islamaumaroc

الغزالي حجة الإسلام .

  محمد بن علي الكتاني

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

يقف عند حدود حياته ومجال نشاطه، بل استمر مواكبا للطور الفكري، ومؤثرا وفاعلا في كثير من الأحداث والمواقع إلى يومنا. ولا أدل على فاعلته واعتباره حجة الإسلام – خصوصا ونحن نعيش هذه الصحوة العارمة – من أننا نحتفل بالذكرى المائوية التاسعة لوفاته، ونتعرض لوقائع حياته وأحداث زمانه، ونتائج فكره وما أحدثه من انقلاب في دنيا المعرفة... فلم يكن شخصا عاديا وباحثا بسيطا، ولكنه كان عملاقا وفذا في بابه، تناول بفكره الوقاد ما اتصل بالعلوم الإسلامية، وصاغ منها بقلمه المشتعل حرارة، مجموعة من المدارك التي كشفت عن الأسرار، وأماطت الحجب عن كثير من الحقائق، وبصرت بالمواقع السليمة التي يجب أن يرتكز عليها، كما نبهت ووضحت الهدي الذي ينبغي أن يقصد، والهدف الذي يجب أن يعمل الجميع من أجل الوصول إليه.
ويجب أن نعلم في البداية أن أبا حامد هذا ليس إلا نتيجة لزمانه، وهو في الحق ابن لبيئته ولعصره الملئ بكثير من التيارات، هذا العصر الذي ظهرت فيه الدولة السلجوقية، واستولت على مجموعة من الأقطار الإسلامية، بل تحكمت في الخلفاء العباسيين وجعلتهم آلة مطواعة تحركهم كيفما شاءت، وعاصر الغزالي أكثر ملوكهم، ويكفي أن نذكر من أفضل هاته الدولة تأسيس المدرسة النظامية التي كان لها أكبر الأثر في توجيه الفيلسوف الإسلامي وتدعيم ثقافته، وفتح الطريق أمامه للمعرفة على اختلاف أصنافها، كما بلغ من تأثيرهم عليه أن ألف كتابه: «التبر المسبوك في نصيحة الملوك» لأحد ملوكهم محمد بن ملكشاه. هذا العصر الذي تعاظم فيه نفوذ النزعة الباطنية،  وتغلغلت دعوتهم في مجموعة من الأقطار بفضل نفوذ الفاطميين، وقد استطاعت هاته الدعوة بما ملكت من عناصر جيدة التدريب، قوية الإيمان بمبادئها، النفوذ إلى أعماق النفوس، بل وكسبت التأييد بواسطة المكر والدهاء، واختيار الأساليب التي تناسب كل طبقة، وتقسيم المعرفة إلى نوع غامض لا يتوصل إليه أولا تحصل عليه إلا النخبة وقد ستره الله فلا يعرف إلا من ارتضى وهو العلم الحقيقي، ونوع عادي بسيط لا يحقق نفعا ولا يوصل إلى غاية، وهو ما يتعامل معه من لا ينتحل مذهبهم !
هذا العصر أيضا الذي استغل فيه الصليبيون فرقة أهل الإسلام، وتنازع السلاجقة والفاطميين، فأوفدوا الحملات إلى الشرق، وتغلبوا على كثير من مدن آسيا الصغرى، وأسسوا إمارات والناس في غفلتهم يعمهون... وعموما فالعصر يموج ويموج، وهو عصر اضطراب وقلق، وخلافات سياسية ومذهبية ولا منقذ، حتى أصبح الناس يرقبون في اهتمام وشغف التوفيق الذي اقترن باسم يوسف بن تاشفين، والذي أوقف المد الصليبي إلى حين: بل رأى فيه الغزالي الإمام الذي تمنى أن يراه، وأن يعيش في ظله وحماه، وفكر فعلا في القدوم إليه، لولا أنه وصله أنه انتقل إلى الرفيق الأعلى.
وكان لا بد وهاته التيارات المتضاربة وهذه الأحداث المتلاطمة، أن يتأثر الغزالي بها عن قرب أو عن بعد، وأن ينفعل ويتمحور مع هذا العصر، في محاولة لزحزحة هذه الفوضى ولوضع حد لهذا الاضطراب عن طريق مد فكري يزحزح البناء ويوفق الاختلال إلى حد ما.
