islamaumaroc

المدن الثقافية الإسلامية -3- القاهرة

  محمد كمال شبانة

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

لاشك أن مصر من الأقطار الإسلامية التي رحبت بالفتح العربي، وأن تأثير العرب فيها كان أشد عمقا وأكثر تأثيرا من أي قطر دخله الإسلام، بالرغم من أنها قاومت قبل ذلك نفوذ دول أخرى حاولت فرض سيطرتها عليها، ولا سيما الإغريق والرومان، ولكن المصريين سرعان اعتنقوا دين العرب وتحدثوا اللغة العربية، فصاروا عربا خلصا، وبذا نلحظ أن حضارة الإسلام قد أزالت من طريقها حضارة الفراعنة وما تلاها من حضارات إغريقية أورومانية. – وإن الدارس للآثار العربية – التي ما زالت ماثلة للعيان حتى وقتنا الحاضر – ليشهد بأن العرب لم يقتبسوا شيئا من فن المعمار الذي سبقهم في شتى أنحاء الديار المصرية.
ولعل السر في تقبل المصريين للدين الإسلامي في سهولة ويسر، وسرعة تجاوبهم مع الظروف الجديدة... ما سبق أن عانت منه البلاد من جراء الغزاة الذين توالوا عليها من قبل، والذين عاثوا في مصر فسادا، وتسلط حكامهم على أهلها بالقهر والجبروت، لذلك حقد سادة البلاد وأعيانهم على هؤلاء الحكام، وتطلعوا إلى ساعة الخلاص، وفي الوقت نفسه كان المصريون قد تسامعوا بما تضمنه الدين الإسلامي من المبادئ السامية، وفي طليعتها المساواة، والعدالة المطلقة، والمثل الصالح من الحاكم، وذلك في الوقت الذي كانت في ه الجيوش العربية قد اكتسحت مناطق الشام، ويمت وجهها شطر الغرب نحو القارة الإفريقية، وكانت مصر في مستهل الطريق إليها.
لقد تم فتح الديار المصرية على يد القائد عمرو بن العاص في السنة الثامنة عشرة من الهجرة (639م) في عهد الخليفة عمرو بن الخطاب، وقد كان عمرو من أولئك القادة المهرة الأذكياء، فلم يتعرض لديانة أهل البلاد ولا إلى عاداتهم ولا إلى تقاليدهم، وإنما فرض جزية رمزية على من لم يسلم لقاء الحماية وتوفير الأمن للجميع، ومع جسامة الخسارة التي لحقت بالجيش الإسلامي في إخضاع الإسكندرية، إلا أن عمرو بن العاص كان مثالا في السماحة والذكاء، إذ تعهد لأهل الثغر – بعد تسليم المدينة- بأن يصلح بها ما أفسدته الحرب في كافة النواحي والمرافق ولم يعبأ بحجم الأموال الطائلة التي تم إنفاقها في هذا السبيل، فاكتسب بذلك القلوب؟، ومالت إليه النفوس.
وتحط رحال الجيش الإسلامي في بقعة داخل مصر بين المقطم والنيل، وحيث نصب فسطاط القائد، وأقيمت حوله الأكواخ البسيطة التي صارت فيما بعد سكنا للجنود ومنازل – للقواد، وسميت المنطقة حيث نزلوا بالفسطاط، والذي أعجب عمرو بموقعه، فحصنه بالأسوار، وأنشأ به مقره، وأضحى المكان عاصمة لمصر منذ ذلك الحين.
ولقد حالف التوفيق عمرو بن العاص في اختياره «الفسطاط» حاضرة، لإشرافه على الوجهين الشمالي والجنوبي من الديار المصرية، ولقرب الطريق إلى بلاد العرب.
وقد اختلف المؤرخون حول تسمية حاضرة الإسلام الأولى في مصر «بالفسطاط» فقال بعضهم: إن عمرو بن العاص لما أراد المسير إلى الأسكندرية أمر بفسطاطه أن يرفع، فإذا بيمامة قد باضت في أعلاه، فقال: لقد تحرمت بجوارنا، أقروا «الفسطاط»، وذكر ابن قتيبة أن العرب تقول لكل مدينة فسطاط، أما «بطلر» فيقول: إن مدينة الفسطاط مأخوذة من لفظ Fassatum ومعناه «مدينة حصينة»، أخذه العرب عن الروم أثناء حربهم في الشام، وربما كان هذا أرجح الأقوال»(1).
