islamaumaroc

من شخصيات الزاوية العياشية (أبو سالم العياشي).-2-

  عبد الله بنصر علوي

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

ثقافة العياشي:
إن ثقافة العياشي تستجيب للواقع الفكري ولأنماطه خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري حيث يبدو الاهتمام بالعلوم الإسلامية وفي طليعتها الحديث والفقه والتصوف ما ولع به العياشي. وقد وجد في الرحلات التي قام بها مجالا لتنمية مداركه والإطلاع على ما كان يفتقر إليه. وغم شمولية العلوم الإسلامية وفرص الأخذ والتلقين لم يستطع أبو سالم أن يكتفي بمجرد الرواية أو الدراية لأنه يحرص حرصا كبيرا على الإجازات. فكانت الثقافة المجازة والمجيزة من المغاربة والمشارقة قد مكنته من تواصل فكري ولو في حدود ضيقة، استجابت لتوزع اهتمامات العصر بين مقارعة الفتن في الداخل والنصارى على الحدود وبين التفرغ لحركة التأليف والتدريس. لقد كان أبو سالم ذا وعي الصوفي الهادئ الطبع الراضي بالمقدور.
لذلك كانت ثقافته تعتني – في أغلبها – بعلوم الرواية، كما سادت الواقع الفكري في العالم الإسلامي.وقد قام أبو سالم في آخر فهرسته اقتفاء الأثر بعرض للكتب والمؤلفات التي درسها على شيوخه في الغرب والمشرق.
سأقتصر على ذكر بعضها الذي أثر في التكوين الثقافي لأبي سالم:
النحو واللغة: التسهيل لابن مالك / مصنفات ابن الحاجب / ابن هشام / القاموس.
البلاغة والأدب: تلخيص المفتاح / مصنفات عبد القاهر الجرجاني / ديوان ابن الفارض /...
التفسير: تفسير ابن عطية / تفسير الفخر الرازي.
الحديث: صحيح البخاري / ومسلم / والنيسابوري / سنن أبي داود / والنسائي وابن ماجة / المسند الجامع للترمذي / الموطأ برواية الليثي / ثلاثية البخاري / وابن ماجة / عشاريات ابن حجر / والسيوطي / ثنائيات الموطأ / مستدرك الشافعي / وأبي حنيفة / وابن حنبل / مسلسلات ابن الجوزي / الحديث المسلسل بالأولوية / الأربعين النووية /.
الفقه: مختصر الشيخ خليل / رسالة ابن أبي زيد /.
الأصول: جمع الجوامع.
السيرة: الشفا للقاضي عياض / السيرة الشامية / سيرة اليعمري / كتب الشمائل / التصوف: دعاء التوبة للشاذلي / وظيفة الشيخ زروق / الحكم لابن عطاء الله/...

منهجه:
يحرص أبو سالم في إجازاته ومروياته على منهج الرواية لاهتمام عصره بها اهتماما بالغا، فلم يخل علم من العلوم من سلسلة سند تربط المتقدم باللاحق. وكان الاعتماد على السند تأكيدا للثقة بالعلم وتوثيق المتن وسلامة المعارف، فقد قيل: «لو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء» (1). وتشبث العلماء بعلو السند  إلى المؤلف نفسه أو صاحب الرأي،«فلإسناد العالي سنة محبوبة والقرب من رسول الله رتبة مطلوب (2)، وهو«قربة إلى الله ورسوله» (3) فلا يقبل علم إلا إذا كان له سند عال وأسانيد فرعية متعددة، لذلك نجد أن الإجازات مهتمة بذكر العلوم المجيزة وأسانيدها، وهو أهم ما يتضمنه متنها.
ويهتم أبو سالم بالإسناد العالي (4)، ولا يقنع بسند واحد، فأغلب علومه ذات أسانيد متعددة، لتعدد الشيوخ في المغرب والمشرق، كما يحرص على السماع من شيوخه مباشرة لأن «السماع لا تعادله الإجازة وإن تعددت». (5) بل يترصد زمن السماع حفاظا على الرواية (6).
