islamaumaroc

الأستاذ الفقيد إبراهيم الإلغي

  عبد القادر الغالي الخراز

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

هو أبو إسحاق(1) ابراهيم بن علي الألغي(2) الجعفري(3) وقد اختار لنفسه في المدة الأخيرة اسم (رضا الله) وهو الذي اختفظت به سجلات الحالة المدنية(4).
ولد بقرية الغ، بقيادة تافراوت، من أرض سوس في أول شعبان عام 1328 هـ ( 8 – 8 – 1910م)(5).
توفي والداء بعد بضعة أشهر من ولادته، فنشأ يتيما تحت كفالة وتربية أخته عائشة، وشقيقه العالم الأديب محمد المختار السوسي، وإلى شقيقه هذا يعود فضل نبوغه وتمكنه من أصناف المعارف، إذ كان مدرسته الأولى التي شقت له الطريق نحو كسب العلوم، سواء في مسقط رأسه سوس، أو في مدينة مراكش، أو في مدينة فاس التي درس فيها النحو واللغة والأدب والتاريخ(6) ونذكر، ممن تلقى عنهم العلوم، الطاهر الكتاني والعباس بناني، ومحمد بن الحبيب الفيلالي، ومحمد بن العربي العلوي، والحسين العراقي، وأحمد بن المأمون البلغيتي(7)، وعبد الرحمن ابن القرشي(8)، ولما انتقل إلى الرباط جلس إلى حلقات المصلح أبي شعيب الدكالي، والمدني ابن الحسني ومحمد السايح.
وبقدر ما غلب على دروسه الفاسية بالقرويين طابع علوم الفروع الذي كان غالبا على حلقاتها تميزت دروس الرباط بغلبة طابع الأصول والحديث اللذين عمل على بثها هناك المصلح الدكالي.
وإلى جانب الأصول والفروع، كان الفقيد حريصا على حضور الدروس الحديثة والعصرية التي كانت تقدم في كل من زاوية ماء العينين، وثانوية مولاي إدريس إبان فترته الفاسية.
ولما كانت رغبة شقيقه قوية في تكوينه، كان حريصا على تتبعه بالقراءة والتوجيه والاستظهار، فكان ينتقي له ما ينمي به أسلوبه، ويصقل لسان، وعلى رغم كثيرة ما عرفه المغرب من كتابات المشارقة خلال الفترة، فقد كان حظ المنفلوطي من فقيدنا أكبر من غيره(9).
وقد ربى فيه جلوسه إلى الحلقات، واكبابه على القراءة، عصامية دفعت به إلى التثقيف والتكوين فكسب بذلك دراية في علوم اللغة والفقه والأدب.
كما مكنته درايته تلك أن يستقطب حوله مجموعة من الطلبة سواء أثناء إلقائه لبعض دروسه الأولى بمساجد مراكش مجرد عودته إليها، أو أثناء تسييره للمدرسة الحرة التي أنشأها شقيقه محمد المختار السوسي بمراكش، ونفس الشيء كان منه – رحمه الله – عندما ترك هذه والتحق بمدرسة جسوس الحرة، التي كان يديرها أحمد بلافريج بالرباط.
وتعتبر المدرستان السالفتا الذكر من أولى المدارس الحرة التي عرفتها البلاد المغربية آنذاك، كما تعتبران من المعاقل الوطنية الأولى بهذه الديار.
ولما تعرض شقيقه للاختطاف الذي ألقى به منفيا بتارودانت يوم الخميس 11 مارس 1937(10) وكثرت برقيات الاحتجاج في شأن هذا النفي(11) انطلقت حملة الاعتقالات الانتقامية بين صفوف الوطنيين، فكان منهم من تعرض للنفي والتعذيب، ومنهم من نجا بنفسه إلى المنطقة الخليفية التي كانت صبغة سياسة الحكم بها آنذاك على نقيض ما يباشره الاستعمار الفرنسي في جنوب البلاد، اتجاه المغاربة، وكان الفقيد من الجماعة التي وصلت تطوان عبر مدينة طنجة.
