islamaumaroc

صفحات من مذكرات لها من العمر ربع قرن!

  عبد الهادي التازي

العدد 253 محرم-صفر-ربيع1 1406/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1985

«... وقبل أن نأخذ طريق المطار استقبلنا من لدن جلالة الملك محمد الخامس الذي ألقى فينا كلمة توجيهية: «إن مهمتكم لا تقتصر على أداء المناسك ولكنها تهدف أيضا إلى التعريف ببلادكم التي نقبل اليوم على عهد جديد بعد استرجاع استقلالها، وأنتم عون للحجاج الآخرين، خذوا بيدهم وأسعفوهم واجتهدوا في أن تخففوا من عناء الذين يشرفون على شؤون الحج في المملكة العربية السعودية...».
وقد كان أعظم الوفد كما أذاعته الرسالة الملكية يتألف من السادة: الرئيس البكاي – الأمير ولد عمير – الدكتور الخطيب – الأستاذ عبد السلام الفاسي – المكي بادو – عبد الهادي التازي.
غادرنا مطار سلا على متن كونسطلاسيون في الساعة الثانية وخمس وثلاثين دقيقة من صباح يوم الجمعة 27 ذي القعدة 1378 وهو يوافق اليوم الخامس من يونيه 1959 بالتوقيت الشمسي، إنها رحلتي الثالثة عشرة عبر الجو.
كان في وداعنا طائفة من الأحباب والرفاق ممن وردوا للتبرك بمن يقصدون رحاب الله... بعد إغماضة جفن استيقظت على خيوط الشمس... لقد كنا – ونحن متجهون صوب المشرق – نبحث نحن عن مطلع الشمس... الحجاج بلباسهم الأبيض بين مرتل وذاكر... تلوت حصتي من القرآن الكريم لهذا اليوم: «يا بني آدم يأتيكم رسل منكم»، الآيات.
نزلنا مطار بنينة (بنغازي) للراحة قليلا حيث اجتمعنا بسعادة الأستاذ عبد الهادي الشرايبي رئيس البعثة الدبلوماسية المغربية الذي وجدناه في استقبالنا إلى جانب موظفين سامين من وزارة الخارجية في المملكة الليبية...
هل تصلي أن نتناول فطورنا الأول؟ في الناس من التقرح البداية بالصلاة للتفرغ للأكل كما يجب لكن الدكتور الخطيب ألح على البداية بالأكل معلقا على ذلك قوله: «إن الأصحاء في الصين يؤدون – ما داموا أصحاء – لطبيبهم ضريبة سنوية فإذا مرضوا انعكست السيرة فعالج الطبيب المرضى مجانا، فلأجل أن يظل الطبيب مستفيدا منكم – يقول الدكتور – تناولوا أكلكم أولا...
قضينا بعض الوقت في الحديث، ثم أخذنا متن الطائرة من جديد... تناولت غذائي على مضض لصداع ألم بي في أذني اليمنى... الحديث كان يروج بين الحجاج: هل سنبدأ بالزيارة أو بالحج؟ وهل سيتم حجنا بالإفراد أو بالقرآن أو التمتع؟
وإذا كان الرأي بالنسبة للموضع الأول قد استقر على الفكرة الأولى ربحت للوقت، فقد ربح اختيار الزملاء على أن يقوموا بحجهم مفردين على أن يقوموا بالعمرة فيما بعد... على ما يقتضيه النحو الواضح.
