islamaumaroc

من أعلام الريف الشرقي في القرن الحادي عشر الهجري: عيسى بن محمد الراسي البطوئي-4-

  حسن الفكيكي

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

2- شيوخ التعليم:
لم يخف عيسى البطوائي اهتمامه البالغ بشيوخ التعليم، سواء كانوا من أولئك الذين درس عليهم أو من الذين لقيهم بالريف وخارج حدوده، حين أغدق عليهم من فيض عواطفه وعظيم تقديره، ويعنينا من هؤلاء جميعا أن نركز الحديث على ثلاثة منهم من أبناء بطوية، واحد منهم لم يدركه، لكن كانت له صلة وثيقة برفاقه. أما الاثنان الباقيان فمن أبرز شيوخه. فما هي المقاييس التي احتكم إليها في اختياراته.
لا ننكر أن البطوئي كان يرمي من جملة ما كان يرمي إليه، حينما افتتح الحديث عن مدرسيه، إلى إثبات صدق ما كان يكنه لهم في أعماقه من إجلاء ووفاء، إلا أننا من جهة أخرى نرى أنه لم يأت بما جاء به في الباب السادس من قبيل الحشو، وهو يعد مختلف الشروط التي ينبغي أن تجتمع في شخص المدرس المثالي.
ويؤيد هذا الرأي، النتيجة التي أسفرت عنها الموازنة بين تلك الشروط من جهة والأوصاف التي أظفاها على شخصياته في باب التراجم فشيخ التعليم بالنسبة إليه هو العالم، والعالم العلامة والأستاذ المدرس والمحدث والمتفنن والمتجرد. وتجتمع تلك الصفات في التكوين العلمي الذي تنتهي إليه مرتبة الفقيه (1). وحسبنا الآن الانصراف إلى معرفة تلك الشروط:
1) أن يكون العالم عالما بالله وأحكامه، جامعا لأنواع من العلوم، بما يكفي ليصبح حجة الله في أرضه.
2) العالم هو أيضا ولي الأمر، ذلك أن العلماء ورثة الأنبياء، فهم الذين ينقلون الخبر عن النبي "، بما هم مكلفون به من متابعة الدعوة إلى عبادة الله وإتباع سنة رسوله، ومن هذه الزاوية كان الحرص على نشر العلم بين الناس من أوجب الواجبات الملقاة على عاتقهم.
3) والعالم هو المقتدي بسلوك النبي "، فبالسير على نهجه يصبح هو بدوره قدوة حسنة، يتأدب بها الناس ظاهرا وباطنا. 
4) ينبغي أن تتوفر في العالم من الخصائص الفكرية ما يجعله من ذوي العلم الصحيح العقل الراجح واللسان الفصيح، كما يتوجب عليه أن يتحلى بجملة من الآداب الأساسية التي تكتسب بالممارسة كالصبر والاحتمال ولزوم الحلم والوقار، وعليه في الأخير أن يبتعد كل البعد عن الافتخار والتكبر بما يعلم.
وبالطبع فإننا لن ننتظر من أحد أن يجعل من تلك الشروط معايير جامدة لقياس الكفاءات والأخلاقيات، فهذا هو ما لم يفعله عيسى البطوئي أثناء سحب أوراق اختياراته، وكان في وسعه فقط أن يرسم في ذهنه صورة عامة تنعكس على صفحاته جهود الأفراد في التحصيل وحرصهم على الاستقامة، مع قبول درجات التفاوت بين الفرد والآخر هذا هو الواضح من خلال النماذج التي قدمها، فمن الملاحظ أن شخصيات المدرسين كانت، علاوة على التكوين العلمي الذي يميزها، من أحسن الناس خلقا وخلقا، وأكثرهم تواضعا ومروءة وصبرا واحتمالا وحياء وصدق لهجة، وأعظمهم خشية لله ومحبة في الله لأهل الدين وحرصهم على التسابق إلى اكتساب الخير» (2).