حل الشاب إبراهيم الإلغي بمدينة تطوان، واحتلت هي من نفس مكانة خاصة، فاندمج في مجتمعها سياسيا وثقافيا، شجعه على ذلك، وجوده إياها في أوجها السياسي، وفي أوجها الثقافي تمثل الأول فيما كانت تعيشه من صراعات حزبية، حزب الإصلاح الوطني الذي كان يتزعمه عبد الخالق الطريس، وحركة الوحدة المغربية التي كان يقودها محمد المكي الناصري، وهما آنذاك – حديثا عهد بالنشوء، فانضم فقيدنا إلى صف الناصري، وجعل من نفسه صوت حركته وشاعر وحدته، وعضوا مهما في حزبه(12) بلغ حد التقدير والاحتفاء والاحتفال(13)، وهذا ما جعله يسجل أمجاد هذه الحركة فيما كتب شعرا ونثرا.
ويبرز الجانب الثاني – جانب الثقافة – فيما كانت تصدره المدينة من مجلات وجرائد، وما كانت تزخر من نوادي ثقافية لا تنقطع أنشطتها طيلة أيام الأسبوع، ونذكر في مقدمة هذه الأندية نادي جمعية الطالب المغربية ونادي الوحدة المغربية، الذي ساهم الفقيد في إثرائه بما قدمه بين جذرانه من أنشطة إبداعية وفكرية رغبة في الظهور على النوادي الأخرى، التي كانت تنافسه وسياسيا حسب التبعية الحزبية التي كان ينتمي إليها منهما.
كما يبرز هذا الجانب فيما كانت تحتويه تطوان من معاهد للبحث والتثقيف، نذكر في مقدمتها معهد مولاي الحسن للأبحاث الذي تم إنشاؤه عام 1937م ومعهد فرانكو الذي أنشئ عام 1939م إلى هذين المعهدين يعود الفضل في طبع الكثير من المؤلفات المغربية والمشرقية، كما رصد جوائز كانت نثار الكثير من الأقلام.
إلى هذه الحركة الثقافية التي عرفتها مدينة تطوان خلال هذه الفترة، يرجع الفضل في تفتيق قريحة فقيدنا، وبسط أنامله لمعالجة ما تعج به من قضايا متعددة المواضيع مختلفة المناحي، كما تعد حسب ما صرح لي هو نفسه رحمه الله، في عدة جلسات من أخصب وأهم فترات حياته فقد شرع يحدثني في إحداها، عما عرفته تطوان خلال هذه الفترة من حركة ثقافية، ودون شعور منه صرح لب بمدى تأسفه عن ترك الكتابة وقول الشعر، وارتمائه بين أبواب وفصول الفقه والقانون، وانطلق يحدثني عن الفقيه المؤرخ أحمد الرهوني مؤلف «عمدة الراوين في أخبر تطاوين»، وعن الفقيه أحمد الزواقي، ومحمد الفرطاخ، ومحمد ابن موسى، وما كان له من فضل نشر العلم في هذه الربوع التطوانية، معددا لي ما كان يتميز به طبع كل منهم، وقد غلب على كلامه الإعجاب بشخصية ابن موسى في ميلها إلى الاعتزال والتثبت في القول، والتحفظ في الخطاب: والاكتفاء بطرائقه وتحكمه وبشخصية التعامي الوزاني، التي عدد لي الكثير من جوانبها، ومما وقع بينهما من طرف ونوادر.
وقد انطبع بعض هذه الصفات على حياة فقيدنا فقد كان ميالا إلى العزلة، كثير التحفظ في حديثه ومناقشاته مجانبا لكل ما يمس بالآخرين.
وتعتبر هذه الصفات من الأسباب التي جعلته يعمل في عدة مناصب، ويكسب عطف كل الاتجاهات وهذا ما   حدا ببعض مؤبنيه إلى وصفع بالسياسي المتزن(15) عمل أستاذا بالمعهد الخليفي الذي تحول فيما بعد إلى معهد مولاي الحسن للأبحاث(16) وبمعهد مولاي المهدي(17) وبالمعهد المغربي للدراسات الثانوية(18) وبالمعهد الفني(19) وبالمعهد الديني العالي(20) الذي أصبح مديره (شيخه) فيما بعد(21) وبالمعهد الموسيقي، وبمدرسة المعلمين والمعلمات بتطوان، وبعد انتقاله للرباط عين أستاذا لأصول الفقه بكلية الحقوق.
