islamaumaroc

مؤتة واليرموك موقعتان توأمان تتمم إحداهما الأخرى

  محمد نجيب البهبيتي

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

مؤتة واليرموك تتكاملان حتى لتمثلان موقعة واحدة ذات أثر حاسم في تاريخ الإنسان. فلو أن النصر لم يتم في كلتيهما للمسلمين لظل باب جزيرة العرب الشمالي مفتوحا على مصراعيه لاندفاع غزو روماني عربي مشترك كان من الممكن أن يحطم نواة النهضة العربية الإسلامية في مهدها الأول، ويعطل مجرى التاريخ قورنا لا يعلم طولها إلا الله.
ولعل نسبة الحسم التاريخي لمعركة مثل مؤتة يبدو غريبا لذة من قرأ كتابات مؤرخي العرب عنها، ورآى منهم من اعتبرها هزيمة للمسلمين، ومنهم من اعتبر نجاة الجيش الإسلامي الذي حارب فيها – وعدده كان ثلاثة آلاف مقاتل – نصرا لاعتبار، لا حقيقة، لأن هذه الطائفة من المؤمنين قد استطاعت أن تقوم في وجه جيش عربي روماني مشترك بلغ تعداده مائتي ألف، فقتلت منه ما قتلت، ثم استطاعت الانسحاب المنظم الذي رسمه لها قائدها الرابع خالد بن الوليد، بعد مقتل قوادها الأولين الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وهم من أعظم المسلمين شأنا وقربا إلى قلب النبي "، فعدت هذه الطائفة الثانية من المؤرخين هذا الانسحاب للجيش الصغير الناجي من الطوفان الرومي العربي عملا معجزا، يعتبر في ذاته نصرا ما كان يمكن أن يحققه إلا خالد بن الوليد القائد الذي لم يهزم في حرب قط.
والفئتان من المؤرخين كلتاهما لم يقعا على حقيقة العمل الذي خرجت له هذه الفئة القليلة من المسلمين: ماهيتهن هدفه، ومجراه، وأثره الذي رمى به النبي "، وإن كان قد كلم فيه بفقد رجال عزوا عليه، وأحبهم. وهذا هو ما ألهى المؤرخين عن أهمية العمل، فتركزت عليه أنظارهم.
ونحن لكي تقدر حقيقة (مؤتة) وعملها في التاريخ، يتعين أن نضع تحت النظرة الجامعة الموقف العربي في بيئته التي نشأ فيها ودرج، وموقعه الخطر بين قوتين كبيرتين تحفانه من جانبيه الشمالي والشرقي، والنظرة التي كان هذان العدوان ينظران بها على الإسلام، وهما يريانه يشب وينمو، وينبسط على أرض الجزيرة العربية شاملا أعماقنا، منسابا في مد دائم إلى أطرافها، مقتربا في هدير مُصِمٍّ إلى الأراضي التي كانا يقيمان فيها، أو يشغلانها من أرض العرب التي شغلاها بتفرق العرب واشتغال بعضهم ببأس بعض.
العدو الخبيث المخادع الحاقد لذي لا يسكن حقده.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي عبيد الله بن مسعود، وهو يرسله على رأس أول بعث جرده لفتح فارس، بعد بعوث أبي بكر رضي الله عنه، وقد كانت لتفتيت سنان الحربة الموجهة من قبل فارس إلى صدر الجزيرة العربية، استعدادا لتحقيق حلم كان قد أخذ يرواد الفرس في فتح بلاد العرب، بعد أن قتلوا النعمان الخامس غدرا، وقد كان هو وجيشه من القبائل العربية المحالفة له وهم درعها الواقي كما كانوا من قبل، هم أنفسهم، درع فارس الذي يصد عنهم انفجارات العرب المتكررة على طول حقب التاريخ على الفرس.
