاري للشيخ المحدث المفتي خطيب الحرم الإدريسي بزرهون أبي عبد الله محمد الفضيل بن الفاطمي الإدريسي الشبيهي الزرهوني المتوفي سنة 1318هـ صاحب شرح» البخاري الشهير الذي تحدث عنه صاحب «فهرس الفهارس» بقوله: «أنفس وأعلى ما كتبه المتأخرون من المالكية على الصحيح مطلقا وهو في أربع مجلدات، أنا نتفرد الآن في الدنيا بروايته عن مؤلفته وقد استدرك في شرحه المذكور على الصحيح، وانتقد أمورا على الحافظ ابن حجر، وفق لها وغفل من قبله من الحافظ، مما يعلم منه أن الفتح بيد الله، وبالجملة فالرجل من مفاخر المتأخرين وممن يبتهج به صف شيوخنا رحمهم الله»(1).
ونسخته الأصلية موجودة في الخزانة الملكية في مجموعة الخزانة الزيدانية في ست مجلدات وهي التي اعتمدتها في التعريف بالشرح (2).
افتتح شرحه بمقدمتين:
الأولى: في الآداب قراءة الحديث الشريف وما يطلب من قارئه ومستمعه وحاضر مجلسه من التعظيم له والتشريف، حيث روى أحاديث في الموضوع عن عياض في المدارك ملفتا النظر إلى أن الأولى لقارئ الحديث، أن يصلح النية وأن يكون على ضوء لأن قراءته على غير وضوء تكون مكروهة، وأنه يكره لقارئ الحديث أن يقوم لأحد لأنه قلة أدب واحترام مع النبي ".
ولا ينبغي للقارئ أيضا إذا مر الله عز وجل أو رسوله أو الصحابة أن يقول قال الرسول.
وأنه ينبغي له بأن يعرف النحو واللغة وأسماء الرجال.
ثم تكلم عن نقل الحديث بالمعنى وما يطلب من سامع الحديث أن لا يرفع الصوت على حديث النبي " الخ...
أما المقدمة الثانية فخصصها للتعريف بمؤلف الصحيح وبيان موضوعه وصنيعه فيه وعدد ما اشتمل عليه من الأحاديث والكتب والأبواب، وزفي ذلك يقول: وأما صنيعه في جمع الأحاديث وتفريقها في الأبواب فإنه كما أخذ بالاستقراء يعمد إلى الحديث الواحد ويستنبط منه ما قدر عليه من الأحكام ويجعل لكل حكن ترجمة يضعها في المحل المناسب لها من الكتاب، ثم ينظر فيما اجتمع عنده من طرق ذلك الحديث، فإن ساوت الطرق الأحكام أثبت الحديث في كل ترجمة بطريقة من تلك الطريق، وربما تممه فيها كلها وربما اختصر في بعضها لمعنى يظهر له، وإن كانت الطرق أكثر ذكر الحديث في بعض تلك التراجم بطريقتين أو أكثر، حتى يأتي على أخرها، وإن كانت الأحكام أكثر، ذكر الحديث في بعض التراجم تاما وفي بعضها مختصرا أو معلقا، أو قال فيه حديث كذا حتى لا يبقى عليه من الأحكام شيء ولا من الطرق التي عنده، قال الحافظ ابن حجر: فعلم أنه لا يكرر إلا لفائدة، وفي التحقيق لا تكرار فيه ولم أره، ألف هذا يعني يذكر الحديث بمنته وإسناده في محلين إلا في مواضع نادرة» إلى أن يقول: عدد أحاديثه الثلاثيات ثلاثة وعشرون، وهي أقصر أحاديثه إسنادا، وأطول سند فيه سند إسماعيل بن إدريس المذكور في باب ياجوج وماجوج فإنه تساعى، وأكثر سند ذكرا للصحابة سند أبي سليمان في باب رزق الحكام من كتاب الأحكام فإن فيه أربعة من الصحابة السائب ومن ذكر بعده.
وأطول حديث فيه حديث عمرة الحديبية المذكورة في كتاب الصلح، وأكثر الصلح، وأكثر أبوابه أحاديث باب ذكر الملائكة.
وأكثر من روى عنه من الصحابة أبو هريرة رضي الله عنه.
وأكثر أحاديه تكرارا حديث بريرة فإنه كرره أكثر من عشرين مرة. ثم ذكره بعد المقدمتين سنده إلى الإمام البخاري عن شيوخه الثلاثة: لأبى العباس أحمد بن محمد المرنيسي، وأبي عبد الله محمد بن حمدون بن الحاج السلمي، وأبي العباس أحمد بن محمد بناني... الخ (3).
ثم ذكر إجازة الشيخ أبي الحسن علي بن طاهر الوتري الحسيني المدني له، وهو أعلى سند يوجد في الدنيا (4)، عن شيخه عبد الغني العمري المدني، عن محمد بن يوسف الفربري، بسماعه من مؤلفه صاحب الصحيح، وأنه أخذ هذا السند السند عن شيخه المذكور بضريح قطب الأقطاب ونور الأنوار مولانا إدريس عام 1297 هجرية (5).