ولا يغفل أبو سالم جانب الدراية في منهجه، فقد كان يرومه في كثير من الأحيان في علوم كثيرة (7). غير أن فضل الرواية يتقصده. يقول: «فمن أمكنني الأخذ عنه تفقها ودراية لم أعدل (عن) ذلك، إذ هو الغاية، فإن ضاق الوقت عن ذلك عدلت إلى الأخذ سماعا ورواية لما وقر في سمعي من فضائلها الوارثة في الرحلة الأولى والثانية عن مشايخ مصر والحجاز من مسموع ومجاز» (8) لذا نجد في فهرسته عبارة«سماعا لبعضه وإجازة لباقيه» تتكرر في معظم إجازاته. ومن ثم كان الحرص على الإجازات تزكية لهذا المنهج لطبيعة ظاهرة العصر الفكرية.

شخصيته:
لقد كونت هذه الثقافة شخصية أبي سالم العلمية، فأسهمت في الحركة الفكرية بكل ما أتاحت لها ظروف تعثرها وتمزقها، ومن ثم اتسمت شخصيته بإطلاعها الوافر على علوم الحقيقة والشريعة والأدب فاهتمت في علوم الحقيقة بالطرق الصوفية والمرويات المسلسلة في إطار الأوراد والتبرك. واهتمت في علوم الشريعة بالعقائد والمعاملات في إطار المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية. واهتمت في الأدب بشعر المديح النبوي وبجوانب التعبير عن الذات والمناسبات وببعض الآراء النقدية. وهذه المجالات الثلاثة تبلور شخصية أبي سالم في إطار موحد لا انفصال في تكوينها ولا في رؤيتها، لأنها تصدر في الكل عن طابع عصرها والعوامل المؤثرة فيه.

الشخصية الصوفية:
سلك أبو سالم – بطبيعة تربيته في الزاوية العياشية، وممميزات واقعه الفكري – طريق الزهد والتصوف. فلم يأل جهدا في سلوك هذا الطريق الذي يؤمن له سعادته ورضى ربه. وإن كانت هذه الطريقة الشاذلية الاتجاه فإنه قد ألم باتجاهات صوفية عديدة حرص على الانتماء إليها. وأخذ أورادها وتقاليدها.
وهي – رغم كثرتها – ترجع في أغلبها إلى القادرية، غ، أبا مدين الغوث أخذ عن الشيخ عبد القادر الجيلالي، وأن أبا الحسن الشاذلي أخذ عن أصحاب أبي مدين (9). وتنص رسالة الشيخ أبي بكر بن سالم شيخان على إجازة أبي سالم بكل الطرق الصوفية الأربعين التس سادت عصره (10) وهي: المحمدية، والأويسية، والقلندرية، والصديقية، والملامتية، والكبروية، والهمدانية، والركينية، والنورية، والخلوتية، والمولوية، والجهرية، والبرهانية، والأحمدية، والسهروردية، والخفيفية، ولاشاذلية، ولاوفائدية، والزروقية، والبكرية، والجزولية، والخواطرية، والعبدروسية، والمشارعية، والحاتمية، والقادرية، والعرابية، والمدينية، والقشيرية، والرفاعية، والخرازية، والجشتية، والمدارية، والشطارية، والعشقية، والنقشبندية، والغوثية، والحلاجية، والجنيدية، والسهلية.