فلقد أنس الفرس في هذا العهد الأخير من الفترة الجاهلية الأخيرة، من أنفسهم ظن القوة التي تمكنهم من إخضاع العرب في الجزيرة لسلطانهم، ولما أحسوا أن النعمان الخامس مطلبهم قتلوه بعد أن استدعوه إلى عاصمتهم على أمان منه لهم.
ولولا أن هذا العهد نفسه كان مرحلة اضطراب وصراع على الملك بين المتنافسين من أعضاء أسرة الملك الفارسي، لأقدم الفرس على غزو الجزيرة العربية من شرقها. ولم يكن الفرس بغفلة عن عمل التوحيد الذي راح الإسلام يحققه للعرب الذي ظلموا متفرقين، يتفتتون بعد وحدة كلما تهيأت لهم على التاريخ وحدة. فالنبي "، قد أرسل فيما الإسلام، فهاج ومزق الرسالة، فالفرس بعد أن وجدوا شيئا من الاستقرار في ظل ملكهم الأخير، وبعد أن شلوا يد المنادرة، راحوا يستعدون للوثوب على الجزيرة. وقد بدأوا ببناء مسالح على حدود العراق الغربية، لتأمين مواثب أولية لهم على ما وراءها من أرض الجزيرة، وراحوا يصطنعون باسم الحلف أمراء جدد من طيئ ومن تيم. على أن هذه العملية التي كانت قد توقفت ف يظل الفوضى التي أصابت أداة الحكم فيهم بما يشبه الشلل فترة، أخذت تتحرك من جديد.
وكما أن الفرس لم يكونوا بغفلة عما كان يحدث في الجزيرة، كذلك لم يكن قادة المسلمين بغيب عما كان يحدث داخل فارس، وفي العراق العربية استعدادا للوثوب، فكانت بعوث أبي بكر رضي الله عنه إلى فارس عملا يزلزل به قواعد هذا التأهب للوثوب فيقول عمر لقائد بعثه الأول، وكان هذه المرة للفتح، وليس للتعطيل:
«إنك تقدم على أرض المكر والخديعة، والخيانة والجبرية. تقدم على قوم قد جرؤا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوا. فانظر كيف تكون، واخزن لسانك، ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه، وإذا ضيعه كان مضيعة» (الطبري 4 ص: 66 – 67) كذلك كان فهم عمر رضي الله عنه للفرس، وتلك كانت وصيته لأول رجل بعث به على رأس جيش لحربهم، فلم تكن مواجهة عمر للفرس مواجهة من لا يعرفهم أو من هو بغفلة عن أهدافهم، أو من يقدم في حربهم على مجهول، أو على قوة لا يقدر جوانبها ومخاطرها، بل كان إقداما بصيرا، وكان فهمه واضحا للغاية وللطريق التي سيسلكها إليها، وما كان للفرس ليجهلوا رأي عمر هذا فيهم، وقبل عمر غزا المسلمون العراق في عهد أبي بكر رضي الله عنه، واستطاع المثنى بن حارثة الشيباني البكري أن يذلل أطراف العراق أولا، وشيبان لها قبل أن تسلم انتصار «ذي قار» على الفرس، وكان نصر مدويا، يوم هزمت شيبان جيشهم انتقاما لغدو كسرى بصهرهم «النعمان الخامس» حين استدعاه على عهد ثم قتله، وقال النبي "، فيه قولته:
«اليوم انتصف العرب من العجم، وهم نصروا بي».
وقد جاء مقتل النعمان الغادر نهاية لصراع مكبوت بينه وبين السلطان الفارسي الذي كان راح يستشري بعد انتصارهم على الروم في الوقائع التي فرحت قريش بنتيجتها واعتبرتها نصرا لدين وثني على النصرانية التي كان الإسلام ينظر إلى حقيقتها باعتبارها دينا موحدا، فاعتبرت قريش هذا النصر هزيمة للإسلام الذي كان النبي يدعو إليه، وكانت ترفضه وتستمسك بشركها. فنزل قوله تعالى:
?غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده، ولمن أمثر الناس لا يعلمون?.