وبعد ذكر إجازته وسنده إلى البخاري، بدأ في الشرح من أول الصحيح بالكلام عن البسملة دون الصلاة لأنها غير ثابتة في أصله.
ثم تكلم عن الوحي لغة وشرعا، وتعريفا النبي والرسول، ذاكرا سبب البدء بالآية إنا أوحينا إليك... لأن البخاري يستكمل بالتجربة بما وقع له من قرآن وسنة مسندة وغيرها، مشيرا إلى الكلام الموجود على نسخة الصدفي والذي هو من زيارة أبي عمران ابن سعادة ذاكرا أن الأولى كان حقه أن يكتب في الطرة.
ثم عرف بأبي علي الصدفي والباجي وأبي در السرخسي والمستملي والكشميهني والفربري الرواة الأولين للصحيح.
ثم أخذ في أعراب حدثنا فلان وسمعت فلانا يقول:
وبدأ يشرح الحديث الأول غنما الأعمال بالنيات، متكلما عن موضع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، شارحا ألفاظه وعباراته ومفرداته، مبينا ذاكرا أقوال الشراح فيه.
هذا نموذج باختصار لطريقة شرحه للأحاديث والأبواب.
أما أسلوبه العام في شرحه وطريقته الخاصة فيه، فقد اعتمد فيه على بيان معنى الحديث وغامضه ومشكله وحل ألفاظه وإعرابه واعتماد الأقوال والتوجيهات التي يراها في  شرحه وبيان مقصود الترجمة وشاهدها على ما ترجح عنده، مبينا الأحكام الشرعية مما وافق مذهب الإمام مالك، غير متعرض لأحوال الأسانيد وأسماء الرجال ووصل التعاليق، تجنبا للتكرار ولما سبق إليه في الشروح السابقة التي استمد من أغلبها، مستشهدا للمعنى الذي يختاره بالحديث كثيرا بالآية أحيانا (6).
وأحيانا ينقل القول منسوبا إلى صاحبه دون ذكر الكتاب المنقول عنه مثلا، قاله: العلامة ابن زكري، أو لابن الوقت كما جاء في سرحه لأول حديث، أو مثل قاله الدماميني.
ومن خصائصه أنه يعتم بإعراب الكلمات عند كل شرح ليصل إلى المعنى المقصود، وقد وافق فيه إلى نكت غريبة، وتنقيحات عجيبة، وتوشيحات مصيبة، وفوائد وغرر فريدة، وما أحسن ما قاله المؤلف عن شرحه في أول مقدمته ننقله تتميما للفائدة.
«وبعد، فهذا تقييد على الجامع الصحيح الحائز قصب السبق في ميدان التقديم والتفضيل والترجيح، تصنيف أمير المؤمنين في الحديث وقدوة الحفاظ والنقاد في القديم والحديث، المشرق فضله على هذه الأمة إشراق الكواكب الدراري،  أبي عبد الله سيدي محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم البخاري، قصدت به التعلق بأذيال من تعلق الأولون والآخرون بأذياله، والانخراط في سلك من تصدى لبيان أحوال مولانا رسول الله " وأقواله وأفعاله، والتطفل على علماء أمته كي أدخل زمرتهم وأحتمي بحماهم عند شدائد الموقف وأهواله، وأسكن معهم حظيرة القدس في جوار عروس المملكة " وعلى آله. سلكت فيه في بيان معنى الحديث وغامضه ومشكله وحل ألفاظه وإعرابه أحسن المسالك، واقتصرت فيه من الأقوال والتوجيهات والتوفيقات والأجوبة وبيان مقصود الترجمة وشاهدها على ما ترجح عندي في ذلك، وآثرت فيه عن بيان الأحكام الشرعية ما وافق مذهب إمام الأئمة وإمامنا مالك، ولم أتعرض لأحوال الأسانيد وأسامى الرجال ووصل التعاليق والمتابعات لتكفيل فتح الباري بجميع ما هناك، ثم أنني وإن كنت مستمدا من تأليف من تكلم هذا الكتاب: المشارق والنكت والكواكب والبهجة والفصيح والتنقيح والفتح والعمدة والمصابيح والتوضيح والتحفة والإرشادين والمعونة والتشنيف والتوشيح وغير ذلك من التآليف الموضوعة عليه وعلى غيره، المرجوع إليها عند الترجيح والتصحيح، فقد فتح الله على فيه بنكت غريبة، وأتحفني سبحانه بتنقيحات عجيبة وتوشيحات مصيبة وأرشدني وله الحمد والمنة لعيون فوائده وغرر زوائده، تقف دونها الأفكار وتبذل في تحصيلها نفائس الأعمار، فجاء بحمد الله على صغر حجمه ولطافة جرمه مشتملا على علن غزير وتدقيق وتحرير، يسر الناظر ويريح الخاطر، ويغني في بابه عن مطولاته الدفاتر، وسميته «الفجر الساطع على الصحيح الجامع»، والله سبحانه أسأل أن يسلك بمن فيه صوب الصواب وأن يجري على قلمي فيه إظهار الحق وفصل الخطاب، وإن يديم به النفع العام للخاص والعام، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يتقبله مني بجاه مولانا رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وهكذا أتم الشيخ الفضيلي الشبيهي شرحه العظيم للبخاري فبيضه سنة 1313 وأخرجه سنة 1316 وراجعه وصححه سنة 1317 في ستة أجزاء كما يلي:
الأول: من كيف بدء الوحي إلى رسول الله " إلى باب استئذان المرأة وزوجها بالخروج إلى المسجد.