والصفات نفسها جعلته يحظى بعدة جوائز، نذكر منها جائزة المغرب ومررويكوس للآداب عام 1953 من موشحته التي تتغنى بمسارح الجمال بتطوان(22)، كما جعلته أن يكون عضوا بين باقي أعضاء لجنة تحكيم هذه الجائزة في مسابقتها لعام 1955م(23).
ولم تقف الصفات السالفة عند حد ما عرضنا له، ولكنها دفعت بكل المجلات والجرائد إلى الترحيب بكتاباته فقد نشر في كل مجلة، صحيفة معهد مولاي المهدي، ومجلة الأنيس، ومجلة الأنوار، ومجلة الصباح، ومجلة المعتمد، ومجلة المعرفة، ثم في كل من جريدة الوحدة المغربية، وجريدة الشهاب، وجريدة الأخبار وجريدة النهار، ولما انتقل إلى الرباط، نشر بمجلة دعوة الحق ومجلة الإرشاد وبجريدة العلم، ونصيب كتاباته على صفحات هذه قليل جدا إذا ما قورن بكتاباته في صحف تطوان.
كما ساعدته الفترة على التصدي للتأليف، حيث وضع مشروعا لإخراج من الكتب المدرسية بعضها في قواعد النحو والصرف والبلاغة، وأخرى في المطالعة وثالثة في الإسلاميات، ورابعة في تاريخ الأدب العربي، وإذا كانت مجموعة النحو والصرف والبلاغة، ومجموعة المطالعة ظلتا ماثلتين للطبع لم تريا النور كما ورد ذلك علة ظهر الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الأدب العربي» فإن سلسلة «الإسلام» قد صدرت في أربعة أجزاء وهي تعكس ثقافة الرجل الدينية في التفسير والحديث والفقه والعبادات، أما سلسلة تاريخ تاريخ الأدب العربي فقد صدر منها جزءان: الأول والثاني، وهما من مشروع الأربعة أجزاء التي حدد مادتهما في مقدمته للجزء الأول الذي صدر عام 1953، وقد خصصه لفترة «العصر الحديث بالعالم العربي»(24)، وقد صدر الجزء الثاني عام 1955، خصصه للأدب المغربي والأندلسي من الفتح الإسلامي إلى ما قبل عصر النهضة(25)، وهما يعتبران ذخيرة من ذخائر المكتبة المغربية لما استقلا به من نصوص في الأدب المغربي الحديث وقد اكتفى مؤلف «دليل مؤرخ المغرب الأقصى» بالإشارة إلى الجزء الثاني دون ذكره للجزء الأول(26).
ولا نعتقد وجود إبداع لفقيدنا يرتبط تاريخه بإحدى فترات حياته التي سبقت دخوله مدينة تطوان، وهذا ما حثنا على استعراض جوانب من ديوانه الذي تناثر بين ما عددناه من مجلات وجرائد، وهو من مجلمه يرتبك بمدح الخليفة السلطاني الحسن بن المهدي والباقي توزع بين الرثاء والطبيعة والاخوانيات، والمساجلات، جاء في قوالب فنية متنوعة بين قصيد وتخميس وموشح ونشيد، وبذلك استطاع أن ينزع لنفسه عدة ألقاب، أولها شاعر القصر الخليفي الذي أصبح معروفا به بعد ذهاب الشاعر محمد الناصر الكتاني عن تطوان، وثانيهما شاعر الوحدة المغربية(27)  وذلك لما كان يوليه من إخلاص لهذه الحركة ولزعيمها محمد المكي الناصري، «كفء المعالي» و«وزعيم النهفتين»(28) وثالثها شاعر تطوان وكان مقابل ما خصصه لوصفها ووصف منتزعاتها سواء بموشحته التي نال بها الجائزة أو بما عبر قصائده المدحية والإخوانية.
