islamaumaroc

بين الجمود والجحود -3-

  المختار السوسي

7 العدد

 في ضيافة حماد: 
كنت كتبت إليه من مراكش هذه الرسالة:
 مراكش 23-4-1340هـ
عزيزي الدكتور النابغة السيد حماد.
إنني في طريقي إلى فاس، وسألم بجنابكم يوم الخميس 28 ربيع الثاني، فأرجو أن أجدكم في انتظاري هناك، وإلى اللقاء.               

وصلت دار الدبيبغ حيث يقطن الدكتور، فدخلت الخادم ببطاقتي، فخرج على الهيأة التي كنت أعرفه بها من قبل، سراويل طويلة، وصدرة مفتوحة الأزرار، قصيرة الكمين، عاري الأعضاد إلى المنكبين، فصافحني بيد، وفي اليد الأخرى لفافة التدخين، ثم رد اللفافة إلى فيه بعد ما تبادلنا التحية، فتقدمني إلى بهو مؤثث تأثيثا غريبا، فيه كراس مصفوفة حول منضدة، على الجدران معلقات من الأسلحة البلدية، إلى تصاوير مختلفة، فقدم إلي مقعدا وجلس على آخر، فلم نمكث إلا دقيقتين حتى افعوعم جو البهو على اتساعه بالدخان من فيه، فإنه لا ينقطع ما بين يديه وشفتيه، ثم إنه غمز زرا فأتت الخادم فقدمت إلي جاما فيه القهوة، وإليه جاما آخر تدل نكهته على ما فيه، فأتى كل واحد منا على ما في جامه، ثم لم يلبث أن انحلت عقدة لسانه بتأثير ما تناوله، فطفق يثر على بآخر الأخبار اليومية المنشورة بعد الزوال من لندن وباريس ونيويورك، ويقول فاز فلان في السباق في باريز وانتخب اللورد فلان في مجلس اللوردات لرياسة اللجنة التي تبحث في القضية الهندية، وانتحر المليونير فلان في نيويورك، فتركته يتخطى أخبار السباقات والانتحارات إلى ما يتعلق بنجوم السينما، وأنا أبسم له أخالقه، وأظهر إليه أن كل ما هو فيه مستحلى عندي مقبول لدي، ثم كأنه شعر بأن المكان ضاق فيه صدري فاستأذن في جولة خارج الدار، فخرجنا وفي يده محجنه الذي يشير به يمينا وشمالا، وسار وهو يتأود، وكلما مرت آنسة أجنبية يشير إليها من بعيد وتشير إليه، وربما وقف معها تريه صورة من جريدة أو تستفسره عن أخبار عالمية، فكنت أنتحي جانبا حين يواقف إحداهن حتى يفرغا من الحديث، ثم مررنا أمام دار السينما فشرع يشير بمحجنه إلى صور معلقة في الجدار يبين لي أسماء أشخاصها، فلم نزل كذلك نحو ساعة، ثم جلسنا في مقهى، فسأل الخادم عما نشرب، فذكرت أنا له شراب الرمان -وكنت أتشهاه دائما- وذكر له شرابا آخر لا أعرفه، ثم شرع يمدح جو دار الدبيبغ ويذم بكل ما أوتي من ذلاقة لسان جو المدينة ويقول: إنها طافحة بالمكروبات، ولا أدري كيف تسمح إدارة الصحة بترك الناس يسكنونها، فقلت له: إن مثل ذلك الجو لا يضر من يألفه، وخصوصا من تربى فيه من صغره، فقال: إلى متى نمدح أمثال هذه الأطلال، ونسميها بالمدن؟

