islamaumaroc

علاقة الإنتاج بالمغرب من خلال نوازل الفقهاء.

  إدريس كرم

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

مدخل:
يقول الأستاذ محمد المنوني: «فإذا كانت المصادر التاريخية الموضوعية إنما تهتم باتجاه محدد، فإن المصادر الأخرى تفتح أمام الباحثين آفاقا قد تكون فسيحة في الكشف عن ألوان من التاريخ الحضاري، وأحيانا عن حياة الشعوب»(1).
ومن هذه المصادر: النوازل التي كانت تصدر عن الفقهاء باعتبارهم العارفين بمقاصد الشريعة، والمطلعين على اجتهاد من سبقهم، وذلك من أجل تثبيت ماهو شفوي، وبالتالي احتواء الشرع للعرف وإخضاعه لأحكام الشريعة(2).
ورغم أن هذه النوازل قد تكون متخيلة تهدف إلى نوع من الاختيار لمعلومات الفقهية من طرف فقيه آخر، أو مجموعة من الفقهاء (3) إلا أن الافتاء لا يخلو من شواهد معاصرة تبرز نمط التفكير، وطرق الاستدلال، ونوع اللغة، بالإضافة إلى أنها تبرز مجالات الاهتمام ومواقف مكوني المجتمع وعلاقاتهم، وهذا ما سنحاول استنتاجه من خلال الفتاوى التي جمعها الفقيه أبو رحال في كتابه القيم الذي سماه «رفع الالتباس عن شركة الخماس»(4) والموضوع حوالي 1127هـ/1713م.
وسنحاول قراءة الكتاب على الشكل التالي:
1. الأوضاع العامة في البلاد وقت تأليف الكتاب.
2. سبب تأليف الكتاب.
3. أوضاع الخماس.
4. مواقف الفقهاء من عمل الخماس.
5. موقف المؤلف من تلك المواقف.
6. موقف المؤلف من عمل الخماس.
7. أهمية الكتاب.

1) الأوضاع العامة في البلاد وقت تأليف الكتاب.
يتسم زمان المؤلف بارتفاع الضوابط التي يعبر عنها بالمضارب، هذه الضرائب اللاشرعية والتي لا تزداد إلا استفحالا وتأبيدا لوصفها بالجذام عوض الحمى، كما أن الفتن منتشرة، مما يعرض البنيات الاجتماعية والاقتصادية إلى الاهتزال، وأن الملجأ هو الهداية الربانية، مما يفيد بأن البنية الدينية متينة، وأنها المعول عليها في ردع المعتدين، وحماية المظلومين، وفي ذلك يقول«ويغرمون المغرم الكثيرة التي ابتلي بها الناس ولزمتهم لزوم الجذام للمجذوم، لا لزوم الحمى للمحموم(...) لا سيما في زماننا الذي هو في حدود سبعة وعشرين بعد مائة وألف، الذي ظهر فيه الجهل غاية، وانتشرت الفتن للنهاية(5) حتى استوى في العالم والجاهل، والخامل والفاضل، وشارك فيه الأصيل الحسيب والدني المريب، واختلطت الحقائق بالبواطل، والظلم فيه على الدوام هاطل، من غير إنكار ولا تغيير، بل طلب من الناس له التغيير، وكثرت فيه الخيانات، ورفعت منه الأمانات، وعدمت فيه الشفقة على الضعيف والمسكين، وتنسوي فيه الحق المبين، وإنما بقي فيه ذئاب (6) في ثياب يتجاذبون هذا الحطام، كان من حلال أو حرام، بل انقضى الحلال وصار وجوده كالمحال، بل صار الحرام يتقرب به عند الماهر النبيه، فلولا أن الله تعالى برحماته وكراماته وهباته من على ضعفاء العباد، إذ هو الكريم الجواد، بأن جعل لهم من يردهم عن الانتهاب، لنزل بالضعيف أليم العذاب، بلا شك ولا ريب، لكثرة الفساد في الناس والعيب، فلو أطلق الناس وما أٍدوه من الأمور، لامتلأت القلوب والصدور من الذي يظهرونه من الفساد في ضعفاء العباد»(7).