ولكن من هو الغزالي هذا؟ الذي ملأ الدنيا ضجيجا وصخبا، والذي تناوله الناس بين مبالغ في الثناء عليه، وبين جاحد لفضله منتقص لمكانه... وصفه التاج السبكي في طبقات الشافعية في بداية ترجمته الطويلة «بحجة الإسلام ومحجة الدين، جامع أشتات العلوم، والمبرز في المنقول منها والمفهوم، أخمل من القرناء كل خصم بلغ مبلغ السها، وأخمد من نيران البدع كل ما لا تستطيع أيدي المجالدين مسها... إلى أن يقول: جاء والناس إلى رد فرية الفلاسفة أحوج من الظلماء بمصابيح السماء، فلم يزل يناضل عن الدين فحلاوة مقاله، ويحمي حوزة الدين ولا يلطخ بدم المعتدي حد نصله» وطبيعي أن نغمة المحبة واضحة في هذه السطور، كذلك نوجه وجهتنا إلى الزبيدي الذي وضع شرحا كطولا للإحياء، نلمس دفاعه المستميت عنه، ونلاحظ تتبعه لادعاءات الخصوم وكيف كشف زيفها، ولكن بجانب هذا نقرأ هجوم العلامة المالكي المازري، ونحس بخصومة ابن رشد له، وبجرأة ابن تيمية عليه ورميه بالتناقض في كتبه وتسفيه أفكاره، ونتعجب من حرب ابن القيم ومبالغته في رد أفكاره، كما نلاحظ مجموعة وسطى على رأسها ابن العربي الذي قبل بعض أفكاره وتحلل من البعض الآخر... ولعل الذي أثار كل هذه الضجة هو جنوحه إلى التصوف، وتأليفه لكتاب إحياء علوم الدين الذي سنقف عنده بعض الشيء.
أبصر الغزالي (واسمه محمد بن محمد بن أحمد الغزالي والمكنى بأبي حامد) الحياة في مدينة طوس والتي تسمى اليوم مشهد، سنة 450هـ 1058م في بيت فقر وخصاصة، وكان والده يرغب في أن ينشأ ولده متعلما فقيها، لكنه توفي قبل أن يحقق هذه الأمنية، ولذلك أوصى به وبأخيه إلى صديق متصوف من أهل الخير، وطلب منه أن يستنفذ في ذلك جميع ما يخلفه لهما، وفعلا تعهدهما هذا الصوفي حتى فني النزر اليسير الذي تركه الهالك، وإذ ذاك نصحهما بالتوجه إلى مدرسة تعينهما على القوت المادي والروحي، وكان في ذلك السعادة، واستجاب الله دعاء الوالد، فكان الغزالي أفقه حسب السعادة، واستجاب الله دعاء الوالد، فكان الغزالي أفقه حسب حكاية السبكي، وصاحب كرامات وإرشادات حسب رواية ابن خلكان.
وهكذا درس الغزالي أولا على الراذكاني، ثم انتقل إلى جرجان حيث تتلمذ على الإمام أبي نصر الإسماعيلي، ثم آب إلى طوس يراجع ما تلقاه، وقال بنفسه عن هاته الفترة: حفظت في ثلاث سنوات جميع ما كانت علقته، وصرت بحيث لو قطع على الطريق لم أتجرد عن علمي، أي أنه لم يعد في حاجة إلى الكتب... 