ولما كانت أكثر هذه الطرق غريبة بالمغرب ما عدا الشاذلية وشعبها، فإن أبا سالم حريص على الانتماء إليها، ولو إجازة، ليستكمل ثقافته الصوفية وانتماءه الصوفي، ولو لم يحتذ تعاليمها أو يحضر مجالسها. ومن ثم كان اتجاه أبي سالم في التصوف ذا بعدين: مغربي ومشرقي، فالمغربي حيث كانت الشاذلية اتجاهه الصوفي واقتدى بأكبر أعلامها الجزولي وزروق. عبد القادر شخصية صوفية بالمغرب أثرت في أبي سالم الشيخ عبد القادر الفاسي الذي نعم بصحبته زمانا وحقق معه الكثير من استشكالات أهل التصوف ولقنه أذكار الشاذلي ووظيفته زروق ودليل الخيرات للجزرولي وصلاة عبد السلام بن مشيش (11) أما المشرقي فقد كانت النقشبندية (12) أبرز اتجاهاته التي عرفها أبو سالم نظرا لاتصاله بشيوخ النقشبندية: جمال الدين النقشبندي وإبراهيم الكوراني وعيسى الثعالبي وبدر الدين الهندي. فانتمى إلى هذه الطريقة بعد أن تحقق من أسانيدها وتمعن في أصولها. ولعل دفاعه إليها كما يقول أبو سالم: أبها«قلما توجد في أرض المغرب، بل لا يعرفها أهله حتى بالاسم لبعد بلاد مشايخها فلم تصل تآليفها إليها، ولا دخل لهذه البلاد أحد من أهلها فيما نعلم (13). ويدرك أبو سالم تشبث المغرب  بالشاذلية، فيستدرك  قائلا:«مع التي بان رشدها واتضح أمرها وأمنت غائلتها واستقامت أصولها وجرت مع ظواهر الكتاب والسنة فصولها طريق القطب الجامع وشمس المحافل والمجامع أبي الحسن الشاذلي وأتباعه أئمة الهدى والحق وأصحاب الإخلاص والصدق (14). غير أن إعجاب أبي سالم بالنقشبندية ما جعله يسعى إلى المقارنة بينها وبين الشاذلية. فيجزم بتوحيد أصولها وتشابه أورادها، فيقول:«ولعمري – وما عمري علي بهين – ما طريق ساداتنا النقشبندية منها (أي الشاذلية) ببعيد وما أصولها إلا كأصولها عند كل موفق سعيد... ومن تأمل رشحات النقشبندية وحكم الشاذلية. ولم يجد بينهما اختلافا إلا في بعض الاصطلاحات الراجعة إلى الأعمال الظاهرة، وأما الأعمال القلبية والمنازلات العرفانية فلا فرق أصلا»(15). وكأني بأبي سالم يحاول أن يجد تبريرا لانتمائه إلى النقشبندية المشرقية وهو الشاذلي المغربي، لأن التصرف في واقع أمره يهتم بالحقيقة ومدى وصول القلوب إليها في كل الطرق الصوفية شرقيها وغربيها، مهما اختلف تلقين الأذكار واحتذاء العادات والتماس. بركة الأشياء.
ولا يقف أبو سالم عند الطريقة النقشبندية، بل يتصل بالطريقة الوفائية والباعلوية والبكرية والقدارية... وما دامت غايته الاتصال بشيوخ التصوف والتماس وأخذ العهود واستدعاء الإجازة... لقد كان أبو سالم مريدا لأقطاب الصوفية في المغرب والمشرق، حريصا على الانتماء إليهم وتوثيق الروابط بينهم ليدوم التواصل، لذلك فقد ناوله عبد الرحمان المكناسي السبحة وألبسه الخرقة ولقنه الذكر (16).
وأجاز له أبو بكر السكتاني التلقين والمصافحة ولبس الخرقة والجلوس على السجادة لتربية المريدين ورفع الراية لزيارة الإخوان والاحترام بالجد والرفع به قائلا له:«سلكناك، قطبناك» تفائلا (17). وأخذ عليه العهد محمد بن محمد بن محمد الجيلالي القادري ولقنه الذكر وألبسه الخرقة (18). وصافحه عيسى الثعالبي وناوله السبحة وشابكه وأضافه بالثمر والماء وألبسه الخرقة والقباء (19) وأخذ عليه العهد عمر العلمي ولقنه الذكر وشد المزر في وسطه وأقعده وأقامه ثم أقعده قائلا له:«اجلس مريدا وقم خادما للفقراء واجلس مربيا» (20). وألبسه أبو الللطف الوفائي الخرقة (21). وألبسه محمد باعلوي الخرقة والكوفية (22).
كما يحرص أبو سالم على المرويات المسلسلة للكيفيات المخصوصات، وتشمل أحاديث المصافحة، والمشابكة، والضيافة بالماء والتمر ، ومناولة السبحة، والذكر والقول: أشهد بالله وأشهد لله، ويده صلى الله عليه وسلم على كتفي، وقوله: أحبك، وقراءة الصف، والسؤال عن الاسم وتوابعه (23) وفي ذلك عناية بما أثر عن الرسول. وقد اهتم به المتصوفة السنيون اهتماما بالغا.
ورغم ما قد يشوب تصوف أبي سالم من أثر شرقي كاتباع الطريقة والاهتمام بمظاهرها، لا يخرج في ذلك عن إطار الاتجاه الشاذلي السائد في التصوف المغربي. غير أن عناية أبي سالم بالشيوخ وبسلوكهم تبقى الظاهرة البارزة في تصوفه. وقد حاول من خلال بعض أعلام التصوف أن يذكر انتماءه. يقول: (من البسيط).
