islamaumaroc

ابن زهر الحفيد آية الطب في أوج ازدهاره بالغرب الإسلامي

  المهدي البرجالي

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

معتدل القامة، صحيح البنية، قوي الأعضاء، تخامره إمارات تنم عن بعض التقدم في العمر إلا أن الإمارات لا تشير – في شيء – إلى عوارض ضعف من قبيل ضعف الشيخوخة أو خور عزم، أو فتور في النشاط، مثلما يلحظ أحيانا، فيمن تقدمت بهم الحياة، وعاشوها لأمد طويل، أن الرجل قد شارف على الشيخوخة في حكم الواقع، ولكن مظاهر الشيخوخة لم تكن بادية عليه، مثلما يجب أن تبدو، بل أنها كانت أخفى من أن تترآى لعين، إلا إذا كانت عين فاحص مدقق، معني بما يفحصه ويستطلعه، أما الملقي نظرة عابرة – على الأقل- في عنفوان الكهولة، بكل ما يلابس هيئة الشبان أو الكهول العاديين من مضاء في الإدارة وحرارة في اتخاذ المبادرة، وطاقة على العمل والتنفيذ، ووجه أغر اللون، لامع الملامح، حاد النظرات، يشير إلى ما ينطوي عليه الشخص كهذا من ممكنات حيوية، ودفق الموارد النابعة منها الحيوية. كان الرجل طبيبا معنيا بالحفاظ على صحة غيره، وتوفير العوامل والظروف الملائمة لاستمرار الصحة وتعزيز عواملها. وكان في ذاته هو المثال الذي يرغب الناس عادة أن يكونوه، إذ ينشدون عافية عن طريق العلاجات أو التطبيب، لم تكن العقاقير، على ما يظهر- سبيله الرئيسي إلى اكتساب ما كان مكتسبا إياه من صحة سابغة وإن كان واسع الحنكة – حسبما تسوق عنه الروايات – في اصطناع العلاجات المختلفة، ذات النفع والجدوى، والتفنن في ذلك بالدرجة التي أطارت له شهرة بعيدة الآفاق، لقد ذكروا عنه أنه لم يشك داء، على الرغم مما بلغه من عمر أدناه من الشيخوخة حسب بعض النقول، أو تغلغل به إلى أقصاها، طبقا لما هو وارد في نقول أخرى، وأن أبرز ما بدأ عليه من ذلك، مجرد ثقل في السمع، وهو ظاهرة عادية بالنسبة للكثيرين، ممن يطوون مراحل العمر حتى يشارفوا أواخرها، وعدا هذا، فقد اشتهر عن الرجل فيض من القوة البدنية كانت موفورة له، إلى الحد الذي يجعله حريا بأن يوصف بالبطل الرياضي حسب المقاييس التي لدينا اليوم عن البطل الرياضي، والمدركات التي لنا عن الرياضيين.كان العالم الطبيب العربي أبو بكر بن زهر، شديد الباس كما وصف بذلك، وساق ابن أبي أصبيحة دلالة على بأسه هذا في رواية عن أبي مروان الباجي عن أبي بكر بن زهر أنه أي أبو بكر كان يجدب قوسا من مائة وخمسين رطلا إشبيليا، ولم يذكر في أية فترة من فترات عمره كان يتطبع ذلك، بيد أنه لا يبعد أن يكون قد استمر له هذا القدر من الطاقة إلى كبره، قياسا على ما أشاروا إليه من أنه كان في كمال النضارة والقوة، وهو بالغ من السن مبلغا.