ثم حملق إلي حملقة ارتعت منها، وقال: لو كانت ذات يدي تتسع لسكنى أوربة لما رأيتني بعد هنا، فإن الحياة هنا لا يطيقها مثلي ولا يستطيعها، ولكن إن نجح هذا العمل الذي افتتحته أخيرا فإنني سأطلق هذه البلاد إلى بلاد المدينة الوهاجة، حيث يتربى أولادي تربية حرة، وأصرح أنا كذلك بأفكاري حيث لا أجد إزائي أخا يضايقني، ولا جارا ينظر إلي شزرا، فإنني هنا غريب، فلولا الأجانب لما وجدت لي معاشرا، ولا اتخذت مسامرا، فأما هؤلاء الذين ولدت من أحدهم فإنهم ينبذونني وأنبذهم، وينفرون مني وأنفر منهم، أو ليس من العجيب الغريب الذي يستوقف الأنظار ويحير الأفكار أنهم صاروا يؤاخذونني حتى في الحرية الشخصية، فيحبون أن أسحب أمثالهم ذيول ما ألبس، فلا أجول إلا في الفضفاض المتدلي الأكمام، ولا يزال ما على رأسي مكوما بما يسمونه العمامة، وما هي إلا عش غراب كبير إن تراءى للأعين من بين أغصان الأشجار؟ فما هذه الهمجية الواسعة النطاق؟ أفيعيش هؤلاء في هذا القرن العشرين حقا؟ أفوصلت هؤلاء ما أعلنته ثورة 1789 م من حقوق الإنسان من الحرية والإخاء والمساواة؟ ولكن كيف يعرف ذلك من يجهل وقوع ذلك الحادث العظيم يوم كان نسف الباستيل أساس الحرية والإخاء والمساواة في العالم؟ يوم قام ميرابو يعلن على العالم ما يعلن، فإن جهلوا ما وقع إذ ذاك في هذا العالم القديم الذي تحت آنافهم فكيف يدرون ما قام به واشنطون في العالم الجديد في ذلك العهد؟

فتركت الدكتور يتفيهق بلسان ذرب بكل ما يضمره لأمته من سوء، وبوده أن تأتي دولة غربية فتحملها بالقوة على نبذ كل ما يسميه غباوة من الأديان والأخلاق الفاضلة، ولكن الدول الغربية أدهى وأعقل من صاحبنا، فإن كل دولة منها تمكنت من مثل هذه الأمة تحاول أن تبقى على ما وجدته متأصلا فيها من دين وخلق وجمود، فلا ترتاع إلا يوم ترى سوى ذلك لما لها في ذلك من مئارب أخرى.

وعند غروب الشمس تملصت بلطف من صاحبي حتى أديت شعيرة ديني، فلحقت به وهو لا يزال يتسكع في الشارع الكبير في دار الدبيبع، فقال: إن وقت العشاء قد حان، فهلم لتقضي منه قبل أن يفتح الفصل الأول من رواية تمثيلية عالية المنزع، يتخللها رقص آنسة خلابة طائرة الصيت في العالم، وهي نجمة جديدة كسفت كل نجوم السينما المعروفة، فأسرع أسرع قبل أن تفوتنا لحظة من ذلك، فنخسر أسعد ساعة من أعمارنا ثم لا نجد لها عوضا، فمدت المائدة المحتوية على لحم أرنب ونوع خاص من الحوت بطهي أوربي، فمد إلى الشوكة والملعقة، فأقبلت كما أقبل على الطعام، وهو يتناول أثناء الأكل ما في كأس كبير من الأشربة التي يألفها، وقد عرضها علي فاخترت عليها الماء الصرف، فصار أثناء الأكل يذم المآكل الأهلية، ويسخر من الطواجين والبساطيل، حتى وصل الكسكسو فصب عليه جام غضبه، فقال: إن كل الطعام الأهلي لا أكاد أشمه إلا أحسست بنفسي أختنق، ومتى تذكرت أوساخ النساء الأهليات الطاهيات يثور ما في بطني حتى أوشك أن ألقي كل ما في أمعائي، فيا للهمجية والأوساخ وبلادة العقول والمكروبات المتراكمة فلا أود إلا أن أنسف في لحظة واحدة كل هذه الهمجية بديناميت واحدة حتى يطهر الوجود منها بالكلية.

على هذا الوتر صار صاحبي يضرب بكل ما في عزمه من قوة وما في لسانه من فصاحة، فأوسعت له صدري، وتركته حتى تأتي ساعة مناظرته، لأنني أوقن أنه متى صلح قلبه بالدين الإسلامي تزول بسرعة عنه كل هذه الظواهر التي ملكت عليه مشاعره، فكل من كفر بدين أمة وامتلأ قلبه بجعلها المثل الأعلى في التأخر والهمجية، فإنه لا يمكن أن يرضى عنها بعد إلا متى رضي عن دينها، وقد أدركت أن الدعاية التي وصلت بأمثال هؤلاء الأغمار إلى هذه الحالة التي تحملهم على كراهة أمتهم وكل ما فيها، ومحبة غيرها من الأمم الأجنبية وكل ما إليها، ما أمكن لها أن تجد معششا في صدورهم إلا بعد أن أزالت عنها دين تلك الأمة إزالة تامة، فأمكن لها حينئذ بسهولة أن تبذر بذورها كما تريد، فنجحت كما نرى غاية النجاح، وكذلك الدواء يوضع كما وضع ذلك الداء، فليحاول في أمثال هؤلاء تفهيمهم الإسلام أولا، ثم إذا فهموه فما أسهل أن يفهموا كل ما وراءه، فإن الغشاوة سرعان ما تزول عن أبصارهم، فيوقنون أن كل أمة أمة لا تخلو -وإن بلغت في المدنية ما بلغت، أو في التأخر والانحطاط ما بلغت- من الحسن والقبيح ومن أناس يمثلون كل الطبقات في الرقي وفي الإسفاف، ولهذا تركت صاحبنا الآن لضيق الوقت عن مفاتحته في هذا الباب...