جعلت بيني وبين الله، يرشدنــي،               شيخ المشايخ عبد القادر الجيلـي
وقد تمسكت بالقطب الذي خضعت             له رقاب العباد الشاذلي علــي
والشيخ عبد السلام والحفيد أبي ال            العباس وبن عطاء الله خير ولي
ولي انتماء وعقد وانتساب إلــى               بني الوفاء فليس من يدي فصل
وقد غذوت بحمد الله ذي كــرم                 من الرفاعي والبدوي من خول
وان في اليافعي والحاتي لنـــا                 والمهر وردي وذا غير مختبل
ولأبي الحسن البكري ينسبنــي                شيخي المحلي انتسابا أبو الحلل
وفي الجزولي شيخ الغرب معتقدي           ما يعتريه بحمد الله من خلــل
ولي وداد وعقد زانــــه أدب                  في النقشبندية المحمية الســبل
وأن لي لأبي مدين سلسلــــة                  بها تمسكت في أمني وفي وجلي
وما تركت نصيبي من يمانيــه                 منحني ذاك نجل خيرة الرســل
وقد ملأت يدي من الإمام أبي ال             عباس زروق من ينجي من الوحل
منحني جل ذاك أحمد المدنــي                الشيخ نعم زكي القول والعمل (24)
إن أبا سالم غير صريح بانتمائه إلى شيخ معين أو طريقة بالذات رغم شاذليته. ولعل بالانتساب إلى كل الشيوخ وإلى كافة الاتجاهات ما أتاح له يغرف من بحور مختلفة بدلا متباينة غير أن حرصه على أن أغلب الطرق الصوفية مرجعها إلى القادرية ليس إلا تشبثا بالانتماء السندي، حيث يصبح سند الشيخ أو الطريقة يغري أبا سالم في الانتساب إلى جميع شيوخ السند وطريقهم مهما اختلفت مشاربهم وتعددت أهواؤهم.
كما يهتم العياشي بكرامات الأولياء وتقديس الآثار (25). ويحلل ذلك أحيانا حتى ليجزم بإنكارها أو يكاد. غير أن طبع شخصيته الصوفية يغلب عليه فيتشبث بذلك «رجاء البركة بحسن النية وجميل الاعتقاد» (26).

الشخصية العلمية:
شخصية أبي سالم العلمية تبدو في الاهتمام بأمور الشريعة من اعتقاد ومعاملات، ومذهبه في ذلك الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية. ولم يكن أخذه عن شيوخ من الحنفية والشافعية والحنبلية ليؤثر في مذهبه ليحيد عن المالكية أو يقتدي بفروعهم. ويرى أبو سالم أن الأخذ عن هؤلاء محقق ما داموا على رأس أهل السنة والجماعة. ويستشهد بقول تاج الدين السبكي: «وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة – ولله الحمد – في العقائد يد واحدة كلهم على رأس أهل السنة والجماعة يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم ير مالكي إلا أشعري العقيدة» (27).