وفوق هذا كله فإن نظرة عيسى البطوئي للصالحين، تبين أن لشيوخ التعليم مكانة مرموقة داخل المجتمع القروي، تجاوزت دورهم في ميدان التدريس، أتاحت لهم التدخل الجدي السريع، للبحث عن حلول المشاكل الطارئة في الوسط الذي يعيشون فيه.
ونعني بالمشاكل الطارئة، تلك التي كانت تتولد عن محاولة المساس بوحدة القبيلة، حينما تنشب الفتن وينعدم الاستقرار، وتلك التي تهدف إلى إلحاق الأضرار بحرمة التراب الوطني على يد الأجنبي الأوربي، وكان هذا المشكل الأخير حادا بقبيلة قلعية.
هذا هو ما لاحظناه بالفعل أثناء قراءة التراجم. لقد دلتنا على أن شيخ التعليم كان يتصدر الدعوة إلى توحيد ما تفرق من الكلمة داخل القبيلة التي ينتمي إليها، مبادرا إلى إصلاح ذات البين، وإذا نعذر الأمر وجب عليه الوقوف في وجه المعتدي ومساندة الضعيف واستنكار أعمال كل من كانت له يد في تعكير صفو الأمن، إلى حد أنه يصبح طرفا في النزاع، ومثل هذا حدث لأحمد بن إبراهيم الراسي أثناء سيادة الفتنة ببني سعيد.
وكان في وسع البعض من شيوخ التعليم أن يعبروا عن عدم رضاهم عن الوضع السيئ الذي صارت إليه أحوال القبيلة، باللجوء إلى الهجرة والفرار من ذوي الشر، حسب تعبير البطوئي، فهذا هو ما قام به الشيخ علي وارث الغساسي، حينما هاجر من قلعية إلى بني سعيد أولا ثم حين عودته إلى موطنه لأسباب متشابهة ثانيا.
ولما كانت قضية الوجود الإسباني بمليلة مطروحة بحدة على المستوى الشعبي، إلى غابة تهديد الإسبان للأراضي القلعية في أواخر القرن العاشر الهجري، كان واجب الدعوة لمدافعتهم وصدهم، من مهام شيخ التعليم، وآنذاك لم يكن في الاختيار سوى حل واحد: الحث على الجهاد.
وتلخص دور شيخ التعليم في إيقاظ المشاعر وإلهاب الحماس وتوعية الرجال بالعواقب السلبية التي ستترتب عن الركون إلى التهاون والتخاذل عن حماية الحدود المرسومة بين جنود مليلة ورباط المجاهدين ومواقعهم، وقد عرف بهذا الموقف الشيخ علي وارث الغساسي، الذي قدم المثال على ذلك بالمشاركة الفعلية في حركة الجهاد.
بناء على هذه البيانات التمهيدية نرى أن اختيار عيسى البطوئي لشيوخ التعليم من ضمن أهل الفضل ولصلاح ينطبق على ثلاثة منهم نستعرض على الترتيب التالي:
- أحمد بن عبد الله المديني البطوئي:
نعلم من خلال دراسة أحمد المديني بفاس على ابن غازي المكناسي المتوفى عام 919 هـ، أنه عاش أهم شطر من حياته خلال النصف الأول من القرن العاشر الهجري، والأرجح كذلك أن عمره امتد به إلى ما بعد منتصف القرن، حسبما يستفاد من ميلاد أحد تلامذته الراسيين المسجل قبل 940هـ (3)، وبقاء البعض منهم أحياء إلى بداية ثلاثينان القرن الموالي (4).
قال عنه البطوئي: «الشيخ الأستاذ فريد دهره ووحيد عصره العالم المدرس المحدث المتفنن». وهذا دال على تكوينه الذي اجتهد لتحصيله في شبابه بمدينة فاس، كما يبين من جهة أخرى دوره كشيخ للتعليم بموطنه الذي لا يمكن أن نعنيه بغير «وردان»، إذ أنه فضل بهد التحاقه ببلدته العمل إلى جانب الحاج يحيى الورداني الصوفي المعروف لدينا (5).
