islamaumaroc

مقامة الخل الوفى.

  عبد الله العمراني

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

زرت رفيقا قديما، وصديقا حميما، بعد طول غيبة، وسلامة أوبة، فألقيته مستغرقا في أحلامه وتأملاته، مستعرضا بعض ذكرياته ومغامراته، فما رآني حتى هش وبش وهب نشيطا قائما، بعد أن كان في بحر الذكريات عائما، وفي سماء الأحلام حائما.
قلت: فيم كان حلمك وتفكيرك؟ ثم ما هو تفسيرك وتعبيرك؟ قال: أحلامي حقائق ثابتة لا يعوزها تعبير، ولا تفتقر إلى تفسير، قلت: هلا أسمعتني؟ وبقصها أمتعتني؟ قال: ذلك عندي أدنى طلاب، يصدر من أعز الصحاب، قلت له: هيا، واستعد وتهيأ، فشرع يقص في ذلاقة لسان وسحر بيان؟، وفي فصاحة أزرت بفصاحة (سحبان):
                                             *  *  *
بعد رحيلي عن موطني، وتجشمي مشقة السفر المضني، أحسست عوالج الغربة، وآلمني فراق الأهل والأحبة، ورغم محاولات أسرتي، للحيلولة دون هجرتي، لأني كنت أكبر أنجالها، ومحط أمانيها ومعقد آمالها، فإن حلم انخراطي في البعثة العلمية الجديدة، واكتراع العلم من ينابيعه الثرة الصافية المفيدة، ثم اتخاذ الأصدقاء الجدد الأصفياء، والأخلاء الأوفيا، كل ذلك جعلني أصمم على السفر، غير عابئ بما يحمله في طياته من مشقة أو خطر، وأضرب عرض الحائط بمحاولات الأسرة وتحوطاتها، و«بتعازيمها» وتمائمها وتوسلاتها.
وفي مقري الجديد، بـ (بيت المغرب) في القاهرة، وفي فصول الدرس المفيد، وساحات (الكلية) العامرة، اتخذت أصدقاء جددا، ونعمت بصحبتهم مددا، تعرفت على صديق من آل حمود، ملوك الفردوس المفقود، قال إنه إدريسي، يلتقي نسبه مع نسبي، فقلت: مرحبا بأنيسي، إنك وفق مطلبي، وتطودت الوشائج بيننا وتبادلنا الزيارات، واشتغلنا سويا في مذاكرة الدروس وتكملة المحاضرات، كما كنا في أوقات الفراغ نخرج للفسحة تارة، ولارتياد المسارح ودور السينما تارة، ونخف لحضور المحاضرات والنظرات المفيدة، التي تنظمها الجمعيات الثقافية العديدة.
كان الصديق عضو بعثة علمية، مغتربا مثلي بالقاهرة المعزية. عرفته على طائفة من رفاقي المغتربين، وعرفني على أصدقائه من طلبة وفنانين ومطربين، وهكذا زرنا دار (الأطرش) بشارع الملك العادل، فشعرنا كأن الفن شخص أمامنا ماثل: وارتدنا كازينو صديقه (يوسف) ففسح لنا المجال، ووجدناه في وسطه الفني واسطة اللآلئ، تحوطه نخبة من الفنانين والفنانات، بل مجموعة من النجوم الزاهرات والكواكب النيرات، حتى إذا حان موعد «نمرته»، وغير من هندامه وشارته، اندفع باسما مسرورا، يسر محياه الناظرين ويشع نورا، فاعتلى خشبة المسرح النظيفة، ليردد «منولوجاته» الخفيفة، وانتقاداته الحصيفة، وليرضي جمهوره بحركاته اللطيفة، وغمراته ولزماته الظريفة.