وقد يتسرب إلى الرجل – وهو هكذا – قوة واقتدارا – بعض الشعور بالزهو والخيلاء. لكن الذي عرف عن صاحبنا، كما تؤكده النصوص الدالة عليه، أنه كان على عكس قدرته البدنية – لينا جدا من حيث خلقه وسلوكه ومعاملاته. وإذا ما استعملنا العبارات التي أطلقها صاحب طبقات الأطباء في حقه. فقد كان أبو بكر صائب الرأي، حسن المعاملة، جيد التدبير، متين الديانة، ملازما لأحكام الشرع، قوي النفس، محبا للخير، مهيبا أديبا حسيبا، إلى غير هذا، مما أغدقه عليه من نعوت، وساقه من قصص دالة في عمومها – على صحة هذه النعوت في نفس الرجل، وامتزاجها بأخلاقيته، كثير اللين والنعومة في مزاجه، فكان بهذه الحالة من حسن التلاؤم بين القوة واللين، بين صلابة الجسم، ودماثة الطبع – كان بهذه الحالة لمعاصريه، كظاهرة إنسانية جد قيمة، وقد تلقف الاتون بعد ذلك – عناصر تقييم كهذه، انحدرت إليهم من معاصري ابن زهر، فكان من ذلك، هذا القدر من الثناء المفاض عليه في المصادر العربية، وهو ثناء يبرزه – كما نرى – في صورة بدنية وخلقية، معجبة بقدر كبير.
عاش أبو بكر محمد بن أبي مروان بن أبي العلاء بن زهر في غضون القرن السادس الهجري متنقلا فيما بين المغرب والأندلس، مبرزا في مجال الحياة العامة هنا وهناك بين عدوتي الزقاق، إلا أن أبا بكر صاحبنا هذا، لم يكن في كل ما أتاه في العدوتين، وما ناله على الصعيد العلمي والاجتماعي فيهما – إلا حلقة، من سلسلة عديدة الحلقات هي سلسلة رجالات بيت ابن زهر، الذين أدركوا جميعهم شأوا علميا واجتماعيا بعيد المدى في دنيا الأندلس الإسلامية، ونما لهم هذا الشأو أيضا- وعلى نطاق واسع في المغرب اللمتوني والموحدي. وترجع صلة بني زهر بالأندلس إلى القرن العاشر الميلادي، أما أصولهم فعربية عريقة، ويرقون في انتمائهم الأعلى – كما يسوقه ابن الأبار – إلى أياد بن معد بن عدنان، ومن ثم كان مما يطلق عليهم من نعوت نعت الأيادي، يذكره لهم من يراعي قمة الانتساب الذي إليه يرجعون. لكن هذا النعت لا يعرفهم بطبيعة الحال إلا بصورة محدودة، ويبقى التعريف ب «ابن زهر»أساس شهرتهم على الاطلاق،  و «زهر» هذا الذي يستمدون منه هذه الصفة، هو جدهم الوارد على الأندلس والمؤسس لأصالة بيتهم هناك، وقد كان ورود الجد هذا على العدوة في غضون القرن العاشر الميلادي كما سلف ذكره. آتيا إليها من شبه العربية، ومستقرا في الشرق الأندلسي، حيث انتشرت ذريته من هناك، حتى اشبيلية في غرب الأندلس. وقد كانت الثقافة السائدة عند وجوه هذا البيت، هي الثقافة الدينية والأدبية المتعارف عليها عادة في أساس التثقيف العام في البيئة الإسلامية بالأندلس وغيرها، ثم ظهرت في بيتهم بعد ذلك صناعة الطب، وتسلسلت عندهم، حتى صاروا أعلاما في فن المعالجة والتطبيب وامتدت شهرتهم بذلك، إلى إفريقيا، وأوروبا، حيث ما فتئت المراجع العلمية الأوروبية تقر لهم في هذا الشأن بالكثير، وتقرهم كرواد في مضمار التطور الطبي العالمي.
وقد كان من أوائل من اتجه فيهم هذا الاتجاه، الاتجاه إلى معالجة أمر الطب، عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر، الذي عرف برحلاته العلمية إلى القيروان والقاهرة، وبصلاته بالأمير مجاهد أمير دينية بالأندلس.
وما كاد القرن الخامس يتقدم قليلا، حتى تألق في بيت بني زهر نجم عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر، والد المترجم له، وقد امتزجت حياة الوالد الاجتماعية والعلمية والمهنية بحياة ابنه بعد ذلك، حتى لتعد سيرتهما – بحق – بمثابة سيرة واحدة، ويبدو من التعجل، نتيجة ذلك – التفريق بين وقائع حياة أحدهما ووقائع حياة الآخر.
