islamaumaroc

جوازات يوسف بن تاشفين الأربع؛ جودة في الرأي وكمال في العقل

  عثمان ابن خضراء

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

هو يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن تورقيت ابن منصور ابن مصالة الحميري وفي إبراهيم يجتمع مع ابني عمه الأميرين اللذين كانا قبله: أبي زكرياء وأبي بكر ابن عمر بن إبراهيم بن تورقيت، وكنيته أبو يعقوب بنو سير بن إبراهيم على أبو الطاهر تميم المعز – ومن وزرائه صهره سير بن أبي بكر...
كان رجلا فاضلا خيرا زكيا فطينا حاذقا لبيبا عطاردا يأكل من عمل يده، عزيز النفس، ينيب إلى خير وصلاح – كثير الخوف من الله وعز وجل، أكبر عقابه الاعتقال الطويل، وكان يفضل الفقهاء ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم ويأخذ فيها برأيهم، ويقضي على نفسه بفتياهم.
أقامت بلاد الأندلس في مدته سعيدة حميدة في رفاهية عيش وعلى أحسن حال، لم تزل موفورة محفوظة إلى حين وفاته رحمه الله تعالى- وكانا لجهاد انقطع بها منذ تسع وسبعين سنة من مدة آل عامر إلى حين دخوله إليها – قدم أشياخ المرابطين فيها وكانوا أقواما ربتهم الصحراء، نيتهم صالحة لم تفسدها الحضارة ولا مخالطة الأسافل..
قال (ابن اليسع) وكان ترتبيهم – في الأندلس أنهم لم يزيدوا فارسا على خمسة دنانير للشهر شيئا مت نفقته وعلف فرسه – فمن ظهرت نجدته وإغاثته وشجاعته أكرموه بولاية موضع ينتفع بفوائده وتركوا الثغور المواجهة لبلاد العدو – فغي حكم الأندلسيين لكونهم أخبر بأحوالها وأدري بلقاء العدو وشن الغارات، ولم يمكنوا من ولايتها أحدا سواهم مع الإحسان إليهم – وكانوا متى وصلتهم خيل من العدو بعثوا بها إلى أهل الثغور – فلما قربت وفاته أوصى ابن ولي العهد بعده أبا الحسن علي بثلاثة وصايا أحدها:
1) ألا يهيج أهل جبل درر ومن ورائه من المصامدة وأهل القبلة.
2) أن يهادن بني هود، وأن يتركهم حائلا بينه وبين الروم.
3) أن يقبل من أحسن من قرطبة ويجاوز عن مسيئهم.
وقد مات في شهر ربيع الآخر سنة خمسمائة هجرية ودفه لقصره بحاضرة مراكش وحصر موته أبناؤه الأمير أبو الطاهر تميم وأبو الحسن علي مع من حضر من عثرته الصنهاجية وأسرته اللمتونية – قبض وهو على أوله في العزم والجد في نصر الدين وإظهار الكلمة وعضد الإسلام – رحمة الله تعالى عليه.
خلافته:
وكانت خلافته من أول ولايته بالمغرب استخلاف ابن عمه الأمير أبي بكر بن عمر إياه وانصرافه إلى الصحراء إلى حين فاته.
أخذ ابن عمه أبو بكر بن عمر في الحركة في الصحراء وولاه المغرب مكانه على صورة النيابة عنه، وقسم الجيش، فترك له الثلث من لمتونة وانصرف بالثلثين معه داخلا الصحراء وذلك في سنة ثلاث وستين وأربعمائة – وقام يوسف بن تاشفين مدبرا الأمور قائما بالملك، واشتغل ببناء الحصن المسمى بحصن "قصر الحجر" برحبة مراكش وحصله تحت سور وأبواب وحصنه –
ولما كان في سنة أربع وستين وأربعمائة قوي أمره وعظمت شوكته، فاشترى جملة من العبيد السودان، وبعث إلى الأندلس فاشترى منها جملة من العلوج فأركبهم وانتهى عنده منهم مائتان وخمسون فارسا شراء ماله، ومن العبيد نحو ألفين فأركبنهم فرسانا، فغل حجابه وعظم ملكه وافترض على اليهود في تلك السنة فرضية ثقيلة اجتمع له منها مال استعان به على ما كان بسبيله.