ولا تستغرب اهتمامنا بمعالم الأدب والفن، فذلك شيء أردناه وتوخيناه، ولا تحسب أننا نمقت العلم أو تظن، أننا غير أدبي الاتجاه، بل هجيرانا الفن والأدب، وديدننا فيهما تحقيق الأرب، فهما بضاعة بلدنا المزجاة، وآمالها المترجاة، وتجارتهما به نافقة سائدة، بينما تجارة العلوم به تكاد تكون بائرة كاسدة، لأن الكليات العلمية غير موجودة، وهيئة التدريس معدومة مفقودة، ولأن الدولة الحامية لا ترغب في تأسيس مبانيها، ولا تسمح في الدراسة والتدريس بها إلا لبنيها، تلك سنتها المتبعة، وطريقتها المبتدعة، فخير للجاهل في نظرها أن يبقى جاهلا، كيلا يثقل بمطالبه منها كاهلا.
وكان صاحبي يقرض الشعر، ويسمعني كل أسبوع قصيدة، فكنت أزجي له الشكر، وأشيد بقريحته وأطري نشيده، ثم لما أكمل الديوان طبعه، وكنت عميد الكلية مقدمته وشجعه، وتفضل فأهداني نسخة بإمضاء يده، مشفوعا بكلمة رقيقة تنم عن كرم محتده، ولكن عشرته لم تطل حتى ينال (دبلومه) العالي، بل سرعان ما عاد إلى وطنه الغالي، فترك قلب المودة الشجي، خليا أو شبيها بالخالي.
                                                *  *  *
وذات يوم جاءني (عبده) الذي كان يهتم بخدمتي عند زيارات الصديق، فجرى بيني وبينه هذا الحوار الرقيق الدقيق:
- أريد أن أقترح عليك صديقا جديدا، تمتد صداقته أمدا بعيدا، لأنه ليسكن هنا، في حي (الدقي) قريبا منا.
- الصداقة عملية تمارس وتجرب، وليست فكرة تقترح أو توهب.
- بإذن الله ستمارس إذ تقترح، وستبتهج بها وتفرح، إني أعرف شابا أنيقا عمرك عمره، صريحا واضحا عينه مخبره، ذا مكانة مرموقة مكرمة، ومن عائلة متوسطة الحال محترمة، كنت خادما عندهم، وبلوت حلوهم ومرهم، سأعرفك به قريبا، فتجده لبيبا أريبا.
كنت خادما عندهم وخرجت ! ولم فعلت وهم عندك بالصفة التي ذكرت؟
- لذلك حكاية سأحكيها، وبعد التعارف ستدريها، حينئذ تعرف مكانتي، وتدرك أمانتي، على أني لم أخرج لغلطة شنيعة، أو جريرة فظيعة، فلو كان حدث شيء من هذا لما تذكرتهم، ولما سعيت في تعريفك بفرد منهم، على كل حال كن مطمئنا واثقا، من أن سلوكي كان – وما يزال – رائقا.
- إني مطمئن من ناحيتك وسيرتك، مؤمل دائما حسن تصرفك وجميل خدمتك، فهذه المدة التي قضيتها معنا، وأمضيتها عندنا، برهنت على صدقك في القول، وإخلاصك في العمل، والصدق والإخلاص أهم ما يرغب، وأعز ما يطلب.
- أشكرك كثيرا على إطرائك، وآمل البقاء دوما في مستوى إرضائك.
- آه لقد علمت ! والآن فقط فهمت ! لقد عاودك الحنين إلى الأسرة وسكنها، كما يعاود الناقة حنينها إلى عطنها، فأردت أن تقطع حبل الفصل، وتجعلني واسطة الوصل، أليس الأمر كذلك؟ أم أن سرا آخر هنالك؟
كلا لا حنين الآن يعاودني، ولا حاجة إليهم تقودني، كل ما في الأمر أني لا حظت الفراغ الذي تركه صديقك القديم، فأردت إسعافك بآخر مثله قويم، فلعله يكون محل ثقتك، ومنال رضاك ومقتك، حينئذ فقط أشعر بالفرح والسرور، وأنعم بهدوء البال وراحة الضمير.