وبوردان اختلف إلى مجلسه عدد من الطلبة، لا نعرف منهم سوى أسماء أسماء أولئك الذين كانت لهم صلة ببني سعيد، ليشكلوا بهد ذلك نواة تيزي عدنيت، منهم ثم علي بن علي بن سالم الراسي، أحد الطلبة وأحمد بن يحيى الراسي عم المؤلف.
ولا شيء يمنعنا من أن نؤكد أن أحمد المديني، حل مكان أستاذه الورداني للاضطلاع بمهمته كممثل له في التربية الصوفية، بعد أن حصل منه على إجازة في هذا الميدان، وأكثر من هذا أنه أجاز له أن يجيز غيره، وهذا لن يكون إلا بعد وفاة الحاج يحيى.
وعلاوة على ذلك فإن المديني ترك مذكرة في الطريقة الصوفية التي مثلها شيخه، اطلع عليها موسى البطوئي وقدم لنا خلاصة منها، يتبين من خلالها أن عددا من المريدين كانوا يعرفون بمجرد الانتماء إليها «بالفقراء»، ويتم هذا الانتساب بأخذ «السبحة» وحفظ «الأذكار» وتعلم «الضيافة» و«المصافحة» وليس «الخرقة».
إلا بسنوات الربع الأول من النصف الثاني من القرن العاشر دون تحديد.
ومما يوحي بضآلة أهمية وردان في ميدان التدريس بهد وفاة المديني، أن أي نشاط لم يظهر على ولد الحاج يحيى المسمى عمر، ولا على يد حفيده المدعو أحمد بن عمر الذي عده البطوئي ضمن فئة الطلبة(6). وسيكون هذا مناسبة لظهور مركز تيزي عدنيت المجاور له في الربع الثاني من نفس القرن حينما التحق به المتصوف أحمد الفيلالي وعدد من شيوخ التعليم.
- أحمد بنم إبراهيم بن أحمد الراسي:
يحتم علينا ما استنبطناه عن الشيخ أحمد الراسي، التنبيه إلى أن ظهوره ببني سعيد كان بدون أي تردد، إحدى الدعائم التي استند إليها وجود مسجد تيزي عدنيت. ولا يتعلق الأمر بظهور كل منهما في أواخر القرن العاشر فحسب، بل بكونه الشيخ الوحيد الذي قضى بنفس المكان مدة تزيد على الأربعين عاما، تمتد من تاريخ عودته من رحلته إلى حين وفاته.
سبق لنا أن عرفنا بمكانته العلمية، حين لا حظنا أنه اتصل بعد مفارقته لموطنه بالمحدث أحمد الفجيجي بتازة، وكانت هذه أول رحلته له خارج بلدته، وعليه استكمل حفظ القرآن وشرع في تعليم القراءات وأخذ جملة من أسس العلوم.
كانت المرحلة الثانية من دراسته، انتقاله إلى تلمسان، حيث ظل متغربا سنين إلى أن سجل لنا البطوئي عودته إلى بني سعيد في تاريخ بقي ثابتا في ذهنه عينه بعام 996هـ. بعد أن «أصبح عالما علامة متفننا». ومثل رجوعه نصرا وفتحا كبيرين للبطوئي ولسائر بني قبيلته من المتعلمين.