2) سبب تأليف الكتاب:
تنبيها للفقيه أن كثيرا من الفقهاء يضيقون على الناس أمور العلاقة بين الخماس وصاحب الخروج (8) مما يعرض كليهما للافلاس، وذلك بأن يصبح الأول عاجزا عن إيجاد ما به يؤدي ثمن عمل الخماس حالا، والثاني يتعرض للبطالة وفي ذلك يقول الفقيه:«وكثير من الفقهاء يصرحون أن شركة الخماس حرام، وذلك جهل منهم وتشويش في الكلية على المساكين»(9)ب ويدعو الفقهاء إلى عدم التشدد في الأحكام، خاصة في هذا الميدان الذي يعتمد عليه الناس في حياتهم «ولا تضيق فإن الأمور أوسع، ولا نجد عالما على الحقيقة إلا وهو يوسع على الناس، ويضيق على نفسه، واختلاف الأيمة رحمة، والناس لم تقصد الحرام، وإنما تقصد المعاش، والله المعين والموفق، والضرورة متأكدة غاية في الحراثة، والضرورات تتفاوت، وكذلك المصالح والمفاسد»(10).
فسبب تأليف الكتاب إذ أن هو تبيان أن القول بحرمة شركة الخماس باطل، وإنما جائزة لكون الخماس الشريك احرص من الخماس الأجير على عملية الإنتاج خاصة إذا ما عرفنا وضعيته وطبيعة علمه«لا نقول من مازج الحارثين وعاين شدائد الحرث، علم أن هذا السؤال ساقط غاية، وبيان ذلك أن أفعال الزرع ومشاقه كثيرة غاية»(11)
ولعل تلك المشاق هي التي دفعت إلى تحريم الشركة، وتعويضها بالأجر حتى لا يقع هناك غبن للشريك العاجز.
ذلك أن هناك من يتخذ من الخماس خادما في أمور لم يتفق عليها، ولذلك ألح الفقهاء على توضيح الشروط ونحن هنا سنحاول استخراج الأعمال التي كان الخماس يقوم بها، والشروط التي يشترط على رب الخروج:

3) أوضاع الخماس وشروطه:
- الخماس لا يأخذ التبن أورده ابن عرفة على أنه من عادة إفريقيا.
- الخماس يشترط الجلابية والمكالة (12)، فأفتى القباب بالمنع وافتى العبدوسي بالجواز.
- الخماس بتونس يشترط الثوب والطعام، أجازها الشبيبي لضرورة الزمان.
- قال الهنتاتي: وأما فساد الخماسة بتونس فسمعت أنهم يشترطون على الخماس أن لا يأخذ نصيبه من التبن، وأنه يخدم شريكه في ماله، وحطبه واستقائه وغير ذلك، وهو لا ينحرج جوازه (...) إلا أن يكون ما يشترط على الخماس يسيرا، فأجازه بعض الفقهاء (...) وكان شيخنا الفقيه ينكر ذلك (...) وأما ما يقع من شرط السلف في أصل العقد فلا خلاف في منعه، قال بعض الشيوخ: وظيفة الخماس يحرث وينقي، ويرفع الاغمارة (13) ويدرس، وينقل النبل الاندر (14) وأن شرط عليه غير ذلك فلا يجوز، وجرت العادة اليوم في البداية بأن يشترط عليه القيام بالبقر والاحتشاش وعمل الحطب واستقاء الماء ان احتيج إليه، وهذا يفسدها، وأن شرط هو ذلك عولته (15) عليهم فهي شركة واجارة خارجة عن الشركة (...) وما ذكره الموثقون من اشتراط الخماس على رب الأرض الكبش أقامه بعض الشيوخ من كتاب الشركة من المدونة، وقاس عليه الشيوخ اشتراط الخماس  على رب الأرض الجلابية والسلهام.
- وسمعنا في بعض المجالس أنه (...) لا يكون على الخماس من الحصاد إلا الخمس ولا يجوز له أن يتخذ اللقاط عند الحصاد(16).
- أن الخماس لا تبن له أصلا وإنما هو مسكوت عليه عندهم ولكن الخماس لا دواب عنده والتبن عندهم لا يباع أصلا وإنما هو بمنزلة المباحات كالحطب (...) وما هذا شأنه لا تفسد به الفقود أصلا (...) لأن المقصود الأعظم عند الخماس هو الزرع.
- مما سبق يتبين أن شروط الخماس تنحصر في اللباس والأضحية والانفاق عليه، ويشترط عليه أحيانا أن يقوم بأعمال منزلية كالاحتطاب والسقي، زيادة على الاهتمام بدوام الحرث، وهذه الشروط يتفاوت الفقهاء في أمر جوازها أو عدمه قياسا على الاعراف المتبعة بما هو وارد حول عمل الخماس نفسه هو شريك أم أجير، بيد أن ما يجب الإشارة إليه هو أن هذه العلاقة كانت ما تزال إلى حدود الخمسينات حيث بدأت تتغير بدخول الآلات ونمط الإنتاج الجديد.
وإذا كان بعض الفقهاء قد رفض شروط الخماس وقرن عمله في غير الزراعة بأنه يفسد الشركة فإنهم قد أفتوا بحرمة شركة الخماس وذلك كالتالي:

مواقف الفقهاء من عمل الخماس.
  «ابن يونس: أراهم أنهم جعلوا إذا لم يخرج العامل إلا عمل يده فقط أنه أجير، وأن كفى عمله ما أخرجه صاحبه، وأن أخرج العامل شيئا من المال إما بقرا أو بعض الزريعة وكفى ذلك، وعمل يديه ما خرجه إما بقرا أو بعض الزريعة وكفى ذلك، وعمل يديه ما خرجه الآخر فهما شريكان.
أحبه عرفة في حقيقة الشركة عدم انفراد أحدهما بإخراج المال والآخر بإخراج العمل والاجارة فعكس ذلك.
نصح النهتاتي الهسكورمي حين سئل عن مسألة الخماس في الزرع بجزء معين هل يجوز أم لا؟ وهل ينهض عذرا في إباحته لتعذر من يدخل على غير هذا فأجاب بأنها اجارة فاسدة وليست شركة، لأن الشركة تستدعي الاشتراك في الأصول التي هي مستند الأرباح.
- كان الشيخ الخطيب المفتي أبو عبد الله بن وضاح يفتي بأنه عذر يبيح الشركة على الوجه المذكور، وتبعه مفتينا في ذلك شيخنا وبركتنا أبو عبد الله الشبيبي وكأنهما من القرويين نفعنا الله ببركتهما.
وفيما قيد عن الجزولي، واختلف في الخماس فقيل هو شريك فعقدته جائزة وهو مذهب سحنون، وقيل هو أجير فعقدته فاسدة.
هكذا نرى تدخل العرف في مسألة جواز أو عدم جواز القول بالشركة أو الاجارة، لدرجة أن هناك من قال باللجوء إلى القوة لإبطال البدعة «نقل عن ابن المناصف: البدعة إذا اشتهرت لا يقطعها الأرهبة الملوك وتعرضهم لها أو كما قال».
بيد أن الفقيه صاحب الكتاب رأى في موقف القائلين بحمة شركة الخماس نوعا من التشدد، وعدم معرفة بالأحوال المعاشية للناس.

موقف المؤلف من تلك المواقف:
يتساءل المؤلف في استغراب عن سبب جواز شركة الخماس مع أن العلماء أجازوا غيرها للترخيص على الناس وتسهيل علاقاتهم، كأمر بيع النجاسة، والعلوفة، وسك النقود، وإعطاء جباح النحل، وتذكير جنان التين إلى غير ذلك من الفتاوى الخاصة بمسائل العمل الذي يدخل صاحبه شريكا بقوة عمله:«حيث لا تتوفر – شروط الجواز فكيف بالحراثة التي هي سبب بقاء هذا النسل الأدمي الذي قال فيها مولانا سبحانه: ?وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا، منه?، الحبوب فيها الروح والحياة، وهي البقاء والذات مع ما في مباشرة الحراثة من المشاق التي لا تكاد تطاق، وهي في البوادي والحواضر تقوم مقام جميع المتاجر، بل جميع الخلق في اكتسابهم وبها حياة ذوابهم وأنعامهم، حتى تجد أهل البادية يأكلون منها ويكتسبون ويغرمون المغارم الكثيرة التي ابتلي بها الناس (....) فكيف يأثم شيخ كبير له زوج وأرض لا يقدر على مباشرة الحرث ولا معاناته، يعطي زوجه لمن يخدمه بجزء يخرج، لا والله إنما يقول هذا من لم يراقب مولاه، إذ العلماء جوزوا الضرورات وهذه من أكبر الضرورات، وأنى يقدر هذا المسكين الضعيف القليل الجاه والمال يستوفي شروط جواز الحرث على الوجه المتفق عليه، لا سيما في زماننا الذي هو في حدود سبعة وعشرين بعد مائة وألف (...) فكبف يأتي قاض إلى ضعيف دخل مع ضعيف بالخمس في زرعه وقد قاسى برد الليالي وقاسى شديد السماع ويفسح عقدته ويحرمه من زرعه».
فالضرورة إذن هي ما يعتمد عليه المؤلف كما أنه يراعي جانب توفير الشروط الأمثل للحصول على أفضل مردود، هذا المردود الذي سيعود على صاحب الأرض والبقر والعامل الذي هو الخماس، إذ بثبوت شركته في عائد الإنتاج سيزداد تمسكه بالعمل والحفاظ على أدوات الإنتاج وهو ما سيتطرف له المؤلف في :