ولما كان في سنة خمس وستين وأربعمائة وصل الأمير أبي بكر بن عمر من الصحراء وعاد إلى المغرب بعد أخذه بثأر قومه وأصلح من شأنهم، فنزل بأغمات خارج المدينة ونزلت محلته دائرة به – وألقى ابن عمه يوسف بن تاشفين قد استولى بالملك وطاعت لن بلاد المغرب، فعلم أنه عزم على الاستبداد بالملك – وتسابق أكثر أصحابه ممن وصل معه إلى مراكش لرؤية بنيانها والسلام على يوسف بان تاشفين أميرها – وكان قد سمعوا عن ضخامته وجزيل كرامته وإحسانه لإخوانه ومعارفه، فاجتمع عنده من القادمين كثير من الخلق، فوصى لهم على جدر منازلهم وأعطاهم بمقدار مراتبهم، وأمل بهم بالكسوة الفاخرة والخيول المسمومة والأموال الجمة والعبيد المتعددة.
ولما تشوف الأمير أبو بكر بن عمل على أحوال ابن عمه يوسف بن تاشفين وعلم حبه في الملك وأنه قد استمال نفوس من معه بإحسانه وانقطع رجاؤه من الملك طلب منه تعيين يوم لاجتماعهما فيه – فخرج الأمير يوسف ابن تاشفين غي جنوده وعبيده وتلقاه في نصف الطريق – فكان اجتماعهما ما بين أغمات ومراكش – فسلم عليه راكبا على دابته ولم تكن تلك عادته قبل...ثم ترجلا وقعدا على برنس، فسمى المكان بحصر البرنس، فهو يعرف بذلك إلى هذا العهد – فتعجب الأمير أبو بكر بن عمر مما رأى من ضخامة ملكه ووقور عساكره وترقية جنوده وتحدث معه، ثم قال: يا يوسف أنت أخي وابن عمي ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك ولا أحق به منك، وأنا لا غناء لي عن الصحراء وما جئت إلا لأسلم عليك ونسلم الأمر إليك ونعود إلى الصحراء مقر إخواننا ومحل سلطاننا – فشكره يوسف ابن تاشفين على ذلك وأثنى عليه – وحضر أشياخ لمتونة وأعيان الدولة وأمراء المصامدة والكتاب والشهود والخاصة والعامة وأشهد على نفسه بالتخلي له عن الأمر بوطن المغرب.
فتوحاته:
في سنة ستة وستين وأربعمائة فتح الأمير يوسف بن تاشفين مدينة مكناسة واستنزل منها الخير الكثير من خزائن الزناتي.
وفي سنة سبعة وستين وأربعمائة فتح مدينة فاس.
وفي سنة ثمان وستين بعدها فتح مدينة تلمسان وكان أميرها العباس بن يحيى الزناتي.
ولما كان في سنة سبعين وأربعمائة شرع في تجديد العساكر ووفودها وبعث إلى الصرحاء للمتونة ومسوفة وجدالة وغيره يعلمهم ما فتح الله تعالى عليه من ملك المغرب وطاعة أهله ويؤكد عليهم القدوم، فوفد إليه منهم جموع كثيرة ولأهم الأعمال، وصرف أعيانهم في مهمات الأشغال اكتسبوا الأموال وملكوا رقاب الناس وكفروا بكل مكان وساعدهم الوقت والزمان، وكثرت جموعهم وتوفرت عساكرهم وعظم ملك يوسف بن تاشفين وضم من جزولة ولمطة قبائل زناتة، ومصمودة جموعا كثيرة، وسماهم بالحشم، وضم طائفة أخرى من اعلاجه وأهل داخلته وحاشيته فصاروا جموعا كثيرة وسماهم الداخلين فاجتمع له في الطائفتين ثلاثة آلاف فارس.
وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة وفد عليه جماعة من الأندلس وشكلوا إليه ما حل بهم من أعدائهم، فوعدهم بمرادهم وأعانهم.