فقد اندرج كلاهما في مصير ثقافي واحد، ومارسا نفس المهنة طيلة حياتهما، وارتبط نشاطهما معا بخدمة الدولة المغربية، حتى النهاية، نهاية كل منهما، وأبديا من ضروب المهارة والنبوغ فيما زاولاه من أعمال، ما أكسبهما – بنفس المقدار- بعد صيت، وجميل مقام.
وقد ازداد عبد الملك والد المترجم بمدينة إشبيلية سنة 484، وبها ازداد ولده أبو بكر محمد بعد ذلك. وعرف عبد الملك الوالد بنبوغه في الدين والأدب، وحذاقته في الفنون المتعلقة بذلك، وكان الرجل معاصرا للفيلسوف. ابن رشد فتوطدت بينهما صلة واسعة، وكانت هذه الصلة – كما يظهر – واقعة في إطار الصداقة الجامعة بين امرئ وآخر، ولم تكن من نوع العلاقة بين تلميذ وأستاذه، إذ لم يتأكد أن ابن زهر الوالد، تلقى  من ابن رشد ما يتلقاه المتعلم من معلم. على أن عامل الثقافة كان عاملا حيا في علاقتهما تلك. ومن ظواهر ذلك، ما يعلم من ثناء ابن رشد على بعض مؤلفات ابن زهر الوالد، الأمر الذي يدرك منه أن الأخير، ربما كان يعرض أعماله أو بعض أعماله على الأول، ومن ذلك، كانت تتاح لابن رشد – حسب هذا الظن – أن يكون عن نشاطات صاحبة نظريات معينة.
وفي هذه البيئة الحافلة بالاهتمامات العلمية والثقافية، نشأ المترجم له أبو بكر، ابن زهر وهو أحد أبناء عبد الملك الذي أمرنا إليه، نشأ الطفل في هذه البيئة وتكونت عقليته العلمية وتحددت وجهته في الطب وبنو زهر، لا يتخلفون عنه منذ أمد طويل. وقد برز فيه ابن زهر الوالد سابقيه، فكان من المعقول جدا أن يتخرج الابن على غرار الوالد، ويتجه وجهته الطبية بالذات. على أن الوالد لم يكن قد هيأ لابنه أبي بكر وسيلة التوجيه والتكوين فقط، لكي يصير مثله من أهل فن التطبيب، بل كان قد عبد له السبيل، إلى ولوج أرفع المقامات الاجتماعية، وفتح له من الآفاق في ذلك، ما أفضى به لأن يصير وجها بارزا من وجوه المجتمع، وعلما مرموقا يشار إليه، وقد كان المغرب في القرن السادس الهجري، أفقا متفتحا جدا، وعلى أوسع نطاق لاستيعاب ظواهر النبوغ، وإذكاء إمكانياتها البادية هنا أو هناك، ومن ذلك، وجد فيه ابن زهر الوالد مصيره الجديد واللامع، ووجد أبو بكر صاحبنا نفس المصير اللامع الذي لقيه والده في هذه البلاد. 
