islamaumaroc

الإسلام والطفولة.

  يوسف الكتاني

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

ليس هناك دين من الأديان ولا نظام من الأنظمة أو مذهب من المذاهب اعتنى بالإنسان وكرمه وفضله على سائر الموجودات في الحياة كما فعل الإسلام مصداقا لقوله تعالى:
(ولقد كرمن بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).
فقد عني الدين الإسلامي بالإنسان وكرمه واحترم إنسانيته وأحاطه بالعناية والرعاية منذ أن ينشأ جنينا في البطن ثم يولد رضيعا فطفلا فشابا وهكذا طوال مراحل حياته.
واعتبر الأطفال بهجة للحياة ومتعة لها ونعمة من أجل نعمها وزينة في الدنيا لأنهم أساس المجتمع وركيزة الأسرة.
وهو من أجل ذلك شرع للأطفال من الحقوق ووضع لهم من الوصايا والتوجيهات ما يكفل لهم التنشئة الصالحة والتربية الكاملة والعناية الفائقة والرعاية الشاملة مما يحقق لهم طفولة سعيدة وحياة كريمة.
ولذلك كان من الطبيعي أن تبدأ رعاية الإسلام للطفل وهو ما يزال جنينا حيث صان حقه في الحياة وحرم إجهاضه وضمن له حق التملك والوراثة.
ولم يكد يولد المولود حتى يرسم له الإسلام طريقه في الحياة وينظم تربيته وسلوكه ويأمر والديه وأولياءه بحسن الرعاية وكمال التربية ليصبح الطفل عضوا صالحا في المجتمع وعنصرا للخير والبر في الحياة وفي ذلك يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) أي علموا أنفسكم وأهليكم الخير وتعلم الدين وما لا يستغنى عنه من العلم والآداب.
وأوجب على الوالدين تربية أولادهم ورعايتهم وإرضاعهم وحضانتهم والإنفاق عليهم فحبب إلى الأم إرضاع طفلها وحضانته لأنها أحن عليه وأرحم له وفرض على الوالد الإنفاق عليه وتعليمه وحمايته وجعل ذلك حقا للأطفال على آبائهم، للصغير حتى يبلغ ويستطيع الكسب، وللصغيرة حتى تتزوج أو تعمل «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك».كما جعل مسؤولية تربية الأطفال مشتركة بين الأسرة والمجتمع بين الآباء والأولياء وجعل من حق الولد على والده أن يحسن تسميته وبيئته وتأديبه وهو مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود عنه:«من حق الوالد على ولده أن يحسن اسمه ويحسن موضعه ويحسن أدبه».
وما رواه أبو داود أيضا عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: «رحم الله والدا أعان ولده على بره».
وقد أكد هذه المسؤولية نحو الأطفال ابن خلدون في مقدمته بقوله:
«أعلم أن تعليم الولد أن للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الحديث وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات وسبب ذلك أن تعليم الصغار أشد رسوخا وهو أصل لما بعده، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه».
وامتازت نظرة الإسلام إلى الطفولة بشموليتها اعتبارا لطبيعتها وبراءتها غير ملتفت إلى أية ناحية أخرى ولذلك اهتم بالطفل اليتيم واللقيط وأوصى بهما خيرا وضمن لهما حقوقهما.
فقد وجه الإسلام عنايته للطفل اليتيم الذي فقد أباه وهو صغير ضعيف يحتاج إلى من يرعاه ويكفله ولذلك أوجب العناية باليتيم ورعايته وضمان معيشته وتربيته وعدم قهره والغض ن شأنه وقد جاء في القرآن.
(أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم).
وقال:(فأما اليتيم فلا تقهر).
كما أمر بالمحافظة على أموال اليتامى إلا بالتي هي أحسن واعتبر آكلها كمن يأكل النار.
فقال:(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن).
وقال:(إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا).
وعن البر باليتيم ورحمته روى الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وضع يده على رأس يتيم رحمة كتب الله له بكل شعرة على يده حسنة».
كما اهتم الإسلام بالأطفال اللقطاء، واللقيط هو المولود الذي لا يعرف له أب ولا أم، وينبغي لمن وجده أن يلتقطه لما فيه من السعي لا حياء النفس وإغاثة الإنسان.
ولم يراع الإسلام في اللقيط – إن كان ولد من الزنى – جريمة أمه وخطيئتها لعدم مسؤوليته واعتبر كفالته وتربيته ورعايته من واجب الدولة ومسؤوليتها فقد جاء رجل بلقيط إلى عمر فقال له: «نفقته علينا وهو حر».
ولم يميز الإسلام في المعاملة بين الأطفال اللقطاء وبين غيرهم مراعاة لنفسيتهم وشعورهم، فكما جعل من واجبات الدولة الإنفاق عليهم ورعايتهم وهم صغار، أعطاهم كامل الحقوق في المجتمع عندما يكبرون فلهم الحق في الانخراط في مجتمعهم وتحمل مسؤوليتهم عن تصرفاتهم وأعمالهم.
وقد بلغت رعاية الإسلام بالأطفال حدا منع الآباء من أن يوصوا من أموالهم بأكثر من الثلث حتى لا يتركوا أولادهم عالة بعدهم على غيرهم فقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص عندما أراد أن يوصي بكل ماله للفقراء فيما رواه الإمام مسلم: «إنك تنذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».
كما حمى الأطفال من شبح آبائهم وبخلهم والحرمان من النفقة حالة غيبتهم، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان عندما اشتكت إليه، أن تأخذ من مال زوجها وفي غيبته ما يكفيها ويكفي أولادها، فقال فيما رواه النسائي عن عائشة رضي الله عنها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
كما أوصى الآباء بالا يرهقوا أطفالهم ولا يضربوهم وأن يحسنوا معاملتهم. فقال لعلي: «أوصيك بريحانتي خيرا».
وفي حياة الرسول وسيرته وهديه وفي تاريخ المسلمين من بعده منهج رائع وصور حية لمدى العناية والرعاية التي كفلها ديننا الحنيف للطفولة والمنهج القويم الذي خطه الإسلام لتنشئتها وتربيتها.
فقد كان الرسول الكريم يرعى الأطفال ويحبهم ويحنو عليهم ويرحمهم ومصداق ذلك ما رواه الإمام البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ إبراهيم فقبله وشمه.
كما روى البخاري أيضا عن أبي هريرة قال:«قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا فقال الأقرع: «إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم».
كما كان يلاعبهم ويلاطفهم فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمهما ثم يقول: «اللهم أرحمهما فإني أرحمهما».
وروى الإمام البخاري عن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع رضع, إذا رفع رفعها وحرى بالمسلمين اليوم بصفة خاصة وبالعالم أجمع وهو يحتفل بالسنة الدولية للطفولة أن يقتدى بهذا السلوك النبوي الكريم وأن يتمسك هذا النهج العظيم الذي رعى الطفولة حق رعاية وصانها أعظم صيانة وكفل بها السعادة والطمأنينة في الحال والمآل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here