islamaumaroc

علم التجويد وواقعه بالمغرب.

  علي بن الشريف العلوي

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

لقد اهتم المغاربة بعلوم القرآن بصفة عامة، وفسحوا مجالا واسعا لحفظ القرآن برواية ورش عن نافع، كما برز منهم حفاظ للروايات السبع، ومنهم العديد الذين كانوا يتفننون في الروايات العشر في المدن والبوادي، ويعتبر المغرب الأقصى في طليعة الأقطار المحتوية على عدد هائل من حفاظ القرآن، ولم يخل المغرب في أي عصر من العصور من كراسي الأساتذة البارزين في علم التجويد حيث خلدوا كتبا وأبحاثا وتعليقات ضافية، كما خلدوا أرجوزات شعرية هامة تدل على طول الباع، والتفوق في علم التجويد، ونذكر في مقدمة ذلك رجز الإمام أبي الحسين علي بن بري المسمى بالدرر اللوامع. ويقول في ذلك:
في رجز مقرب مشطور          لأنه أحظى من المنثور
يكون للمبتدئين تبصرة             وللشيوخ المقربين تذكرة
سميته بالدرر اللوامع              في أصل مقرأ الإمام نافع
نظمته محتسبا لله                   غير مفاخر ولا مباهى

ولقد صادفت هذه الأرجوزة استحسانا بالغا لدى علماء التجويد، سواء منهم المغاربة أو غيرهم، وممن تصدى إلى شرحها الإمام المرغيني المفتي المالكي بالديار التونسية، وقد سمى هذا الكتاب بـ"النجوم الطوالع على الدرر اللوامع"، ويعتبر بحق مفخرة من المفاخر في هذا الباب، وحسبما أعلم فإن تدريسه كان مقررا بجامعة الزيتونة.
والإقبال على هذه الأرجوزة كان عظيما قصد تلقينها للطلبة وتدريسها لهم، واشتغلوا بها إلى يومنا هذا، لأنهم وجدوا فيها الجم الوافر مما لم يظفروا به في المطولات، خاصة وأن صاحبها توجه إلى دراسة قراءة الإمام نافع رحمه الله إمام المدينة المنورة، القراءة التي كان يقرأ بها الإمام مالك، والتي اعتبرها سنة دون بقية القراءات الأخرى. والإمام ابن بري يسجل في أرجوزته العلمية الرائقة قراءة نافع طيقا لرواية ورش، وهي الرواية السائدة عندنا بالمغرب، كما يسجل رواية قالون السائدة بتونس، ولذلك فإن المغرب العربي أخذ القراءة عن نافع برواتي تلميذيه ورش وقالون، ووجد علماء التجويد ضالتهم المنشودة في هذه الأرجوزة التي وفت كل التوفية بما روى عن نافع بواسطة تلميذيه، وبينت بأنصع بيان ما رفع فيه الاتفاق بينهما، وما ظهر فيه الخلاف، فكانت بحق منهجا من المناهج التثقيفية الرشيدة للمحافظة على علم التجويد بهذه الأقطار، وخاصة بالغرب الأقصى.
وإن التاريخ المغربي ليسجل بمداد الفخر والإعجاب ما حوته أرض سجلماسة من علماء بارزين في علم التجويد حتى أن جميع القارئين كانوا يتلون تلاوة مجودة تبعا لمآخذهم السليمة، وتطبيقهم لقواعدهم الواردة عن معرفة لها ودراية، فكانوا يحسنون الأداء، حتى وإن كان البعض منهم لا يعرف القواعد العلمية، والأمر بالعكس من ذلك في نواحي المغرب الأخرى، فالحفاظ لا يطبقون قواعد علم التجويد إلا النادر، وإن كان الكثير يعرفها ويتقنها إتقانا بالغا، ولكن الأداء شاط عن التطبيق الصحيح، لأن علم التجويد لا يمكن أخذه إلا من أستاذ يحسن الأداء.