وقد دامت «الفسطاط» كمقر للإمارة وحاضرة لمصر الإسلامية حتى أنشئت «مدينة العسكر» عام 132هـ، حيث سكنها أمراء مصر واستقروا بها.
جامع عمرو بن العاص:
لقد كانت الضرورة تلح على المسلمين – وقد زاد عدد النصارى المصريين الذين أسلموا – أن يقيموا سجدا، خاصة وأنه لم يكن بصر قبل الفتح العربي مساجد تذكر، فأسس القائد عمرو بن العاص المسجد الذي اقترن باسمه سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وكانت إقامته إلى الشمال من حصن بابليون، وكان طوله خمسين ذراعا وعرضه ثلاثين، وهو بهذا كان في بداية أمره محدود المساحة جدا بخلاف ما هو عليه حاليا من الاتساع، كما لم يكن به محراب مجوف كالمعتاد في المساجد الكبرى، فقام والي مصر من قبل الوليد بن عبد الملك (86 – 96هـ) ببناء محارب مناسب.
وقد كان للمسجد بابان قبالة دار عمرو، بالإضافة إلى بابين شمالا وبابين غربا، وكان سقفه منخفضا كثيرا، علاوة على أنه لم يكن يتوفر على فناء في وسطه أو خارجه على ماهو معهود في معظم عمارة المساجد الإسلامية، ومازال المسجد قائما حتى الوقت الحاضر، بعد أن تناولته أيدي الخلفاء والأمراء بعدئذ بالإضافات والترميمات، حتى غدا في صورته الحالية، مكتسبا أهمية تاريخية بالغة، من حيث كونه أقدم   مسجد إسلامي أقيم بالديار المصرية، وفي نفس البقعة التي حط فيها القائد العربي الفاتح عمرو بن العاص رحله.
ويطلق على هذا المسجد أيضا المسجد العتيق، وتاج الجوامع، والمسجد الجامع (2). وتجدر الإشارة إلى أن الخلفاء الفاطميين كانوا يصلون الجمعة الثانية من شهر رمضان في الجامع الأزهر، والثالثة في الجامع الأنور المعروف بجامع الحاكم (ومقره بمصر القديمة)، والرابعة في جامع عمرو بالفسطاط، أما الجمعة الأولى فكانت راحة.
وظل تقليد صلاة ولي الأمر الجمعة الأخيرة من رمضان في جامع عمرو معمولا بها في مصر حتى ثورة 1952م (3).
لقد كان جامع عمرو بمصر هو المسجد الجامع الوحيد الذي اشتملت عليه مدينة الفسطاط في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة، بل وفي زمن الدولة الأموية، ثم اتخذت عمارته نموذجا لفترة طويلة للمساجد التي أقيمت بعده، فقد كان رسم المساجد الإسلامية الأولى بسيطا، فمن يمعن النظر في أحدها يميزها كلها لأول وهله، فيتألف كل واحد من تلك المساجد من ساحة مستطيلة محاطة بأورقة واسعة، ذات سقوف مستندة إلى صفوف كثيرة من الأعمدة، ويخصص أكبر تلك الأروقة الأربعة مكانا للعبادة، ويقع في وسط تلك الساحة بركة للوضوء، ويقوم على أركان المسجد براج مرتفعة تسمى مآذن.
«وتتقدم أكثر المساجد القديمة ساحة محاطة بمساكن للغرباء، وإسطبلات للخيل والجمال وحمامات للعامة، ومناهل للشرب، فليست المساجد الأولى أماكن للعبادة وحدها، بل هي منازل للمسافرين أيضا» (4).
وتقوم الحكومة المصرية حاليا بمجهودات ضخمة في سبيل إحياء هذا التراث العظيم، وذلك بالإصلاحات والترميمات اللازمة للمسجد، بعد أن قررت جعله نواة لجامعة إسلامية، تدرس فيها العلوم العربية والدينية خاصة، وأطلق على هذه الجامعة «جامعة عمرو بن العاص»، اعترافا بفضل هذا الفاتح العربي على هذه الديار...
