islamaumaroc

آثار الأندلسيين في المعمار تأليف ليوبولد وطريس بالباس.

  محمد قشتيليو

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

من الكتب الحديثة التي أصدرها المعهد الأسباني العربي للثقافة التابع لوزارة الخارجية الأسبانية كتاب: " المدن الأسبانية الإسلامية" لمؤلفه: ليوبولدو طريس بالباس ويتكون الكتاب من جزءين من الحجم المتوسط يحتوي الأول على 434 صفحة وبعض صور أثرية وخرائط، ويتناول موضوع تصميم المدن أيام الحكم الإسلامي وما أدخله المسلمون على المدن القديمة من تعديل تتناسب والدين الإسلامي، وكذا التخطيطات الخاصة بالمرافق المدنية والدينية التي تناسب حياة المسلمين، أما الجزء الثاني فيحتوي على 250 صفحة وهو خاص بالتصميمات والبنايات ذات الصبغة العسكرية والتحصينات الخاصة بالدفاع عن المدن وهو أيضا محلى بصور أثرية وخرائط.
إن هذا الكتاب جدير بالإطلاع لما تضمنته من معلومات قيمة وفوائد جمة في ما توصل إليه علم البحث والتنقيب في ميدان علم الآثار بالأندلس، وما أخرجه علماء هذا الفن من نادر الأشياء فيما خلفه المسلمون في شبه جزيرة إيبيريا من تراث. ويجمل بنا أن ناتي ببعض ما قيل في هذا الباب وما أورده المؤلف في الموضوع عن آثار الأندلسيين في فن المعمار.
يقول المؤلف: بمجرد ما دخل الإسلام إلى الأندلس عمل على البناء والتشييد وخلق مشاريع للعمران والاستقرار، لذا شرع في وضع التصميمات لهذا الاستقرار بخلق المدن من العدم، أو توسيع ما هو موجود منها عند أهل البلد، ثم يقول: ظهر الإسلام على يد مدني، بعد الصعوبة التي لقيها. (أي الرسول) في نشر دعوته بمسقط رأسه مكة هاجر إلى المدينة، وكان هدفه الوحيد هو عودته إلى مدينته مكة لنشر دعوته وتنظيم حياتها، ثم يضيف – أن أول جماعة مسلمة نظمها محمد كانت في المدينة عندما جمع بين المهاجرين والأنصار، وعمل على توثيق الصلة بينهما بواسطة الإسلام ومحو الفرقة العنصرية والطائفية والاجتماعية، فكونت بذلك مجتمعا بقي دائما مضرب الأمثال بين مجتمعات العالم والوحيد من نوعه، وسيبقى دائما مثالا لما يمكن أن يأتي نت بعده من مجتمعات إسلامية. وهكذا كان الإسلام هو الدين الحافز على العمل وعلى تنظيم المجتمع الإسلامي تنظيما محكما يتعايش فيه الإنسان مع أخيه الإنسان، في أمن وسلام، وتحت راية العدل، وفي ظل الحب والوئام، لذا نرى أن أعظم حكام المسلمين وأكثرهم سطوة وشأنا هم الذين نهجوا هذا المنهج وطبقوه على أكمل وجه، فسادوا عمروا، فنرى أعظم عصور الازدهار بالأندلس كانت أيام بعض خلفاء بني أمية أمثال عبد الرحمن الثالث الذي دام ملكه نحو خمسين سنة. نحن نعلم – يقول المؤلف – لإن الفتح الإسلامي بالأندلس أعطى اهتماما كثيرا لتعمير البلاد، وإنشاء مدن جديدة ومرافق كثيرة لهذه المدن من دور وفنادق ومدارس ومستشفيات وخزانات كتب إلى غير ذلك ولكننا نريد أن نعلم ما هي المميزات الخاصة لهذه المدن عن غيرها فأنشأتها هي وابتكرتها، وما شكلها الهندسي وتنظيمها وترميمها إلى غير ذلك. هذا هو ما نريد أن نبينه على قدر المستطاع بقدر ما نتوفر عليه من معلومات في هذا الباب. يقول ليوبولدو طريس بالباس في كتابه الآنف الذكر: إن مميزات المدن الإسلامية (يقصد مدن الأندلس) كان يتوسطها دائما المسجد الجامع، ولم يكن هذا المسجد يعتبر كمكان مقدس ديني فقط، بل كان مركزا هو بيت الأمة ففيه كانت تذاع وتتعقد الأوامر السياسية ونشر تعليماتها، وكان المسجد أيضا مكانا لنشر العلم والثقافة وإقامة الطلبة الوافدين إليه من الخارج، فكان يؤدي رسالة علمية وما تزال يؤديها. وبجانب المسجد المدارس لإيواء الطلبة، ثم يضيف المؤلف، بأن بيت المال كان يقام بجانب المسجد بل في دائرة واحدة تضمهما معا (أي المسجد وبيت المال) وكان هذا في القرون الأولى للهجرة.
والمميزة الثانية للمدن الأندلسية بعد المسجد الجامع هو " السوق" هذا المرفق مكون من مجموعة أسواق وكانوا عادة بجانب المسجد أو حواليه، وملتصقة بهذه الأسواق دكاكين الصناع والتجار ومخازن للسلع الواردة من خارج البلد، وكانت علاقة مجموعة هذه الأسواق بالمسجد الجامع تؤدي أهمية كبرى في صلة الوصل بينها وبين المواصلات التي تصل الشوارع من داخل المركز الحضري لغاية أبواب المدينة، إنها هندسة منسقة بشكل مرسوم يسهل على الناس التعامل والتعايش داخل المجتمع الحضري، لقد كان الناس يعملون في حياتهم اليومية، ويصممون لها ونصب أعينهم شيئين ضروريين يعملون لحسابهما: وهو القيام بالواجب الديني والدنيوي معا فلهذا فكروا وصمموا ثم عملوا لهذين الشيئين الملازمين لحياتهم اليومية.
لقد كان تصميم الأحياء السكنية عند الأندلسيين يخضع لأن يكون بعيدا بالمرأة وسر الأسرة فكانت الأحياء السكنية دائما بعيدة عن أسواق المدينة والشوارع والأزقة ذات الحركة الذائبة، وكانوا لا يقيمون بالأحياء القديمة في المدن التي وجدوها قائمة عند النصارى عند دخولهم إلى الأندلس، لأن شوراعها فسيحة ومكشوفة بالنسبة لحياة المرأة المسلمة المحتجبة، إذ لا يتناسب مع الحشمة والوقار اللذين يحض عليهما الدين الإسلامي، فكانت أبنيتهم غالبا تنشرف أبوابها على أزقة ضيقة وبعيدة عن الطرق التي يكثر فيها المارة.
هذه نظرة موجزة عن هذا الكتاب القيم ويا حبذا لو أخرج إلى لغة الضاد لتعم به الفائدة وخاصة على أبناء العروبة الذين هم في حاجة إلى إحياء تراث أجدادهم ليتذكروا ويتدبروا وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here