ومع الأسف الشديد فإن الكثير من الناس يعتقدون أن صاحب الصوت الجميل يعرف علم التجويد، فقد دأبوا على أن من حسن صوته وحلا نغمه أصبح رجل تجويد مدمج في صفوف العارفين بهذا العلم الشريف، مع أن القراءة بالألحان، وما على شاكلة ذلك من تطريب نهى عنه العلماء، وقد قال الإمام مالك رحمه الله... لا تعجبني القراءة بالألحان ولا أحبها في رمضان ولا في غيره لأنه يشبه الغناء، إلا أن الإمام الشافعي رحمه الله قال: لا بأس بها ما لم تخرج القراءة عن حد القرآن وإلا فتكون القراءة بالألحان مراما؛ وعلى هذا الأساس فإن القارئ لا يمكنه أن يعرف القراءة الصحيحة إلا إذا كان متلقيا ذلك عن أرباب هذا الفن، وإلا فقراءته معدودة في صف الخارجين عن الحدود العلمية، ومخالفة لما ورد من النصوص قال الله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: 4]، وقالت عائشة رضي اله عنها: كان الرسول عليه السلام يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يرتلون القرآن ويحسنون أصواتهم بالقراءة، كما جاء في الحديث زينوا القرآن بأصواتكم، ومن ذلك قوله عليه السلام: ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وقال عليه السلام: لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير داوود، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر.
وأمام هذه النصوص القرآنية والحديثية يجب أن نتساءل عن قراءة الرسول عليه السلام وقراءة الصحابة، والجواب على ذلك واضح، فليس إلا إتباع قواعد علم التجويد، وبطبيعة الحال فإن الإشارة إلى القراء وخاصة منهم الذين يتصدرون للقراءة وللتعليم وللتحكيم، وأما غيرهم فإن التشديد عليهم سيدفعهم إلى عدم القراءة، وهذا ما لا يرغب فيه أحد، ولقد قال الرسول الأكرم عليه السلام: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام والذي يقرأ القرآن يتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران»، والله سبحانه يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: 17..].
ومما يستغرب منه أن عددا من القارئين المتصدرين للقراءة يدعون معرفة علم التجويد وأدائه، ومعرفة ذلك طبقا لما ورد عن الرسول عليه السلام والصحابة الأخيار، محصن بما أثبته العلماء من قواعد وقوانين - هؤلاء المتصدرون ليس لهم من نصيب في هذا المجال إلا الادعاء الصراح، وهل في الإمكان أن يصبح المرء حيسوبيا دون قواعد علم الحساب وتطبيقاته أو فرضيا أو فلكيا دون ممارسة العلم وأخذه من أربابه؟ وكذلك بالنسبة إلى علم التجويد وقواعده وتطبيقه، فإنه لا يمكن بل يستحيل أن يصل إليه الإنسان دون أخذه من المصادر الصحيحة المعروفة بكفاءتها في هذا الميدان.
- إن تاريخنا المعاصر قد سجل التفاتات هامة في هذا المجال منها الأمر الملكي السامي من جلالة المغفور له محمد الخامس لتدريس علم التجويد بالقرويين، ولقد أسند تدريس هذه المادة إلى المرحوم الأستاذ سيدي الحاج قاضي الأحكام بمدينة صفرو، وهو ابن الأستاذ الشيخ محمد بن عرفة قاضي الأحكام بسجلماسة، وقد عرفه المغرب إماما لا يضاهى في علم التجويد، وهذا الأمر السامي فتح العيون للاشتغال بعلم التجويد وحضور درس الأستاذ الأسبوعي، لا فرق في ذلك بين الأساتذة والطلبة لمعرفة هذا الفن، وأذكر أنه في ذلك التاريخ جرت مسابقة بكلية القرويين وبرئاسة شيخ الجماعة آنذاك مولاي عبد الله الفضيلي لاختيار مقرئين مجودين حيث برز فيها من لهم قدم السبق وطول الباع في علم التجويد وحسن الأداء، ومن دون شك فإنها أول مسابقة جرت في هذا الباب.