وآنذاك كان مسجد أسرة عيسى، تيزي عدنيت، نقطة بارزة في التصوف الريفي البسيط، باحتضانه منذ بضع سنين خلت للشيخ أحمد الفيلالي وفي تلقين مبادئ العلوم الدينية الأساسية. وكثيرا ما كان يتردد عليه الشيخ علي وارث الغاسي من قلعية، ويقصده بعض الغرباء أمثال أحمد بن أب يبكر السوسي (7)، لكن الباع الطويل في هذا الميدان ظل من نصيب أحمد الراسي بفضل طول استقراره في مهمته، وإقباله بدارية ملحوظة وشغف فائق لنشر العلم بالمسجد، مما استحوذ على انتباه البطوئي وه آنذاك في فتوته الأولى أخذ عنه القراءات القرآنية وعلى الأخص منها قراءة ورش ونافع وجانبا من مبادئ الفقه والحديث.
وعرفنا البطوئي بالوجه الآخر من شخصية أحمد الراسي، بأسلوب يطغى عليه التعميم وغموض واقع الأحداث، حين أشاد بمواقفه التي بذلها في نطاق جلب المصلحة لمجتمعه القروي الصغير. وكانت الفرصة جد مواتية للقيام بذلك الواجب أثناء تسرب بوادر النزاعات والفتنة إلى مختلف جماعات بني سعيد سنة 1030 هـ، كان عيسى الراسي شاهد عيان لها.
بدأت عناصر الفتنة في الانتشار منذ ما قبل 1027 هـ تعرضت خلالها ربوع الريف الشرقي، وعلى الأخص منها قلعية وبطوية فيما نعلم من البطوئي، للمجاعة التي لا نجد أسبابها إلا بالرجوع إلى سوء المواسم الفلاحية السالفة (8). كان من الطبيعي أن تنعكس آثارها بسرعة لتهدد استقرار وأمن المنطقة بأسرها.
فبعد أن سجلت عدة وفيات ببطوية استشرت العداوة بأرجائها، وأسوأ يوم هو ذلك الذي اشتد فيه أسف عيسى الراسي لمقتل نحو الستين شخصا من جبل بني عيسى، في هذا الظرف العسير الذي أحاط بالقبيلة، نعتقد أن الشيخ أحمد الراسي استغل نفوذه «لإرشاد المسلمين وردهم إلى الطريق المستقيم»، محاولا بذلك «إصلاح ذات البين».
ولما كان التوصل إلى هذا الحل غير منتظر لاتساع نطاق الخلاف وعمق آثار الفتنة، لم يسعه سوى التوجه باللوم وإرشاد المثيرين للشغب، وفي الغالب لم يفلح حتى في هذه المهمة أيضا، مما لزم عليه إظهار موقف أكثر حزما، «دأبا عن ضعفائهم من ظلم الظالمين».
وواقع الأمر يصعب علينا أن نقدم تفاصيل أكثر وضوحا عن دور أحمد الراسي خلال هذه الأزمة التي مرت بها قبيلته، استنادا فقط إلى الإشارات العابرة التي كانت تهدف إلى التنويه ببعض الفضائل الإنسانية. فلا يمكن مثلا أن نجزم ما إذا كان اهتمامه بإصلاح الوضع منحصرا في فرقته أولاد الفقيه، وفي ربع أولاد عبد الكريم الذي ينتمي إليه، أم كان عاما تجاوز هذا النطاق المحلي إلى غيره من أرباع القبيلة (9).
وما هو واضح في ذهننا عن أحمد الراسي أن مجموعة من الخصال هي التي كانت من أسباب علو مكانته في نفس البطوئي، مما حثه على تخليدها في بضعة أبيات جادت بها قريحته، قبل وفاة شيخه في يومه الأحد 29 رمضان 1039 هـ، حين قال:
ألا بابـن إبراهيــم حزت مفاخـرا           علومـا وتقـوى مع كثيـر نصيحة
شرحت كثيرا من صـدور ظليمــة         رفعت كثيرا مـن نفوس خسيســة
فأصبحت العطشـا مـن فيض بحـره        تلوح بأنـوار إلـى كـل جهـــة
فيا أيهـــا المغـرور لازم لبابــه            وأمثاله تحضـى بنيـل السعـــادة
لك الحمد ربـي أن أضاءت بلادنــا        بنور العلــم مخمــدا للجهالــة
ونسـألك اللهــم أمنــا ورحمــة            وعفوا جميـلا ساتــرا للإســاءة
- علي وارث الغساني:
هم شيوخ التعليم والصلحاء الذين حازوا إعجاب البطوئي وإطراءه والاستئثار بقلمه. ينتمي الأصل إلى الأسرة الغساسية الوحيدة التي نعلم ببقائها قلعية، منذ أن غادر السكان مدينة غساسة قبيل استيلاء الإسبان عليها سنة 912 هـ (1506هـ) (10).