وتحرك بعد في الاتجاه الذي قاده إلى الأمام، حين انتقل إلى نيسابور حيث كان إمام الحرمين أبو المعالي الجويني فارس المدرسة النظامية وبطل المعقول في عصره، فلازمه وجد في الاستفادة منه حتى توفي، وكان الجويني يفاخر به، وإن نقل إنه كان يغار منه أحيانا لما ظهر من نجابته ولاح من ذكائه... وعلى كل فقد قرأ الحكمة والفلسفة، وتبحر في مذاهب القوم، وتصدى للرد عليهم – بعد أن وعى فلسفة ابن رشد، واطلع على كتب أبي حيان التوحيدي، ورسائل إخوان الصفا، ويذكر في كتابه المنقد من الضلال: إنه ابتدأ بدراسة علم الكلام قبل دراسة الفلسفة، ويتحدث عن ذلك ابتداء من صفحة 14 فيقول:«ثم ابتدأت بعلم الكلام فحصلته، وعقلته وطالعت كتب المحققين، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفت علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي... ويقول في ص 17 وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة، فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا، ولم يكن في كتب المتكلمين إلا كلمات معقدة ظاهرة التناقض والفساد... ويزيد فيدعي أنه تعلم هذا بدون أستاذ، وأطلعه الله على ما فيه من خداع وتلبيس... وشن عليهم حملة شعواء بدون هوادة، وهذا يدل على أنه في هاته المرحلة لم يكن مجرد قارئ، ولكنه كان أكثر من واع وأكثر من ناقد، ولهذا تخطى المراحل، واستطاع أن يحل محل أستاذه الراحل، وأن يأخذ مكانته، وأن تتعدى شهرته أماكن استقراره، وأن يلقى الوزير نظام الملك الذي أحضره إلى مجلسه، وأوصله بعلماء وقته ونخبة مجالسه، فظهر كالشمس الساطعة وأخفى غيره، مما جعل الوزير يوليه التدريس في المدرسة النظامية ببغداد، وذلك من سنة 484هـ إلى 488هـ حيث عاد بعدها إلى خرسان، والمجد يحيط به من كل جانب، إذا أفتى أفاد وأجاد، وإذا تحدث أخذ بألباب المستمعين، وقد تحدث معتزا بمواهبه في مقدمة كتابه المنقذ من الضلال فقال: ولم أزل منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، أتوغل في كل مظلة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، واستكشف مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأطلع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته... وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، غريزة وفطرة ن الله وضعنا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانحسرت عني العقائد الموروثة...
وواضح من هذه السطور أن صاحبنا كان قوي الشكيمة يتحرى الحقيقة ويبحث عنها، وأن عصره عصر حركة فلسفية نشيطة، وأنه لم يرد أن يكون مجرد متحرك مع التيار، بل ضد التيار وباستمرار.. !
ولكن هل توقف هذا العقل الجبار عند هذا الحد؟ وهل أخلد هذا العملاق إلى هذا النجد؟ وهل اكتفى بإمامة خرسان ثم إمامة العراق، وتفرغ لما يتفرغ له الكثير من أصحاب الجاه العلمي..؟ أبدا فقد غمرته بعدا كل هذا النجاح شكوك وشكوك، فهل اليقين في المحسوسات؟ أو ليست هذه تستحق الثقة؟ وهل الأمر للعقليات؟ أو أن الثقة بالمحسوسات هي نفس الثقة بالعقليات؟ وأن وراء إدراك العقل يوجد حاكم آخر وهكذا، ويدخل في شعاب وشعاب أفصح عنها في سطور كتابه «المنقذ من الضلال»، ويصل في النهاية إلى الحقيقة التي انكشفت له – حسب تعبيره – بنور قذفه الله في صدره.
ورغم أنه في هاته الحالات النفسية التي عاشها، ويذكر الذين أرخوا له، أن قصد مكة للحج، وتوجه بعد ذاك إلى الشام ودرس في المسجد الأموي، ثم انتقل إلى بيت المقدس وعاد إلى الشام، ثم سافر إلى مصر وأقام في الإسكندرية، ثم عاد إلى بغداد وحدث بكتابه الإحياء، ثم رجع إلى طوس وألف بعض كتبه العلمية... إلا أن النتيجة الحتمية التي وصل بها إليها عن طريق المشاهدة والتجليات هي طريق الزهد والخلوة، واتخذ لنفسه (خانقاه) للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالفقه والعلم في جواره، ووزع وقته على وظائف الخير من ختم للقرآن ومجالسة لأرباب القلوب، والارتواء من أحواض الصوفية حتى لقي ربه يوم الاثنين 14 جمادى 505هـ.