لقد وطئنا أرض جدة في الساعة السابعة وخمس دقائق بالتوقيت المحلي، فما حديث الساعة هنا؟ إن الفرق الطبيعي بين المملكتين ثلاث ساعات... لكنا وجدنا هنا اصطلاحا آخر فيما يتعلق ببداية الساعات... لكنا وجدنا هنا اصطلاحا آخر فيما يتعلق ببداية الساعة: إن الغروب هنا دائما يكون في الثانية عشرة... في المغرب نجد أن الساعة 12 تعني وقت الزوال... وهنا تعني وقت الغروب... كانت مناسبة لتذكر دروسنا عند الشيوخ الأجلاء العلمي والرجراجي والصبيحي! إن بداية اليوم هي من الغروب... ومعهم حق، إذ إننا نعتبر رمضان ابتداء من ظهور الهلال عند الغروب... لكن الظاهرة التي أربكتنا حقيقة هي أنهم في جدة يعتبرون هذا اليوم يوم 29 وليس يوم 27 كما عدنا بالمغرب... يومان اثنان فرق، فهل يعقل هذا؟
لقد وجدنا سعادة السفير الشيخ محمد غازي صحبة الرفيق المستشار السيد أحمد الشرقاوي في انتظارنا حيث أخذنا توا إلى دار السفارة... رأينا العلم المغربي يخفق على أعلى مبنى... كلنا كان يشعر بارتفاع درجة الحرارة في الصالون المكيف تتجاوز إحدى وثلاثين، طبعا إلى الرطوبة التي غرقت بها جدة... إن الذين عهد إليهم بخذمتنا لا يفتأون غادين رائحين يحملون إلينا البارد اسم السكرتير (عبد الحي) يظل على لسان الكل! حتى بالنسبة للذين يرغبون في الماء! هات بارد! هات بارد! ومع هذا فقد كان الأستاذ غازي يهنئنا بالخطوة التي حبتنا بها الطبيعة حيث إن درجة الحرارة خفت هذا اليوم!! وقد كان السفير الصغير جمال الدين غازي يلوذ باذيال والده باختلاس النظرات في هؤلاء الزوار الجدد!!
في انتظار ترتيب السكن والقيام بعمليات تحويل العملة... ومراجعة لوائح أصحاب الصلات الملكية... كل يقوم بالمهمة التي أسندت إليه... لقد كان من عملي مساعدة السيدين الفاسي وبادو في التثبيت من أسماء الذين «يوصلون» عادة من لدن ملك المغرب من سكان الحرمين ف يكل موسم من مواسم الحج... فلقد جرى الأمر، منذ القدم، على تبليغ عائلات معينة وأفراد معروفين بمبالغ منتظمة من المال على ما هو معروف في حوالات الأوقاف القيدمة... إن الملوك في المغرب لا ينسون واجبهم في المشرق... لأنهم، مع ذلك المشرق، يعيشون آناء الليل وأطراف النهار...
وبعد زوال هذا اليوم الجمعة... كنا على موعد مع اللقاء المفيد الذي نظمه سعادة السفير في بيته للاجتماع بعدد من الشخصيات السامية في جدة، كان فيها الأمير والوزير والعالم والأديب...
لقد كنت، شخصيا، أحمل معي رسالة بتاريخ 24 – 11 – 1378 (1/6/1959) مرفوعة من وزير التهذيب الوطني الأستاذ عبد الكريم بن جلون إلى صاحب السمو الملكي الأمير فهد وزير المعارف آنذاك بالمملكة العربية السعودية بواسطة وزارة الشؤون الخارجية المغربية، كان هذا نص الرسالة:
«السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته عن خير مولانا الإمام دام له العز والتأييد.
«وبعد فاغتناما لفرصة وجود الوفد المغربي الرسمي بالأراضي المقدسة بمناسبة موسم الحج، رأيت أن أعهد لأحد أعضائه الأستاذ عبد الهادي التازي رئيس الفرع الثقافي بوزارة التربية الوطنية بالاتصال بوزارة المعارف السعودية بغية الوقوف في عين المكان على مختلف مظاهر النشاط الثقافي ببلادكم العزيزة، ثم على بعض الأماكن التاريخية التي كان لها شأن بذكر في الإسلام... وإني إذ أجدد لسموكم تقديري الكبير آمل للمملكة العربية السعودية اطراد التقدم والنجاح في كنف عاهلها العظيم أبقاه الله ذخرا للإسلام والعروبة....».
لقد كنت أتوق للاجتماع بعدد من السادة الأجلاء في السعودية ممن عرفتم في مؤتمر الأدباء الذي جرى بالكويت قبل نحو من سنة أمثال الأساتذة عبد العزيز الرفاعي – أحمد السباعي، أو سمعت بهم أو قرأت لهم أمثال الشيخ عبد القدوس الأنصاري صاحب مجلة (المنهل) وكنت أقرأ له في المجلة المذكورة... وقد بشرنا السيد أننا على موعد مع الأستاذ الأنصاري ظهر هذا اليوم...