الثاني: من كتاب الجمعة باب فرض الجمعة إلى باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل.
الثالث: من كتاب البيوع.
باب من جاء في قول الله عز وجل: ?فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله? إلى القسامة في الجاهلية.
الرابع: باب مبعث النبي " إلى باب إذا أصاب القوم غنيمة فذبح بعضهم غنما أو إبلا بغير أمر أصحابهم لم يوكل.
الخامس: من كتاب الأضاحي باب سنة الأضحية  
إلى باب الموعظة ساعة بعد ساعة.
السادس: من كتاب الرقاق.
إلى باب قول الله ونضع الموازين (7).
هذا وقد كنت وجهت إلى السيد مدير الديوان الملكي إثر إطلاعي ودراستي لهذا الشرح النفيس رسالة مرفوعة إلى جلالة الملك تتضمن رغبتي في إصدار أمره بطبع ونشر هذا التراث العظيم مع استعدادي لتحقيقه منفردا أو مع غيري من العلماء المتخصصين وذلك بالمطبعة الملكية أو ضمن مطبوعات لجنة التراث المشتركة، فهذا الشرح العظيم أحق بالعناية والتقديم من غيره وأني أؤكد رغبتي راجيا أن يحققها الله قريبا.
وتمتاز النسخة الزيدانية من هذا الشرح بإجازة فريدة نادرة مكتوبة على الصفحة الأولى من الدرس الأول بخط المجيز الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الذي انفرد في الدنيا بروايته عن صاحبه اثر تمامه وقبل وفاته بقليل وقد أجاز للنقيب الشريف مولاي عبد الرحمان بن زيدان بالشرح المذكور وبكل ما أجاز المؤلف المجيز، وكانت هذه الإجازة الفريدة بتاريخ 1342 ونصها، كما هو منقول من الجزء المذكور بالحرف (8).
الحمد لله وكفى: وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد، فقد من الله علي بسماعي لمواضع من هذا الشرح المعجب، الآتي في باب التحرير والتحصيل بما يطرب، ومناولتي بجمعية من يد مؤلفه شيخنا ومفيدنا العلامة الفقيه المحدث الأصولي الخطيب المفتي المدرس شامة زرهون أبي عبد الله محمد الفضيل ابن الفاطمي الحسني الشبيهي الإدريسي الزرهوني وذلك يوم الاثنين وذلك يوم الاثنين، 6 جمادى الثانية سنة 1318 بداره بزرهون، وأجارني به وبكل ماله من مروي م تقييد وتأليف، إجازة عامة مطلقة، أملى متفردا الآن في الدنيا برواية هذا الشرح عنه لا أعلم من استجازه فيه ولا بقي من يرويه عنه، إذ مات رحمه الله بعد ذلك بنحو الشهرين أي في شعبان 1318 بزرهون، وقد شاركته رحمه الله مع كبر سنه وقدم روايته، في شيخه المشرقي الذي روى عنه الصحيح داخله، وهو المحدث المسند الرحال أبو الخير على ابن طاهر الوتري المدني الحنفي فإنه أجازني عامة ومروياته مكاتبه من المدينة المنورة عام 1320 هـ ومات سنة 1322 هـ في المدنية، فعاش بعد ذلك المؤلف تلميذه نحو خمس سنوات.
وقد أجزت به وبما أجازني به مؤلفه وغيره، حينا وصفينا بهجة مكناسة الزيتون وزينتها، عالمها وأديبها وكريمها، العلامة التحرير الدراكة الأديب البارع الماجد الشهير، النقيب مولاي عبد الرحمان بن زيدان العلوي الإسماعيلي، نفع الله به العباد والبلاد، وأدام فضله شرقا يوم التناد، قاله وكتبه خادم الحديث وأهله محمد عبد الحي بن الكبير بن محمد الكتاني الحسني الإدريسي بفاس، لطف الله به وبالمسلمين آمين، وذلك في يوم الثلاثاء 27 قعدة عام 1342 هـ بفاس وقد كانت صدرت مني إجازة عامة لمؤلفه قديما سنة 1324 والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين الصطفى.
      ------------
1) فعرس الفهارس: 2/286 و287 عبد الحي الكتاني.
2) موجودة بالخزانة الملكية تحت عدد 773.
3) انظر هذا السند كاملا في المجلد الأول من الشرح المذكور – ص 13 و14.
4) الفجر الساطع ج 1 ص 14.
5) المرجع السابق ص 15.
7) مدرسة الإمام البخاري في المغرب 2/546.
8) المرجع السابق 2/547.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here