islamaumaroc

من أعلام الريف الشرقي في القرن الحادي عشر الهجري: عيسى بن محمد الراسي البطوئي-3-

  حسن الفكيكي

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

على الرغم من أن عيسى البطوئي لم يشعر بأية ضرورة لتقديم شخصياته وفق ترتيب يراعي مكانتها في درجة الصلاح، فإن هذا لا يعني أن الترتيب كان غائبا عنه. لأننا لا مسنا فيما سجله في الباب السادس أنه كان واعيا بالمسألة. وهذا هو ما دفعنا إلى إعادة تصنيف التراجم حسب منهج الباب المذكور، إلى فئات ثلاث.
والخاصية الأساسية لتلك الفئات أنها كانت تعمل كخلية اجتماعية متكاملة الوظائف. هدفها الحفاظ على مستوى معين من الثقافة الدينية بالبوادي الريفية. وهي تنتظم على شكل هرمي يبرز على قمته شيوخ التربية الصوفية وهم يمثلون أسمى النماذج في الفضل والصلاح. ويليهم في الدرجة شيوخ التعليم بصفتهم أطر الدعوة والتوعية لابتغاء الترقي في دروب الصلاح. بينما يشغل قاعدة الهرم العريضة جماعات من طلبة العلم والمريدين والراغبين عموما في نهج سبيل الفضل.

1) شيوخ التربية الصوفية
 يبادر صاحب مطلب الفوز والفلاح، قبل الدخول في استعراض من لقي من أهل الفضل والصلاح إلى إبعاد الالتباس عمن يستحق في نظره أن يطلق عليه اسم «الصوفي»، جاعلا من اكتساب المعرفة قاعدة أساسية يلجأ إليها كل من يطمح في نيل تلك الحظوة العليا. وكل وسيلة يقع اختيار عليها مغايرة، تستند إلى تجاهل المعرفة، تصبح بدون أي جدال محض ادعاء.
وانطلاقا من هذا التصور العام لمفهوم التصوف، فإن عيسى الراسي يرى أن المتصوف المثالي، ليس سوى ذلك الذي يدبر الأحوال التي تمر به بالعلم والمعروفة «يضع الأشياء كلها في مواضعها بحضور عقل وصحة توحيد وكمال معرفة ورعاية صدق وإخلاص (1)».
وزاد البوطي هذا المفهوم تعميقا حينما حاول ربط اكتساب المعرفة بما يظهر على المرء من سلوك واقعي، وهو يعني بذلك أن يحرص المتصوف على استتار ما يجب أن يستتر من أفعاله وأحواله وأن يظهر منها ما هو جائز منه أن يظهر للعامة من الناس. ولن يتأتى هذا إلا بإتيان الأفعال في مواضعها حسبما يتفق والشريعة الإسلامية.
بصياغة هذا التعريف وبتلك الحدود والبعاد، يضرب عيسى البوطي صفحا عن مسعى جميع أولئك الذين يحاولون انتحال مذهب التصوف، سواء كان ذلك ناتجا عن الجهل بقواعده وأصوله، أو لأغراض منحرفة تبعد صاحبها عن النهج القويم.وهذا هو السبب الذي يقع المؤلف إلى تنظيم حملة عنيفة ضد من سماهم بالملامتية والقلندرية (2). ونفهم من إشارة ندد فيها بانتشار الجهل بقواعد الإسلام، أن بعض أفراد تلك الجماعة كان موجودا بالريف الشرقي على عهده.
وفي زعم عيسى البطوئي أن ليس لدى متزعمي هذا الاتجاه الصوفي أي مبرر مقبول يسمح لهم بالانتساب إلى التصوف إلى التصوف الحق. وأنهم إن حاولوا فإنا يلجأون إلى ذلك يوقيا تارة ودعوى أخرى. واضطر أن يكشف عنهم ستار ما يدعونه ويرميهم بالزندقة والإلحاد والغرور. والحجة لديه ما كانوا ينتهجونه من مناهج الإباحة. وفي الأخير تبرأ مما كانوا يزعمونه حين أعلنوا أن ضمائرهم قد خلصت لله تعالى (3).
وبإبعاد الملامتية والقلندرية من ساحة المتصوفة، تبدد كل غموض لمعرفة من يستحق أن يرتب في أعلى مراتب التربية الصوفية. وهؤلاء هم وحدهم الذين أطلق عليهم البطوئي الأولياء والصالحين والمربين السالكين والعابدين الزاهدين. وجمع أوصافهم فيما عبر عنه ب «الإمام القدوة».
ولمنزلتهم عند البطوئي خص للحديث عنهم كل صفحات الفصل الثاني من الباب السادس، متهما بالتعريف بحقيقة أولياء الله تعالى، ووجوب الإيمان بوجودهم وبكراكاتهم. وما يهمنا فقط مما ذكر أن نقف على الشروط التي من شأنها أن تصبغ صفة الولاية على نخبة من رجال التصوف. فمن تلك الشروط:
1) أن يكون الولي عارفا بأصول الدين معرفة كافية للتمييز بين العبد وخالقه من جهة، وبين النبي والدعي من جهة ثانية.
2) أن يكون الولي عارفا بأحكام الشريعة الإسلامية نقلا وفهما. والغاية أن يكتفي بنظره عن التقليد في الأحكام، مثلما اكتفى عن ذلك في أصول التوحيد.
3) أن يلازمه الخوف أبدا، وألا يجد لطمأنينية النفس سبيلا، تجنبا للوقوع في المخالفات. هذا السلوك الروحي هو المعبر عنه بالورع.
4) أن يتمسك الولي بالأخلاق الحميدة، مما يدل عليه الشرع كالورع عن ارتكاب المحرمات، والحرص على امتثال جميع المأموريات، ومما يدل عليه العقل من ثمرات العلم بأصول الدين. وتتمثل معاني هذه الأخلاق في ضرورة ابتعاد شيخ التربية عن التعلق بشيء من ماديات الدنيا، سواء كان ذلك خوفا أو طمعا. وهذا السلوك هو المعبر عنه بالزهد، الشعار الدائم للمتصوف، وهو العالم بالوحدانية، الإخلاص لله تعالى في سائر أعماله (4).
بناء على هذه الدلالة التي تباناها عيسى البطوئي في مشروعه عن التصوف والمتصوفين، قدم لنا اثنين من شيوخ التربية، ممن استحق اختياره داخل الإطار الجغرافي الذي يمثله الريف الشرقي. الأول منهما من مواليد وردان، كان متزعما لمذهب التصوف على الأقل في بداية القرن العاشر الهجري. أما الثاني فهو ممن عرج من الغرباء على بني سعيد في أواخر نفس القرن.