وكان ممن كتب إليه حين ذلك، "المتوكل على الله بن الأفطس جرت بينه وبين ملك الجلالقة خطوب كثيرة آل حال المسلمين بعمالته إلى الضعف والاستيلاء على بلادهم – وخاطبه ملك الجلالقة بكتاب يرعد فيه ويبرق ويتشطط عليه في أداء وظيفته من المال كل سنة – فأجابه بكتاب ورفع الخبر إلى الأمير يوسف بن تاشفين..فبعث إلى الأندلس برسم أهل العدد وآلات واشترى الكثير من العدد والسلاح اقتناء الذخيرة والاجناد واختيار الرجال فبلغ جيشه إلى اثني عشر ألف فارس كلهم نخبة أنجاد وجاز إلى الأندلس أربع مرات:
الجواز الأول:
في سنة تسع وسبعين وأربعمائة لما بلغ أهل الأندلس ما كان عليه الأمير يوسف بن تاشفين من القوة والاستعداد والحجة والجهاد وفد عليه جماعة من وجوهها فأخبروه لحالها وبكلب العدو عليها، وكان الطاغية "ادفتش" في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة قد غلب على طليطلة واستولى على أعمالها وحازها لنفسه وكثر الروع على الأندلس واشتد الخوف، وتطرق المعتمد على الله ابن عباد لما رأى أمره في أدبار وأن الادفنش قد عزم عليه وشاور خاصته ووجوه دولته في شأن استدعاء يوسف بن تاشفين....فأشاروا عليه بمدارة الادفنش والناس معه ومهانته وعقد السلم على ما يذهب إليه من الشروط وكطيف ما أمكن، وأن ذلك أولى من تجويز المرابطين.
ثم إنه خلا بابنه وولي عهده الرشيد أبي الحسن عبيد اله وقال له: أنا في هذه الأندلس غريب بين بحر مظلم وعدو مجرم وليس لنا ولي وال نصير إلى الله تعالى وإن إخواننا وجيراننا ملوك الأندلس ليس فيهم نفع ولا يرجى منهم نصرة ولا حيلة إن نزل بنا مصاب أو نالنا عدو ثقيل وها هو اللعين أدفنش قد أخذ طليلة منم ابن ذي النون بعد سبع سنين وعادت دار كفر وها هو قد رفع رأسه إليها ون نزل علينا بطليطلة ما يرفع عنا حتى يأخذ اشبيلة، ونرى من الرأي أن نبعث إلى هذه الصحراء وملك العدوة نستدعيه للجواز ليدفع عنا هذا الكلب اللعين إذ لا قدرة لنا على ذلك بأنفسنا فقد تلف لجاؤنا وتدبرت بل تبردت أجناجنا وأبغضتنا العامة والخاصة – فقال به ابنه الرشيد: يا أبت أتدخل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا ويبدد شملنا- فقال أي بني والله لا يسمع عني أبدا أني أعددت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم علي اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري في حزز اللجما والله عندي خير من حرز الخنازير – فقال له يا أبتي: افعل ما أمرك الله فقال: إن الله لم يلهمني لهذا إلا وفيه خير وصلاح لنا ولكافة المسلمين فاستفتح بخطبته وجعل يستصرخه ويستدعيه بمكاتبات من إنشائه وإنشاء كتابه من خطه ما نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله علة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
إلى حضرة الإمام أمير المومنين وناصر الدين محيي دعوة الخليفة لإمام أمير المومنين أبو يعقوب يوسف بن تاشفين القائم بعظيم أكبارها الشاكر لإجلالها المعظم لما عظم الله من عظيم مقدارها اللائذ بحرامها المنقطع إلى سمو مجدها المستجير بالله وبطولها محمد بن عباد سلام كريم يخص الحضرة المعظمة السامية ورحمة الله تعالى وبركاته كتب المنقطع إلى كريم سلطانها من اشبيلية في غرة جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وأربعمائة وأنه أبد الله أمير المسلمين ونصر به الدين فإنا نحن العرب في هذه الأندلس قد تلفت قبائلنا وتفرق جمعنا وتغيرت أنسابنا بقطع المادة عنا من صنيعتنا، فصرنا فيها شعوبا لا قبائل وأشتاتا لا قرابة ولا عشائر فقل نصرنا وكثر شامتنا وتولى علينا هذا العدو المجرم "ادفنش" وأناخ علينا بطليطلة ووطئها بقدمه وأسر المسلمين وأخذ البلاد والقلاع والحصون، ونحن أهل هذه الأندلس