                                                      ***
وذات مساء كنت على الشاطئ أتمشى، فتراءى لي (عبده) وهو يخطر في الممشي، كان برفقته شاب في مقتبل العمر، فقلت: لاشك أنه الصديق المنتظر، شاب معتدل القوام، نظيف الهندام، مبيض البشرة محمرها، لابس نظرات طبية تعرفها عن بعد ولا تنكرها. سلم (عبده) وقدم الصديق الموعود، فرددت التحية وقلت: أهلا بالرفيق الودود !
تم التعارف وتوالى اللقاء، وزارني في البيت فعرفته ببعض الرفقاء، وزرته في منزله فازدادت معرفة بمنزلته، وزاد فعرفني بكل أفراد أسرته، وأدركت أن التعرف خفف وقع الغربة، وأمدني بصديق المحبة، وشعرت كأني أعيش بين أهلي وعشيرتي، فشكرت لـ (عبده) سعيه لإيناس وحدتي، خصوصا بعد ما تلطفت والدة الصديق فزارتني مع أولادها غير البنات، أو عندما رافقتهم لحديقة (الأورمان) أو لحديقة الحيوانات، بغية الفرجة والتنفيس عن النفس. ثم الجلوس في المقهى لأخذ قسط من الراحة والأنس، كانت الأم تسألني عن بلادي، فكنت أنبئها عن طريفي وتلادي، وكنت وابنها الكبير نرطن بالإنجليزية تارة، وبالدارجة والعربية الفصحى تارة، ومرة كنا نتحدث في العلوم الآداب، ومرة نخوض في شؤون الشباب، بينما كان ولداها الصغيران يستأذنان لمشاهدة الفيل، وهو يرفع مروضه بخرطومه كأي شيء ضئيل، تحية لمن تبرع بقرش أو «بقشيش»، وأملا في بذل فول سوداني أو قبضة حشيش.
ربطتني بالصاحب وشائج المودة والموادعة، فلم تكن تفصلني عنه غير أوقات الدرس والمراجعة، لأننا وإن تقاربنا من حيث العمر الزمني، تباعدنا من حيث العمر العلمي والفني، كان ما يزال في مرحلة التعليم العام، بينما كنت في مرحلة التخصص الهام، على أني في آخر سنتي التخصص، كنت في البيت كالمتلصص، أسرق الوقت قبل أن يسرقني، وأهتبل الفرص قبل أن تفوتني، أدرس وأراجع وحيدا كالمعتاد، وحسبت الصديق يفعل ذات الشيء ويستعد نفس الاستعداد، فلم أشأ أن أمنحه للزيارة أو الفسحة ميعادا، تهربا من مسؤولية الرسوب وابتعادا، ولكني اكتشفت خطأ تخميني،  في أول زيارة منه تأتيني، لقد فاجأني بزيارته، ليحرجني في الوقت ذاته، رحبت به مبتدرا، وقلت له معتذرا:
- لم أزرك شخصيا، ولا حدثتك هاتفيا، لأني – كما ترى – عاكف على الدرس والتحصيل، منكب على المذاكرة والشرح والتأويل، فهذه – كما تعرف – سنة التخرج ونيل الشهادة، وأريد النجاح بتفوق ودون تحرج أو إعادة.
-   لم أجئ لأسمع منك الاعتذار، فإني أعرف فيك الجد والاجتهاد والاقتدار، إنما جئت عارضا عليك زيارتنا، ل كي تشرف غدا بيتنا.
- هل يمكن أن أتساءل: ماذا جرى؟ هل سيكتبون كتابك ياترى؟
- يا ليت ! إنما جئت أعرض عليك أمرا مهما، لا أحاسبك بتفاصيله ملما.
- مهم بالنسبة إلي أم بالنسبة إليك، قل الحق ولا عليك !