ويشير أبو سالم إلى الاعتزال من خلال مجالسته من حادثة بإنكار إثبات الصفات على الذات الإلهية، قائلا: «ونحن – معاشر أهل السنة والجماعة – نجعل معتمدنا في العقائد الدينية الأدلة النقلية من الكتاب والسنة الصحيحة الموافقة للأدلة العقلية، ونرد ما خالف الكتاب من مقتضيات المفهوم والآراء، ونقدم رأي صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم وفهمه ورأي السلف الصالح وفهمهم على آرائنا وإفهامنا ونتهمها في ذلك. وأنتم بالعكس تحكمون عقولكم وأوهامكم فتحملون الأدلة الشرعية كلها المقطوع بها على ما يوافق أهوائكم وآراءكم فتصيرون المتبوع تابعا والتابع متبوعا فشتان بين من يحكم الكتاب والسنة على عقله ورأيه ويرد ما خالفهما إليهما بتأويل تشهد له اللغة ولا ينفيه العقل وبين من يحكم عقله ورأيه فيحمل عليهما الكتاب والسنة بتكلف وتعسف ويتخذ إلاهه هواه ومعبود موهومه» (28)
ورغم إنكار أبي سالم لأفكار المعتزلة، خاض في إحدى معضلات علم الكلام وهي قضية الكسب التي كانت وسطا بين مذهب الجبرية القائلين ليس هناك إلا قدرة الحق، فأفردوها بالثبوت دون قدوة الإنسان، وبين مذهب المعتزلة النافين لصفة الحق المتثبتين قدرة الإنسان بصفة كونها مؤثرة لا غير (29) وقد أولى هذه القضية شيخا أبي سالم أحمد القشاشي وإبراهيم الكوراني أهمية كبيرة في مؤلفاتهما. ويعد الكوراني أكثر حماسا وتعصبا لرأيه الذي يقوم على أن«الكسب ه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، القول بالوسط هو أن يكون للعبد قدرة تتعلق بالمقدور بلا تأثير لها فيه» (30). ومثل هذا الرأي لا يخلو من اعتزالية مما عرضه لكثير من الجدل، وكان مصرا على فكرته محاورا مناقضيه. ويقول: «إن من بين له الله طريقا وأظهر له مسلكا قريبا إلى التحقيق أو هو عين التحقيق لا يرد عليه كما يرد على المذاهب الباطلة، فلا حرج عليه في بيانه وتقريره وتأييده بالمعقول والمنقول» (31).
وقد كان لأبي سالم فضل انتشار آراء الكوراني وكتبه في المغرب، فأذاعها لذى علماء فاس ودرعة. وكان كتاب الكوراني«مسلك السداد إلى مسألة خلق أفعال العباد» (32) مثار نقاش حاد، مثل جانبا هاما من جوانب الصراع الفكري الذي عرفه المغرب خلال القرن الحادي عشر الهجري(33). فتصدى للكتاب محمد المهدي بن أحمد الفاسي في كتابه«اللمعة الخطيرة والنبذة البسيرة في مسألة خلق أفعال العباد الشهيرة»(34) كما رد عليه محمد بن عبد القادر الفاسي في مستدرك له على مسلك السداد (35)، وقد انتقدهم الكوراني في «نبراس الإيناس بأجوبة أهل فاس (36). كما شارك في التشنيع عليه الحسن اليوسي (37) ومحمد بن أحمد القسنطيني (38) ومحمد بن أحمد المسناوي (39) والعربي بن الطيب القادري وأخيه محمد بن الطيب القادري (40)....
أما العياشي فقد دافع عنه في رحلته (41) ورسائله(42). ويبدو أن موقفه في هذه القضية الكلامية أعمق من الكوراني لا تخلو من غموض ولم تتضح كل الوضوح. وبرر العياشي ذلك بأن القضية ن معضلات المسائل التي حارت فيها أفكار المتقدمين، ولم تحصل على طائل في تحقيق معناها آراء المتأخرين (44) ومع هذا الإدراك يقول أبو سالم:«الكسب هو صفة من صفات العبد يحس كل أحد بوجودها فيه وثبوتها في محله، فبها بفرق بين أفعاله الاختيارية والضرورية، ولكنه لا يدري حقيقتها ولا يحقق كل التحقيق نسبة أفعاله إليها مع اعتقاد انفراد الله تعالى بخلق العبد وخلق أفعاله غير مفترق إلى معين واعتقاد أن لكسب العبد دخلا في وجود أفعاله على وجه لا يضايق غيه القدرة الإلهية ولا يزاحمها ولا يعينها، ولكن عجزنا عن إدراك ذلك على وجه. ومن أتاه الله فهما وعلما ونورا أدرك حقيقة ذلك ما يدرك العارفون بالله حقائق أشياء كثيرة من عالم الغيب والشهادة» (45) ولعل في هذا الرأي أثر من الأشعرية ومن التصوف، غير أن أبا سالم لم يكن متحمسا لفكرته، فقد غاضه التشنيع على الكوراني وهو يعتبره من أئمة الهدى ورؤساء السنة، ويرى في إنكار معاصريه كثيرا من الغلو والبعد عن الإنصاف وسداد الرأي، وحرصا على سلامة السلوك الديني شافه الكوراني بضرورة الإمساك عن الخوض في المسألة وكاتبه في شأنها مرارا (46) لقد أدرك أبو سالم أن البعد عن هذا الصراع الفكري الذي استمر ردحا من الزمن (47) ضرورة اجتماعية في بلده الذي سادت فيه نوازع التقليد ومقارعة كل جديد، ولم يكن يريد الدخول في حلبة هذا الصراع. لذلك، لم يخلف فيها مؤلفا باستثناء الإشارات العديدة التي ضمنها في الرحلة وبعض الرسائل. وينهي العياشي موقفه من قضية الكسب قائلا:«كان رأيي في هذه المسألة الإمساك عن الخوض فيها لصعوبتها، ولم يكلفنا الله بذلك، فرضي منا بأقل ميسور في الاعتقاد السالم عن دعوى الجبر والاستقلال مع التفويض إلى الله في إدراك الحقيقة»(48)... «فإن سألنا عن هذا الكسب بتعريف مانع قلنا لا سبيل إلى ذلك، والسلام. فرب ما ثبت لا تحيط به العبارة ومحسوس لا تكفيه إشارات، والصواب عندنا إنه أمر لزم عن حق فكان حقا» (49).