                                             * * *
كانت إشبيلية المعتمد ابن عباد قد انتهت منذ عهد غير يسير، عندما نبه ذكرا ابن زهر الوالد والحفيد، وتفتحت لهما آفاق المغرب لتستقبلهما بالاحضان. كانت الأندلس آنئذ قد أصبحت متفتحة على مغرب لمتونة، حاظية بحمايته السياسية والعسكرية لها، ومتخلصة – كنتيجة لذلك- من الجو السياسي الطوائفي الذي ران عليها من قبل – ومن التهديد الافرنجي الآتي من الشمال، وقد أفادت العدوتان كثيرا من اتصالهما الإيجابي إحداهما بالأخرى، وكان من ألمع مظاهر هذا التواصل تدفق علماء وأدباء الأندلس على المغرب.وضمن ذلك كانت هجرة ابن زهر وابنه أبي بكر إلى هذه العدوة، حيث تبرزهما الرواية التي تسوقها المصادر العربية، عاملين في خدمة بلاط على ابن يوسف بن تاشفين، ومستمرين في خدمته تلك، إلى آخر عهد الملثمين، والرواية الموردة بهذا الشأن، مقتضية جدا، إلى درجة الغموض، كشأن عدد من روايات التي قد يرجع إليها الباحث في المصادر القديمة وبسبب هذا الاقتضاب لا يتمكن المرء من تكوين استنتاجات كافية عن الظروف التي أحاطت بهجرة ابن زهر وابنه إلى المغرب، والتدرجات التي أدت بهما إلى خدمة بلاط على ابن يوسف، ثم ما كان من حياتهما العلمية بعد ذلك، على وجه التدقيق، أثناء فترة علمهما بالمغرب، وما أنتجاه خلال ذلك متعلقا بمهنتهما التطبيبية على وجه الخصوص، وإذا كانت ظروف ابن زهر وابنه في هذه الفترة من إقامتهما بالمغرب غير واضحة بكل ما يجب من وضوح، فإن الذي تتضافر الروايات على تأكيده، هو أنهما قد نالا عند عبد المومن بن علي موحدي –عند ما آل الأمر إليه- درجة مكينة، استمرت إلى وفاة ابن زهر الوالد وابنه بعد لك، وقد أحرز ابن زهر - فضلا عن مكانته هذه – على صفة وزير وحسنت أحواله، بقدر ما ازداد نشاطه العلمي، ونمت مقدرته، وقد وضع بعض المصنفات من بينها كتاب الاقتصاد، وقد نقلت كتاباته بعد إلى اللاتينية، وعلاوة على ما كتب، فقد برز ابن زهر الوالد في مجال التطبيق العملي المتعلق بفنه، ومن ذلك نجاحاته في أمراض الغشاء القلبي، وممارسته الموفقة لتقنية التغذية الصناعية عن طريق المرئ أو الشرج، وقد ذكر في حقه أنه كان أول عربي ارتاد ميدان جراحة الوريد الأبهر، وهو شيء لم يسبق إليه. وتوفي ابن زهر الوالد وهو يزاول خدمة دولة عبد المومن وينعم بحسن الحال في ظلال المغرب الموحدي الفتي. وكان ابنه أبو بكر حفيد مترجمنا، يعمل هو الآخر في نفس الظروف، محرزا على نفس الميزات التي كان يحظى بها والده. ويظهر مما تورده النصوص بهذا الصدد، أنه كان قبل وفاة قد برهن عن نبوغ قوي في مضمار التطبيب، حتى ليقال إنه كان يستدرك على والده نفسه بعض الأخطاء الطبية، مع ما كان والده من طول الباع في الطب معرفة وتطبيقا، ويسوقون بهذا الصدد قصة مفادها: أن ابن زهر الوالد، كان قد حضر لمخدومه عبد المومن بن علي، دواء مسهلا، فلما علم أبو بكر المترجم له، وبطبيعة تركيب ذلك الدواء، تدخل في الأمر، واعترض على عبد المومن أن يتناوله، باعتبار أنه غير ملائم، واقترح استبداله بتركيب علاجي آخر   غيره، ولم يسع الوالد – الذي ركب الدواء – إلا أن يصادق على ملاحظات ابنه، ويقر بصوابها، إذا أنه أدرك أنها صائبة فعلا.