- مهم بالنسبة إلينا نحن الاثنين ! ألسنا صديقين حميمين؟ ألسنا روحا واحدة في جسمين؟
- ما دمنا من الوحدة بهذه الصفة، فلم هذه الكلفة؟ البيت بيتي ! والوقت وقتي !
- يكتسي الأمر هذه المرة شيئا من الخطورة، لذا جئت أدعوك وأشرح لك ما دعت إليه الضرورة.
- زدني إفصاحا، زادك الله صلاحا، فإني لم أفهم شيئا صراحا، لم تدعوني لأزور بينكم؟  وبأية مناسبة سأكون ضيفكم؟
- حدث أن تغيبت عن بيتنا السعيد أو الشقي، فظنت الوالدة أن السبب لا أخلاقي، واتفقت مع أخي الكبير ليزورنا مساء غد (الجمعة)، على أن تتفضل أنت فتتقابل معه، لتجلية الغامض، وتحلية الحامض.
وماذا تريدون مني في الأخير، وأنا منكم لا في العير ولا في النفير !  
- أنت لنا الخير والبركة، في السكون والحركة، فأرجو أن تحضر معهم في الوقت، وتفهمهم بأني كنت معك في البيت.
- لكني لم أر منذ مدة، لتغيبك عني أياما عدة، كنت أحسبك فيها عاكفا مثلي على الاستذكار، منكبا على الاستيعاب والاستحضار، وظننتك تستعد للامتحان، الذي يعز فيه المرء أو يهان.
- أجل، إني أستذكر وأستعد للامتحان، ولكن حدث أن تغيبت عن المنزل بعض الأحيان، فلاحظت أمي غيابي، وارتابت في سلوكي ففقدت صوابي.
- قلب أمك خبير، وحقها عليك كبير، لم لم تخبرها بالحقيقة فتريح بالها؟ أو تعتذر وتستغفرها فتسبل عليك من المغفرة سر بالها؟
- اعتذرت بأني كنت معك، وتغيبت عندك، فآمل أن تصادق على قولتي، وتعمل على تحقيق أمنيتي.
- لم اخترتني أنا بالذات؟ ولم تقل إنك كنت مع زميل لك تستعدان للامتحانات؟
- لم تخطر لي هذه الفكرة على بال، وقد «سبق السيف العذل» على كل حال، فقلت ما قلت، لا عن كراهية لك أو مقت، فالوالدة تثق بك وتصدق كلامك، وأملي أن تريني شهامتك وإقدامك.
- ليس هذا رجاء منك ترجوه، بل هو فرض علي تفرضه !
- هل يمكن أن تشرح الجملة شرحا، وتزيدها بيانا وتوضيحا؟
- إنك ترجو مني الإقدام أمام أخيك وأمك، وتفرض علي أن أكذب أمام الله وأمام نفسك، هذا مطلب عسير، ومسلك خطير. لم أعتد في حياتي الكذب ، لا عن رغب ولا رهب: ثم إن أخاك لا أكاد أعرفه، فكيف أجرؤ في أول جلسة فأكذب عليه وأبهته؟ أعفني يا أخي من هذه المهمة بل المصيبة الملمة، والفتنة المدلهمة.
- كيف أعفيك؟ وقد سبق أن وضعت كل آمالي  فيك !
- لست مسؤولا عن آمالك، ولا دخل لي في أقوالك وأفعالك.
- الأمر خطير بالنسبة إلي، ووالدتي غاضبة علي، فأرجو موافقتك، وإلا اعتبرت نفسي ضحيتك.
- والدتك قد تصدقني وتثق بكلامي، ولكن أخاك الضابط رجل عسكري نظامي، ونحن طلبة علم أو مجرد مراهقين، فكيف أضمن ألا ينظمنا في سلك المارقين؟
- هذا مطلب الوحيد، ولن أطالبك بعده بشيء جديد.