لقد كنت أعرف الأستاذ الأنصاري في الواقع عن طريق الخلايا الوطنية التي كنا ننتمي إليها... والتي كانت تفتح عيوننا على ما ينشر بالخارج...
ما زلت أذكر – مع رفاقي في الخلية – تهافتنا على استنساخ الجزء الممتاز من مجلة المنهل الذي صدر في نهاية العام الثاني من حياة المجلة وبالضبط في شهر شوال وذي القعدة 1357 – نونبر – ديسمبر 1938.
حديث في ذلك العدد عن نجاح المنصور على ذي النفس الزكية... وحديث آخر عن بساطة قواعد اللغة... وثالث عن كتاب الذكتور طه حسين: «حافظ وشوقي...».
وقد عشنا في هذا العدد مثلا مع بشرى نجاح سمو الأمير عبد الله الفيصل في اختيار شهادة الدراسة الابتدائية...
فعلا وجدنا أنفسنا في دار لسفارة المغربية بجدة مع نخبة مختارة من أهالي المملكة... من رجال العلم والفضل فيهم صاحب المنهل حيث أخذت لنا عدد من الصور التذكارية، لقد اكتشفت في الشيخ الأنصاري زميلا وأخا كأنني كنت أعرفه زمن طويل فقد ظللت ملازما له سواء عند تسجيل الفوائد أو تقديم الموائد!!
تبودلت عدة أحاديث تاريخية وأدبية واجتماعية...
تساءل بعضنا عن موقع بئر حاء الذي تقع عليه «ما» في الآية الشريفة: ?لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون? حيث دلنا الحاضرون على موقع البئر في المدينة المنورة.
وتساءل بعضنا عن بئر أريس حيث وقع خاتم رسول الله الذي نقش عليه اسم «محمد رسول الله» وصار إلى عثمان بن عفان، فوقع منه في هذا البئر الذي يجمل عند بعض الناس اسم بئر الخاتم...
كان حديثا طريفا عن الحركة الأدبية في بلادنا وفي السعودية... مقارنات ومفارقات... لقد كان الشيخ عبد القدوس من أبرز أركان النهضة الثقافية في المملكة بما كان يسهم بع من فسح المجال في مجلته الوحيدة على ما نعرف لسائر رواد الفكر في المملكة وغيرها على هذا العهد...
وما زلت أذكر سؤالا وجهته إليه آنذاك... هل إن كل ما يصل للمجلة قابل للنشر! أجاب نعم بالنسبة لمعظم ما يرد علينا، لكن البعض الآخر يكون بحاجة إلى تصليح أو تنقيح... وإننا نسعى أن نشجع الكتاب الناشئين ولهذا فنحن لا نتردد في إدخال التحسينات الضرورية على ما قد يصلنا مما يحتاج إلى تعديل... لقد أخذ أشياخنا بيدنا – بقول الأستاذ عبد القدوس – فلم لا نأخذ نحن بأيدي أبنائنا؟
كانت فرصة أن يقدم لزملائنا السعوديين العدد الثامن من مجلة «دعوة الحق» الذي صدر في شهر مايه 1959 – ذي القعدة 1378 حيث تجاذبنا أطراف الحديث حول مادة المجلة المغربية الذكورة وتعرضت لبعض الأسئلة حول ما جاء في العدد المشار إليه بعنوان: «الاسترشاد بروح النصوص قديما وحديثا».
ولقد توجهت بالسؤال للسيد عمر السقاف حول ما إذا كانت له علاقة بالشيوخ أحمد سكيرج وردت على هذه البقاع قبل أربعين سنة حيث ألقى خطابا تحفظه المصادر المغربية... تدخل الشيخ عبد القدوس ليذكر أن بيت السقاف بيت من حضرموت أصلا... وتساءل هل ما إذا كان القصد إلى علوي بن أحمد السقاف الذي توفي بمكة أو باعلوي الذي أدركه أجله بحيدر أباد... وقد أيد السيد عمر هذا التدخل مضيفا إليه حديثا جد مفيد عن بيت السقاف ومكانته في العلم والصلاح وسرد عددا غير قليل من المنتسبين لهذه الأسرة.
