islamaumaroc

افتتاحية: يد الله فوق أيديهم

  دعوة الحق

العدد 252 ذي الحجة 1405- شتنبر 1985

النجاح الكبير والصدى البعيد اللذان خلفتهما ندوة: البيعة والخلافة في الإسلام، التي انعقدت بمدينة العيون في أواخر شهر سبتمبر من هذا العام هما نجاح «وصدى يدلان على أن المقاييس الموضوعية التي احتكمت عقد هذه الندوة الهامة، كانت مقاييس مستندة إلى الإيمان برسالة خالدة، وهي الإسلام، وبنهج واضح منه، هو السنة، وبحقيقة فطرية في المجتمع البشري، هي ركيزة التواصل بين الحاكمين والمحكومين، وبعد هذا وذاك، بواقع يفخر المغرب ويعتز به أيما فخر واعتزاز، ألا وهو واقع كون المملكة المغربية تحت القيادة الحكيمة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني المؤيد بالله، تطبق هذه الرسالة، وتسلك ذلك النهج، وتتمسك بتلك الحقيقة، لا تحيد عنها ولا تعيش بمعزل عن هذه العناصر المكونة لمقدسات الأمة المغربية ومقومات وجودها عبر التاريخ، أي منذ أربعة عشر قرنا ونيف.
والبداهة، تفرض أن يكون المغرب، على الدوام، سباقا وفي طليعة الطليعة من دول العالم الإسلامي إلى عقد الندوات واللقاءات والمؤتمرات الإسلامية المثمرة والمفيدة، التي تعود على الأمة الإسلامية بالجدوى الجزيلة ابتغاء المزيد من التطور والتقدم والارتقاء لمصلحة شعوب هذه الأمة بكاملها.
وندوة البيعة والخلافة في الإسلام التي اختضنتها مدينة العيون والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هذه الندوة بما أحيطت به منرعاية خاصة واهتمام مشهود، كانت استجابة واضحة وجادة وذات روح من المسؤولية الفكرية والتوجيهية عالية ورفيعة المستوى، لدور المغرب الطليعي والرائد في عمله الإسلامي الشامل والمتكامل الذي لايني أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني عن موالاة بذله على شتى الأصعدة وفي مختلف المحافل، قارية كانت أو دولية أو جهوية. ومن منظور كهذا، نفسر المضمون الممتاز لحدث رفيع في مستوى ندوة البيعة والخلافة في الإسلام، وذلك باعتبار أن موضوع هذه الندوة، هو من جهة احد المشاغل التي لم تنفك قائمة في الوعي الإسلامي منذ قرون عديدة، وهو من جهة أخرى، موضوع يتزامن بصفة شمولية مع مجموعة من التحولات والتطورات الوضعية الرامية إلى دراسة علاقة الحاكم بالمحكومين من زاوية تكثر فيها الاجتهادات، التي تنتقل من النقيض في جل الأحيان، دونما أن يتحقق لها النضج والتكامل والتجاوب مع الفطرة البشرية على النحو المرغوب والمنشود.
ومن خلال هذا كله، ندرك الأهمية البالغة لندوة البيعة والخلافة في الإسلام كحدث الوعي والالتزام والحرص على السير دوما في المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، من أجل أن تستقيم الحياة الإنسانية وأن ينتظم نظامها على دعامة من التقوى والفضيلة والاستقامة والعدل،وفق ما أمر به الله ونهى عنه، ووفق ما جاءت السنة المطهرة مصداقا له بالقول والفعل.