- قد أستجيب لمطلبك، وأتصرف وفق مشربك، لكني أشترط شرطين... فلا ترتبك !
- عال... ! عال... ! سأنفذ شرطيك في الحال.
- شرطي الأول: أن تذكر لي الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء على الحقيقة.
- وشرطي الثاني: ألا تغيب – بعد هذا – عن البيت، وتعتذر لي بكيت وزيت.
- أولا الحقيقة تكمن في الجملة المعروفة، لدى الفرنسيين عندما تحزبهم مشكلة مخوفة: فتش عن المرأة Cherche la femme، و(مدام ريجي) هي المراد هذه المرة !
- حقيقة جديدة بم تفه بها إلا الآن، وهي فعلا من الخطورة بمكان ! ثم من هي (مدام ريجي) وأين وجدتها؟ ومتى وكيف عرفتها؟ ولم تركت لها الحبل على الغارب، حتى ألهتك عن كل واجب؟ بل كيف سمحت لنفسك أن تصنع ما صنعت، لتطلب مني التستر على ما اقترفت؟ ثم أين زوجها هذا الذي تخونه، ولا ترعى حقه ولا تصونه؟
- إنه ضابط في جيش (فرنسا الحرة)، غاب عن المنزل مرة ومرة، وبقيت المرآة مستوحشة حزينة، فتعرفت عليها ووجدتها فريسة ثمينة، ولا أخفي عنك أنها خلبت لبي، وغزت بل أحرقت قلبي، ولم أشعر إلا وقد استحوذت على، فغرقت – كما ترى – في هذا البحر اللجي، أفلا تنقذ الغريق؟ أفلا تطفئ الحريق؟ إن الوالدة بك واثقة، ولسلوكك وامقة، ولإجابتك الشافية تائقة.
قد يكون ما تقوله حقا، وقد لا يكون صدقا، فإذا كان فلم أراك الآن، تسعى لهدم تلك الثقة، ومحو هذه المقة؟
-  لا تخش محوا ولا هدما، ولا تخف ظلما ولا هضما... وثانيا: أعدك الآن بعدم الأوبة، إلى ارتكاب مثل هذه الغيبة.
- الآن يمكن أن أكون طوع أمرك، ورهن تصرفك؟، لكني مع ذلك ما زلت أود لو تركتني وشأني، فأني أكره التدخل فيما لا يعني !
- ألا يعنيك الوقوف معي في أحرج الأوقات؟ ألا يحلو لك انتشالي من شر الأزمات، فتؤدي لصداقتنا أجل الخدمات؟
- على كل حال دعني أفكر وأقدر، وأزن الأمور وأدبر.
- أتركك ولا أنساك يا عزيزي اللمعي، وغدا سأجئ قبل الميعاد لأخذك معي.
                                                   ***
وفي الغد جاءني الصديق، لمرافقتي في الطريق، فوجدتني متأهبا للموعد، ستعدا أو شبه مستعد، وتوجهت معه للمنزل، غير هياب ولا وجل، ولقرب المسافة وصلنا بعد برهة، فدخلت ودخل معي إلى الردهة، فوجنا الأم والأخ جالسين، ولوصولنا منتظرين، سلمنا وجلسنا، وساد الهدوء فصمتنا. وصرنا جميعا ننتظر الدخول في الموضوع، على أن كل واحد يأمل أن يكون السامع لا المسموع، وحملقت العيون وتنقلت في أجواء الغرفة، وهفت القلوب في شيء من اللهفة، ولا حظت أن نعظم الأنظار مصوبة إلي، فكأن المسؤولية كلها ملقاة علي، أو كأنني أنا المقصود، وأمثل – وحدي- بيت القصيد.