- أما في وقتا الحاضر فإن هذا الفن عرف منعطفا هاما بما يسديه جلالة الحسن الثاني لهذا العلم من رعاية وعناية، حيث تقوم وزارة الأوقاف بإسعاف رجال هذا الفن، والأخذ بيدهم لتدريسه في عدد من النقط المغربية وتشجيعهم بالمنح المادية، وإقامة المسابقات وإرسال البعثات للمشاركة في مؤتمرات المجودين في سائر أنحاء العالم، ويعتبر المرحوم الأستاذ مولاي الشريف العلوي القدوة المثلى في هذا المجال، حيث نذر لله سبحانه أن يعلي من شأن هذا الفن حيث كان ينتقل بين البيضاء والرباط والخميسات ومكناس وفاس أسبوعيا يلقي فيها دروسه التجويدية ويتجمع حوله حفاظ القرآن والتالون له والمرتبطون بهذا الفن، وقد استفاد منه الجم الغفير من الطلبة الذين أصبحوا على المنهاج القويم دراية بالقواعد وتمكنا من الأداء السليم، ومجادلة أرباب الفن وحذاقه والمهرة فيه في المؤتمرات الخاصة بعلم التجويد وعرض قراءته على جهابذة هذا الفن في العالم الإسلام، حيث يتبوأ المغرب مكانة مرموقة من بين المساهمين حفظا وتجويدا وجمال صوت.
وإنها بحق انطلاقة موفقة وهامة بالنسبة إلى أرض المغرب، والتعريف بماضيه وحاضره، وتشبثه المتين بعلوم القرآن، وفي مقدمتها علم التجويد، ولقد حان الحين وحل الأوان للسير على المنهاج الذي خطه ملوك الدولة العلوية قديما كما هو ثابت في الوثائق بالنسبة إلى الرباطات القرآنية والعلمية في شتى أنحاء المغرب، وكما هو صادر من طرف المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه بما أسداه لهذا العلم ورجاله... وما نشاهده اليوم من غيرة وحماس من طرف صاحب الجلالة الحسن الثاني لرفع مستوى هذا العلم، وإبلاغه المكانة الجديرة به، فأيادي صاحب الجلالة وافرة وجزيلة جلت عن الذكر من إجلال وتكريم للقراء المجودين ودعوتهم للمغرب وإسداء المنح لهم وتسجيل قراءاتهم، وأيضا ما يوفره للمجودين المغاربة من تشجيعات ومساعدات مادية، وتكريمهم في شتى المناسبات، فوق ما ظهر من طبع للمصاحف القرآنية، وفي مقدمة ذلك المصحف الحسني برواية ورش عن نافع، وبخط مغربي أصيل، وزخرفة فائقة تنتزع كل الإعجاب من الواقف عليه والناظر بين سطوره وما بين دفتيه، وأيضا ما يحظى به القراء المغاربة من تسجيلات إذاعية وأخرى خاصة.
إنها جهود متواصلة، ونفحات فائقة تعطر هذه البلاد وتزهى حاضرها، وتشد سلسلة المحامد الحاضرة بالجلائل الماضية. وأملى أن تضاعف الجهود في هذا المجال، وتقرن بما قرنت به الخدمات لإرساء المذهب المالكي سيرا مع ما خلده قادتنا السابقون وعلماؤنا الساهرون، لأن التشبث بقراءة ورش عن نافع ودراسة التجويد المتعلق بها يعتبر توحيدا للأمة في قراءتها، بل إن مشايخنا تجاوزا ذلك إلى اتخاذ وقف خاص ينسب إلى الشيخ أبي عبد الله محمد الهبطي لتنظيم القراءة في البداية والنهاية، وهذا الوقف هو الذي نجده في مصاحفنا المغربية المشار إليه بهذه العلامة - ص - ورغم ما يقال عن هذا الوقف فقد قال عنه العلماء الأفذاذ إن جله أوقاف حسنة وتامة وكافية، وجائزة ولازمة وبيانية، وأيضا أملي أن يقدم الأكفاء العارفون بعلم التجويد لتقديم التوجيهات السليمة، والطرق العلمية الواردة والدروب المثلى الكفيلة بإحياء هذا الفن وخلوده، ولما في ذلك من عناية بحبل الله المتين، المعروفة في هذه الديار، وملوكها الأبرار، وعلمائها العاملين المخلصين وصدق الله العظيم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here