islamaumaroc

الإبداع في صعوده ونزوله (تر.أ.ع.س.البقالي)

  وليم بليلوك

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

كان الشاعر (روبيرت لوويل Robert Lowel)، الذي توفي سنة 1977، يسمي اقباضه الجنوني " خللا المحرك". ومن الواضح أن علم النفس الحديث يوافقه على ذلك. فاضطرابات المزاج المعروفة بالانقباض الخبلي، أو الهوسي، وكذلك الانقباض المصحي clinical depression ( الذي يؤدي بصاحبه إلى المستشفى)، تعد أمراضا جدية. إلا أن باحثة من (جامعة كاليفورنيا بلوس أنجليس – Ucla) أعادت كتابه جملة الشاعر (لوول) قائلة: إن اضطراب المزاج، إذا عبرنا عنه بأسلوب فني، فإنه ليس خللا بالمحرك، بل قد يكون المحرك بنفسه !
وتعتقد العالمة النفسانية (كي جيمسون) أن هناك دليلا قويا على وجود صلة بين العبقرية المبدعة، وبين الاضطرابات العاطفية. وتمثل جزءا من ذلك الدليل دراسة قامت بها لمدة اثني عشر شهرا (بأكسفورد) وفي (مستشفى سانت جورج بلندن)، وقد درست (جيمسون) سبعة وأربعين فنان وكاتبا مبدعا بريطانيا بارزا. (لتأهيل الكاتب للدراسة لابد أن يكون حاصلا على جائزة كبرى، أما الرسامون والنحاتون فلابد أن يكونوا أعضاء في الأكاديمية الملكية للفنون). وقد وجدت (جيمسون) أن ثمانية عشر من بين الجماعة قد دخلوا المستشفيات للعلاج من اضطراب عاطفي أو عولجوا ب (كاربونات الليثيوم lithium carbonate) أو بصدمات كهربائية تحدث التشنج . electronvulsive ورغم صغر حجم العينة المدروسة، فإن نسبة 38% من اضطراب المزاج داخل المجموعة كان أكثر منه بين أفراد الجمهور العادي بست مرات. ويعني هذا بالنسبة (لجيمسون) أن الاضطراب العاطفي ليس كارثة كبرى كما يعتقد الأطباء النفسانيون. فهي تقول: " اعتقد أن هذه الدراسة تبين بوضوح وإقناع أنه يمكن أن تكون هناك جوانب إيجابية للاضطراب المزاجي، وأهمها الإبداع".
والفكرة القائلة بأن الإبداع ربما كان نتيجة مرض نفسي لا تكاد تكون جديدة. فهي موضوع دائم الوجود في الثقافة الغربية، وقد طرقها في السنوات الأخيرة الكاتب (أرثر كوستلر) والطبيب النفساني (أفتوني سطور). وتعتقد (جيمسون) ن الانقباض الخبلي الذي يتميز بتأرجح المزاج ما بين قمم الابتهاج، وحضيض الغم، أكثر مردودية لمن يعانيه من الانقباض المصحي الذي لا تقاطعه نوبات الابتهاج. وتبدو لائحة (جيمسون) للشخصيات التاريخية المصابة بالانقباض الخبلي كمعجم لاسماء فنانين من الدرجة الأولى. فمن بينهم المؤلفون الموسيقيون (جورج فريديريك هاندل) و (هيكتور بيرليوز) و ( روبيرث شومان)، والشاعر الرسام ( دانتي غابرييل روزيتي)، والكتاب (أنوري دي بالزاك) و ( فرجينيا وولف) و (جان راسكين) و (إيرنست هيمنغواي) و (سكوت فيتز جيرالد) و (تشارلز لام).
ودراسة (اكسفورد) هي طرف من بحث (جيمسون) في مرض الانقباض الخبلي، وهو كتاب تكتبه بالمشاركة مع (ف. ك. غودوين)، الطبيب النفساني، ورئيس قسم البحث (بالمعهد الوطني للصحة العقلية في باثيسنا) بولاية (مارلاند) بالولايات المتحدة. ومن ذلك الجانب تبدو الدراسة مخيبة للآمال؛ فمن بين 47 فنانا بريطانيا، ثلاثة فقط هم الذين كانوا مصابين بالانقباض الخبلي، وكلهم شعراء.
ولكن ذلك يتفق مع نظرية (جيمسون) القائلة بأن الشعر هو المهنة الممثلة بعدد زائد عن اللزوم في سجلات الانقباض الخبلي.