نشأ علي بفرقة «آيت وارث» (إورتين حاليا) من خمس بني جافر، وهي تحتل كديتين صغيرتين «ببوحمزة» من جهة شمال، والكدية الشرقية هي مستقر آيت وارث المعنية خلال هذه الفترة المؤرخة.
ويعود تكامل شخصية علي وارث وحيويتها إلى جمعه بين الثقافة الدينية وجلوسه للتدريس واعتنائه بحل الأزمة التي هددت استقرار القبيلة، وقد سجلت غيرته لصيانة حرمة التراب الوطني ذروة ذلك الاهتمام. وهذه هي السمات التي جعلت منه في نظر البطوئي عالما وأديبا ومدرسا ومجاهدا.
اكتفى عيسى بإخبارنا عن دراسة الشيخ علي، أنه أخذ عن عيسى بن إبراهيم اليزتانسي أحد طلبة وردان الذين تخرجوا عن أحمد بن عبد الله المديني، وهذا يعني أن الغساسي قضى فترة من شبابه ببطوية بعيدا عن موطنه بقلعية، يسهل عليه ذلك وجود العلاقة الأسرية التي تربطه بوالد البطوئي.
وفي وسعنا أن نطلع على تكوينه العلمي من الموضوعات التي كانت يدرسها عليه تلميذه عيسى في أواخر القرن العاشر بتيزي عدنيت، وهي تتألف من حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءات، ومن بعض مبادئ العلوم الدينية، ولا نعرف من تكوينه الأدبي إلا بما نعته به تلميذه حين أضاف صفة الأديب.  
ونحن مجبرون على ملاحظة أن مقام علي وارث بمسجد تيزي عدنيت للتدريس لم يكن سوى ظرفي فقط، فلم يكن الوقت ليسمح له بالتردد عليه إلا من حين لآخر، حين يضطر لمغادرة بني جافر لسبب من الأسباب، مثلما كان يفعله أبوه من قبله (11).
فإذا كنا نجهل الدواعي التي دفعته إلى الإقامة ببني سعيد عدة سنوات في أواخر القرن العاشر، حين واتت البطوئي فرصة التتلمذ عليه، فإننا نعلم أنه غادر قلعية في 1027هـ إثر تذمره من سوء الوضع الذي آلت القبيلة، نتيجة الأزمة التي ساهمت في إثارتها المجاعة وسيادة النزاعات بين أخماس القبيلة ورجحان كفة جنود مليلة على المقامة القلعية.
وفي موضوع الجهاد بالذات سرد علينا البطوئي مثالا حيا شارك فيه علي وارث على الأقل بدور الواعظ الآمر بمواصلة الجهاد وعدم التخاذل أمام جنود الإسبان، الذين كانوا غير متواني للبحث عن التهام المزيد من التراب المغربي الخارج عن أسوار مدينة مليلة.
كان هذا الطموح الإسباني قد تحدد لديهم منذ استيلائهم الأول، لا يفارقهم لحظة من لحظات وجودهم بالمدينة، وتفاقم الأمر إلى حج الخطورة منذ أواخر القرن العاشر الهجري حينما تمت لهم السيطرة الفعلية على فحص المدينة الغربي المجاور لواد المدور، بواسطة بناء سلسلة من الأبراج الخارجة عن الأسوار.