كانت أمسية ثرية بفوائدها وموائدها... نسينا معها أننا ما نزال لم نتعرف على غرفنا الجديدة في فندق قصر  الكندرة... لكنا افترقنا على موعد مع الشيخ الأنصاري الذي ألح على أن يرانا في بيته...
لقد كان أول ما أثار انتباهي وأنا أقف على مرافق الغرفة، هذه العبارة الغربية التي كتبت على ورقة أمام عيني فوق الأنبوب: «المرجو من السادة النزلاء أن يقتصدوا ما أمكنهم ذلك في استعمال الماء وذلك لقتله بجدة حاليا»...
ولقد كان في صدر ما قمنا به في اليوم الموالي: السبت زيارة لسمو الأمير فيصل ولي العهد المملكة السعودية... كانت كل ملامحه تدل على أنه شخصية عظيمة... بعيدة النظر... لقد أثنى على جلالة محمد الخامس وشكر جهوده المتوالية من أجل استقلال الجزائر... وفي معرض حديثه عن مشاكل البلاد الداخلية قال: «إن أوضاع البلاد العربية الداخلية تتحكم إلى حد كبير في المشاكل الخارجية...»
لقد كانت درجة الحرارة في مقر رئاسة الحكومة منخفظة تجعلك تفكر فيما عساه يطرأ على الذين لم يعتادو هذه المكيفات، وقد شعرنا ونحن نقترب من باب القصر عند الخروج أننا نستقبل شوبا من حميم...!
وقد كنا على موعد في الغروب مع القافلة التي تأخذنا إلى المدينة المنورة في نفس اليوم السبت...
ذكريات لا تنسى عن المدينة المنورة وفندق بهاء الدين ومراوحه السقفية البطيئة الحركة. !! وكان من الذين تناولتهم مذكرتي الذكتور مولاي أحمد العراقي رئيس البعثة الصحية المغربية...
كما أنها اشتملت على حديث على الضابط الخاص سالم البار الذي ظل مرافقا للركب المغربي طيلة مقام الوفد بالمملكة.
وحديث عن أحد العصامين المعروفين آنذاك (بلادن) بتشديد اللام... والسيد ابن خضراء (المغربي) صاحب المعمل الرخام... والمطوف الشيخ عبد الوهاب جمال الحريري والمزور الشيخ أحمد حوالة...
وحديث عن «المجاورين» المغاربة الذين رفضوا العودة إلى بلادهم!  
وحديث عن تكريم سمو الأمير فهد أمير المدنية لأعضاء الوفود والأحاديث التي جرت على مائدة العشاء... إنها أيام جملية بالمدينة ولو أن الحر كان يمنع المنام!! حديث عن الإحرام بآبار علي... ثم بعد الاستراحة في جدة الاتجاه إلى مكة عبر بئر طوى ثم الوصول إلى ما يسمى «رباط المغرب» الذي نقش على بابه: «وما بكم من نعمة فمن الله» «لئن شكرتم لأزيدنكم».
هنا حديث عن اللقاء مع العالم الصيني الشيخ أحمد حسن الذي تحدث عن حزب (التشوفي) المجلس الأعلى للمسلمين الأندونسيين... زوار الرباط المغربي كثير... لأنه أيضا مركز إسعاف صحي...