ولم يقف أبو سالم عند حدود قضايا الاعتقاد أو العبادات، فإن المعاملات – وهي من أسس تنظيم المجتمع الإسلامي – اهتم بأحوالها، ولعل عنايته بنظم بيوع ابن جماعة وشرحه أثر من شخصيته العلمية التي أثبتت حضورها الفعلي في المساهمة من أجل تطور مجتمعه وتحمل مسؤوليته الفكرية فيه.
وتتسم شخصية أبي سالم العلمية بالحرص على التأني لأجل التثبت، لذلك لم يكثر من النوازل – وهي تستلزم حضورا علميا مكثفا واجتهادا سديدا ثاقبا – فكان يكره أن يفتي مرتين في موضوع واحد لإدراكه اختلاف الظروف وتباين الحالات. وقد قال سحنون بن سعيد:«أجراء الناس على الفتيا أقلهم علما» (50).

الشخصية الأدبية:
رغم أن الشخصية الأدبية المغربية كانت متوارية أو مختفية وراء الشخصية الصوفية المغربية كانت من اللوازم التي تكمل شخصية العالم، فاحتياجه إلى النظم التعليمي والرسائل الإخوانية وإشعار المدح ومجالس المسامرات...
كان سبيلا لإبراز اهتمامه الأدبي وقد استجاب في ذلك لظروف واقعه وتفكيره، فكانت أشعار المديح النبوي تشبثا بالرسول باعتباره البطل المخلص من استشكالات الواقع بسائي أنماطه. كما كانت الأشعار في مناقب العلماء والمتصوفة دعوة لاقتداء سلوك صوفي يؤمن السلامة من موبقات الواقع. أما الجانب الذاتي – رغم تعدد مجالاته – فقلما استجاب العالم المغربي لإحساسه أو تفرغ للتعبير عن عواطفه، لأن«الموضوعية» غلبت على تفكيره بكل واقعية وعقلية. وعندما يتوفر «الذاتي» لا يتجاوز التعبير عن لحظات فراق الأهل أو لقاء مع طيف خيال أو وصف طبيعة أو إنشاد في مجلس سمر أو شكوى من ضيق الحال.
وقد تمثل أبو سالم في أدبيات شخصية العالم المغربي واهتماماته فاقتدى بالواقع الأدبي واستجاب لمعطياته. غير أن حرص أبي سالم على إبراز شخصيته الأدبية يبرز محاولته التي تبحث عن تجاوزات للواقع الأدبي، فجعل الشعر خطابا أدبيا في مستويات مختلفة من الواقع المعيشي من استعارة كتاب أو طلب لقاء إلى استدعاء إجازة أو مديح نبوي. غير أن بعض هذا التجاوز لم يحقق أهم دعائم الشعرية (الفن الشعري) رغم توفر الشاعرية (بواعث الشعر).
أما في مجال النثر فالعياشي يهتم برسائله الإخوانية فيحيلها بأسباب الخطاب الأدبي ما يجعلها ذات بلاغة وفن، كما تمثل آراؤه النقدية في مجال الأدب استيعابا للتراث النقدي ومحاولة لتحقيق واقع أدبي متلمس للإبداع الفني.
وبذلك تكون الشخصية الأدبية لدى، العياشي في تطلعها إلى تجاوز«الموضوعي» إلى الذاتي وفي استجابتها للواقع الأدبي وإنماطه الإبداعية، حريصة على أن تأخذ نصيبها من خلال الاهتمامات الفكرية والعلاقات الاجتماعية.

