islamaumaroc

أقطاب علم التجويد: -2- نابغة تازة: ابن بري.

  علي بن الشريف العلوي

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

التجويد من العلوم الهامة التي تفرغ لها الدارسون في المغرب لاعتباره من العلوم الدينية التي جاء الحض على تعلمها وإتقانها لما لها من اتصال بالشعائر الدينية، بل وفي أحد أركان الدين الإسلامي الذي هو الصلاة، فالقارئ للقرآن مطلوب بتجويد القرآن سواء خارج الصلاة فأحرى في خلالها لأن ذلك يتعلق بصحة الصلاة، ومرتلاله الترتيل الذي أمر المولى به في قوله تعالى: (ورثل القرآن ترتيلا) وقوله تعالى: (ورتلناه ترتيلا) وقول الرسول عليه السلام: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير أل داوود لما سمع الأشعري يتلو القرآن»، ولذلك قال أبو موسى الأشعري «لو كنت أعلم أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا»، ولقد سئل الإمام علي كرم الله وجهه عن قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا) فقال: «الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف» - وعن ابن مسعود أنه قال: (ورتل القرآن ترتيلا) فقال: «الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقف» - وعن ابن مسعود أنه قال: (لا تنثره نثر الرمل، ولا تهذوه هذا الشعر، قفول عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة).
وهناك روايات أخرى في الموضوع، وقد أثبت العلماء في كثير في المواطن أن من لم يجود القرآن آثم، وقد قال صاحب الجزرية:
والأخــذ بـــالتجـويــد حتم لازم           من لو يجـــــــــود القرآن آثم
لأنـــه بــه الالـــه أنـــزلا                 وهكـــذا منـــه إلينـــا وصـلا
ومثل هذه الآيات والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة واتفاق العلماء على ذلك جعل مجموعة هامة من العلماء في سائر الأنحاء يهتمون بعلم التجويد، والمغاربة ساهموا بقسط وافر في هذا الميدان، كما ساهموا بقسط وافر في دراسة الروايات القرآنية، وخاصة القراآت السبع وحفظها عن ظهر قلب، ومنهم من حفظ القراآت العشر وتجدر الإشارة عنا إلى أننا حضرنا حزب القراآت يوميا بمسجد القرويين حيث هذا الحزب يتلى بعد صلاة العصر عن ظهر قلب من مجموعة من الشيوخ الأجلاء، ومع كامل الأسى، وشديد الأسف فإن هذا الحزب قد انتهى العمل به لقلة الحفاظ وتغيير الزمان، واشتغال الناس باتجاهات أخرى أتت على هذا العمل الجليل والقضاء عليه.
وقد تحدث رجال التجويد عن القراآت وحفظها، وعن علم التجويد وإتقانه فقال الأستاذ يالوشه في شرحه على متن الجزرية ما يلي: إن مراعاة قواعد علم التجويد والأخذ به واجب وجوبا عينيا على كل قارئ من قراء القرآن، بل وعلى كل مسلم ولو امرأة، وإن كان المحفوظ سورة واحدة أو آية فقط، وأما بعلم القراآت السبعة والعشرية ففرض كفاية في كل إقليم، إبقاء للتواتر، وكذا حفظ القرآن عدا سورة الفاتحة فإنها فرض عين.
وبهذه المقارنة ندرك أن القراءة بالتجويد شيء لازم ومحتم بخلاف التحصيل على القرآن وحفظه كله برواية واحدة فإنه فرض كفاية فقط.
ومن الفخر بالنسبة لهذه الديار ديار المغرب، أن نبغ فيها أقطاب في هذا الميدان خلدوا أبحاثا قيمة وكتبا نافعة في هذا المجال، نذكر من بينهم الأستاذ علي بن بري صاحب الأرجوزة المسماة بالدرر الوامع وقد قال في ختامها:
تم كتـــاب الـدرر اللوامــع         فـي أصــل مقرإ الإمـام نافـع
نظمـــه مبتغيــا للأجـــر           علـي المعروف بابـن بـــري
سنــة سبـع بعد تسعين مضـت     مـن بعــد ستمائــة قد أنفقت
في هذه الأبيات الثلاثة أشار الإمام علي بن بري إلى اسمه وإلى العصر الذي كان يعيش فيه، وهو القرن السابع والثامن الهجري.
وأشار في أبيات أخرى إلى شطر       آخر من حياته وذلك عند قوله:
حسبمــا قــرأت بالجميـــع عن           ابن حمدون أبــي الربيـــع
المقــرئ المحقــق الفصيــح ذي         السند المقــدم الصحيــــح
ففي هذين البيتين يبين الطريقة التي أخذ بها القراءة سواء برواية ورش أو رواية قالون عن نافع وذلك عن شيخه أبي الربيع حمدون بن حمدون الشريسي، أحد أقطاب العلم بتازة المتوفي بها في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان عام تسع وسبعمائة وكما جاء في البيتين فإنه أثنى عليه الثناء الجم، ووصفه بالمقرئ المحقق الفصيح، صاحب السند الصحيح الذي لا يتقدم عليه غيره وما ذكره الإمام علي في نظمه لا يفي بإعطاء ترجمة وافية عنه وإن كانت منظومته يستخلص منها الكثير، فإنها ناطقة بعظمة الرجل، وطاقته العلمية الفسيحة، وسعة أفقه في العرفان وروعة أسلوبه في النظم، ومهارته الفنية في سبك تلك الأرجوزة، التي تعتبر في الواقع في بعض مقاطعها شعرا يفيض بالإحساس، كما يبرهن على الكفاءة الخلاقة والمبدعة، تلك الكفاءة التي سجلت ذاتيتها في التاريخ، وفرضت نفسها على العلماء المعترفين بإنجازه الرائع، وإبداعه الموفق، وخدمة المعرفة لجيله وللأجيال المقبلة، ومما يشهد لأعماله الدراسية والتدريسية، وتقدير التلاميذ له، وإعظامهم لعلمه وشخصه، ما يحكي عنه، أن الإمام ابن بري كان من عدوة تازة، مقصودا من طرف أهلها، وخلال ممارسته لهذه المهنة تولى القضاء بها أحد تلامذته، فأصبح التلميذ في موقف حرج من أستاذه الإمام ابن بري، ولم تطاوعه نفسه أن يكون الأستاذ عدلا يأتي لأداء الشهادة أمامه، لأنه شتان بين علم الأستاذ وعلم التلميذ وشتان ما بين سمعة العدل ابن بري لدى المواطنين بالمدينة وما جاورها، وما بين القاضي الذي لا يعتبر شيئا أمام الأستاذ فسعى التلميذ القاضي سعيا حثيثا في رفع مستوى أستاذه من الناحية الوظيفية وبالفعل تمكن من ذلك فارتفعت رتبة الأستاذ إلى كتابة الخلافة، وآنذاك رقى التلميذ بوضعيته القضائية فهذه الحادثة وحدها تدل على المكانة التي كان يتمته بها لدى جمهرة السكان بصفة عامة، ورجال الحكم بصفة خاصة، أنه كان محبوبا من طرف الجميع.
إن الأستاذ لم يكن مقتصرا ف يعمله العلمي على هذه الأرجوزة التي سنتعرض لها بالتحليل في حديث مقبل إن شاء الله تعالى ولكن كانت له خدمات هائلة في مجال العلم، وآثار جليلة مما من شأنه أن يبوئه الدرجة الرفيعة بين العلماء المؤلفين في سائر أرجاء المغرب والعالم العربي والإسلامي، ويمتاز بالسبق في فن التجويد لأن أمثاله في هذا الميدان يعتبرون من القلائل سيما في مجال النظم لأن أرجوزته التي سماها بالدرر اللوامع تهافت عليها الدارسون، وشرحوها وعلقوا عليها