ماذا رأينا في دار التمثيل؟ رأينا أدوارا كلها خلاعة صريحة، وتهتك يندى به جبين الفضيلة، وأما تلك الراقصة التي وصفها صاحبنا المسكين بما وصفها به فإنها امرأة نصف، ألحت على ما تبقى في أطرافها من روعة جمال بأصباغ مختلفة حتى أصبحت كما قال الشاعر:
تعــددت ألوانهــا           كأنها قــوس قــزح
فلم تزل في تلو وانعطاف، ويداها تلعبان بأذيال ثوبها حتى كاد يظهر منها ما اجتمعت الأديان وأصحاب الفضيلة والأخلاق على وجوب صونه، ولم يظهر لي أنا منها ما يظهر لأمثال صاحبي الذين يكادون يخرجون من جلودهم لما صارت تمثل أدوارها على المسرح، اللهم إلا صوتها الرخيم فإنني أعذرهم إن تأثروا بأناشيده، فكم مرة سمعت صاحبي بعد أن ملت كفاه من التصفيق، تفلت منه على رغم إسراره صيحة بقوله (الله) فعجبت كم بين الأخوين، فأخوه الصوفي كان عهدي به أمس يقولها في الزاوية مستقبل القبلة، وهذا يقولها في دار الخلاعة وهو مستقبل هذه الرقطاء التي تتلون لأمثاله كما تتلون في أثوابها الغول.
 إبطانا هناك حتى تجاوزنا نصف الليل بكثير، ثم جاء معي صاحبي حتى هيأ مضجعي، فقال: إنه لا يزال لي أرب في الخارج، فغاب ما شاء الله حتى بقي للفجر نحو ساعتين إذا به مع امرأة تتسلل به خفية وهو سكران، ولا يزال يلفظ ببعض كلمات من أغنية رددتها الممثلة كثيرا على المسرح، ولا يكاد يفصح بما يقول، ورفيقته تضع يدها على فيه، كأنها تعرف أنني في الدار فلا تريد أن أستيقظ لأراه على تلك الحالة السمجة، ولكنني بت سهران أرقا، أفكر في أمثال هؤلاء الشبان الذين حرمتهم أمتهم، وفقدت جهودهم في كل ميدان من ميادين حيوياتها، وتناومت لما أحسست بتلك المرأة تعتل السكران برفق، وتهدئه ليخفض من صوته المتلعثم ببقايا من تلك الأغنية، ثم لما مست زر الكهرباء في الممر، وقادته أمامي، ألقيت بصري على المرأة فإذا بها عين الراقصة، وقد راعني تغير وجهها عما كان عليه آنفا، فأدركت أن ما تراءى لي منها من بقية جمال إنما هو من آثار المسحوقات المذرورة على أطراف محياها، ثم بعد أن أضجعته وألقت عليه الغطاء بمعاونة الخادم التي جاءت أخيرا، غادرت المكان، فقلت في نفسي: في هذا الوقت نفسه استيقظ أخوه لمناجاة ربه سالما معافى، وها أنذا أرى أخاه هذا لم يرجع إلى فراشه إلا في الوقت نفسه، فيا للفرق العظيم بين الأخوين!
كنت هيأت لي وضوءا إزائي من أمس فأديت فرض ربي، ثم غلبني النعاس غلبة شديدة، فلم أستيقظ حتى متع النهار كثيرا، فوجدت رب المثوى قد استفاق قبلي، فحياني من إزاء فراشه وحييته، ثم أقبل على الشغل الشاغل الذي يشتغل به أمثاله في كل صباح، فمشط وفرته بعد ما غسلها غسلا جيدا، ثم أقبل عليها بالمسح الكثير، ثم صب عليها قارورة تامة من عطر ثم وقف أمام المرآة يمر الموسى على ذقنه وعلى خديه، ثم ذر على وجهه ذرورا أبيض، ثم استبدل لباسه، وحين نزع حذاءه اندفعت إلى أنفي رائحة خبيثة كأنما انفتح المستراح تحت أنفي، ولكنه هو لم يبال بذلك ولا استرعى همته، ولعله من فريق من الذين لا يتعهدون كثيرا أسافلهم بالنظافة وبالغسل، كما يفعله غالب شبان اليهود المتفرنجين، فقد حدثني طبيب أوربي في السويرة أنه تعجب كثيرا من نظافة المسلمين حتى العملة منهم، ومن وساخة اليهود المتفرنجين، قال: إنني كلما تعرى أمامي يهودي أشم من أوساخ أواسطه وأسافله ما لا أكاد أملك نفسي معه من الغثيان، وأما المسلمون فلا أجد ذلك منهم، حتى إذا تعرى أمامي أحد العملة منهم وهو وسخ في مظاهره وفي أطرافه، أجد مغابن بدنه وأواسطه وأسافله نقية، فلما بحثت علمت أن السبب هو الوضوء الذي يتعاطاه المسلم مرات في اليوم، والغسل الذي ربما لا يتركه أحدهم أياما متوالية.