وكان الفرس ينالون نصرهم دائما على الروم بمساعدة ملوك المنارة العرب الذين كانوا يقومون إلى جانبهم في حروبهم مع الروم دائما، كما كان الروم ينالون نصرهم على الفرس بمساعدة ملوك الغساسنة الذين يقومون إلى جانبهم في حروبهم ضد الفرس.
وفي تاريخ الفترة الأخيرة لدولتي المناذرة في العراق والغساسنة في الشام غموض واختلاط، وتداخل بين أسماء ملوك الدولتين، بل إن الاختلاط ليقع فيما أبعد من ذلك فيدخل فيهم اسم الحارث الأكبر الكندي (جد امرئ القيس الشاعر) وابنه.
وأعمق ما يطبع هذه الفترة من فترات التاريخ العربي هو أثر الملك، «الحارث الكندي». فلقد وحد الرجل عرب شبه الجزيرة، وقادهم في انتصارات على الفرس والروم جميعا، وابتلع ملكه الدولتين العربيتين في العراق والشام، واستفاض حتى شمل آسيا الصغرى وأشرف على البوسفور، وهدد القسطنطينية، واضطر الروم إلى عقد معاهدة بينهم وبينه يقوم فيها الفريقان كل من الآخر مقام النظير المساوي، وهي المعاهدة التي استغل امرؤ القيس الشاعر شروطها في طلبه مساعدة قيصر القسطنطينية ومده بجيش يعينه على استرجاع ملك آبائه بعد أن فقده في انتفاضة مفاجئه «لأسد» عليه.
وقد عاش الحارث الكندي طويلا، وبلغ من العمر أمدا حمله أن يتبع سياسة رمى بها إلى إيجاد نوع من الانسجام بين ماضي المنطقة العربي وبين واقعها الذي انتهت إليه في عهده، وفي أعقاب انتصاراته.
فرد على العراق ملكها «المنذر بن امرئ القيس» (ابن ماء السماء) بعد أن زوجه ابنته «هندا»، التي كان له منها ابنه الملك من بعده: (عمرو بن هند). وكان التنظيم العسكري في الجاهلية يعتمد على «القبيلة» باعتبارها وحدات عسكرية كبيرة تنقسم عند العمل الحربي إلى وحدات تنظيمية أصغر، فهي تخضع لقيادات تتسلسل من كبيرة إلى صغيرة لضمان التماسك بينها، وضبط حركتها في القتال، وقد اتصل هذا النظام في ظل الإسلام، وكانت أصغر وحدات العمل القتالي (عشرة) من المقاتلين، عليهم (عريف)، يعرفهم بأسماؤهم، ويقودهم في الحرب، القيادة التي تستهدي بأوامر القائد العام وتندمج مع غيرها في تنفيذ خطته وكان هذا بلقب عسكريا «الجرار».
وقد أدخل «خالد بن الوليد» في نطاق هذا التنظيم الجامع نظام الكراديس، وصيره إطارا يلتف على عدد من الوحدات الصغيرة في أقسام الفصائل، وكان في واقعة (اليرموك) في حرب الروم، ثم اتبع «سعد بن أبي وقاص» هذا النظام بمجموعة في (القادسية) وما جاء بعدها في حرب الفرس.
وكان كبار قواد جيوش «الحارث الكندي» في حروبه أبناءه، جعل كل واحد منهم على رأس مجموعة من القبائل، فكانوا يحاربون معه عليها.