وقد شكلت تلك الأبراج مواقع متقدمة (12)، غدا استمرارها نقط ضعف قوية على رباط المجاهدين،  المقابل آنذاك لمليلة، وعلى المواقع المغربية المنبثة حول «المدور»
وعل التلال الشمالية (13). والظاهر من تقرير البطوئي أن الفتور الذي دب إلى المقاومة، كان قد حدث في سنوات ما قبل 1027 هـ، مشيرا إلى أن البعض من القلعيين أقبل على التعاون مع العدو في غضون تلك الظروف الصعبة التي مرت بها منطقة الريف الشرقي.
ويمكن أن نجد علة ذلك الفتور في موجة المجاعة التي احتاجت البلاد قبل 1027 هـ (1617م) ليستمر أثرها خلال سنوات تالية. وفي نظر عيسى البطوئي «فإن الله ابتلى المسلمين بالمسبغة حتى باعوا أولادهم للنصارى فضلا عن غيرهم، ابتلاء من الله لميلهم للنصراني» (14).
هذه هي الآونة التي حاول فيها علي وارث أن يجد الوسيلة إلى تدارك ما تردت فيه حركة المقاومة الشعبية، المتمثلة أساسا في الدور الذي يقوم به رباط مليلة لحراسة الحدود (15)، فبادر بالدعوة إلى توحدي الصفوف التي فرقها تفشي النزاعات بين أخماس القبيلة (16)، حاثا القلعيين على ضرورة قطع الصلة بالإسبان، مبالغا في إرشاد الناس لقمع جنودهم.
والراجح أن الغساسي لم يفلح في دعوته، والعلة في نظر البطوئي أنه كان وحيدا في ميدانه، لأنه «لم يجد معينا عليهم». ونعتقد أن هذه كان السبب الرئيسي الذي دفعه إلى الهجرة من القبيلة. ليكون ذلك دليلا على التذمر والنفور من المتمادين على الضلال، والاستقرار بجبل بني عيسى من بني سعيد عام 1027 هـ (1616م).
ويبدو أن دعوته لم تذهب سدى، فبعد مضي عام واحد من انتقاله، أكد لنا البطوئي نفسه التئام شمل حركة مقاومة الأجنبي وانهزام الإسبان في ساحة مليلة ليتمكن المجاهدون من استعادة مواقعهم المرابطة حول المدينة. ويقدم هذا المثال بكلماته حيث يقول:
أغار كفار مليلة على القلعية فمكن الله منهم فهلك منهم من بين أسير وقتيل نحو من 220 كافرا (17)، ولم يفلت إلا القليل من الخيل، أما الرجالة فقد استأصلوهم (18)، بعد أن كانوا قد استولوا على جبل قلعية (19)، وذلك عام 1028هـ ونحن ببطوية بالسكنة، واستشهد يومئذ رجال».
هذه هي المعركة التي توصل البطوئي بأخبارها ولم يحضر وقائعها علي وارث الطي مدد هجرته إلى ثلاث سنوات بمكان إقامته، وقد صادف هناك عودة ابن خاله من رحلته التلمسانية، مما أتاح له فرصة الإطلاع على النتائج التي آب بها إلى بلدته، وهناك كانت اللحظة الحاسمة التي ابتهل لها فقيه بني سعيد حين عبر ابن عمته عن كبير تقديره لكفاءته وتشجيعه على التأليف مما سبقت الإشارة إليه في موضوع سابق.
والذي نفهمه من عودة الشيخ الغساسي إلى بني بوجافر، علاوة على ما أثلج صدره من أخبار جهاد قلعية، هو اندلاع الفتنة المشار إليها آنفا في ترجمة أحمد الراسي. ونعلم أنه غادر جبل بني عيسى عام 1030هـ إلى مقر سكناه. ولم يدم مكثه به، فالوفاة أدركته يوم الجمعة آخر صفر من عام 1033هـ (1626م) ودفن بمقبرة المجاهدين المعروفة آنذاك «بالمنصورة»، مما يلي الشرق وحضر جنازته خلق كثير.