ليس لأحد منا طاقة على نصرة جاره ولا أخيه ولو شاءوا لفعلوا إلى أن الهواء والماء منعهم عن ذلك – وقد ساءت الأحوال وانقطعت الآمال وأنت أيدك الله سيد حمير ومليكها الأكبر وزعيمها نزعت بهمتي إليك واستنصرت بالله ثم بك واستغثت بحركم لتجوز لجهاد هذا العدو الكافر وتحيون شريعة الإسلام وتدينون على دين محمد عليه الصلاة والسلام ولكم بذلك عند الله الثواب الكريم والأجر العظيم والسلام الكريم على حضرتكم السامية ورحمة الله تعالى وبركاته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
فلما وصله الخطاب أطلع عليه إخوته وبنو عمه ومستشاريه فأشار عليه عبد الرحيم بن أسبط وهو من كتابه وكان أندلسيا بأن يكتب إليه بأنه لا يمكنه الجواز إلا أن يعطيه الجزيرة الخضراء فيجعل فيها أثقاله وأجناده ويكون الجواز بيده متى شاء...وعند ذلك كتب له ما نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما:
"من أمير المومنين وناصر الدين معين دعوة أمير المومنين إلى الأمير الأكرم المؤيد بنصره الله تعالى المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد أدام الله كرامته بتقواه ووفقه لما يرضاه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد فإنه وصل خطابكم الكريم فوفقنا على ما تصمنه من استدعائنا لنصرتك وما ذكرته من كربتك وما كان من قلة حماية جيرانك فنحن يمين شمالك ومبادرون لنصرتك وحمايتك وواجب علينا ذلك ممن الشرع وكتاب الله تعالى وإنه لا يمكننا الجواز إلا أن تسلم لنا الجزيرة الخضراء تكون لنا لكي يكون جوازنا إليك على أيدينا متى شئنا، فإن رأيت ذلك فاشهد على نفسك بذلك وابعث إلينا بعقودها ونحن في إثر خطابك إن شاء الله"ز
ولما ورد هذا الخطاب على ابن عباد، قال له ابنه الرشيد: يا أبت ألا تنظر ما طلب – فقال له: يا بني قليل في حق نصرة المسلمين – فجمع ابن عباد القاضي والفقهاء وكتب عقد هبة الجزيرة الخضراء ليوسف بن تاشفين وتسليمها لن بمحضر ذلك الجمع وبعث بها إليه – وكان ابنه الراضي يزيد إذ ذلك صاحب الجزيرة فأمر بإخلائها والانتقال عنها.
ولما وصله العقد والخطاب بالتأكيد في الجواز استنفر جميع حشوده نبعث في البلاد إلى جنوده ورحل إلى سبتة فأقام بها وأخذ في تجويز عساكره حتى لم يبق منهم أحد، وجاز في أثرهم ودخل الجزيرة.
ولما بلغ ابن عباد جوازه استعد للضيافة الحافلة والهدايا وقد كان يجمعها ويحتفل فيها لما احتل يوسف بن تاشفين بالجزيرة وشرع في بناء أسوارها وما تشعت من أبراجها وحفر الحفير عليها وشحنها بالأطعمة والأسلحة وربت فيها عسكرا نقيا من نخبة رجاله وأسكنهم بها ورحل نحو اشبيلية فتلقاه ابن عباد على مرحلة من الجزيرة فسلم عليه وهم ابن عباد بتقبيل يديه فبادر لمعانقته وسأله عن حاله وانبسط معه في الحديث وهناه ابن عباد بالسلامة ولحقت ضيافة ابن عباد جميع المحلة على حال كبرها وركب ابن عباد فدار بالمحلة ونظر إلى العساكر فلم يشك أن ذلك الجمع لا يخلو من نصرة وأن اللعين ادفنش لا محالة مهزوم – فكان كما كان فحمد الله وأثنى عليه وسجد لله سجدة عفر وجهه في التراب تواضعا لله سبحانه وتعالى.
ونهضت العساكر نحو اشبيلية ثم إلى بطليوس، وقد كان يوسف بن تاشفين كتب إلى سائر الأندلس يستنفرهم إلى الجهاد ويستدعيهم للالتحاق بمحلته.
قال أبو محمد عبد العزيز ابن الإمام أحد خواص المعتمد ابن عباد قال: "كنب في عسكره عند توجهه مع يوسف بن تاشفين إلى لقاء أدفنش بن فرلندة ملك قشتالة في غزو الزلاقة..وهي أول غزوة غزاها المرابطون بالأندلس، وكان الناس يرحلون برحيل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وينزلون بنزوله تقديما له ورعيا لمكانه من السر وعظيم الملك، ووفور العدد وجودة الرأي وكمال العقل....