وتعريفا – وليس بحثا – سنعرض لبعض مواضيع الفقيد الشعرية، مكتفين منها بعض النماذج مستهلين ذلك بفن المدح، ونذكر له في الباب القصيدة التي ألقاها بين يدي المغفور له جلالة محمد الخامس – طيب الله ثراه – أثناء احتفال وفود المنطقة الخليفية آنذاك تحت إشراف الخليفة السلطاني الذي أقيم لجلالته وهو في طريقه إلى مدينة طنجة في زيارته التاريخية التي كانت في شهر أبريل من عام 1947 وهذا مطلعها:
أي يـــوم، وأي حفــل ومشهـــد             هــذا يــوم مــؤرخ ومخلـــد
والتي من أبياتها:
مــا رأى النــاس مثل أيـامـه البيـ            تجلــت وهــي أهنـا وأرغـــد
ويختمها بقوله:
قرعينـــا مــولاي عنـــدك شعب            يقــظ لا يــرغه طيـب مرقـــد
همــم العزم أن يتيحــك مــا تصـ           ـبو إليــه ومـالــــه تتمهـــد
ســدد الله مـن خطــاك وأبقـــى            شبلــك البــار مــن إليه المقلــد
فهنيئــا مــولاي ثـــم هنيئـــا               طبت ممسـى وطبت مسعـى مقصــد
وأخذت منه الطبيعة نصيبها، وليست الطبيعة المطلقة ولكنها المرتبطة بشبابه وذكرياته ونكتفي منها بما ورد له في مدينتي تطوان وشفشاون، فمن الأولى نكتفي بفقرة من موشحته التي نال بها جائزة المغرب ومرويكوس للآداب السالف ذكرها، وهي الفقرة التي تصف ساحة الفدان:
اسـقينــه مشعـشعـــا  
صـافـي الطبـع والمزاج
كـأس شــاي منعنعـــا  
شـف عـن تبره الزجـاج
تحــت فـيء ساحـــة                 وحديــث مــع الخليـل
ساحــة طـاف حولهــا               نفحــة العابـر البليــل
والمقـاهـــي تفيـــأت                ظلهـا الوارف الظليـــل
منتــدى الشعـب مربــد             للأحـاديــث والمقبـــل
ملتقـاهـم لـدى الضحـى            والليالـي وفــي الأصيـل
والأغــاني بأفقهــــا               تتهــــاوى وتستميـــل
زارهـا الفــــن زورة             ساحبــا ذيلـه الطويـــل
فاستــودت منـــه باحــة
مثلـث فننـــا الجميـل(31)
ولم يقصر الشاعر الالغي ترجمة إحساساته نحو تطوان فيما خصصه لها من قصائد، ولكن نجد بالإضافة إلى ذلك، مبثوثات ذلك الإحساس، بين قصيدة وأخرى من ذلك مثلا ما حملته قصيدته التي استدعاها مهرجان الاحتفال بذكرى مرور مائتي عام على تأسيس مدرسة لوقش الذي كان  بإيعاز من وزارة الأوقاف والمعارف وتحت مباشرتها، ومما ورد ضمن هذه القصيدة قوله:
أيمـا تطـوان أنـت سجـل دهـر              ومـا تمحـي الدهـور ولا السجـل
ورثـت عـن القرون تلاد مجــد             أثيــــل لا يبيــد ويضمحــل
فمثلــك من تمجــده القوافــي               ويطنـب فيــك ما يمتــد حبــل
فمهمــا قلــت من مدح كريــم              يفيـض مفاخــرا فأنــا المقــل
وفيــك اليــوم يحدث مهرجـان             لتكــريم النهـي ويقام حفــل(32)
وقال في مدينة شفشاون، وهو يعكس ما رسمته هذه المدينة من آثار في نفسه:
لسـت أنسـى مدينـة الراشديــة            لا، ولـو نازعتنـي عنهـا المنية(33)
فلئـن كنـت نائيـا عنهـا يومــا              وتذكـــرت مالهـا مـن مزيـــة
فسأبقــى كــآدم حيــن أخــر              ج مــن جنــة الخلــود العليــة
كيــف أنسـى ربوعها وهي للعيـ         ـن جمـــال وللقلـــوب رويـة
رسمتــها يــد الطبيعة لوحــا              تتجلــى بـه الفنــون البهيـــة
وحبتهــا السمـاء من كل نــور           وكستهـــا مطارفهــا سندسيــة
أهـل شفشـاون أنعمـوا بهـا بالا          فهي لا شـك جنــة عــدنيـــة
أنتم في شيــوخكم وشبــــاب            مثـل زهر بـدوحـة سرمـدية(34) 
كما أن له مساهمات عديدة في فن الرثاء، ومن الذين رثاهم الالغي نذكر، الفقيه أحمد الزواقي(35) ومحمد الفرطاخ(36) والأديب الفنان عبد القادر ابن موسى(37) ومحمد داود(38).