ورغم أن بعض المترجمين له يذكرون بعض الأحوال والمشاهدات التي تدل على مكاشفاته وعلى ما بلغ من صلاح بعد أن مر في المراحل كلها، إلا أننا لا نريد أن نعالج هذا الجانب، وحسبنا أننا وصلنا معه إلى المرحلة التي عرف فيها طريقه.
لقد تكلم الناس كثيرا حول هذه الشخصية الفذة، واهتم به فعلا الشرق والغرب على السواء، وقد اختلفوا هل كان متكلما أو أصوليا أو فيلسوفا أو متصوفا أو فقيها، لكن الوقاع أنه كان جماع كل هذا أو أكثر، فهو الأصولي الأعظم – كما يقول عنه المرحوم الفاضل ابن عاشور – حيث ألف كتابه الذي أطر فيه الفقه الشافعي والمسمى بالمستصفى، وهو أيضا المتكلم الحكيم كما يلاحظ في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد، وهو الصوفي المبدع كما يلمس هذا في الإحياء، وهو الفيلسوف المتفوق كما يبرهن على ذلك كتابه: تهافت الفلاسفة، وهو الفقيه المتمكن كما يرى في كتبه الثلاثة: البسيط والوسيط والوجيز، بل هو التلميذ الذي جسم علم إمام الحرمين في كتبه نهاية المطلب، وعلم أبي شجاع في كتبه عناية التقريب... ومع ذلك لازمته الحيرة وعانى من آلامها، وحاول أن يتغلب على ذلك بالتغرب إلى الله والتأليف، ولكنه كان يحسن رغم ذلك بفراغ روحي ولا يشعر بالطمأنينة، خصوصا وقد مر بأحوال نفسية خسيسة منذ عهد الصبا، فقد روى عنه أن كان منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين، وكان لا يخلو من شراسة واحتقار للناس، وكان لا ينفك يفكر في التطهير ومحاربة النفس، ولكن كيف السبيل؟ وما هي الوسائل؟ ولعل كتابه المنقذ من الضلال خير من يهدينا إلى الطريق، فهو يتحدث عن أصناف الطالبين حسب منهجه، ويحصر هذه الأصناف في أربعة:
1) المتكلمون ويدعوه أهل الرأي والنظر.
2) الباطنية: ويزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الامام المعصوم.
3) الفلاسفة ويعتقدون أنهم أهل المنصب والبرهان.
4) الصوفية: ويقولون إنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة...
وقد سلك كل هذه الطرق وعاشها وسبر أغوارها عله يجد ضالته – فقال: عن عل الكلام أنه لم يحصل منه بالكلية، ما يمحي به ظلمات الحيرة في اختلاف الخلق، ولذلك توجه إلى الفلسفة التي درسها لينسر عيوبها على العالمين كما يقول الدكتور زكي مبارك، وبعد أن عدد أصحابها: من دهريين وطبيعيين والآهيين، وأقسام علومها من: رياضية ومنطقية وطبيعية وآلهية وسياسية وخلقية، كفرهم جملة وتفصيلا من إخوان الصفا إلى الفرابي وابن سيناء، وتصدى لزييف آرائهم، ودحض حججهم، ولم يذكرهم إلا بالسوء.
لا أحاول في هاته العجالة أن أتقصى أصناف هاته الردود، وأن أعالج حقها من باطلها، بل يكفي أن نلاحظ أن سبب ذيوع شهرة الغزالي يرجع إلى اهتمامه بالفلسفة، وأنه حاكى الفلاسفة، في منهجهم حين تحدث عن الأخلاق والآداب الاجتماعية في موسوعته الإحياء، ولست طبعا أسمه بالانتهازية بل أنزهه عن كل ذلك... وثلث بالباطنية واهتم بنحلتهم وحللها تحليلا شافيا – حسب ما يتجلى ذلك في كتابه المنقذ من الضلال الذي هو مرجعنا الأساسي في هذا الجانب بالذات – وأظهر فسادها وتوصل وبمنطق سليم إلأى أنها بدعة ممقوتة، وكانت الخاتمة دراسة التصوف حيث يقول:«لما فرغت من هذه العلوم، أقبلت بمهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقهم إنما تتم بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله... وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي والبسطامي... فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالتذوق والحال وتبدل الصفات، وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع، وبين أن يكون الشخص صحيحا وشبعان، وبين أن يعرف حد السكر وبين أن يكون شكرانا... ونبه على نيته في التدريس وأنه لم يكن خالصا لوجه الله، بل مبعثه طلب الجاه وانتشار الصيت، ووضح حالات الاضطراب التي أصابته وكيف كان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وكيف كان يعيش بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة، وكيف مال إلى الخلوة بعد الحج والسفر، وكيف كانت تدفعه العوائق ثم تنكشف له الحجب، ثم كيف علم أن الصوفية هم السابقون لطريق الله، خصوصا وأن أخلاقهم أزكى الأخلاق، بل جميع حركاتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوءة، وليس وراء نور النبوءة على وجه الأرض نور يستضل به... وماذا يقول القائلون في طريق: طهارتها وأول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحها استغراق القلب بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله !!