موقف المؤلف من عمل الخماس.
«وإذا تبين الجواز في مسألة الخماس فلا إشكال أن المسامحة لأجل ضرورات الناس، فيسامح فيها ما هي عليه (...) فما يشترطه الماس ويشترط عليه لا يمنع الترخيص وما ذكره بعضهم من (17) الخماس إذا اشترط عليه رعاية الثورين، أن ذلك مانع لا يسلم، لأن ذلك من إصلاح الحرث، لأن الخماس قد يشاركه صاحب الثيران الأعوام ولا الثيران يدرس عليها الزرع، وإن كان الذي يرعيه الخماس فرسا والزرع يحمل عليها وربما يحمل عليه زرع الخماس ويركب عليها في مصالح الزرع كثيرا، فهو كالعامل في المساقاة يشترط عليه العمل القليل لما يرجع للمساقاة عليه، وإذا ما اشترط عليه عمل خارج عن المزارعة فهذا من جملة عمله، ولكنه لا يرجع للمزارعة، ولم يكن هذا عند كل الناس وإنما هذا يكون هذا عند بعضهم إذا كان الخماس غير متزوج يرعى البقر مثلا ويسوق له دواب مثلا للربيع ويأكل ويشرب عند رب الخروج فعمله في مقابل مؤونته، فإن لم يشترط فلا إشكال في جواز لأنه في المختصر جائز وهو قوله وإن كان مشترطا يخرج عن اجتماع الشركة والاجارة، وفي ذلك خلاف (...)  بل الصواب هو ما الناس عليه لأن ضرورتهم أباحت لهم ما ارتكبوه والحكم لله اللطيف بعباده الرءوف بخلقه، وقد ظهر والحمد لله الجواز والسلامة من الإثم في شركة الخماس، وبهذا كله يستدل شركة العدول التي قدمنا عليها الكلام في شركة الأعمال فافهم هذا منصفا، ولا تضيق فإن الأمور أوسع (....) فالضرورة المبيحة لأكل الميتة ليست هي كالضرورة لأكل السفاتح (18) مع أن فيها سلفا جر نفعا فيكون تسليف الخماس كذلك وهو بالشروط بلا ريب (....) وضرورة الناس للحرث أعظم من هذا كله، لا يقال لا ضرورة تدعو للخماس، فإن صاحب الزوج يكتري من يحرث له ويستأجر من يحصد له وغير ذلك بالدراهم والدنانير، لأنا نقول من مازج الحراثين وعاين شدائد الحرث علم أن هذا السؤال ساقط غاية، وبيان ذلك أن أفعال الزرع ومشاقه كثيرة غاية، فإن الزرع يحتاج لمباشرة الحرث وليس كل الناس يحسن الحرث، والحرث نفسه فيه أمور فإنه يحتاج لربط الثورين بعد سوقهما لمحل الحرث وحفظ الآلة التي يكون بها الحرث، وهي كثيرة غير يسيرة ويرفع البذر لمحله ويبذره بعد تمطير الأرض (19)، ويحتاج من يرجع الثورين لمحل مبيتهما وتقديم العلف لهما والتبن وسقيهما وإقامة نحو نوالة (20) ليبيتان فيها وإتيان تبن لهما، وربما يحتاج للمبيت معهما حين تكون السرقة إلى غير ذلك ثم إذا نبت الزرع احتاج إلى السقي إن لم يكن مطر في أرض السقي، ثم إذا كبر احتاج إلى دفع الطيرعنه المبيد له، إذا تسلط على الفدان (21) الكبير يفني جميعه في ساعة من ساعات النهار أو أقل من ذلك، فإن طاب الزرع احتاج إلى الحصاد وفيه كلف (22) وغلى جمعه المطا (23) ثم نقله إلى الاندر، ثم إلى الدراس، وهذه أمور فيها مشاق عظيمة، وإلى جزر (24) الزرع وهو مط أو في الاندر قبل درسه وبعده ويدرونه ويجمعون تنبه إلى غير ذلك، فما هو معروف بالضرورة عند الناس. وحاصل ارتكاب هذه المشاق كلها هو الربح الذي جعله الله تعالى بفضله ورحمته، وهو الزرع الذي يخرج فإن أٍاد السائل أن رب الخروج يستأجر على هذه الأفصال كلها كل واحد يستأجر عليه وحده فهذا من الكلف العظيمة فإنه قد يجد الإنسان من يستأجر، ولا يناسب ما يريد، مع أنه لا يجد من يستأجره على كل ما يليق أصلا، مع أن الاستيجار على الوجه المذكور فيه مشقة عظيمة ولو وجد من يليق فيذهب يومه وهو يتفق مع هذا ويختلف معه، وبعد الاتفاق يحتاج من يقف مع الأجير ومن يذهب معه ليوقفه على ما يفعله وفي هذا من الكلف ما يعلمه سبحانه مع قلة أمانة الخدامين، وإن أراد السائل أن يستأجر على الجميع فالأجير يطلب تقديم الأجرة، لأن الكثير من الإجراء إنما يواجر نفسه لمعاشه حاضرا عاجلا، وإذا قدم الأجرة فربما يفر الأجير لأنه لا شيء له في الزرع يحبسه على الفرار، مع أن هذه الإجارة فيها جهل فإن الأرض تصعب وتسهل والزرع تارة إذا أصلحه الله غاية يحتاج إلى كلفة كثيرة باعتباره حصاده وجمعه ونقله وإن لم يكن غاية مؤونته أقل.