وبعد أن فرغ صاحبي من شغله الشاغل، جلس أمامي جلسة الدكاترة، فاستدعى بالفطور إلا أنه تناول جرعات من أدواية مختلفة قبل الإفطار.

أتممنا تناول الإفطار على نحو العاشرة فقال رب المثوى: إنني سأذهب الآن لمباشرة عملي، فقلت له: ومتى تخلي لي ساعة أفاوضك فيها؟ فقال: بعد الغداء، فقلت: إن شاء الله، فقال متهكما: ما معنى إن شاء الله؟ فإن الأمر لي، فقد شئت، والسلام، فلم أجبه إلا ببسمة فقط، ثم خرجنا، فصاحبته حتى وصل معمله، فذهبت إلى المدينة، فإذا بي ألقى أخاه سعيدا، فقلت في نفسي: إنها لمصادفة حسنة، فذكرت له أنني سأرافقه العشية لأبيت عنده في تازة، فرحب وواعدني الملاقاة على الساعة الرابعة في العشية في مكان عيناه.

وصلت في وقت الغداء إلى إلى باب دار حماد، فراعني خروج طبيب منها فحييته وحياتي، فقال لي: إنه لا باس عند حماد، فإن الضربة لم تصب مقاتله، وإنما هناك أثر لكمة شديدة غشي عليه بها قليلا، وها هو ذا أفاق الآن من غشيته، وقد ألزمته أن لا يزايل فراشه إلا بعد الثانية، فحين رآني مشدوها مما يقول، أدرك أنني لم أكن أنتظر هذا الخبر الذي فجأني به: فقال كأنك لم تسمع بعد بما وقع لحماد؟ فقلت له: لا، إلا أنني يهمني أن أعلم جلية الخبر كما هي، فقال: منذ ساعة استدعيت بالهاتف على العجلة فوجدت حمادا أمام معمله ساقطا على وجهه مغشيا عليه، ومحافظ الأمن واقف على رأسه، فقيل لي: إنه سقط بسبب مخاصمة مع بعض الأشقياء الأقوياء من الذين لا يزالون أرصاد الحانات، وأزيار الغواني، فقد كانا تشاجرا أمس من جراء راقصة تنافسا في الاستيلاء عليها إثر انقضاء فصول التمثيل، ثم سعد بها حماد، فتركه الشقي إلى أن فتح معمله بعد الساعة العاشرة اليوم فنهد إليه، فحاول حماد أن يتملص من مشاغبته، ولكن الآخر يلح عليه في المبارزة على العادة الأوروبية، فأبى حماد كل الإباء، لأنك لا تجهل أن حمادا ليس من رجال ذلك الميدان، فلما لم يجد الشقي بابا إلى شفاء غليله من صاحبه صمد عليه بلكماته، فحاول حماد أن يجيبه بمثلها إلا أنه ضعيف النكاية، فأصابته من الشقي لكمة شديدة لو أصابت أحد مقاتله لقضت عليه، إلا أنه سلم بأعجوبة، فغشى عليه، هذا ما وقع له، وهو الآن في نوم يسترجع به قوته، ولذلك أوصيت على أن لا يوقظه أحد.

فأحسست بأن الرجل أوتي من قوله آنفا حين نسب المشيئة لنفسه لا لخالقه، فانقدح لي أن أتخذ الحادثة مفتاحا لما أريد أن أفاتحه فيه، فقلت: وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وكم نقمة في طيها نعمة، وإذا أراد الله أمرا هيا أسبابه، إن ربي لطيف لما يشاء.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here