حديث عن مأدبة العشاء التي أقامها جلالة الملك سعود على شرف الوفود مساء الجمعة 6-12-78 = 12-6-1959 حيث استمعنا إلى الكلمة السامية التي تسلمنا نسخا جميلة منها... وحديث عن يوم سابغ ذي الحجة يوم التروية حيث شاركنا في غل داخل الكعبة... ثم إلى منى في اليوم الموالي فعرفة يوم الاثنين... إلى أن حضرنا تهنئة جلالة الملاك بالعيد في منى... ثم سمو ولي العهد الذي تحدث طويلا عن فريضة الحج وواجب الحكومات الإسلامية في توعية الحجاج وفي ضبط عددهم ومواعيد وصولهم حتى يكون الاستعداد كافيا، ان في نيتنا – يقول سمو ولي العهد – إقفال باب الحج في مواعيد معينة رغبة في معرفة ما علينا من واجبات، وحتى تقوم بخدمة ضيوف الرحمن على ما يجب، ولقد حاولنا هذا العام تطبيق هذا، ولكن وصلتنا في آخر لحظة أي في ثمانية من ذي الحجة برقيات من بعض دول عزيزة تطلب فسح المجال لستمائة حاج. فما عسانا نقول لناس صمموا العزم على زيارة هذه البقاع، إنه من الصعب جدا التحكم في شعور المسلمين من طرفنا وحدنا... وكان يشير إلى أن العبء يجب أن يتحمله كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها...»
وهناك ودعنا جلالة الملك سعود الذي طلب إلينا أن نبلغ جلالة الملك محمد الخامس سلامه قائلا: أخبروه أننا عبدنا الطريق إلى الينبع، حتى يتمكن عند تشريفه لنا من زيارة قبر جدة هناك/ وقد قمنا بجلب الماء كذلك إلى الينبع وأصبح المقام على ما يرام... أحاديث لا تخلو من إتحاف وإطراف وإمتاع وإيناس...
وإذا كانت زحمة الأشغال لم تسمع بزيارة الأستاذ الأنصاري فإن اللقاء تجدد مرة أخرى ف يبيت السيد السفير الأستاذ غازي وعلى سبيل التحديد يوم 16 ذي الحجة الموافق 23 يونيه... فلقد أقام السفير مأدبة غداء فاخرة على شرف الذين تعرفنا عليهم من ذي قبل... دعا إليها على نحو ما كان في المرة الأولى – بعض الأمراء وكبار الموظفين، والشيخ الأنصاري... ومن الصدف أن صاحب الجلالة محمد الخامس كان بعث بأكياس من الخضر والفواكه المغربية إلى سفيره... أذكر منها حب الملوك (الكرز) اللوبيا – البطيخ الشمام (الكانطلون) كانت هذه الخيرات أيضا حديث المجلس... الأسماء ومدلولاتها واستعمالاتها والمقارنات والمفارقات بين الأسماء هنا وهناك... قال الشيخ الأنصاري: «إن هذا البطيخ أو الشمام يحمل في العربية السعودية اسم (خريبز) (من أصل فارسي) وقال الشيخ غازي... إن كلمة الخريبز في المغرب توحي بمعنى الشيء الغير المرتب...
ويعود الحديث إلى دور الكتاب والمجلة والصحيفة في تنوير الرأي العام... والفرق بين دور الكتاب وبين المجلة التي – في نظر الشيخ عبد القدوس – تقف وسطا بين الصحيفة والكتاب... تؤدي ما ستؤديه الصحيفة ولا يؤديه الكتاب...
لقد كان الشيخ الأنصاري معتما بموضوع مغربي قضى معي جل وقته في الاستفسار عنه وكما سمع كلاما شعرت أنه بحاجة إلى المزيد... كان يسأل بصفة عامة عن المساحة المحررة من بلادنا آنذاك والتي شملتها حركة النضال التي تزعمه جلالة الملك محمد الخامس... وكان مهتما بصفة خاصة بسبتة ومليلية... ويتساءل متى يتم استرجاعهما؟ ولقد ذكر أسماء لامعة من الرجال الذين أسهموا في صنع تاريخنا... من أمثال موسى بن نصير وطارق بن زياد... ولم يخف رجاءه ل إلحاحه في أن أزوده بانتظام بمعلومات أمثر عما يتصل بالأراضي المغربية التي ما تزال تنتظر العودة إلى أهلها وكان في أثناء هذا يستحث على مواصلة الكفاح والنضال...
نقطة أخرى كان الشيخ الأنصاري حريصا على متابعتها ومناقشتها تلك قضية الهجرات التي تميزت بها المجموعة الإسلامية، وبخاصة منها الهجرات التي تميزت بها المجموعة الإسلامية، وبخاصة منها الهجرات التي تمت من مختلف جهات العالم الإسلامي إلى الجزيرة العربية... إنه مقتنع بأن طائفة هامة ن المواطنين في المملكة العربية السعودية يرجع أصلها إلى جذور مغربية كما يقول فهل تحرى دراسة حول هذا الموضوع؟...