• الحاج يحيى بن أحمد الورداني
جاء ذكر هذه الشخصية في قسم التراجم عرضا، أثناء سياق الحديث عن شيوخ التعليم وبعض المعاصرين من الطلبة، باعتبار أنها لم تكن مدمجة في مسطرة العمل التي أعدها المؤلف لكتابه. والعلة في ذلك أن الحاج يحيى كان من أحياء النصف الأول من القرن العاشر الهجري، بناء على تقديراتنا التي استخلصناها من التعرف على أحد طلبته(5).
ينتمي الحاج يحيى إلى وردان. والمكان في الوقت الراهن بقبيلة بني أوليشك، واقع على واد ينبع من مرتفعات أولاد عبد السلام، غير أن هذا الإسم كان خلال القرن العاشر علما جغرافيا يطلق على مساحة القبيلة كلها، حسب الحدود التي عينها لها الحسن الوزان (6). وتعود أهمية وردان إلى الدور الذي قام به الحاج يحيى الورداني في المجال الديني وتنظيم شؤون القبيلة.
نجهل متى استقر جد هذه السرة الأول بوردان، لأننا نعلم أنه من ذوي النسب الحسني، وربما كان واحد من أفراد السرة، المسمى الحاج يحيى بن علي بم موسى بن أبي بكر الصحراوي الفجيجي، المشار إليه من طرف صاحب «التشوف في رجال السادات أهل التصوف»(7).
على أن المؤلف لم يزد على قوله، حين أراد التعريف بموطن الحاج يحيى:«بساحل البحر من بلاد بطوية»(8)
وكيفما كان الحال، فإننا نجد التطابق بين ما أعلنه الحسن الوزان في بداية القرن العاشر عن عالم وردان، وبين ما أدلى به عيسى البطوئي في بداية القرن الموالي عن الحاج يحيى، نقلا عن طلبة أحمد المديني.
فحسب الحسن الوزان أن عالم وردان وخطيبها لعب دورا رئيسيا لا في تصدر الشؤون الدينية بقبيلته فحسب، بل لأنه تزعم مقاليد القيادة بها أيضا. والحدث الهام الذي أفضى بوضع زمام الأمر بيده، هو الفوز الباهر الذي حققه على إمارة بادس الوطاسية (9). حين انتزع منها استقلال القبيلة ليرتبطا مباشرة بالسلطة المركزية التي كان يمثلها محمد البرتغالي بن محمد الشيخ على أغلب التقدير.
ولا يمكن أن نعين لهذا الحدث إلا سنوات ما قبل 922 هـ (1516م) وهي السنة التي نعتقد أن أخبار المنطقة كانت قد انقطعت عن الوزان، حينما كان مستعدا لمغادرة المغرب الشرقي في اتجاه تونس. وداخل هذا التقدير الزمني سنتراجع إلى بداية القرن العاشر، لبرز حدث تسرب الوجود الإسباني إلى صخرة بادس سنة 914هـ (1508م) الواقعة على بعد ميلين فقط من المدينة، لنشير إلى نقطة بداية تضعضع قوة الإمارة البادسية، مما ساعد الحاج يحيى على تنفيذ خطته. وهذا بالطبع في دائرة الاحتمال فقط.
ومن جهة أخرى فإن زعيم الورداني الذي نتصوره من خلال البيانات المأخوذة من وصف إفريقيا، نعتقد أنه لا يمكن أن يتعلق الأم إلا بالحاج يحيى، واعتمادنا فيما نذهب إليه على إشارة عيسى البطوئي التي تؤكد أن الشيخ المربي الورداني كان سيد قبيلته في الشؤون الدينية قبل 919هـ (1513م)، مما يتفق اتفاقا كليا مع ما سبق أن أدلى به الوزان.
ويعود تكوين الحاج يحيى إلى دراسته بالغرب الجزائري وبمدينة تلمسان خاصة. حيث أخذ التصوف على عثمان بن زياد المديوني. وحينما عاد إلى بلدته وردان تزعم المركز الديني الذي غدا نقطة التقاء الطلبة والمريدين، ساعده الأيمن في هذه المهمة تلميذه أحمد بن عبد الله المديني البطوئي الذي تخرج عنه عدد من شيوخ التعليم والمدرسين بمسجد تيزي عدنيت.
وتبرز كتابات البطوئي عن الحاج يحيى بأن تضلعه في التربية الصوفية أدى به إلى وضع أسس لطريقة صوفية ذاع صيتها ببطوية كلها، مرتكزة على الزهد البسيط الخالي من المعتقدات والمستند إلى الاستغراق في العبادات. وهي الطريقة التي ستستمر على يد خلفه أحمد المديني. ولا نستبعد أن تكون نفس الطريقة لقيت إقبالا من طرف الراسيين قبل أن يظهر بينهم الشيخ الفلالي.