قيمة الكتاب:
رغم أن الكتاب لا تتعدى عدد صفحاته 22 صفحة من الحجم الصغير، ورغم أن أكثر من نصفه عبارة عن نقول لفتاوى قيلت في الموضوع إلا أنه لا يخلو من فائدة حتى في تلك النقول التي رغم تعارضها أحيانا وانتقالها من قياس إلى آخر إلا أنها تبقى مرجعا كما أشار ذلك الأستاذ المنوني غنيا للباحث في التاريخ الاجتماعي، إذ بفضلها عرفنا أن النجاسة تباع في أيام الجوع، وأن الحل يربى ويعطى لمن يتعهده بالصيانة مقابل أجر معلوم، وأن القطن كان يزرع بالمغرب، والعامل فيه ليس كأي عامل، وإن عمل بالأرض السقوية يختلف أجره عن العمل بالأرض البورية.
بالإضافة إلى أن الخماس كان يشترط على صاحب الخروج المأكل والملبس والضحية، وأنه كان أحيانا يخدم هذا الأخير حتى فيما لا يتعلق بالزراعة خاصة إذا كان أعزب.
كما أننا لا نهمل الوصف الجيد لعملية الحراثة من أولها إلى متمها مما يعتبر مفيدا لمن يريد المقارنة بين علاقات الإنتاج وأدواته في القرن 18 والعشرين ببلادنا.
زيادة على معرفة مواقف المفتين وعلاقتها بالسلطة الحاكمة خاصة إذا عرفنا أن المؤلف كان قاضيا (25).
وإن جاء ناقصا غاية فربما تكون كلفته تخالف هاتين الكلفتين باعتبار مخالفة تامة، وربما تكون الاجارة أكثر من الزرع كله، مع أن الإجارة أكثر من الزرع كله، مع أن الاجارة على الزرع كان يحاول على جمع جميع الزرع حتى أن الخماس إذا سقطت السنبلة الواحدة رفعها لأن له فيها الخمس والإنسان مجبول على حب المال، حبا جما، ولا كذلك الأجير أو المقاطع (26) لأن مقصوده تحصيل أجرته لا غير ولذلك كثير من الناس الذين يعرفون حق الزرع يكره حصاد السوال (27) والمقاطع ويهرب من التويزة وهي حصاد الناس بلا أجرة ولا شركة على عوائدهم المعروفة (...) ومن مازج الفلاحين عرف هذا كله فإن الخماس يحافظ على الزرع أكثر من رب الخروج لكثرة احتياجه إلى الزرع ولذلك انكب الناس على الخماس وتركوا الأجير هنا ولو كانوا عصاة أو كفارا (...) وكثير من الفقهاء يصرحون أن شركة الخماس حرام وذلك جهل منهم وتشويش في الكلية على المساكين وهذا تأليف سميناه «رفع الالتباس عن شركة الخماس».
هكذا ترى المؤلف انطلق من معاينته لأوضاع الفلاحين ليقيم الحجة على أن ما افتى به غيره من الفقهاء في غير محله لعدم معرفتهم بالأوضاع الاجتماعية، وإذا كان قد استند إلى فتاوي غيره فلكي يربط ما بين ما سيفتي به بين الأصول المعتمدة عادة في مثل هذا النوع الرأي، وهي ضرورة الإسناد والرواية.
بالإضافة إلى أنه وضف الاختلاف لصالح أطروحته فمادام هناك خلاف فالرأي للمصلحة ولمعاش الناس.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) محمد المنوني: المصادر العربية لتاريخ المغرب د1/1983. منشورات كلية الآداب بالرباط ص:2.
2) رحمية بورقية: العرف والعلماء والسلفة في القرن 19 (المغرب) قراءة في بعض نصوص النوازل.
المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع. د7/1984 ص 166.