ولما كبرت سن «الحارث» ظل أبناؤه كل على رأس المجموعة التي كأن يقودها في ظل أبيه، واعتبر ملكا لها، وما كاد الحارث يموت حتى انقسم أبناؤه فيما بينهم واختلفت القبائل بينهم، واحتربت بينهم حرب وتعاظمت ضحاياها، وخشي مغبتها حكماؤهم فانقلبوا إلى طلب النجاة منها تحت إمرة «كليب، خاصة بعد أن رأوا الأحباش ينزلون اليمن، ويحاولون الصعود منها إلى الشمال. وقد وحد الشماليون صفوفهم تحت إمرة كليب، ولقيهم «كليب» في (خزازي) بالعرب الشماليين ففض جموعهم وهزمهم، وفيما كان «كليب» يسعى إلى تنظيم ملكه الجديد، انقسمت أسرة الملك علة نفسها، وقتله غيله ابن عمه جساس، وانقسمت ربيعة إلى قسمين: بكر وتغلب، ونشبت بينهما الحرب دامية اتصلت طويلا.
وكان للمناذرة صهر في بكر، فلما قتل الفرس «النعمان» قامت بكر بحرب الفرس وهزمتهم في «ذي قار» التي سبقت إليها الإشارة، انتقاما لصهرها.
لم تكن إمبراطورية الفرس إذن عند العرب قوة تستعصي على الهزيمة، كما لم يكن الروم قوة تستعصي على الهزيمة، فقد هزموهم في أكثر من موقعة، ثم إنهم كانوا يعرفون معرفة اليقين، عن طريق التجربة التي مرت بها دولتاهم في الشام وفي العراق أن النصر الذي كانت تحصله إحدى الإمبراطوريتين على الأخرى كان يعتمد إلى مدى بعيد على سيوفهم، وكتائبهم التي كانت تقوم جانب كل منهما.
وكانت بكر – وشيبان منها خاصة – أحدث العرب لقاء للفرس، وانتصارا عليهما، وكان المثنى بن حارثة الشيباني هو أول قائد عربي مسلم مع فصائله من شيبان في حرب الفرس في العراق أول عمل منظم وجدد لهم الهزائم واحدة بعد أخرى.
ونحن من علاقة الفرس بالمناذرة، ومن علاقة الروم بالغساسنة في أواخر العصر الجاهلي بإزاء ظاهرتين متشابهتين. فالروم قد غدروا بالملك الغساني، فاستدرجوه على عهد وقتلوه قبل الإسلام بقليل والفرس صنعوا الصنيع نفسه بالنعمان.
وقد هزم الفرس والروم في الواقعة التي أشار إليها القرآن الكريم قبل قتلهم النعمان، وانهزم الروم في حربهم هذه بعد غدرهم بالملك الغساني.
وغدر الفريقين كل بحليفه العربي يجيء بعد مرحلة من افتقاد الفرس التحمس لهم لدى النعمان، وافتقاد الروم التحمس لهم من الغساسنة، ولم ينته وضع الدولتين العربيتين إلى هذا الفتور إلا بعد الدروس التي تلقوها من انتصارات الحارث الكندي على الدولتين، وتبيينهم اعتلاء كلمة العرب على هاتين الإمبراطوريتين باتحادهم ثم ما كان من عودة المد إلى سكان الإمبراطوريتين بعد افتراق أبناء الحارث، وتسافك العرب دماءهم فيما بينهم، وصيرورة قوتهم إلى الضعف بالخلاف، وهذا ما دفع بالنعمان إلى التقارب مع الغساسنة.
وجسامة الخسائر التي لقيها العرب في هذه الحروب الأهلية فجرت في قلوب كبارهم بغضها، وحملتهم على السعي إلى وقف رحاها. وقد تبين لهم أن أخطر أسباب هذه الفتنة كان صراع الرؤساء على السلطان، فالتقت كلمتهم على تجنيبهم هذه الرياسة جملة باختيار ملك يأتون به من خارج هذه القبائل التي طحنتها هذه الحرب، ولذلك توجهوا إلى اليمن يختارون لقبائلهم مجتمعة ملكا من ملوكها إذ أنه في ملوك اليمن كانت تلتقي كلمتهم بعد الفرقة، ويمضون إلى القوة بعد الضعف، وكان هذا وجها من وجوه نصبهم باستعادة الوحدة.