وحملقت بدوري فاستشففت في نظرات صاحبي أملا وتوسلا، وفي نظرات والدته تدبرا وتأملا، أما نظرات أخيه الضابط، فكانت قلقة لا تكاد يضبطها ضابط، فهي تارة بالشرر، وتومئ بالضرر، وتارة توحي بالأمل، وبخير العمل... وأخيرا رأيته يتحرك في مجلسه، ويستجمع شتات نفسه، فكأنه قد كون فكرة مسبقة، أو بيت رأيا يريد أن يطبقه.
وبدأت الوالدة الحديثة وهو ذو شجون، وله – كما للجنون – فنون، فأصغت آذاننا لقولها، وصغت قلوبنا لقيلها، وبعدها مباشرة تحدث الأخ الأكبر، ليفسح المجال بعده لدوري الأخطر... وخطر لي أن أستوحي ما وقع في فترة سابقة لفترة (المدام)، فقلت كلاما لا يستوجب أي ملام:
- خرجنا ذات ليلة وتفسحنا، وشاهدنا مسرحية أمير الكوميديا نجيب الريحاني فتأخرنا، كان عنوان المسرحية«الدنيا على كف عفريت»، فرأى ابنكم – وقد تأخر – ألا يزعجكم في المبيت، مشى معي إلى البيت ففضل البقاء، وتفضل فتناول معي طعام العشاء، ثم حان موعد النوع فنام في سرير فارغ، وهذا فيما أعتقد تصرف معقول سائغ، فلا داعي للقلق على ابنكم، فهو عندي إن لم يكن عندكم، إنه لي أعز صديق، بل أراه بمثابة أخ شقيق !
- تململ الضابط في مقعده كمن يستعد للنضال، أو يتهيأ للإدلاء بفصل المقال، فهل فكرة الوساطة، ستؤدي مهمتها ببساطة؟ وهل في مقدور هذا الاجتماع، أن يفض ما نشب من نزاع؟
- وتحدث الضابط بعد قليل، فأعرب عن رأي يشفي الغليل:
- كنا نظن القضية أخطر مما ذكرت، وأدهى مما صورت، لكنها – والحمد لله – بدت بسيطة عادية، فلا خوف على أخينا من هذه الناحية.
- لقد قلت ما اعتقدته رأي العين، دون زيادة أو نقص أو مين.
- إني الآن مرتاح لما بينكما من علاقة، ومطمئن لوشائج الأخوة والصداقة.
ورميت ببصري نحو من حضر، لألحظ ما ارتسم على الأوجه من أثر، فوجدت الكل مبتهجا منشرحا، وبالنتيجة مقتنعا فرحا. واعتقدت أن الاجتماع أسفر عن فوز. وأن معرفة الرجال كنز... ثم تذكرت من كانت السبب في كل ما جرى، وأحدثت من الفتنة والريبة ماطرا، وأعني (ما دام ريجي) التي لمتها، ومن كل قلبي كرهتها، رغم أني لا أعرف رسمها، ولم أسمع إلا اسمها، فتذكرت قول الشاعر الأعمى بشار بن برد: والأذن تعشق قبل العين أحيانا، فقلت أنا من بعد: والأذن تكره قبل القلب أزمانا.
مر الوقت وحان موعد الفراق، فسادت جو القاعة أصوات التوديع والعناق. ثم أممت أنا الباب وخرجت، ولـ (بيت المغرب) رجعت، فوجدت الكتب والمذكرات تنتظريني، والامتحانات على الأبواب تترقبني، وما حل موعدها حتى تقدمت، وبالله استعنت وعليك توكلت ولما أعلنت النتائج الناجحة، كانت نتيجتي من بينها طيبة رابحة، فحمدت الله على هذه الجدوى، وشكرته في العلن والنجوى.
                                                      ***
ولما أحسست من رفيقي القديم، وصديقي الحميم، أن قصه أشرف على التمام، وأنه يميل إلى ختم الكلام، والارتماء في أحضان الراحة والمنام، حينئذ ودعته وانسحبت في انتظام، وأودعته في أمن من الله وأمان وسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here