وقد تلا إقامة مسجد عمرو هذا إنشاء العديد من المساجد الإسلامية التي وسعتها مدينة القاهرة على مر العصور الإسلامية التي تلت عصر الفتح الأول، ولعل أبرز هذه المآثر من المساجد، جامع أحمد بن طوولن (243 هـ - 866م)، ومسجد السلطان قلاوون – (863 هـ - 1283م)، وجامع السلطان حسن (757هـ - 1356م)، وجامع برقوق (784هـ - 1384م)، وجامع المؤيد (818 هـ - 1415م)، وجامع قايتباي (862 هـ - 1368م) وغيرها من المساجد الأولى التي أقيمت يومئذ حتى نهاية القرن الخامس عشر، أما المساجد التي أنشئت بعد ذلك في العصر التركي فقد كانت دون ما ذكرنا بكثير من حيث فن العمارة التي امتازت بها تلك المساجد، فقد انفرد كل منها بسابقة معمارية، الأمر الذي نفتقده في فن المساجد التركية بمصر، وكذا الأمر فيما تلا تلك الفترة، ومع هذا فقد حق القول لبعض المؤرخين أن يطبق على القاهرة«مدينة الألف مئذنة»، تفسيرا لذلك الانتشار السريع في بناء المساجد على مر العصور بحاضرة الديار المصرية.
على أن أبر تلك الآثار الإسلامية في القاهرة هو مسجد«الجامع الأزهر» (359 هـ - 970م)، من حيث التاريخ والظروف التي صاحبت إنشاءه، وأثره البالغ في العالم الإسلامي منذ إنشائه وحتى اليوم، وسنتحدث عنه بإسهاب عقب الحديث عن «مدينة القاهرة» التاريخية.
الفاطميون وتأسيسهم مدينة القاهرة:
من المعلوم أن مصر خضعت للخلافة المشرقية (639م – 870م)، ثم استقل ولاتها حيث أسسوا الدولة الطولونية (870م – 915م)، ثم استرد العباسيون حكمهم لها لفترة محدودة (905م – 934م)، ثم أنشئت به الدولة الأخشيدية التي لم تدم طويلا، (934م – 973م)، ثم استولى عليها الفاطميون القادمون من الغرب (972 – 1121م)، ودامت سلطتهم عليها تلك الفترة التي بلغت مصر فيها شأوا عظيما، رقيا ورخاء في جوانب شتى من الحياة المصرية.
ولتوضيح ذلك، نذكر أنه ما أن تم لجوهر الصقلي فتح مصر عام 359هـ عدل عن اتخاذ كل من الفسطاط والعسكر حاضرة للفاطميين، وأخذ على عاتقة إنشاء حاضرة بديلة لتكون مقرا للدولة ومركزا لنشر الدعوة الشيعية، ولتكون حصنا حصينا ضد غارات القرامطة الذين ما فتئوا يهددون الحدود الشمالية للديار المصرية، الأمر الذي حدا هؤلاء الفاطميين إلى تأسيس القاهرة ( 17 شعبان سنة 359هـ).
وكان التخطيط لمدينة يقتضي إنشاء قصر للمعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر، ثم قامت كل قبيلة من البربر بإنشاء خطة تنسب إليها حول القصر، كما قام الروم بتأسيس خطتين لهما، إحداهما في حارة الروم الخارجية، والأخرى في حارة الروم الجوانية قريبا من باب - النصر، ومازالت بعض هذه الخطط قائمة حتى اليوم، بل وتحمل المنطقة نفس الإسم وهو «حارة الروم».
ويروى أن جوهر بعد أن أكمل بنا ء المدينة – أحاطها بسور عظيم، وسماها«المنصورية» نسبة إلى المنصور ابن المعز، وقد بقيت هذه التسمية قائمة حتى وصل المعز إلى مصر، فأبدل التسمية بـ«القاهرة المعزية».