وفيما كان شيوخ القوم وحكماؤهم يلمتسون الوحدة عن طريق الملك الواحد يختارونه لقبائلهم من خارجها كان شعراؤهم يسعون بين المتنافسين على الملك لتوحيد كلمة العرب، ورفع أسباب الخلاف بينهم، وقد فقد عدد كبير منهم حياته في هذا المسعى، ولم يكن تحفز الفرس من جانب للوثوب على ملك المناذرة في العراق، وتحفز الروم للوثوب على ملك الغساسنة بالشام، إلا رد فعل للخوف من قيام هذا الاتحاد العربي الناهض إلى جانبهم، وذكرى «الحارث الكندي» لا تزال غضة تقض مضاجعهم.
ثم جاءت الدعوة الإسلامية، وانتهت إليهم في الجانبين أخبارها، ولم يكن مطلبها توحيد كلمة العرب في جزيرتهم فحسب، وإنما كانت رسالة إلهية يمضي العرب تحت لوائها إلى توحيد عالم بتمامه في ظل شريعة الله، بأن ثبت لهم أنهم لن يهدأوا ما داموا ممزقين وبين قوتين تتصارعان الصراع الدائم الرامي على ابتلاع عالمهم.
والأخبار العربية الباقية عن هذه الفترة تثبت أمرين متناقضين في وصف وقع هذا الوضع العربي الجديد على الإمبراطوريتين المجاورتين:
ففي فارس التخادع للنفس المشبع بالغرور المترجم عن نزق عرف به الفرس خلال تاريخهم في المنطقة بإزاء العرب، وهذا يقع منهم مع أن هزيمتهم أما فريق من العرب في (ذي قار) كانت لا تزال تلوح في الأفق، وهزائمهم أما «الحارث الكندي» قبل ذلك كانت رهبتها لا تزال تأخذ بأعناقهم وقلوبهم، لكن أملا واحدا كان يجعلهم يكلون النتائج إلى المستقبل، وهذا الأمل كان معلقا بأن يقع الخلاف بين العرب، فيمتص قواهم في حرب يؤججها بعضهم في وجه بعض، وقد كان الماضي القريب يدل على هذا: فأبناء الحارث الكندي قد قتل بعضهم بعضا فتحطمت الدولة التي بناها أبوهم وبنوها معه. حتى (كندة) قد مزقتها الفتن، فقتلت «أسد» ملكها غيلة، ثم تولى المناذرة استئصال شأفة أمراء أسرتها المالكة، لم يبقوا منهم على أحد إلا أميرا واحدا هرب، ولكنه لم يستطع استرداد ملك آبائه، ثم مات غريبا: وهو امرؤ القيس الشاعر.
لذلك قبل الفرس التحدي، ولما جاءت ملكهم رسالة النبي مزقها، فدعا النبي ربه أن يمزق ملكه. ثم إن الفرس كانوا يتهيأون للوثوب على جزيرة العرب أيام جاءتهم رسالة النبي، وكان قتلهم «النعمان الأخير» وتوهمهم إمكان انطلاق يدهم في ملكه، تمهيدا لهذا الوثوب، وكان «النعمان» قد تنبأ بذلك، وحاول أن يرد عنه الفرس ونبه إليه طائفة من كبار رجال العرب، فلقي في هذا الصراع الصامت مصرعه.
وحديث الوفود العربية التي حشدها «النعمان» إلى بلاط كسرة، حديث مؤرخ صادق، لا تعتره الشبهات إلا في رأس جاهل بتاريخ تلك الفترة الانتقالية من حياة المنطقية. كل خط من خطوطه يضع في ضوء النهار قطعة من ذلك الصراع الذي كان قد سار شوطا بعيدا بين العرب والفرس والملك الذي كان يتصور أنه في طريقه إلى حرب مع العرب الذين خرج بينهم هذا النبي الذي يدعوه اليوم إلى الخضوع المطلق له من غير أن يرفع في وجهه يدا، قمين به أن ينبذ هذا الاقتراح إلى صاحبه.