وبعد هذا، ينفسح للمرء مجال واسع لتبيان ما لندوة البيعة والخلافة في الإسلام من أهمية قصوى، وعناية بالغة، ولتسجيل النجاح الكبير والصدى البعيد اللذين تركتهما هذه الندوة القيمة، لا على الصعيد العربي والإفريقي وحسب، بل وعلى صعيد الأمة الإسلامية جمعاء، وقد كان للعالم العربي وللعالم الإسلامي وللدول الإفريقية المسلمة، علماء أجلاء أفاضل، شاركوا في أعمال وأشغال هذه الندوة، فعاينوا المدى العميق الذي يرتبط فيه وينتظم عقد الدولة المغربية، لغة ومذهبا وتاريخا ووحدة وتراثا وحضارة وسيادة.. فيه وينتظم عقد الدولة المغربية، لغة ومذهبا وتاريخا ووحدة وتراثا وحضارة وسيادة.. بحيث يقال دونما جزاف في القول، أن أمجاد المغاربة ومفاخرهم ومآثرهم المادية والمعنوية المنضودة في سجل التاريخ، وأن ملامحهم وانتصاراتهم ومكاسبهم التي حققوها عبر التاريخ كل ذلك كان وليد البيعة القائمة بين الشعب المغربي وملوكه الأبرار، لا يتخلف عنها في أشد الظروف السياسية والاجتماعية التي يجتازها الوطن خطورة وصعوبة، وفي نفس الوقت، يتحمل ملوك الشعب المغربي هذه البيعة، فيقومون بالتزاماتها كأحسن ما يكون القيام، ويضطلعون بواجباتها كإحدى وأثمر ما يكون الاضطلاع، وهذا بالذات ما حصل ويحصل دائما في المسار الذي يأخذه التاريخ الوطني لبلادنا، حيث تكون البيعة التي يجددها الشعب للملك، بمثابة عهد تتجدد فيه مظاهر الحياة العامة تجددا يفضى إلى الأحسن والأمثل والأفضل.ومن نعم الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين برسالته التي نزلها على نبيه المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أن جعل البيعة عهدا وميثاقا، الله عليه شهيد.
وهذه الشهادة من الله سبحانه وتعالى على البيعة حينما يعقدها المؤمنون لأميرهم أو سلطانهم أو خليفتهم، هي أبلغ دليل أن كان الأمر يحتاج إلى هذا الدليل – على أن البيعة هي أمر يتعلق جوهريا بالشريعة والدين والعقيدة، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالصلة الإلهية المتمثلة في دينه ورسالته ورسله وعباده الأصفياء الذين يجتبيهم جل وعلا لهداية الناس، وتطبيق الشرع فيهم، والسير بهم على ما أرادت مشيئته وحكمته في الأرض.
ومعنى ذلك، أن للبيعة – معنويا وحسيا – علاقة وثيقة، أشد ما يكون الوثوق بالرسالة الإلهية إلى البشر، فإذا لم يكن للمجتمع البشري أدنى صلة بالبيعة، انقطعت علاقته بالرسالة الإلهية وعاش هذا المجتمع عيشة جاهلية، وهذا مصداق ما جاء في الأثر: من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية».
وإذا نظرنا إلى البيعة من زاوية أعم، وجدناها – كمضمون يتعلق طرفاه بالجانب الإلهي من ناحية أساسية أول، ثم بالجانب البشري لصلاح العمران وقوامه واستمراره من ناحية أخرى – اصطلاحا أشد بلاغة وبيانا في التعبير عن الغاية المتوخاة من السياسة المدنية التي بدونها لا يكون للبشر صلاح ولا هداية ولا تقدم ولا ارتقاء. وذلك، أن ما يقع بين البشر – آحادا وجماعات، وشعوبا ودولا – من مواثيق وعهود، جائز فساده وبطلانها، بحكم الأمزجة والطبائع والأوهام التي تساور البشر، فأما إن كانت هذه العهود والمواثيق يرعاها الله، وتبتغي لمرضاته وثوابه، ويسعى بها إلى اتقاء عقابه ونيل مثوبته، فإن الالتزامات والحقوق التي يتبادلها الحاكمون والمحكومون في ضوء هذا المفهوم، تكون أبقى وأدوم، فالشريعة لها حافظة، والملة عنها ذابة، والفضيلة لها راعية، وهي بالهدى والانتهاج والاستقامة مصونة مرعية.
نعم، جاءت التحولات التاريخية، سلبية كانت أم إيجابية، بنظريات ابتدعها العقل الإنساني واصطلح عليها بكونها نظريات الحكم السياسي تقوم عقدا متبادلا بين الحاكمين والمحكومين، ولكن جاء مع هذه النظريات كذلك، علة في النظر والتحقيق، واعتلالا في التحليل أبعد الناس عن الصواب والصراط المستقيم، وجاء معها كذلك فساد في الرؤية أدى إلى اختلال المظاهر العمرانية والحضارية للبشر، فكان لابد إذن من الرجوع إلى الأصل في سن السياسة المدنية على أساس شرعي يقوم العقل بتنظيمه ما دام الله قد أوثق – بالكتاب والسنة – هذه السياسة وأساسها، وقواها بما تتقوى به جميع الأعمال البشرية من حكمة إلهية حين تعود المجتمعات عن ضلالها، والأفراد عن تيههم وحين تعتمد الشريعة مبدأ ومنطلقا.