وواضح من هذه السطور أنه كرع من مناهل الصوفية حتى ارتوى، ثم اندفع يحدث الناس بأصول السلوك في كتبه المعروفة: الأربعين والميزان والإحياء، بل انغمر في هذا الطريق بحسه ووجدانه، واظهر أنه أضاع عمره هباء، حيث لم يبدأ به أول مرة، وبذلك زالت حيرته بعد أن وصل إلى طاهرة الباطن، ولسنا هنا نناقش الوسائل التي استهدفها السادة الصوفية حين قطعوا العلائق مع الناس وزهدوا في الحياة، فذاك له مجاله الخاص، وإنما حسبنا أننا رصدنا انجذاب هذه الشخصية العلمية المقتدرة إلى هذا اللون من المعرفة الروحية، ونلاحظ هنا أنه رغم اغترافه من قوت القلوب، ورسالة القشيري، وورع المزني، وزهد المحاسي، وإشراقات الجنيد، فإنه لم يغفل أثر شيخ يأخذ بيده، ويصقل إحساسه، ويشذب حواشيه، فكان هناك يوسف النساج الذي كانت الصلة به بداية اليقين، وكذا صحبته للإمام الزاهد أبي عبد الله الفارقدي، وهكذا لم يصل إلا بعد أن ارتاض كل الرياضات، وصار كما جاء في طبقات الشافعية نقلا عن عبد الغفار الفاسي: (ما كان يظنه به بعض الناس تخلفا وتمرسا، طبعا وتخلقا وذلك أثر السعادة المقدرة له من الله ص 109 ج4).
على أن رغم هذا الترقي وهذه المكاشفات ظل في إطار الشريعة وحماها، ولم يقرب من طوائف الحلول والاتحاد، بل نقل الذين ترجموا له، أن خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومطالعة الصحيحين، ويقول التاج السبكي: ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام... وعموما فقد ظل تصوفه متصلا بالشريعة غير منفصل عنها، ورغم الإلهامات والتصريحات والإشارات، لم يحاول أن يجعل لنفسه مقاما، ولا أن يهيئ مجلسا للمشيخة، ولا أن يجمع المريدين، وإنما اعتكف لتدوين المبادئ الصوفية الصافية، ولشرح أحوال القلب الإنساني الذي هو محل التربية، يبين علله وأمراضه، ويعالج أدواءه وإسقامه، وصاغ هذا العلاج بأسلوب مشرق وواضح، ودلل صعوبته ليكون في أيدي كل الطالبين دون قصد أو تعيين... وإن كنا لا ننكر دور المشيخة والطرق التي تنتهج في هذا السبيل سواء في الشيخ أو المريد، ونميل إلى رأي الشيخ ابن عباد النفزي دفين فاس وخطيب القرويين، الذي كتب به إلى الإمام النظار أبي إسحاق الشاطبي، وفصل فيه بين شيخ التربية والتعليم، وشيخ التعليم ومجال كل واحد، ومتى يطلب شيخ التربية، ومتى لا يطلب، واعتماد قدماء الصوفية على شيخ التعليم، واعتماد المتأخرين منهم على شيخ التربية... وقد ساق رأيه هذا في كتابه الرسائل الصغرى... وعموما فللقوم قواعد واصطلاحات ليرغمون أحدا عليها.