وكانت الخاتمة اللقاء أن قدم إلينا الشيخ شابا خفى علي اسمه قال إنه أن يتوجه ببعض الأسئلة عن جريدة (البلاد) إلى السيد مبارك البكاي... وهكذا فسحنا المجال لجريدة البلاد التي توجهت بالأسئلة التي توجهت بالأسئلة التسعة الآتية:
إن جريدة البلاد ترحب بسيادتكم وتنتهز هه الفرصة – فرصة لقائها بأول زعيم سياسي في المملكة المغربية، وقع وثيقة الاستقلال.
س- هل تزورون هذه البلاد لأول مرة... لأداء فريضة الحج أم سبق أن زرتموها قبل...؟
ج- حقا هذه أول مرة تتاح ليفيها الفرصة لزيارة هذه البقاع المقدسة والشقيقة في الوقت ذاته، وذلك بفضل حضرة صاحب الجلالة الملك محمد الخامس نصره الله وأيده، الذي تفضل بالأمر بتعيني كرئيس للوفد الرسمي المغربي لأداء فريضة الحج.
س- ما هو شعور سيادتكم وانطباعاتكم عن هذه البلاد التي تزورنها لأول مرة؟
ج- كان شعوري شعور المسلم الذي ورد لمهبط الوحي... حقا لقد أعجبت بهذه المنشآت الفخمة وهذه الحدائق الغناء التي تدل على مدى ما يقوم به هؤلاء الأمراء الميامين الذين عهد إليهم بأمر هذه البلاد. ثم إنني باسم أعضاء الوفد متأثر كثير التأثير من هذه الحفاوة التي استقبلنا بها رجال الحكم هنا... تلك المقابلة التي كانت في الحقيقة إكراما لعاهلنا المفدى... وإذا كان لي من أمنية فهو أن تدعم الصلات بين الدول العربية وذلك من أجل رفاهيتهم وسعادتهم...
س- كيف كان شعوركم يوم وقعتم وثيقة استقلال المملكة المغربية الشقيقة عن الحكم الفرنسي...
ج- كانت حقيقة لحظة تاريخية في حياة المغرب... وان شعوري كان عندها كشعور المغاربة الأبطال المخلصين الذين ضحوا بأرواحهم وبأنفسهم في سبيل تحقيق هذا الاستقلال، وما دمت أذكر المغاربة الأبطال المخلصين فلأذكر على رأسهم بطل الاستقلال جلالة محمد الخامس الذي كان له الفضل كل الفضل في نيل المغرب لهذه المأثرة.
س- كم هي الأحزاب السياسية الموجودة في المغرب... وما هو أبرزها في رأي سيادتكم؟
ج- كان سؤالكم موجها إلى شخص مستقل عن كل حزب من هذه الأحزاب ولكنه في الوقت ذاته يضمر وإن الانتخابات هي وحدها التي ستجيب على استطلاعكم في هذا الصدد! 
س- الانتخابات القادمة في المغرب هل ستكون في خريف هطا العام 1959؟ وما هو الحزب الذي تتنبأون بفوزه في الانتخابات؟
ج- حقيقة الانتخابات قررت مبدئيا أن تجري في هذه السنة، وحول تنبئ عن الحزب الناجح، أكرر أن الانتخابات هي الفرصة التي ستميط اللثام عن الحقيقة.
س- لماذا لم تؤلفوا حزبا سياسيا؟.. ولماذا اخترتم الاستقلال هن الأحزاب السياسية؟
ج- خلافا لما قلتم فليس لي لون حزبي وإنما على العكس من ذلك أسعى دائما لأن أكون أداة وصل بين مختلف الاتجاهات السياسية... لأني أعتقد في هذا الموقف مصلحة البلاد.