ويذكران وقع المدينة كان شمالي الفسطاط، ممتدة من منارة جامع الحاكم حتى باب – زويلة، أما حدودها الغربية فتشمل باب السعادة، وباب الفتوح وباب الخوخة، من جهة الشمال تحد بباب النصر، ومن الجنوب بباب زويلة، ومن الشرق بباب البرقية والباب المحروق، فكانت القاهرة يومئذ عبارة عن أحياء جامع الأزهر، والجمالية، وباب الشعرية، والموسكى، والغورية، وباب الخلق (5).  وتمتاز عمارة القاهرة المعزية – علاوة على أسوارها التي وضعت الخطط السكانية – بأبوابها الفريدة، فمن أشهرها: بال الفتوح، وباب زويلة، وباب النصر، وباب العبيد، وقد أعيد بناء الأسوار وكذلك الأبواب على يد أمير الجيوش بدر الجمالي عندما تولى الوزارة عام 465هـ، فقد«أعاد بناء السور والأبواب بالحجر قريبا من مواضعها أولا، وكانت مبنية باللبن، فنقل باب النصر الذي بناه جوهر إلى المكان الذي به الآن، كما بنى باب الفتوح حيث يبدأ شارع المعز لدين الله الفاطمي بجوار جامع الحاكم، ونقل باب زويلة (نسبة إلى قبيلة زويلة المغربية) إلى حيث موضعه الآن وهو المعروف عند العامة ب «بوابة المتولى» (نسبة إلى متولى الحسبة)، وكان باب زويلة يتكون من بابين متجاورين عند سبيل العقادين الآن، ونقل باب النصر – وكان على مقربة من مدرسة القاصر – إلى موضعه الحلي، وكانت هذه الأبواب الثلاثة – التي جدد بناءها بد الجمالي – من عمل ثلاثة إخوة من مدينة الرها (6)».
وقد وصف المؤرخ المصري على باشا مبارك مدينة القاهرة في عهد الخليفة المعز، فقال: «شكل مدينة القاهرة – في أيام القائد جوهر كان مريعا تقريبا، ضلعه ألف ومائة متر، ومساحة الأرض المحصورة فيه ثلاثمائة وأربعون فدانا: منها سبعون فدانا بنى فيها القصر الكبير، وخمسة وثلاثون فدانا للبستان الكافوري، ومثلها للميادين، فيكون الباقي مائتي فدان هو الذي توزع على الفرق العسكرية، في نحو عشرين حارة بجانبي قصبة القاهرة، وكان سور المدينة الغربي بعيدا عن الخليج بنحو ثلاثين مترا، وفي سنة ست وثمان وأربعمائة – إبان وزارة بدر الجمالي وخلافة المستنصر بالله الفاطمي – هدم هذا السور، وبنيت الأبواب من الحجر»(7).
هذا، ويروى أن القاهرة كانت تضم الفسطاط القديمة وأجزاء مجاورة لها، ولم تعد الفسطاط اليوم الاضاحية منها (قصر المدينة)، وقد تم إنشاء القاهرة بعد وضع حجر أساسها بنحو ثلاث سنين، وقد أنفق الخلفاء الفاطميون قدرا هاما من ميزانية الدولة في سبيل رقيها وتجميلها، وتبارى الخلفاء الذين توالوا علها – متنافسين في ازدهارها وتطويرها، بل وسار المماليك – عبد الفاطميين – على نفس المنوال نحوها، إلا أن حركة العمر أن بالقاهرة قد توقفت أو كادت فترة تولى الأتراك حكمها، بالإضافة إلى إهمالهم مبانيها التاريخية.
وتجدر الإشارة – في نهاية الحديث عن تأسيس القاهرة أن المعز لدين الله الفاطمي دخلها عام 362هـ (973م) بعد أن استكمل البناء تقريبا، وتم إنشاء الجامع الأزهر مقر الدعوة الفاطمية ونشر المذهب الشيعي.
الجامع الأزهر:
يعرف ب«جامع القاهرة» كما يعرف ب «جامع المعز وقد كان من عادة معظم الفاتحين العرب أن يتتبعوا إنشاء المدن بإنشاء مسجد جامع للمدينة الجديدة، وهكذا أنشئ الجامع الأزهر مع إنشاء القاهرة الفاطمية، بحيث بدئ في بنائه بعد بضعة شهور من بداية بناء القاهرة، وافتتحه القائد جوهر الصقلي لصلاة الجمعة يوم 7 رمضان عام 361 هـ 21 أبريل 971م). وقد اختير اسم الأزهر زمن الفاطميين، ليسير على نفس نمط تسمية مساجد – أخرى سبقته، وقاموا بإنشائها كالأقمر والأفخر والأنور. ويرى بعض المؤرخين بالإضافة إلى هذا الاستنتاج أن اختيار اسم«الأزهر» يرجع إلى لقب السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، ووالدة الإمامين الحسن والحسين، وإلى الإمام الحسين ينتسب – الفاطميون، فجدهم إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، والأخير هو الإمام السادس عند الشيعة الإمامية والإسماعيلية، فتكون تسمية «الأزهر» على هذا تيمنا بالزهراء، وإحياء لذكراها.