وخاض الفقيد في الشعر السياسي المباشر، تجلى أولا في قصيدته التي ترجمت تشفيه في الوجود الفرنسي حينما نزلت عساكر هتلر باريس، وصمم الإسبان على ضم مدينة طنجة للمنطقة الخليفية عام 1941، تمشيا مع ما عرفته أنذاك الأحداث الدولية، فقال الالغي بعد دخول الجيش الخليفي إليها قصيدة بعنوان «أمل تحقق» نقتطف منها الأبيات التالية:
قـد سلمـوا حـق القـوي وانكـروا                حـق الضعيـف بخســة ووقــاح
دق اضرمـوا نـار الخـلاف وحرموا           أسبــاب وحدتنـا وربـط صــلاح
وسخــوا على أوطانهـم وذويهــم               لكـن على الضعفـاء جـد شحــاح
أكلـــوا الثمـار وآثـرونا بالنـوى                وتبجحــوا بسخائهــم وسمـــاح
ولهــم مــوارد من قراح مناهــل              وإذا وردنـا فهــي غيــر قــراح
وابـن البـلاد بهـا مهـان ضائــع               والعـــز والخيــرات للنـــزاح
وتمتعـوا فيهـــا بكــل جريـــرة               وأبــوا على الأهليــن كـل مبــاح
وإذا سألنــا بعـض عـدل منهـــم             كـان الجـواب على لســان صفــاح
إلى أن يقول:
أنــا بطنجــــة لا عدمنا أرضهـا            أرض الجــدود ومعقـــل الفتــاح
أنـــا بطنجتنـــا لأول مــــرة               نبــدي مبادئهــا بغيــر جنـــاح
أنا حللنــا دارهــا مـن بعدمـــا             كــادت تحــول زوابــع الأربـاح
أنــا احتفلنـا كي ندشن «وحدة»(39)  وطنيـة «في بيتهــا»(40) المنــداح
أمــل تحقــق فلنســر من بـعده  للوحــدة الكبــرى بنفـس كفاح(41)
وأمنيته في تحقيق وحدة كل أطراف المغرب لم تقف عند تضمينه لها في شعره، ولكنه كان حريصا على إبرازها حضوريا، فقد وافق أن زار وفد من أقاليمنا الصحراوية مدينة تطوان، وأقيم له حفل بمنزل الأستاذ محمد العربي الزكاري يوم الخميس 7 ذي الحجة من عام 1357 هـ وكان الترحيب والرد، على الترحيب شعرا(42) شارك فيه من المرحبين الشاعر إدريس الجاي وعبد الوهاب ابن منصور، وإبراهيم الالغي بقصيدة مطلعها:
خطــر النسيــم مبشرا بــالأسعــد  ويــد الصبــاح تبــل وجه الأنجد(43)
وقد سار المغرب حاثا خطاه شادا العزم محققا الأمل الذي كان يملا عزيمة الالغي رحمه الله تمثل في الأحداث التي أعقبت قصيدته هذه، إلى أن تحققت الوحدة الكبرى مع حدث المسيرة الخضراء العظيم.