فسمعنا طبوله تضرب، وقيل أمير المسلمين يتقدم إلى العدو..وكان هذه العزوة التي أظهر الله تعالى فيها دين الإسلام ونصر حزبه ونفس عنه كربه، ولك يكن في الأندلس غزوة أعظم منها قتل فيها من النصارى نحو ثلاثمائة ألف في موضع بالقرب من غرناطة سنة 1086 ميلادية.
ولما قضى الله تعالى بهذا الفتح الجليل والصنع الجميل قام المسلمون في جمع أسلابهم وضم عددهم مدة أيام، فامتلأت أيديهم بالغنائم الوافرة والسبي الكثير واكتسبت الناس فيها من ’لا الحروب والأموال وسيوف الحلي ومناطق الذهب والفضة ما أغناهم..وكان يوم لم يسمع بمثله من اليرموك والقادسية فياله من فتح ما كان أعظمه، ويوم كبير ما كان أكرمه – فيوم الزلاقة ثبتت قدم الدين بعد زلاقها وعادت ظلمة الحق إلى إشراقها نفست مختنق الجزيرة بعض التنفس واعتز بها رؤوس الأندلس – فجزى الله أمير المسلمين وناصر الدين يوسف ابن تاشفين أفضل جزاء المسلمين بما بل من أرماق ونفس من خناق ووصل لنصر هذه الجزيرة من حبل وتجسم إلى تلبية دعائها واستيقاء دمائها من حزن وسهل حتى هزموا على يده المشركون وظهر أمر الله وهم كارهون – ثم بعد ذلك عاد أمير المومنين إلى العدو بعدما بغله خبر موت ابنه أبي بكر.
الجواز الثاني:
في سنة 481 بع الزلاقة وقدت على أمير المومنين يوسف بن تاشفين بحاضرة مراكش وفود من الأندلس من أهل بلنسية ومرسية ولورقة وسبتة فشكوا له ما حب بأهل بنلسية من أهل الكبيطور وكان من ملوك الروم، حاصر بلنسية سبع سنين حتى دخلها وشكوا له ما حل بأهل مرسيه وأعمال لورقة وبسطه من شأن لبيك وهو صحن حصين على راس جبل شاهق..ثم إن ابن عباد تحرد من اشبيلية في خاصته وعبر البحر إلى يوسف بن تاشفين فتلقاه بالدحلة على وادي سبو فتلقاه بصدر رحب وشكى له ضرر النصارى على حصن لبيط وعظم أذاه للمسألمين ولتوسـطه في بلادهم ولا جهاد أعظم منه أجرا – فتلقى أمير المسلمين مقصده بالقبول ووعده بالحركة والجواز – وبعث الأمير يوسف كتابه لمولك الأندلس يستدعيهم للجهاد معه والموعد حصن لبيط وأحدق الجميع بهذا الحصن ومعهم ابن تاشفين وكان بداخله من الروم ألف فارس واثنى عشر ألف راجل، واتصلت الحرب على الحصن ليلا ونهارا، وكل أمير من أمراء الأندلس يقاتل في يومه بخيله ورجاله مداولة بينهم وتمادى ذلك أشهر واجتمع المعتمد بن عباد و يوسف ابن تاشفين وظهر لهما من حصانته ومنعته واستعصاء نقبه ما أيأسهم عنه، وأنه لا يتأتى لهم أخذه إلا بالمطاولة وقطع مادة القوم عنهم – وفي أثناء ذلك استصرخ أهل الحصن سلطانهم فأخذ في الحشد ويممه واقتضى نظر يوسف بن تاشفين التوسعة عن الحصن والتأهب للقائه ولما وصله اللعين وجد قوا جياعا لا يقدون على إمساك الحصن فأحرقه وأخرج من فيه من قومه – وجرد يوسف من عسكره جيشا ينيف على أربعة ألاف فارس بعثه إلى بلنسية وانصرف من هنالك إلى العدوة فتحرك الجميع بحركته وعادوا إلى بلادهم.