وضع أساس الجامع الأزهر في 114 من رمضان عام 359 هـ (970م)، وقد استغرق البناء حوالي سنتين، وإن الداخل لهذا المسجد ليلاحظ أنه عبارة عن قسمين متصلين، فقسم مسقوف يسمى بالمقصورة وهو خاص بالصلاة، والقسم الآخر وهو غير مسقوف ويعرف بصحن الأزهر، وهذا بخلاف الإضافات التي تلحق بالمساجد عادة، مثل الميضأة والمنارات وغيرها من الغرف، فأما المقصورة الأساسية فهي التي بناها جوهر الصقلي، وترتكز على ستة وسبعين عمودا من الرخام الأبيض اللون في صفوف متوازية، ثم أقام الأمير عبد الرحمن متخدا مقصورة أخرى ذات خمسين عمودا من الرخام أيضا، وهكذا أضحى للمسجد مقصورتان بهما مائة وستة وعشرون عمودا، ويلاحظ أن المقصورة الأساسية، وهما متلاصقتان، وأن سقفهما قد صنع من الخشب بإتقان، كما أن لكل مقصورة نوافذ تسمح بدخول الهواء والضوء.
أما صحن الجامع فهو مكان منبسط فسيح، تحيط به أقواس ترتكز على ثلاثمائة وثمانين عمودا من الرخام السماقي والمرمر والجرانيت، وربما اتخذت تيجان تلك الأعمدة من أبنية قديمة، وقد زينت الحيطان من حول الصحن بالآيات القرآنية المزخرفة بالخط الكوفي.
فإذا اتجهنا... إلى المحراب فسنجد أن«القبلة القديمة» كان قد أنشأها جوهر في بداية الأمر، وهذا هو المحراب الأصلي، حيث أنه قد أقيمت بعدئذ تسعة محاريب أخرى، بيد أنه لم يبق نها الآن سوى ستة فقط، أشهرها إثنان، أحدهما يعرف بالمقصورة القديمة، والآخر بالمقصورة الجديدة، ولكل منها إمام ذو مذهب يخالف مذهب الآخر، وقد زين كلا المحرابين بالنقوش الجميلة.
ويبدو أنه لم يتخذ للمسجد على مر العصور الإسلامية منبر واحد، وهو القائم حاليا، وشكله مخروطي قد صنع من الخشب في دقة وإتقان، فبدا غاية في الروعة والجمال، مع ملاحظة أن المنبر الأصلي – الذي أقيم عند البناء – نقل إلى جامع الحاكم بأمر الله.
أما المنارات فقد أنشئ منها عند التأسيس واحدة، ثم صارت له خمس منارات بعدئذ، «وكانوا يعرفون أوقات الصلاة عن طريق الميقاتي، ومهنته التنبيه على أوقات الصلوات، وكان يعرف الأوقات بالنظر في «المزولة» التي لا تزال قائمة إلى اليوم على أحد جدران صحن الأزهر، وكانت مساجد القاهرة تتبع أصوات المؤذنين في الأزهر في الأذان».
ولقد أولى كثير من الخلفاء والسلاطين – الذين توالوا على حكم مصر – الأزهر عناية ورعاية، فقد زادوا في بناياته ولا سيما من الخارج، حيث أقاموا مساكن للطلاب تحيط به من الجهات الأربع، وسميت هذه المساكن ب «الأروقة» فهذا رواق المغاربة، وذاك رواق – الصعايدة، وهكذا... قد أفرد لكل مجموعة وافدة أو غير وافدة رواق خاص يحمل اسمها، وما زالت هذه الأروقة بمسمياتها باقية حتى اليوم، وقد أوقف الخلفاء على الأزهر وطلابه الأحباس، وقدموا إليه الهبات والعطايا في مناسبات شتى، وقد اشتهر من بين هؤلاء العزيز بالله الخليفة الفاطمي، الذي يعزى إليه بناء دار خاصة – بجوار الأزهر – بجامعة من الفقهاء بلغت عدتهم خمسة وثلاثين، وقد أجرى عليهم الأرزاق، وقد عرف عن هؤلاء الفقهاء يومئذ أنهم كانوا يجتمعون بعد صلاة الجمعة بحيث يتلون القرآن الكريم حتى حين صلاة العصر، إلى جانب تدارسهم للعلم، وتبصير الناس بشئون دينهم.