---------------
2) هي خلاصة للأوصاف التي يفتتح البطوئي بها ترجمة كل شيخ تعليم.     
3) تقصد به أحمد بن يحيى اليحيوي الراسي، عم المؤلف المتوفي عام 1040 هـ بعد أن عمر أزيد من مائة سنة.
4) نعني علي بن سالم الراسي البطوئي المتوفي عام 1032 هـ.
5) عد إلى ما قلناه عن هذه الشخصية في العدد قبل هذا من نفس المجلة.
6) سنشير إليه في العدد بعد هذا بحول الله في الدراسة التي خصصناها لطلبة مسجد تيزي عدنيت. 
7) نبذة عن هذه الشخصية بدعوة الحق – عدد يوليوز ص 38.
8) يوافق حدوث المجاعة والفتن، قيام الحرب والاضطرابات التي تلت وفاة أحمد المنصور السعدي عام 1012هـ بين أبنائه الثلاثة أبي فارس والمامون وزيدان.
9) تتألف قبيلته بني سعيد من أربعة أقسام، كل قسم يسمى ربعا وهي: أولاد عبد الكريم، الزعومة، تشوكت، وأمجاو.
10) نعرف من هذه الأسر المهاجرة، أسر الخصاصيين بفاس التي منها سيدي قاسم الخصاصي دفين فاس بباب الفتوح وسيدي مسعود الغساسي دفين غساسة من أحياء ما قبل القرن العاشر. وخصاصة اسم محول عن غساسة (انظر الدر السني ص 338).
11) نستنتج هذا من زواج والد علي بأخت والد البطوني من بني سعيد، ومن دراسة على نفسه بالقبيلة المذكورة سنوات من شبابه.
12) بلغ عدد الأبراج إلى بداية القرن الحادي عشر خمسة، شيدت مقابلة لمواقع المغاربة وبجوار مجرى واد المدور، واتخذت نقط دفاع، لحماية الفرسان والرجالة أثناء التراجع الإسباني نحو المدينة.
13) تألفت أهم المواقع المغربية من رباط المجاهدين، الذي كان موضعه متواريا خلف كدية تحتلها اليوم قوة ركولاريس Regolates، ومن أغيال، وفج القلالين وغابة القصب وكدية مزوجة وكلها تنتظم على مجرى واد المدور على ضفته اليمنى.
14) جميع الأفكار والنصوص الواردة في هذه الدراسة ولم يشر إلى مصدرها، مقتبسة في الباب السابع ومن الفصل التاسع.
15) تأسس رباط مليلة منذ بداية القرن العاشر الهجري، وكانت مهمته الأساسية هي مراقبة الإسبان ومحاصرتهم داخل الأسوار، ووزعت الحراسة بطريقة النوبة بين أخماس قبيلة قلعية بحصة تصل إلى عشرين مجاهدا، ويدعون بالغزاة وعلى رأسهم مقدم.
16) تتألف قبيلة قلعية من خمسة أقسام: خمس بني شكر، ومزدوجة وبني يفرور والكعدة وبني جافر.
17) اعتاد الإسبان الخروج إلى فحص المدينة كل صباح لجلب الماء والعشب والحطب بعدد من الفرسان اختلف عددهم حسب الفترات، يسير وراءهم عدد آخر من المشاة يفوق عدد الفرسان.
18) يدل هذا على أن الإسبان اغتروا بتفوقهم السابق فوقعوا في كمين نصبه المغاربة لهم.
19) لم يسبق الإسبان أن تجاوزوا مجرى واد المدور في وقت من الأوقات قبل 1859م. ولا تعني عبارة البطوئي سوى جولات الجنود بفحص المدينة.   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here