وكانت قصيدته السياسية الثانية، تلك التي هنأ بها استقلال ليبيا معددا بطولات حماتها قال في مطلعها:
إلا أن هـذا الشـرق أسفـر جانبـــه           بصـادق فجـرهـا تغشـاه كاذبـــه
هنــاك علــة نهـر المجرة أنجــم            تزيــن شرقـا لـم تخنـه مغاربــه
نجــوم توارت حقبه ثــم أشرقــت          شروقــا بهـيا أدهــش الكـون ثاقبه
غياهـب ولت كيف ولت؟ فـلا تســل       فمـا هـي إلا الليـل ولت غياهبه(44)
ولم يترك خواطره بمنجاه عن تسجيل رؤيتها وتحديد موقفها اتجاه ماهية الشعر، والغاية من وظيفته، فقد خصص قصيدة طويلة لتصوير مكنونية الشعر ف ينظره، مطلعها:
أيــه يـــا شعر أين أنت فمــا أهـ ـنــا لمــــا أراك عني بعيــدا؟
إلى أن قال:
حبـذا أنـــت متعـة وحبـــــورا           وســرورا لا ينقضــي وسعـودا(45)
ويلحق بالموقف الفني السالف مشاركته شعرا ونثرا في المعركة التي عرفتها الفترة بين أنصار القديم وأنصار الجديد في الأدب المغربي الحديث، وقد أعلن موقفه صراحة في قصيدة التي اختار لها عنوان «دفاع عن القديم» التي منها:
كيــف لي أن أنال غايــة ما ترمـ           تــي إليه(46) وكيــف لي أن أجيـدا
لا تعنــف فمــا التجــدد شأنــي            مــا أراه فــي الحــق إلا قيـــودا
شغــف النــاس بالجديـد وأنـــا            هـــم طريقـا لديهـــم وتليــــدا
ازدهــارهــم من جانبيــه بريـق           مثلما يخــدع السـراب الشهــــودا
مسختهـم يــد التجــدد حتــــى             لا تــراهم فـــي الشكل إلا قــرودا
قلــدوا غيرهــم وأقبــح ما يأتـي          كــلام إذا أتـــــى تقليـــــدا
فلهـــم مذهــب ولــي مذهـب             الحق، فكل يمضــي رشيدا حميـدا(47)
لم نقصد إلى الوقوف على كل شعر الفقيد، رغم توفرنا على مجموعة محترمة من نصوصه، كما أننا لم نهدف إلى بحثه وتحليله، أو تقصي القول في مواضيعه، وإنما هي ذكرى أثارتها في نفوس لحظات كانت جمعتنا به، تركت آثارها التي انطبعت فوق كلماتنا هذه المتواضعة في حق الفقيد لحظات ذكرتنا بالحديث الهادئ الرصين، والقول المتزن الصادر عن نفس تواقة إلى إعطاء كل شيء، ويكفيني وصف جلستي الأخيرة التي كانت معه – رحمه الله – بتطوان يوم الاثنين 24 يونيو 1985 أنها استمرت أربع ساعات، وكلها حديث عما عرفته هذه المدينة في الأربعينات والخمسينات من حركة ثقافية وفكرية وسياسية ولولا قصد الاختصار، وتعمد الاقتصار لاسترسلنا في الكتابة عن كل ما يرتبط بهذا المربي المصلح الذي دخل سجل تاريخ المغرب الأدبي شعره ونثره، فمعذرة والله يوفقنا ويرشد الجميع، والمغفرة لملهم هذه الكلمات رحمة الله واسعة والسلام عليكم ورحمة الله.
 


 -----------------
U نص الكلمة التي أعدها كاتب المقال لذكرى تأبين الفقيد إبراهيم الالغي المقامة بتطوان يوم 13 ربيع الأول عام 1406 (26/11/1985).
1) عبد السلام ابن سودة «المعسول، ج 2 ص 282، وعبد الوهاب ابن منصور «أعلام المغرب العربي» «أعلام المغرب العربي» ج 1 ص: 203.
3) عبد الحي القادري، نقلا عن الفقيد، والنسبة إلى جعفر بن أبي طالب.
4) عبد الوهاب ابن منصور، المصدر السابق.
5) المصدر السابق،وجاء في ترجمته المبثوثة بكتاب «جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» الصادر عن معهد مولاي الحسن عام 1953 ص 13. أن ولادته كانت سنة 1912.
6) عبد الوهاب ابن منصور، المصدر السباق.
7) نفس المصدر.
8) جريدة الوحدة المغربية ع 88 ص 6 بتاريخ: 28/4/1939.
9) عبد الوهاب ابن منصور، المصدر السابق.
10) جريدة الأطلس ع 6 ص 3 بتاريخ: 26/3/1937.
11) انظر نماذج منها بالمصدر السابق.
12) جريدة الوحدة المغربية ع: 88 ص 6 بتاريخ: 28/4/1939.