كان هذا موقف الفرس، أما موقف الروم فكان مضادا لهذا الموقف الفارسي. كانت أعين الروم مفتوحة دائما على ما يقع في قلب الجزيرة، وقد عرفوا بظهور نبي فيها يدعو إلى الله دعوة تلتقي إلى حد بعيد مع النصرانية التي يدنون بها، وإن هرقل ليتابع في اهتمام أخبار هذه الدعوة، فتجار قريش لا يأتون الشام والقسطنطينية كل عام مرة، وكبار قريش يلتقون به في بلاطه، وإنه ليسألهم عنه فيجيبونه صادقين بما عرفوه عن النبي، وعن نضاله في سبيل نشر رسالته، وما من شك في أن بعض هؤلاء المتعاطفين مع الإسلام قد أخبروه بأن هذا النبي قد تنبأ بانتصاره على الفرس من يوم أن انهزم الروم أمام الفرس، وأن هذا النبوءة قد تحققت، وأنه اعتبر نصر الروم نصرا لدين كتابي يلتقي مع دينه في الكثير، وأنه قد نزل عليه في ذلك قرآن يؤكد النصر الرومي على الفرس قبل أن يتحقق النصر بأعوام، وقد تحقق صدقه.
وهذا ليس بالشيء اليسير، عند قياس عقائد الناس، والتماس ما يترك العمل فيهم من أثر، ولذلك لا يغرب ما جاءنا عن هرقل من أنه كان شديد التردد في مواجهة الإسلام بالعداوة، علة ما كان من قومه يريدون ويطلبون. فلقد كان هرقل مقتنعا بأنه بإزاء دين جديد لا يقل صحة عما أتى به السابقون من الأنبياء، ومن بينهم عيسى، حتى لو أنه كان يرى، كما يرى قومه، أن عيسى لم يكن مجرد نبي مثل غيره من الأنبياء، فلم يكن وقع الدين الجديد في نفسه ينبع من اعتبار واحد، وإنما كان ينبع من شتى الاعتبارات. والإمبراطورية الرومانية في أوجها عجزت عن اقتحام الجزيرة فوقفت عند أبوابها، ثم انتهت إلى القناعة بالاحتجاب وراء سور الغساسنة آخرا.
واهتمام الروم بما كان يجري داخل الجزيرة العربية، وتقديرهم بأن كثيرا من تاريخهم كان يرتبط به، أمران يقومان في نفوسهم على أساس من الماضي والحاضر، وارتباط القسطنيطينية بملك الغساسنة في الشام كان ارتباطا أملته التجاوب، وجلاه لهم الزمان ضرورة لسلامة حدودهم، ولأمانهم فيما وراء الشام، بل وفيما هو أبعد من ذلك: لأمان عاصمتهم نفسها. والمرحلة الأخيرة من مراحل وجودهم في المنطقة قد تردد فيما ذكر التقدم العربي، وإيغاله في الأناضول، وتهديده القسطنطينية: يأتيهم تارة من قبل المناذرة وهم يعينون الفرس، وتارة من قبل عرب داخل الجزيرة. فلا غرابة في ثقل نفس هرقل أو غيره من قياصرتهم بما كان يقع داخل الجزيرة العربية.
وعلاقة رومة بما كان يجري في اليمن، وتأييدها الغزو الحبشي لليمن، وحشد كنيستها ومبشريها في جنوب الجزيرة، على مدد من الزمان وتطاول، كل هذه تضعنا بإزاء الأهمية التي كانت للجزيرة العربية عندهم قبل الإسلام، وهي لذلك أجدر بها عندهم بعد الإسلام: سواء أكان في القسطنطينة القريبة أو رومة البعيدة.