وأعظم أثر صوفي أخلاقي تركه الغزالي هو الإحياء، ولابد من وقفة صغيرة عنده، نحاول بواسطتها أن نتعرف على هذا الجهد الذي أثار ضجة في أوساط علماء الشريعة، وسيظل نبراسا يستضاء به رغم ما قوبل به من نقد وملاحظات، ورغم أن الغزالي رزق التوفيق في التأليف، وظهر فكره في كثير من الإنتاجات العلمية، إلا أن الإحياء يبرز من بينها عملاقا يحجب ما عداه، ورغم أن كتبه في الجانب الأخلاقي لا تقف عند الإحياء، بل كتب ميزان العلم، والأربعين التي هي جزء من كتابه جواهر القرآن، ومنهاج العابدين، إلا أن الإحياء يظل في المقدمة كما أشرنا.
في أواخر القرن الخامس الهجري وحين جنح الغزالي إلى العزلة، طلع على الناس بهذا الكتاب، فكان عجبا في بابه، ما تناوله عالم إلا وجد فيه علمه ورأى بواسطته نفسه، أسسه على أربعة أرباع، ربع«للعبادات تناول فيه العلم، وقواعد العقائد، وأسرار العبادات من طهارة وصلاة... وآداب تلاوة القرآن، والأذكار والدعوات وترتيب الأوراد، وربع للعادات تناول في آداب الأكل والنكاح والكسب والصحة والمعاشرة والعزلة وآداب السفر، والسماع، والوجد، والأمر بالمعروف، وآداب المعيشة، وربع للمهلكات ووضح فيه عجائب القلب، ورياضة النفس، وآفات الشهوات، وآفة اللسان، والغضب والحسد، والعجب والغرور، ودم المال، وربع للمنجيات وحلل فيه التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والفقر والزهد والتوحيد والتوكل والمحبة والشوق والصدق والإخلاص، والمراقبة والمحاسبة وسوى ذلك مما يسلم به الشخص ويتحرر من الآفات والنكبات.
ورغم أنه وسم كتابه بكثير من المميزات، وحقق به فوزا، وسد به ثغرات، ونقى هذا العلم مما حاول الكثير إدخاله فيه، فإن بمجرد ظهوره ثارت الحروب بين صاحبه ومجموعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وحتى بعض الصوفية، حيث أغلق عليهم الباب وسد كل المنافذ، ولأنه حاول أن يقوم هذا العلم بطريقته الخاصة، وأن يجدد اسس التي تعارف عليها الناس شرقا وغربا، فكان من الطبيعي أن تكون هذه الهجمات، وأن يترصد كل واحد الهفوات، وأن يجاهدوا لإسقاط هذا الصرح... فلاحظ الإمام المازري ما لاحظ حسب ما جاء في الفصل الذي عقده السبكي في الطبقات وعفونه بذكر كلام الطاعنين عليه (ص 122 ج 4) وخلاصته أنه ناقل فقط لمذاهب الموحدين والفلاسفة وأصحاب الإشارات، وأنه قرأ الفلسفة قبل استبحاره في أصول الدين، وأن أحاديث الأحياء ضعيفة، وأنه لا ينقل عن مالك والشافعي، وأنه يستحسن قص الأظافر ابتداء من السبابة... وحمل الطرطوشي بدوره حملة شعواء وقال عنه: إنه سقط على أم رأسه حين تكلم في علم الأحوال ومرامز الصوفية، ولا يهمني رد هذا الكلام فقد تكفل بذلك التاج السبكي، بل الذي يهمني أن هذا ليس هو الهجوم الوحيد، بل نقل الزبيدي شارح الاحياء أنهم أنكروا عليه قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنكروا عليه أباحته للصوفية تمزيق ثيابهم عند غلبة الحال، وأنكروا عليه أن المقصود بالرياضة تفريغ القلب ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والجلوس في الظلام، فإن لم يكن ظلام لف رأسه في جيبه ! وأنكروا عليه قبوله لقولة الجنيد: إذا كان الأولاد عقوبة شهوة الحلال، فما قولكم في عقوبة شهوة الحرام، وأنكروا عليه نظرية الصوفية في التوكل. وكان هجوم العلامة ابن القيم وشيخه ابن تيمية فوق التقدير. كما كان آخر المطاف اتهامه بأنه فليل الخبرة بالنحو.