وحفظوها عن ظهر قلب، فكانت لهم غنية من غيرها، وأغنية يتمتعون بسبكها ورائع أسلوبها، وقيدا للشوارد العلمية الواردة في غضونها وقد توالى عليها العدد الهائل بالشرح لزيادة الفائدة وضرب الأمثلة ومن الشروح المفيدة عليها شرح الفجر الساطع على  النجوم الطوالع لأحد المؤلفين المغاربة، وكذلك النجوم الطوالع لأحد العلماء بتونس وهناك آخرون ممن اهتموا بهذه الأرجوزة الفريدة، وقد قال فيه صاحب النجوم الطوالع الشيخ إبراهيم المرغني ما يلي: كان رحمه الله عالما عاملا فارعا في علوم شتى كالقراآت وتوجيهها والتفسير والحديث والفقه والفرائض واللغة والنحو والعروض ذا نظم عذب وخط حسن قرأ على شيوخ عدة، وقد قدمت منهم أستاذة في القراآت، وله مؤلفات عديدة منها الأرجوزة التي أشرنا إليها والمسماة بالدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع، ومنها تأليف في الوثائق، وشرح على وثائق البراذعي للمدونة، واختصر شرح الإيضاح لابن أبي الربيع الاشبيلي في النحو وقد أحسن في عمله هذا، وله شرح على عروض ابن السقاط وله غير ذلك من الكتابات المفيدة والتآليف الفائقة، مما يدل دلالة وافية على أن الرجل لم يعش لذاته وخاصة نفسه ولكنه عاش عاملا من أجل المواطنين جميعا، مضحيا في سبيلهم لحصول الفائدة العلمية، والارتقاء بهم إلى أرقى الدرجات، ولم يعش خاملا قابعا على نفسه بل انطلق إلى التدريس وخدمة الطلبة في أرضه والوافدين عليه من كل جهة من جهات المغرب ولم يعش مدخرا للعلم في مدده والبخل به على من قرب أو بعد عنه بل دونه في القرطاس، ونشره بين الناس، للفائدة والمتعة والاستيناس، بل تجاوز ذلك إلى درجة الإيمان بأن ما وهبه الله من علم ومعرفة، ما هو إلا وديعة في صدره يجب أن يتركها أمانة خالدة في التاريخ لمن يأتي من الأجيال اللاحقة من بعده فدونها ورتبها، وأحسن تدوينها وترتيبها، وخلفها من بعده دررا لامعة، تنظم عقودا زاهية في كل جيل من الأجيال اللاحقة من بعده إلى يومنا هذا منذ أن أدركته الوفاة: ما بعد الثلاثين من القرن الثامن الهجري، وقبره ضريح معروف حيث وقع الاهتمام به أخيرا وأعطى له بعض ما يستحقه من العناية الواجبة على الأجيال المغربية بصفة عامة، وعلى الأجيال التازية بصفة خاصة، وحبذا لو وقع إحياء ذكرى هذا الرجل العلم الفذ، لتقديمه لجيلنا الحاضر بالصورة العلمية الحقة التي عاشها، والجهاد المتواصل الذي خاضه في سبيل نشر المعرفة، وأنه لمن الحق الواضح أن مدينة تازة إذا حق لها أن تفتخر بأمجادها وهي عديدة، فإن هي مقدمة هذه الأمجاد الإمام علي ابن بري، وقد سميت إحدى الثانويات باسمه اعترافا بنا قدمه من خدمات في مجال العلم وليس تخليدا لاسمه لأن اسمه على عدة معالم محترمة في تازة يعتبر تشريفا لهذه المدينة وزهوا بما صنعه أبناؤها، ودراسة كتبه ونشر علمه بين أرجاء هذه المدينة وفي سائر أنحاء المغرب يعتبر اعترافا وتقديرا لهذه الشخصية المغربية المثالية سيما إذا علمنا أن أرجوزته يدوي صداها بين أرجاء جامع الزيتون لدى علمائها وطلابها – فعلم الإمام ابن بري لم يقتصر على المغرب بل حمل الرسائل لأرجاء من العالم العربي والإسلامي .                

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here