هذا، وإن مسجد الأزهر قد أقيم أساسا كغيره من المساجد – لأداء الصلوات المفروضة ولكن مع ملاحظة أن إقدام الفاطميين على إنشائه لينفرد بنشر مذهبهم الشيعي، وبذلك لا يلحقون ضيقا للمذهب السني في المساجد الأخرى، والذي كان هو السائد في الديار المصرية قبيل قدوم الفاطميين، وقد تورطت رسالة الأزهر يوما بعد يوم، «ولم يلبث أن – أصبح جامعة يتلقى فيها طلاب العلم ورواده من كل صوب وحدث مختلف العلوم والفنون، ففي سنة 378 ها أشار الوزير إلى جامع تدرس فيه العلوم الدينية والعقلية، وسرعان ما أصبح الأزهر مثابة علمية، وقد عمل الخليفة العزيز ومن جاء بعده من الخلفاء الفاطميين على جذب طلاب العلم إليه من كافة أرجاء البلاد الإسلامية، بما كانوا يقدمون إليهم من المأكل والمسكن، وما يوفر لهم من وسائل المعيشة وأسباب الراحة من غير أجرة (8).
هكذا يحتل الأزهر مكانة مرموقة بالنسبة للدور الذي اضطلع به منذ أكثر من ألف سنة، بحفاظه على العلوم الدينية والدراسات الإسلامية، ونشره للغة الغربية على مستوى العالم الإسلامي، بحيث ينفرد بكونه أول جامعة تتكفل فيها الدولة بالإنفاق على أساتذتها ومساعدة طلابها، بالإضافة إلى العلوم المختلفة التي كانت تدرس في الأزهر، والتي لم تكن قاصرة على العلوم الدينية والأدبية، بل كانت تدرس فيه كذلك العلوم العلمية كالرياضة والفلك والطب والهندسة وغيرها، ولعل موقع مصر – كقلب للعالم الإسلامي ومكانتها بينه – لما يجعل الأزهر قبلة للطلاب، ومقصدا لرواد الثقافة، وقد شهد كثيرون من المؤرخين العرب وغيرهم بذلك، ونذكر من بين المستشرقين – على سبيل المثال – شهادة «جوستاف لوبون» الذي يقول:
«ويتمتع الجامع الأزهر – الذي بدئ بعمله منذ سنة 375هـ - بشهرة واسعة بين المساجد الإسلامية، وللجامع الأزهر الآن تأثير كبير في بلاد الإسلام؟، والطلاب يقصدونه أفرادا وإرسالا من أنحاء العالم الإسلامي، وكيف لا وهو الملجأ الأخير لعلوم العرب في الشرق، وفي الجامع الأزهر أساتذة يقبضون رواتبهم من دخله (الأوقاف المحبسة).
ويدرسون فيه العلوم والآداب والتوحيد والفقه والطب والفلك والرياضيات والتاريخ، وكان عدد طلابه إثني عشر ألفا فيما مضى، ولا يقل الآن عن ذلك العدد كثيرا، ويقوم بنفقات طلابه الفقراء».
وفي العصور المتأخرة نرى أن الدراسة بالأزهر قد تفرعت إلى قسمين:
القسم العام: وهو عبارة عن الحلقات التي كانت تعقد بالمسجد نفسه، وكل أستاذ يتخصص في نوع من العلوم الدينية أو اللغوية، ويتلقى الطلاب هذه الدروس – بأنواعها فترة من الوقت تطول أو تقصر طبقا لاستيعابهم مقررات معينة، بعدها يحصلون على إجازة من أساتذتهم تخول لهم حق التدريس، حيث يرحل الوفدون منهم – بصفة خاصة – إلى أقطارهم، لينشروا ما قد درسوه بالأزهر نفسه أو ببلادهم، وفقا لظروفهم وأحوالهم.
وقد تطور هذا النظام في السنوات الأخيرة طبقا لقرارات معينة في شأ، تنظيم – الدراسة، ولعل من ثمرتها أن إدارة الجامع الأزهر أصبحت تمنح الطلاب من هذا القسم بعد فترة معينة من الدراسة المختلفة – الشهادة الأهلية، وهي تؤهل حاملها لتقلد بعض الوظائف الدينية كالإمامة والخطابة، وحق مباشرة إجراءات الزواج والطلاق وما إليها، وهو المعروف ب«المأذون».