والمتأمل يجسد أن الملاحظات لا تخرج عن: 1) تساهله في إيراد أحاديث ضعيفة أو موضوعة 2) إثبات طائفة من الحقائق بواسطة ما يدعى من الفيض أو الإشراق الذي لا يتأتى إلا بالتجربة عند أصحابه وبالكون معهم حسب تعبيرهم.
أما النقطة الأولى فتكفل بها الحافظ زين الدين العراقي، وأكمل المهمة التاج السبكي في ذيل ترجمة الغزالي، وحصر بالفعل مجموعة من الأحاديث لم يعثر على إسناد صحيح لها (ص 145 ج 4).
أما النقطة الثانية فلم يصل الناس إلى حل لإشكاليتها إلى الآن، وما انفك الصراع قائما بين الذين خلطوا التصوف بالحكمة الإشراقية وصدرت عنهم مقالات منكرة منذ الحلاج إلى ابن عربي ومن تلاهم، ولعل الغزالي تنبه إلى عدم فهم المعارضين له، فكب كتابه: الإملاء عن إشكالات الأحياء، لكنه بالفعل لم يحل الإشكال، واعتقد أن التوفيق بين علم الظاهر والباطن يتعذر، لاختلاف المشارب وتنوع السبل، وإن كان التصوف شهد طفرة على يد أبي مدين والشاذلي ومن تلاهم شرقا وغربا، حيث تعلق بالأصول الكلامية، وتغذى بالشريعة، وإن كنا لا ننكر أن بعض الرواسب ظلت متحكمة. لا أريد أن أتعرض لمحنة الأحياء في المغرب، ولا إلى إحراقه، ولا إلى الذي قام بذلك أو تسبب فيه، ولا إلى الخرافات التي صحبت ذلك، ولا إلى تراجع ابن حرزهم، فذاك يتطلب بحثا طويلا وعريضا، وعلى القارئ أن يرجع إلى الأعداد القديمة من هذه المجلة الأصيلة مجلة دعوة الحق، وإنما حسبي أن الأحياء رغم هاته الضجة لقي القبول والرضا من طوائف، خصوصا بعد أن وضع العلامة الزبيدي شرحه الضخم عليه، واشتغل الناس به، واختصره من اختصره، ودافع عنه من دافع كالشعراني وابن عربي، بل نقل الدكتور زكي مبارك في كتابه الأخلاق عند الغزالي أن هناك من كان يحفظ الأحياء عن ظهر قلب، وأن هناك من ينسخه تقربا إلى الله، وأن هناك من اتخذه رودا.
وامتد الإعجاب به حتى إلى المغرب، حيث أفسح العلماء له مجالا في دراستهم، وصدروا به مكتباتهم، وتسرب هذا الإعجاب حتى إلى الباحثين الأجانب فدرسوه، وانتقدوه بل وتأثروا به.
رحم الله الغزالي الذي كان فذا في بابه، والذي استطاع في الظرف القصير الذي عاشه في هاته الدنيا أن يحرك الساكن، وأن يترك دويا في كل مكان وتلك سمة العظمة، ولا نريد أن نرفعه فوق قدره، أو ننزله من فوق صرحه، ولكننا لا نغفل أن التصوف لعب دورا في حياة المسلمين، وأنه حاول استئصال الغرائز الشريرة عن طريق المراقبة والرياضة النفسية، والغزالي ونحن نحيي ذكراه في هاته الأيام بناء على رغبة الأسيسكو، أعطاه الله نوعا من اليقين، ورزقه هذا الإشعاع المستمر، واستطاع بهذه المواهب أن يتخطى الصعاب، وأن ينشر على العالمين أفكاره وآراءه التي هي في نظره أفكار الإسلام وتعاليم الشريعة، وعلى الناس أن يعترفوا بفضله وعلى قدر ما يستطيعون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here