الجواز الثالث:
سببه أنه لما كان على حصن لبيط نقل إلى ابن تاشفين على مولك الأندلس كلام أوغر صدره عليه – ولما تبين لهم تغييره عليهم وإعراضه عنهم نظر كل واحد منهم لنفسه بغاية جرمه – ولما كان في سنة أربعة وثمانين وأربعمائة تحرك يوسف بن تاشفين إلى سبتة لجواز عساكره اللمتونية إلى الأندلس لمنازلة ملوك الطوائف وحصارهم في بلادهم – وفي أثناء مقامه بها أمر ببناء المسجد الجامع بسبتة والزيادة فيه حتى أشرف على البحر وبنى البلاط الأعظم منه، وأمر ببناء سوء الميناء السفلى وشرع في جوازهم وقام هو بسبتة مترقبا لأنبائهم، وكان منهم بالأندلس ما هو مشهور الاستيلاء على بلادهم والغلبة على مملكتهم، باستثناء ولاية بني هود فإن أميرها أحمد الجرامي كان يهادي أمير المسلمين ويكاتبه ويوجه إليه ابنه بعد الملك ويطمئنه بأنه سد ضد العدو خصوصا لما هجم الإفرنج على ثغور سرقطة وأثخنوا وقتلوا وسبوا فاسترجعها من أيديهم ابن هود ودخلها عليهم عنوة – وعادت الطمأنينة إلى الأندلس لمدة طويلة، ومحا منها ملوك الطوائف.
الجواز الرابع:
كان جوازه الرابع سنة ست وتسعين وأربعمائة للتجول عليها والنظر في مصالحها وتفقد أحوالها – وكان معه أبناؤه منهم تميم وعلي.
وكان يوسف بن تاشفين كتب ولاية العهد لابنه الأمير أبي الحسن وذلك في سنة خمس تسعين وأربعمائة ومن جملة ما اشترط عليه إقامة سبعة عشر ألف فارس قبالأندلس موزعة على أنظار معلومة يكون منها باشبيلية سبعة آلاف فارس، وبقرطبة ألف فارس وبغرناطة ألف فارس، وفي المشرق أربعة ألاف فارس وباقي العدد على ثغور المسلمين للذب والمرابطة في الحصون المصاينة للعدو.
وبعد هذه الانتصارات المبينة عظم شأن يوسف بن تاشفين ولقب بأمير المسلمين وأتاه تقليد الخليفة العباسي (المفتدي بأمر الله= على ما فتحه ولقبه ناصر الدين، ثم رحع يوسف إلى المغرب ظافرا.
لقد كان يوسف بن تاشفين كبير النفس..بعيد المرامي...طماحا إلى التبسط في الملك والاستيلاء على الممالك...شجاعا فاضلا داهية، وكانت علامة "الملك والعظمة لله".
قال في (درة السلوك): يوسف بن تاشفين الرجل الصالح الذي لم يكن في ملوك المغرب قبله ولا بعده من هو مثله، ما عدا الإمام إدريس ابن عبد الله الكامل، وطالت مدة ولاية يوسف على ستين سنة، وكاتبه علماء الشرف مثل الغزالي والطرطوشي وغيرهما، وافتوه بخلع ملوك الأندلس والتحجير عليهم، وبعث له الإمام العباسي الخلعة واللواء وقال الزياني في "الروضة السليمانية" في الباب التاسع بعد أن ذكر يوسف بن تاشفين: لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أزهد في الدنيا ولا أعدل منه. ورد فيه على من لمزه بأنه لا يفهم معنى الشعر، ورد على من فضل الأندلس على بر العدوة.
والرسالة التي كتبها له الإمام الطرطوشي بعد أن ذكر حديث الإمام مسلم: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ما نصه:
وهل أرادكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لما أنتم عليه من التمسك بالسنة وطهارتكم من البدع، واقتفاء أثر السلف الصالح.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي، في شرح جامع الترمذي".
"المرابطون قاموا بدعوة الحق ونصرة الدين وهم حماة المسلمين الذائدون والمجاهدون دونه، ولو لم يكن للمرابطين فضيلة ولا تقدم ولا وسيلة إلا وقعة الزلاقة التي أنسى ذكرها حروب الأوائل وحروب داحس والغبراء مع بني وائل لكان ذلك من أعظم فخرهم، وأبقت الأندلس مسلمة لعدة قرون.
قال صاحب "المعجب" فانقطع إلى أمير المسلمين من أهل كل علم فحوله حتى اشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم، واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار".
وبالجملة، فقد كان يوسف بن تاشفين بطلا شجاعا صالحا متقشفا على ما فتح الله عليه من الدنيا، وكان محبا في الفقهاء والصلحاء مقربا لهم، صادرا عن رأيهم وأجرى عليهم الأرزاق من بيت المال، وكان متواضعا حسن الخلق كثير الحياء دامعا لخلال الفصل – رحمه الله تعالى -

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here