13) جريدة الوحدة المغربي ع: 58 ص 3 بتاريخ: 16/9/1938.
14) ذهبت مجلة المعرفة إلى أن تأسيسه كان عام 1938، ونفس الشيء قالته بالنسبة لمعهد مولاي الحسن للأبحاث.
15) عبد الحي القادري في كلمته التي ابن بها الفقيه الالغي.
16) هذان المعهدان من تأسيس محمد المكي الناصري.
17) جريدة الوحدة المغربية ع: 426 ص 6 بتاريخ 25/2/1945.
18) كتاب «جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» السابق ص: 13.
19) مجلة الأنيس ع 8 ص 30 و31 بتاريخ نونبر 1946. ومجلة المعتمد ع 2 ص 7 بتاريخ: أبريل 1947.
20) كتاب «جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» لعام 1953 ص 13.
21) مجلة الأنيس ع 107 ص 10 بتاريخ: دجنبر 1955.
22) انظر نصها في كتاب«جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» السابق ص: 15.
23) أنظر إعفاء لجنة تحكيم هذا العام بكتاب «جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» لعام 1955 ص 7.
24) انظر مقدمة الجزء الأول.
25) انظر مقدمة الجزء الثاني.
26) انظر ص: 444 ط 2.
27) جريدة الوحدة المغربية ع 82/ ص 5 بتاريخ: 23/5/1941.
28) انظر أبيات الالغي المنشورة الجريدة الوحدة المغربية ع: 131 ص 8 بتاريخ: 22/3/1940.
29) انظر نص القصيدة كاملا بمجلة الأنيس ع 15 ص 10 بتاريخ: أبريل 1948، وبجريدة الأخبار ع: 1193 ص 2 بتاريخ: 14/4/1947.
30) ورد هذا المطلع في نص مجلة المعرفة كما يلي:
ماذا لديك أخا الاشعار والآداب هل أنت تنشد في ذا المحفل النجب؟
31) انظر نص الموشحة كاملا بكتاب «جوائز المغرب ومرويكوس للآداب» لعام 1953 ص 15، ومجلة الأنيس ع: 75 ص 11 بتاريخ: أبريل 1953.
32) انظر نص العقيدة كاملا بكتاب «ذكرى مرور قرنين على تأسيس مدرسة لوقش» نشر وزارة المعارف بتاريخ: فاتح أبريل 1951.
33) توفي رحمه الله يوم الخميس 2 صفر 1406 هـ موافق: 17/10/1985.
34) انظر النص كاملا بمجلة المعهد ع 5 ص 7 بتاريخ: يوليوز 1947.
35) انظر القصيدة رثائه بجريدة الشهاب ع 170 ص 1 بتاريخ: 21/2/1952.
36) انظر مجلة الأنيس ع 46 ص 19 والهدد: 62 ص 18، الأول بتاريخ/ نونبر 1950 والثاني بتاريخ: مارس 1952.
37) انظر قصيدة رثائه بجريدة الأخبار ع: 1344 ص 3 بتاريخ: 10/10/1947.
38) جريدة الأنوال: ع: 131 ص 14 بتاريخ: 9/8/1984.
39) يقصد ما دعته أحداث هذه الفترة من تقارب بين حزب الإصلاح الوطني وحركة الوحدة المغربية.
40) بقصد بيت الوحدة المغربية الذي كان مركز جمعيتها الثقافي.
41) انظر نص العقيدة كاملا بجريدة الوحدة المغربية ع: 175 ص 9 بتاريخ: 28/3/1941.
42) جريدة الوحدة المغربية ع: 74 ص 7.
43) انظر نص العقيدة كاملا المجلة دعوة الحق ع: 5 س 19 بتاريخ: ماي 1978.
44) انظر نص العقيدة كاملا بجريدة النهار ع: 389 ص: 4بتاريخ 9 ربيع الثاني 1371 هـ.
45) انظر نص العقيدة كاملا بمجلة المعتد ع 2 ص 7 بتاريخ: أبريل 1947.
46) الخطاب الموجه لمن طالبه بالكتابة على طيرقه المحدثين.
47) انظر النص كاملا بمجلة الأنواع ع: 6 ص 19 بتاريخ: يناير 1948.     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here