مكانة العياشي:
وقد حظيت شخصية أبي سالم بكل اهتماماتها بتقدير من معاصريه ومترجميه، وحلوه بأحسن الأوصاف وكريم الأخلاق.
ففي اهتمام أبي سالم بالتصوف قال عنه الفاسي: «حسن الظن في جميع الخلق، كثير الزيارة لمن يتوسم فيه الخير»(51).
وقال عنه الأفراني:«كان من أهل الخير والصلاح متسما بالزهد والورع مائلا في دروسه إلى علم الطريقة وجانحا إلى تعظيم الصوفية»(52).
وفي اهتمامه بالعلم قال عنه القادري:«الإمام الفاضل، الشائع الفضائل والفواضل، العلامة الكبير، المحقق الثحرير، المحصل المشارك، المحقق المفهوم والإدراك، الواسع الرواية، الحسن الدراية، الرحالة الجوال، الفصيح القوال...»(53). وقال عنه الأفراني:«أحد من أحيا الله بهم طريق الرواية بعد أن كانت شمسها على أطراف النخيل، وجدد في فنون الأثر كل رسم محيل» (54).
وفي اهتمامه بالأدب قال الفاسي عن قصيدته: أجل صحابي...«تدل على فصاحته ونسكه وجوده»(55).
وقال عنه الأفراني:«له شعر حسن الغاية»(56).
وقال عنه القادري: «له ترسيلات وإنظام جيدة بليغة»(57).
كما مدحه كثير من معاصريه كالحسن بن مسعود اليوسي وعثمان ابن علي اليوسي وإبراهيم الخياري ومحمد بن عبد الجبار العياشي (58).
يقول الحسن بن مسعود اليوسي: (من الطويل).
أبا سالم ما أنت إلا كسالـــم               لدينا ولم يقض اللقاء فألــــم
وزود غريبا طال ما قذفت به             ضروب النوى من كل أفيح قاتم
مدام لشرب الكأس وهي منوطة         بكف الثريا أو بكف النعائـــم
بود وأن الود أطيب القـــرى             ودعوة صدق عند عقد العزائـم
وسلم على من ثم من جملة الملا         تحية ذي ود إلى الكل دائم (59)
ويقول محمد بن عبد الجبار العياشي: (من الكامل.
يا سيدا سعدت به الأيــــام                وتفاخرت بلقيه الأعــلام
تحكيه شمس الأفق في إشراقها         والبدر تنزعه به الأوهـام
فبوجهه تسقي البلاد غبرتهــا            وبعلمه تتنور الأحـــلام
يدعى بعبد الله اشرب مـــاؤه            يدعى نعم حام ويدعى سام
 أفق الحجاز وأفق مصر كلاهما        يشتاقه ويحبه والشـــام
والغرب يرغب في المقام بأفقه         حتى يتم له به الأنعام(60)

ـــــــــــــــــــــــــــ
1) لابن المبارك. انظر الثغر ص 5.
2) للسيوطي. انظر فهرس الفهارس ص 2/95.
3) لابن بقي- انظر الثغر ص5.
4) يصل أحيانا إلى شمهرواش قاضي الجان في رواية الفاتحة بمد مالك. شمعها عن الآبار والاجهوري. انظر الاقتفاء ص 31 و 33.
5) الرحلة ص 2/102.
6) «وكنت ترصدت مجيئ يوم العيد لسماع حديث بالسماع في يوم عيد...» راجع الرحلة ص 2/101 – 102.
7) كحقيقته في سند دعاء ادريس: الرحلة ص 1/382 ومناقشة أشعرية ابن تومرت: الرحلة ص 2/66 وتعهد الفكر بالمناقشة والتحليل كما في قضية الكسب: الرحلة ص 1/360 ويجتهد في بعض الآراء الفقهية كأكل المالكية من نبات الحرم: الرحلة ص 1/259.
8) اتحاف الإخلاص 1.
9) اقتفاء الأثر ص 52.
10) الرحلة العياشية ص 2/217. وراجع الرحلة ص 2/217 – 220 للتعريف بهذه الطرق الصوفية.
11) اقتفاء الأثر ص 41.