استمر أبو بكر الحفيد في المغرب بعد وفاة والده، وقد قدر عبد المومن بن علي مزايا الابن كتقديره لمزايا الأب الراحل، ومن ثم، بقي أبو بكر ينعم في بلاط عبد المومن بكل ما كان ينعم به والده من جاه ويسر حال، حتى كانت وفاة عبد المومن، وخلافة أبي يعقوب يوسف ابنه، ولم يحدث في وضعية أبي بكر الحفيد تغيير ما، كنتيجة لذلك، بل أن صاحبنا قد استمر بكل ما كان قائما به من خدمة البلاط الموحدي، وتواصلت له كل الحظوظ الموفورة له في الأصل. ثم جاءت بعد ذلك أبي يوسف يعقوب لملقب بالمنصور، فاتسعت الآفاق بذلك أمام ابن زهر الحفيد، وازدادت مكانته توطدا في البلاط، وبموازاة ذلك، اتسعت له السبل للتدليل على براعته في فن التطبيب، واكتساب المزيد من إعجاب المنصور به نتيجة لذلك. ومما تورده الروايات عنه من هذا، أنه أشار على المنصور بمكان في الأندلس قريب من إشبيلية، يقيم فيه للراحة، وطلب العفاية، وقد ابتنى المنصور في المكان حصن الفرح، الذي كان يأوي إليه في الكثير من الأحيان عند حلوله بالأندلس، وكان هواء المنطقة الواقع فيها الحصن من الجودة بحيث تخزن الحنطة هناك لمدى ثمانين حولا، ولا يصيبها شيء من عوامل الفساد، وهذا ما لاحظه العالم الطبيب ابن زهر، وتأكد منه، فكان من ذلك ما أشار به على المنصور من إقامة حصن الفرح في المنطقة. وقد داب المترجم – إلى ذلك – على تحضير المركبات العلاجية المختلفة لمخدومه، ومن ذلك الترياق الخمسيني الذي كان من بين أشهر ما توصل إليه بهذا الشأن وتدل نصيحته بموقع حصن الفرح وتحضيره للمركبات كالترياق الذي ذكرنا، يدل ذلك على أنه كان يعنى في خطته التطبيبية بجانبي الوقاية والعلاج معا، والمظنون أنه كان له مذهب في ذلك، وإن كان لا نستطيع أن نتبين تفاصيل مذهبه بالنظر لندرة ما كتبه، أو ما تخلف عنه مما قد يكون كتب.
وقد برز في حياة ابن زهر الحفيد بالمغرب، أخته وابتة أخته كذلك، ومجال بروزهما هنا كان أيضا مهنة التطبيب، وقد مارستاها في نفس الظروف ببلاط المنصور الموحدي، حيث كانتا تشتغلان في التوليد، ويذكر عنهما، أنهما قد نالتا في ميدانهما هذا حظوة كبيرة، حتى أن المنصور كان لا يقببل أن يتولى التوليد عند أهله، إلا هما، وبدرجة أساسية، ولا تعلم بالضبط ظروف قدوم الطبيبتين الأندلسيتين إلى المغرب، لكن الذي يبدو مقبولا أنهما صحبتا ابن زهر الوالد عند قدومه للخدمة في عهد المرابطين، أو أنه استقدمهما فيما بعد، عند تمكنه من احتلال المكانة الوطيدة التي صارت له على عهد الموحدين، أما منشأ براعتهما في التوليد، فلا شك أنه كان للأب أثر مهم في الأمر، ومن ذلك، كله، كانت مقاليد التطبيب وما له صلة به في البلاط الموحدي خلال القرن السادس، بين أيدي بني زهر، سواء منهم الذكور أو الإناث.
 كانت وفاة أبي بكر بن زهر الحفيد بمدينة مراكش أثناء سنة 596 وقد تركت وفاته في نفس المنصور اهتماما بالغا يتجلى ذلك في أنه تولى الصلاة عليه بنفسه، قبل أن يوارى في التراب بمقابر الشيوخ، وكانت حينئذ لم تتعد الستين، إلا أن هناك من يذهب إلى أن المترجم له قد عاش أبعد من ذلك، حتى عاصر أبا عبد الله محمد الناصر الموحدي، ومات في أوائل دولته، وقد خلف الحفيد بعد وفاته ذرية محدودة العدد، بيد أن عقبه – كما يظهر – لم يبرز تبريزه في الطب والثقافة عموما، مع أن ذلك كان متسلسلا في بني زهر كما سلف. وظاهرة أخرى تتعلق بالرجل أيضا، وهي أنه لم يترك في ميدان تخصصه – وهو الطب – آثارا مكتوبة ذات بال إلا ما كان مما أوردته دائرة المعارف الإسلامية، من كونه وضع بحثا في طب العيون، ولعل له مثل هذا أثارا مكتوبة، غير أنها محدودة جدا، ويبرز محدوديتها ما يعرف من أن الحفيد كان معنيا بالتجربة والتطبيق، ولا يجب أن يدك من هذا، أن صاحبنا، كان غير ذي نزعة إلى الكتابة إطلاقا، إنما كانت له شؤون وشجون أخرى غير الطب، تستوعب وقته – إذ يكتب شيئا، وكان عمل الشعر المجال الأثير إليه، يؤلف فيه النماذج اللطيفة، وينشرها في مجتمعه، حتى دخلت أعماله الأدبية التي وضعها على شكل موشحات – ميدان الغناء، وذاعت شهرته بهذا أديبا فنانا، مثلما انتشرت شهرته طبيبا نطاسي.