تقول (جيمسون) إن (بايرون) و (شيللي) و (كولريدج) و (بو) و (جيرارد مانلي هوبكنز) كانوا جميعا مصابين بالانقباض الخبلي، وقد وصلت إلى نتائجها هذه بعد الانكباب على رسائل، ودراسات أخرى، وعلى أعمال الشعراء أنفسهم. وكذلك كان عدد من أصحاب الأسماء الكبرى في الشعر الأمريكي الحدديث، مثل (هارت كرين) و (ثيودور روثك) و (ديلمور شوارتز) و (جان باريمان) و (روبيرت لوويل) و (آن سيكستون) و (سيلفيا بلاث). وحتى القرن الثامن عشر الذي تقول عنه (جيمسون) أنه العصر الوحيد في تاريخ الغرب الذي لم يعان شعراؤه من اضطرابات داخلية، قد ساهم بشعراء مصابين بالانقباض الخبلي. تقول (جيمسون): إن خمسة من بين واحد وعشرين من شعراء ذلك العصر المسجلين ب (كتاب اكسفورد الجديد لشعر الإنجليزي من 1250 إلى 1950) كانوا مصابين بالانقباض الخبلي،  ومنهم (ويليم كاوبر) و (طوماس تشاترتون). وتقول: إن الشعراء يستفيدون من تغيرات المزاج أكثر من الروائيين، " لأن لغة الشعر هي أقرب إلى مجرى الفكر البدائي والذهان (1)، أو لأن طبيعة العمل المتواصل قد تكون مختلفة في هذين النوعتين من الكتابة".
وتسارع (جيمسون) رئيسة (مصحة الاضطرابات العاطفية) في (جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس)، إلى القول بأن تأرجح المزاج ليس شرطا مسبقا للنجاح في الفنون. " ذلك أن أغلبية المبدعين لم يعانوا من الانقباض الخبلي. أنظر إلى (شيكسبير): لا أعتقد أن أحدا ضبط عليه خللا نفسانيا".
وتضيف : " ومن جهة أخرى، إن اضطراب المزاج يمكن أن يستغله بعض الفنانين لتبرير سلوكهم الشائن.
" فالشاعر (بايرون)، مثلا استغله للإفلات من العقاب بعد اقتراف كل أنواع التصرفات التي كانت غير مقبولة من أي شخص " طبيعي" أو " عادي".
وكثير من الفنانين المصابين بهذه الاضطرابات كانوا يرفضون العلاج بحجة أنهم قد يضيعون قدرتهم الإبداعية بعد شفائهم من اضطرابهم العاطفي.
وتعتقد (جيمسون) أن هذا الرأي قد يكون معقولا، فكثير من المصابين بالانقباض الخبلي يشعرون، أثناء تحليقهم الإبداعي، بقدرة خارقة على الإبداع، وبشيق كبير، وحماس عظيم. والعلاج العادي للانقباض الخبلي، والذي هو (كربونات الليثيوم) يكفكف من غلواء كل من الانقباض والانتشاء معا. وكثير ممن يتعاطون هذا الدواء يشعرون بفتور الهمة، وبالحرمان من النشوة. ومع ذلك فكثير من الأطباء يختلفون مع (جيمسون) مشيرين إلى أنه لا توجد أدلة قاطعة، في هذا الجانب أو ذاك، على أن الإبداع يتأثر بتغير المزاج.
وقد وجت (جيمسون) في دراستها أن 42 من 47 فنانا بريطانيا أخبروا بأنهم مروا بفترات من نشوة الإبداع دامت كل منها حوالي أسبوعين، قد قابلتها فترات مماثلة من اشتداد الانقباض الخبلي. وتقول: " تميزت تلك المراحل بزيادة في الحماس، والثقة بالنفس، وتسارع الاقترانات العقلية، والطلاقة في اللسان".
وتقول (جيمسون) إن التأرجحات العاطفية العنيفة هي ببساطة الثمن الذي يؤديه المبدع مقابل إبداعه. فقد كتب (هاندل) سيمفونية (المسيح) في أربعة وعشرين يوما أثناء نشوة جنونية. وتضيف: " إن المصابين بالانقباض الخبلي يمكن تشبيههم بسيارات سباق إيطالية. أي كما لو أن للواحد منهم حركات متناهي الدقة، محركا من الدرجة الأولى، فيدور بسرعة هائلة ثم يصاب بعطب وينحل انحلالا كاملا حينا من الزمن".
وتشير إلى أن الانقباض الخبلي لا يتنافى مع الإنتاج الكثير: فالعقل لا يفقد الوضوح، ومعاناة الانقباض تعطي عمقا للعمل الذي أنجز في فترة الانتشاء. وهي لا تستخف بالآلام التي يعانيها المبدعون، ولكنها تصر بعناد على تأكيد الجانب الإيجابي. وسوف تأخذ (جيمسون) خطوة في ذلك الاتجاه بالمساعدة على تنظيم حفل موسيقي لجوق (لوس أنجلس السمفوني) لا تعزف فيه إلا أعمال الموسيقيين المصابيين بالانقباض الخبلي.

   -------------------------------------- 
1) الذهان أو الهواس: اضطراب عقلي أساسي موصول يتسم باختلال الصلة بالواقع أو انقطاعها.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here