12) النقشبندية نسبة لمؤسسها بهاء الدين نقشبند البخاري (717 – 791). وهي طريقة فارسية تنبني في أسسها الصوفي على حبس النفس ومراعاة العدد الوتر أثناء الذكر، وعلى ترديد عبارات ورموز فارسية ولها رشحات كثيرة (حكم ووصايا) راجع الرحلة العياشية ص 1/210 – 224 وقد ساهم أبو سالم في نشرها في المغرب فانتشرت في القرن الثاني عشر الهجري واقترن إسمها بالشاذلية والملامتية انظر الحسام المشرفي ص 171 – 172.
13) و14) الرحلة العياشية ص 1/213.
14) الرحلة ص 1/213.
16) الاقتفاء ص 49.
15) ن.م. ص 44.
16) ن. م. ص 48.
17) ن.م. ص 44 الرحلة ص 2/138.
18) الرحلة ص 2/323.
19) الاقتفاء ص 48.
20) الاقتفاء ص 49 الرحلة ص 2/90.
21) الاقتفاء ص 54/60.
22) الثغر ص 213 الاحياء ص 135.
23) راجع بعض كراماته في الصفوة ص 192.
24) الرحلة ص 1/131.
25) ينقل العياشي نص السبكي من كتبه مفيد النعم ومبيد النقم، في المثال السادس والأربعين، راجع الرحلة ص 1/402.
26) الرحلة ص 1/283.
27) الثغر ص 137.
28) انظر الالساع المحيط لتحقيق الكسب والتوسط بين طرفين إفراط وتفريط لإبراهيم الكوراني. مخطوط خ.ع. 2279 د ص 9 الرحلة ص 1/429
29) الثغر ص: 134.
30) مخطوط خ.ح. 169، خ.ع. 167 ضمن مجموع 445 – 482.
31) نشر المثاني 2/132.
32) مخطوط ضمن مجموع خ.ع. 1234 ك، ص 37/100.
33) مخطوط خ.ح. 169 خ.ع.167 ضمن مجموع ص 2/20.
34) مخطوط ضمن مجموع خ.ع. 2279 د. ص 3/8.
35) رسائل اليوسي ص 2/613 – 617.
36) التقاط الدرر ص 256.
37) جهد المقل مخطوط خ.ع. 579 ج.
38) رسائل اليوسي 2/617.
39) الرحلة 1/360 – 370.
40) الثغر ص 131/139.
41) لا نتفق مع رأي القادري وأما ثناء صاحب الرحلة العياشية عليه (الكوراني) وثناء غيره كأصحاب الفهارس وغيرهم فلكون المقام اقتضى ذلك، إذ ليس ذلك المقام مقام الرد والبحث وتحقيق المسائل وإنما هو عد الأشياخ وذكر أسانيدهم ومؤلفاتهم. «النشر 2/134، لاهتمام العياشي بمسألة الكسب ووضوح موقفه من انتقاد الكوراني كما هو مبين في هذا المبحث.
42) الرحلة ص 1/360.
43) الرحلة ص 1/362.
44) الثغر ص 134.
45) يقول العياشي في رسالته لعبد الرحمان الفاسي:«ولقد كتبنا إلى شيخنا العارف بالله تعالى والدكم أسماه الله وأبقاه، أسئلة في هذه المسألة، وبعثنا إليه بأول رسالة ألفها شيخنا القشاشي رضي الله عنه قبل هذا بنحو عشرين سنة...» الثغر ص 135.
46) الثغر ص 137.
47) الثغر ص 138.
48) انظر مجلة تطوان العدد الخاص للمولى إسماعيل 1972 ص 24.
49) الإعلام بمن غير... ص 71/72.
50) صفوة من انتشر ص 192.
51) نشر المثاني (الطبعة الحجرية) ص 2/16 – 46 (الطبعة المحققة) ص 2/254.
52) الصفوة ص 191.
53) الإعلام بمن غير... ص 72.
54) الصفوة ص 193.
55) النشر (الطبعة الحجرية ص 2/46).
56) راجع الثغر ص 4 و5 و9 و12 و14 و127 الاحياء ص 94 و 95.
57) ديوان اليوسي (الطبعة الحجرية) ملزمة 14 ص 8 المحاضرات ص 31 الثغر ص 128 النشر (الطبعة المحققة) ص 255.
58) الثغر ص 4.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here