إن التطبيب ومعاناة الشعر، لم يصرفا أبا بكر مع ذلك –عن اتخاذ تلامذة يتلقون عنه مما أوتيه من علم، وخاصة علم الطب، ومن أشهر هؤلاء التلامذة أبو جعفر بن الغزال، ويلوح أن إقباله على تعليم غيره، كان قبل أن تنمو مسؤولياته التطبيبية في بلاط المنصور، ومع ذلك فيفهم من تلميح بعض الروايات، أنه كان على اتصال وثيق بأمر التعليم، وأنه كان له غير واحد من التلامذة تفرغ إليهم في المغرب، وتولى تعليمهم وتوجيههم الفكري أيضا. ومن مظاهر هذا في حياة المترجم له، ما حدث به أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الإشبيلي، قال: كان إثنان من طلبة الطب يردان على الحفيد، وأتوا إليه يوما وفي يد أحدهما كتاب صغير في المنطق، فما عرف الأستاذ موضوع الكتاب الذي يحمله تلميذه، حتى ظهر الغيظ على وجهه – وزجر التلميذ على حمله كتابا مضللا، ثم رمى بالكتاب، وطرد التلميذين، وهما يعتذران له أنهما لم يشتريا الكتاب قصدا إنما وجداه مع أحد الصبيان في الطريق، وانتهى غيظ الأستاذ عند هذا الحد، وعاود سبيله العادي مع تلميذه، ناصحا إياهما بالإقبال على حفظ القرآن والتعمق في التفسير والحديث والفقه. فلما بلغا من ذلك، ما تمتنه به ثقافتهما الدينية، أخرج لهما كتاب المنطق الذي صادر من أحدهما ذات يوم، ثم أعاده إليهما قائلا:«الآن صلحتم لأن تقرأوا هذا الكتاب علي وأشغلهم فيه» وهذا ما يشير إلى أنه كان له حسن بيداغوجي سليم، كما تفسر هذه القصة أيضا ثقة المنصور بديانة ابن زهر، رغم ما كان يرميه به النافسون عليه من ضعف في العقيدة، انطلاقا من الاتهام بأنه كان ينزع إلى النظر في كتب المنطق والفلسفة. وهذه مع ابن زهر الحفيد – نماذج من شعره، وقد قدمنا أنه كان يعاني الشعر كثيرا، ويجيد فيه أحيانا، وخاصة في الموشحات:
                                             * * *
قال وقد نظر يوما في المرآة فرأى أثار المشيب، وقد زحف على شعره:
إني نظرت إلى المرأة إذ جليت           فانكرت مقلتاي كل ما رأتا
رأيت فيها شييخا لست اعرفه            وكنت أعرف فيها قبل ذالك فتى
فقلت أين الذي مثواه كان هنا             متى ترحل عن هذا المكان متى؟
فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت        قد كان ذاك وهذا بعد ذلك أتى !
هون عليك فهذا لابقاء له !               أما ترى العشب يفنى بعد ما نبتا؟
ومن موشحاته:
ليس لي صبر ولا لي جلد                يا لقومي عذلوا واجتهدوا
انكروا شكواي مما أجد
مثل حالي حقه أن يشتكي                كمد الياس وذل الطمع
ما لعيني عشيت بالنظر                  انكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري !
شفيت عيناي من طول البكا             وبكى بعض على بعض معي !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here