ولطالما أثيرت مسألة الخلافة، وما زالت تثار في الفقه السياسي، الإسلامي وغير الإسلامي، إلا أنه بالرجوع إلى مسألة البيعة، تحسم معها مسألة الخلافة حسما نهائيا.
ويدل على ذلك أبلغ الدلالة وأعمقها، أن الدين الإسلامي دين شمولي شامل، بمعنى أنه دين للحياة الدنيا وللآخرة. وبمعنى أنه نظام للحياة كامل ومتكامل، ينظم العلاقات والمعاملات، مع الأفراد ومع الجماعة ومع الحاكم، فليس هناك انفصال بين الدين والحياة، أو تقسم بينهما، فالفرد يعيش الدين ويمارسه كما يمارس الحياة ويعيشها، وهو فيذلك سعيد كل السعادة، بخلاف نده في الغرب، الذي تستوحش نفسه ويغترب وعيه وينتكس فكره وتعتل عقليته حين يرى حياته في واد، ودينه في واد آخر.والسبب في شقاء الإنسان المعاصر في الغرب، أنه قطع صلته بالدين وجعل هذه الصلة بمثابة التزام أو عهد سياسي، يتخلى عنه متى يشاء، وبمثابة اختيار عقائدي، ينزعه عن نفسه متى يريد.
ومن ثم، كانت البيعة علاجا حاسما لذلك الخلاف السياسي المستديم بين الحاكمين والمحكومين والذي هو في الواقع خلاف أفرزته الحضارة الغربية، وليس من الإسلام في شيء.
ومن ثم أيضا، كانت البيعة، هي النظام الأمثل، المتجسد في الخلافة، الذي جاء لينهج بالإنسان نهجا عادلا مثاليا، تنتظم فيه العلاقات والالتزامات، وتنتظم في الواجبات والمعاملات، نشدانا لحياة أفضل للإنسان والمجتمع والدولة والكيان البشري بمفهومه الواسع الشامل.
ظلت نقطة هامة، وهي المغزى من انعقاد ندوة البيعة والخلافة في الإسلام في مدينة العيون بالذات، وهذا المغزى أضفى على هذه الندوة مسوحا من الجلال والإكبار، ذلك لأن مدينة العيون، حاضرة الصحراء المغربية، تجسد وتشخص المظهر الروحي والعمراني المتطور إلي لم يخلق في الواقع سوى كثرة لتجديد سكان الصحراء المغربية بيعتهم لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني المنصور بالله؟، أسوة بآبائهم وجدودهم الذين قدموا منذ سالف السنين والقرون، البيعة إلى ملوك الدولة العلوية الشريفة، فكان الخلف من هؤلاء بتجديد البيعة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، خلفا عند العهد، وعلى الميثاق، وخلفا ماسكا بالقول الثابت قائما على الأمانة المقدسة، يصونها ويحميها ويرعاها ويفتديها بالأنفس والأموال والدماء حفظا لميثاق كان الله عليه شهيدا ووكيلا.
إن ندوة«البيعة والخلافة في الإسلام» التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمدينة العيون، والتي شارك فيها أزيد من مائة عالم ينتمون إلى إفريقيا والدول العربية الإسلامية، علاوة على علماء المغرب، هي من منظور شمولي، تمثل حدثا بارزا على أكثر من مستوى، ولقد دلل هذا الحدث في حد ذاته، على أن المغرب، وهو البلد الإسلامي العامل الرائد، يصبو إلى وحدة الأمة الإسلامية وحدة قوامها الوجدان والروابط والعلائق التي جعلها المولى سبحانه وتعالى أبقى وأقوى وشيجة تلزم المسلمين – حاكمين ومحكومين – بالكلمة الطيبة التي أصلها ثابت في الأرض وفرعها قائم في السماء تثبت الأمة الإسلامية، وتجمهعا على صعيد الأخوة والألفة والمحبة، وتهديها بإذن من الله إلى الصراط المستقيم، وترقى بها في معارج التقدم والصلاح، ومدارج النهضة والحضارة والمدنية الحقيقية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here