س- هل تتوقعون اتحادا فدراليا بين أقطار شمال إفريقا – المغرب، تونس والجزائر – أي بعد استقلال الجزائر؟
ج- هذا أملي كما أملي سائر الأفارقة... بل إن يقيني أن المغرب العربي سيرجع لما كان عليه تاريخه الماضي في الوحدة...
س- وما أريكم في القضية الجزائرية... أقصد الوسائل الحربية أو المفاوضات الدبلوماسية التي تستطيع معها الجزائر الحصول على استقلالها كاملا؟
ج- نحن نعتقد أن يوم استقلال الجزائر آت لا محالة ولكننا نأمل أن يتم ذلك عن طريق المفاوضات حقنا للدماء وتخفيفا من ضحايا المجزرة.
س- ما هي سياسة ديجول بالضبط نحو الجزائر... وكان المفروض أن يفتتح جمهوريته بإعطاء الجزائر استقلالها وسحب الجيش الفرنسي؟
ج- أعتقد أن صلة صاحب الجلالة محمد الخامس بالجنرال دوكول من جهة أخرى، ومجهود الدول الحرة الصديقة من جهة أخرى سيساعد حتما على الوصول إلى حل لقضية الجزائر على النهج الذي ترضاه جبهة التحرير الجزائرية.
                                                ***
وعلى ذكر «الاستجوابات الصحفية» أذكر أن الإذاعة السعودية وجهت إلينا الأستاذ جمال عباس (من أصل لبناني) وزهير الجاعوني (من الأردن) ومحمد الغامدي من الطائف وكانت مناسبة لإسماع صوتنا عبر الأثير...
وبعد حديث في المذكرات عن استعداد الوفد المغربي لمغادرة جذة تتحدث عن لقاء وداع تم بدار السيد السفير...
كان اليوم، الأربعاء 24 يونيه = 18 من ذي الحجة حيث كنا على موعد للوداع، بالصدفة وجدنا في بيت السفير الشاعرين الفلسطينين: الحاج مصطفى سكران (الذي يقيم في الأردن) والحاج فرحان سلام (الذي يقيم في دمشق)... لقد استمعنا إلى قصيدة كان اقترح نظمها على أحدهما؟ الملك سعود، الملك سعود، يرحمه الله، في فلسكين، كما استعمنا إلى مناظرة بين ويزمان وبين المفتي. الشاعران خصِّيصان في إنشاد الزجل، وقد سمعت من الشيخ سلام نونيته المعروفة:
أقــول للجنــــة التقسيــم مــاذا؟  خبــأت لنــا ومــاذا تحكيمنــــا؟
وعندما كنا نهتم بوداع السيد السفير غازي والدكتور العراقي والأخوين عبد الحي وعبد النبي... سلمني الأستاذ غازي ظرفا قال انه بعث إلي من لدن الشيخ عبد القدوس، ما كنت أجد الوقت لمعرفة ما بداخله إلا أنني عرفت فيها بعد، عندما امتطيت متن الطائرة، أن الأمر لا يتعلق بما سماه الشيخ «الشيء البسيط»... ولكنه كان «شيئا مركبا» يضبط الأوقات وبعضه الآخر يساعد على كتابة المذكرات!!
لقد أجاب الشيخ عن تحيتي بأحسن منها! كنت أهديته محفظة جلدية من صنع فاس... لقد ساعدني زميلي على «هدايا السرور» التي كانت تنتظرني... كنت فعلا أفكر في بنيتي الجديدة (آس):
إن يكن عهدك وردا  إن عهدي لك آس!!
هذا إلى «الباقيات الصالحات»...
وفي الطائرة حيانا المضيفون ببعض الصحف، كان منها جريدة (النضال) المغربية وفيها نونية للأستاذ عبد اللطيف خالص في رثاء الشيخ المدني ابن الحسني رحمه الله، ثم صحيفة (فرانس سوار) العدد الذي يحمل تاريخ 23 يونيه 1959 حيث قرأنا خبرا يلفت النظر... يتعلق باكتساح موجة الحرارة لفرنسا حيث بلغت 23 درجة!!وحيث بلغ عدد الوفيات إحدى عشر وفاة!! ترى لو سمع هؤلاء عن درجة الحرارة في البقاع التي كنا في زيارتها بالأمس؟!...


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here