• أحمد الفلالي
غير بعيد عن مركز وردان، ظهر متصوف آخر بمركز تيزي عدنيت، غريب من المنطقة، لا ندري ما هي عوامل الجذب التي دفعته إلى الاستقرار بالمسجد لكننا نعلم أنه سرعان ما لقي ترحابا من طرف أسرة عيسى البطوئي، وذلك قبل 996هـ. وظل بالمكان حتى بعد بداية القرن الموالي؟، علما من أعلام التربية إلى أن علمنا بانتقاله إلى بني بوزرة بغمارة، أثناء غياب البطوئي ما بين 1002 هـ.
و 1027هـ.
وعلى اية حال فإن حلول الفلالي ببني سعيد كان من أقوى عوامل ظهور المركز التعليمي هناك، ويعكس هذا عدد الطلبة الذين لازموا مجلسه، إلى أن عد بالمنطقة مربيا سالكا وزاهدا متبصرا فريدا في عصره، كسبت طريقته في التربية وسنده في تلقين الأذكار شهرة لدى الخاص والعام، كما أ\ار إلى ذلك البطوئي نفسه.
ويبدو أن الشيخ ترك تقاييد في الزهد نقل منها تلميذه الأبيات التالية في ذم لدنيا:
تبا لطالب دنيا لا بقاء لهــا         كأنها في تصرفاتها حلــم
صفاؤها كدر وسرها كــدر       أمانها غدر أنوارها ظلــم
شبابها هرم صحتها سقـــم        لذاتها ندم وجدانها عــدم
لا يستفيد من الأنكاد صاحبها     ولو تملك ما قد جمعت إرم
تخل عنها ولا تركن لزهرتها     فإنها نعم باطنها نــــقم
وعمل لدار النعيم لا نفاذ لها     ولا يخاف لها موت ولا هرم
التف حول المتصوف الفلالي عدد من الطلبة منهم بعض من درس على أحمد المديني، فاستكملوا تكوينهم بما أخذوه من التربية، مثل أحمد بن إبراهيم الراسي، وعلي بن سالم الراسي وأحمد بن يحيى الراسي، ومن غير الراسيين أحد الغرباء من شيوخ التعليم البقيوي، وعلي بن قاسم الجريري التوزاني، وعمر بن الغازي التوزاني وهؤلاء ممن نال اختيار عيسى البطوئي ليدجوا في أهل الفضل والصلاح. وقد تربع عدد منهم على كرسي التدريس بمركز بني سعيد.
(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1) الباب السابع، الفصل التاسع
2) الملامتية هم جماعة من الأفراد السالكين مسالك الزهاد، يتظاهرون بأفعال تستحق اللوم من طرف عموم الناس. وفي اعتقاد هؤلاء أنهم يتقبلهم الملامة وبتحملهم لإذايتها ينالون الثواب من الله. ولا حدود لهذه الأفعال التي قد تتجاوز المألوف وتتنافى مع العرف والشريعة.
3) الباب السابع، الفصل التاسع.
4) اقتبس البطوئي هذه الشروط من «شرح الإرشاد» لصاحبه ابن دهاق وممن سماه فقط بالأستاذ.
5) هو أحمد بن عبد الله المديني، سندرج ترجمة له ضمن شيوخ التعليم.
10) عد إلى ما قلناه عنه في عدد يوليوز 1985 ص. 38.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here