3) كمثال على المتخيل من النوازل نورد هذه النازلة التي يستفاد منها وجوب تواضع الفقيه والتي تقول:
كان أحد الفقهاء راكبا زورقا في بحر، فارتفع الموج وبدأ المركب يتأرجج فقال الفقيه مخاطبا البحر: اسكن يا بحر فإن عليك بحرين بحر من الولاية وبحر من العلم، فما اتمها حتى خرجت له سمكة وألقت عليه هذا السؤال: ما قولك في عدة من مسخ زوجها؟ فبهت الفقيه ولم يحد جوابا فقالت له: هل تتخذني شيخا وأجيب عن المسألة فقال بلى: قالت إن مسخ حجرا تعتد عدة المتوفى عنها، وان مسخ حيوانا تعتد عدة المطلقة.
4) مطبوع بالطبعة الحجرية والنسخة التي أقدمها موجودة بالخزانة الصبيحية بسلا، وهناك نسخة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم د. 1962. وأشير إلى أن الكتاب مرقم من 1 إلى 8 ثم يعاد الترقيم مما يصعب معه ضبط الإحالة.
5) هذا وردت في النص، ولعل حتى أوالي سقطت الواحية بين الفتن والنهاية سقطت.
6) هكذا بدون همزة.
7) رفع التباس عن شركة الخماس. ص: 2.
8) الخروج: المقصود به ثوان يجران المحراث.
9) رفع الالتباس ص: 7.
10) رفع اللالتباس ص: 3.
11) رفع اللاتباس ص: 6.
12) لعله يقصد المكلة (الأكل).
13) الأغمار: مفردها غمرة وهي حزمة من السنابل على قد حمل اليد الواحدة، والمفردة ما زالت مستعملة إلى اليوم.
14) الاندر: مفردها نادر وهو مكان تكويم المحصود من المنتوج الفلاحي ويطلق على كوم التين المبني وما يزال المصطلح مستعملا.
15) عولته: إطعامه والانفاق عليه. 
16) اللقاط روجة الخماسي وأولاده إلى الحقل لكي يلتقطوا السنابل الساقطة أثناء الحصاد.
17) لعل أن سقطت.
18) هكذا وردت.
19) تمطير أي تحديد البقعة التي ستحرث في ذلك اليوم وتسمى أمطيرة أو أنطيرة وما زالت الكلمة مستعملة.
20) نوالة عرفة مصنوعة من القطب وسيقان الحبوب (السقف) تكون على شكل هرم دائري.
21) الفدان: قطعة أرض.
22) كلف، ج كلفة وهي الإجهاد والتعب.
23) المطا: تكويم لغمار على شكل صوامع سنابله إلى الداخل حتى لا يتعرض للتلف والكلمة ما زالت مستعملة.
24) لعلها حرس.
25) المقاطع: أجير لكن يؤدى له بالحبوب ويفق مع على أن يعمل مع الخماس في جمع المحصول حتى الانتهاء.
26) لعلها الشوال بالشيق ويعني الحصاد المتجول، والمصطلح متداول.
27) انظر ترجمة المؤلف الحسن بن رحال بن أحمد التدلاوي ثم المعداني أبو علي المتوفى سنة 1728م في: شخصيات مغربية لمصطفى الشليح دعوة الحق: عدد 241/ أكتوبر 1984 الرباط ص: 77. وقد أورد المراجع التي تحدثت عنه.
ملاحظة: حاولت ألا اتدخل في الكتاب أكثر مما فعلت كما أني أوردت أكثر ما يمكن من النصوص التي أرى أنه يمكن أن تفيد الباحثين السوسيولوجين والمتمشية مع العناوين المقترحة إذ الكتاب بدون عناوين وكلام الكتاب سواء كان للمؤلف أو لغيره وضعته بين قوسين أما الإحالات على الصفحات فغير مجدية لتكرر الأرقام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here