إن شعورا بشيء من الغرابة قد يستيقظ بنفوس بعض مؤرخينا اليوم حين يأتون إلى قراءة ما كتبه المؤرخون السابقون من المسلمين مصورا وباسطا لحالة العلاقة بين العرب والروم في الجاهلية أو في صدر الإسلام، وهذا الشعور إنما ينبني على تصورهم خطأ هذه العلاقة على ضوء ما أوقعه المؤرخون الأوروبيون المتأخرون في نفوسهم من أن الروم كانوا هم الأعلون أبدا، كما أنهم كذلك اليوم، وهو زعم باطل يلح الأوروبيون في محاولة في محاولة تقريره وتأكيده، طموحا منهم إلى بناء قاعدة خيالية يستقر عليها استمرار حاضرهم، ولا أمانة فيه للتاريخ، ولا وفاء له. الأوروبيون لا يلقون إلى التاريخ بالا، ولا يقيمون له وزنا، وإنما يعتبرونه أداة من أدوات الصراع بين الأجناس، وهم من أجل ذلك يكيفونه لمصلحتهم.
وقد ترك لنا المؤرخون الملسمون وصفا لرد فعل قيام الإسلام في القسطنطينية، وتركوا نعه وصفا لرد فعل في (المدائن) عاصمة فارس إذا ذاك، فكان ردين متناقضين ولو أن الحافز في تصويرهما كان الاستنجاد بموقف «هرقل» لتأييد الإسلام، لكان هذا الحافز نفسه سببا يجعلهم يزيفون بع تعاطف كسرى معه لكنهم لم يفعلوا، وإنما لا يقوم وراء التصوير الهوى.
ولقد كانت القسطنطينية خاصة أشد حساسية بما يقع في شمال الجزيرة، كما كانت رومة أشد حساسية بما يقع في جنوبها.
وقد أصيف إلى الموقف في الشمال عنصر آخر: وذلك هو موقف ملك غسان الشمالي الملاصق للحجاز، والشديد التأثر بما يقع فيه وفي شمال الجزيرة، وهذا الملك يحالف الروم. وكان انبساط الإسلام على شمال الجزيرة فيما يلاصق الحجاز امتدادا في دائرة يعتبرها الغساسنة مجالهم الحيوي، وموطن القبائل التي هي مدد قوتهم ومعدنها عند احتسابهم ومرتكزات قوتهم، ومهيئات قيامهم مقام الحليف للروم فهو السد الذي يقيمهم تدفق عرب الداخل، وهذا السد قد بدأ ينهار بغزوات النبي، وهذا يجردهم من علة وجودهم كقوة فاعلة.
فكان التمدد الإسلامي نحو الشمال عاملا يهدد الغساسنة والروم جميعا، وقد دخلت هذه الحقيقة بثقلها الكبير في تكييف موقف الروم والغساسنة جميعا وذلك في حياة الرسول، وبعد موته. وأخذ الغساسنة يستعدون لغزو المدينة، ويحشدون جيوشهم في الشام، وكانوا على وشك المسير لولا أن استوقفهم هرقل حتى يساعد بجيشه معهم.
ففي حياة النبي كان حشده في (مؤتة) هجوما قصد به إلى تفتيت جيوش الروم والغساسنة التي كانت قد تجمعت في تخوم (البلقاء) في الأردن على أطراف الشام، استعدادا للنهوض إلى الحجاز. ولم يكن تجمع هذه القوة ومقصدها خافيا على القيادة الإسلامية. فيقول عمر رضي الله عنه:
«... وكان لي صديق من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن حينئذ تتخوف ملكا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه. (وهذه رواية مسلم للحديث. أما الترمذي فيزيد على ذلك قوله:) «فكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا» قال مسلم: «فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب، وقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: أشد من ذلك،اعتزل النبي " أزواجه».
(من مسلم: حديث الطلاق، ومن الترمذي: تفسير سورة التحريم).
فلم يكن إخراج النبي " جيشه عملا مرتجلا أو غير محسوب، إنما كان عملا دقيقا، محسوبا، له أسبابه ونتائجه، وخطره، وأثره. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here