القسم الخاص: وتنضوي تحته ثلاث كليات هي:
كلية الشريعة: وتقوم الدراسة بها على مناهج تتصل اتصالا مباشرا بمواد الشريعة الإسلامية، من فقه، وتفسير، وحديث، وما يتفرع عن هذه المواد من دراسات، ومدة الدراسة بهذه الكلية أربع سنوات فقط، يمنح الطالب بعد نجاحه في نهايتها الشهادة العالية في الشريعة الإسلامية.
كلية أصول الدين: وتدرس بها – على الخصوص - العقيدة والفلسفة الإسلامية، إلى جانب علوم القرآن الكريم والحديث، وبعض المواد الأخرى المتصلة بهذه الدراسات كالتاريخ الإسلامي والاجتماع، ومدة الدراسة بهذه الكلية أربع سنوات أيضا، ينال الطالب في نهايتها الشهادة العالية في أصول الدعوة الإسلامية.
كلية اللغة العربية: وتقوم بتدريس المواد المتصلة باللغة العربية بكافة فروعها، من نحو وصرف وأدب وبلاغة وفقه لغة وغيرها، إلى جانب بعض المواد ذات الصلة بهذه الدراسات، كالاجتماع والتاريخ والخطابة والمنطق وما إلى ذلك. ومدة الدراسة بالكلية أربع سنوات كذلك، يحرز خريجها على الشهادة العالية في اللغة العربية وآدابها.
وقد ظل معمولا بهذا النظام في الأزهر حتى قامت ثورة يوليو سنة 1952، حيث جرى – تعديل قوانين الأزهر في معظمها، وأضيفت الكليات الحديثة الأخرى إليه، بعد أن صار الجامع الأزهر إلى الجامعة (1965)، وهكذا افتتحت به كليات للطب والهندسة والاقتصاد والعلوم والصيدلة، كما أضيفت اللغات الأجنبية إلى مناهج الكليات التقليدية الثلاث آنفة الذكر والتي عدلت مناهجها هي الأخرى بالإضافة في الغالب، مثل كلية الشريعة التي شملت مناهجها المواد القانونية المعمول بمقتضاها في دواوين الدولة والمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، حتى يقف خريجو هذه الكلية على قدم المساواة مع خريجي كليات الحقوق فن الجامعات المصرية الأخرى، وذلك في كافة الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء عقب تخرجهم، وعليه فقد عدل في تسمية هذه الكلية الأزهرية بما يناسب هذا الوضع الجديد، فسميت ب«كلية الشريعة والقانون».
وقد حدث مثل ذلك تقريبا في الكليتين الأخريين، من حيث التطوير والتعديل، بما يقارب الكليات المناظرة في الجامعات الأخرى، مسايرة لروح العصر، وتحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص.
وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن هذه الكليات التقليدية والكليات الحديثة تتبعها المعاهد الابتدائية والثانوية الدينية، والتي هي روافد ومصادر لتلك الكليات بإمدادها بالطلاب المؤهلين في دراساتهم اللغوية والدينية بما يتناسب والمستوى الدراسي في الشريعة أو الأصول أو اللغة، وكذا بقية المواد التي تدرس عادة في المدارس العادية والتي تأهلهم كذلك لولوج الكليات الحديثة، إذا ما سمحت مجاميع درجاتهم، حيث يخضع كافة الناجحين في نهاية الدراسة الثانوية للجان المختصة، والتي تقوم بتنسيق درجات الطلاب، تمهيدا لتوزيعهما على الكليات التي تناسبهم، وهو ما يسمى ب «مكتب التنسيق». لوضع الطالب المناسب في المكان الناسب.
«يتبع»

ــــــــــــــــــــــــ
1) تاريخ الإسلام السياسي، للدكتور حسن إبراهيم، جـ 1 ص 520.
2) ابن دقماق، ج 4 ص 59.
3) مجلة الأزهر، جـ 3، السنة 50 (رجب 1398هـ / يونيو 1948م) ص 653 – 654.
4) حضارة العرب، لجوستاف لوبون ص 284.
5) الخطط، للمقريزي، حـ 1 ص 283.
6) تاريخ الإسلام، جـ 1 ص 412.
7) الخطط التوفيقية، جـ 1 ص 871.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here