islamaumaroc

المرأة في الإسلام .

  مصطفى بن أحمد العلوي

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

انطلاقا من قول الله تعالى: ?يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.... إلى رقيبا?، وقوله: ?هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها?، وقوله: ?ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة?، فهذا الإنسان المخلوق من طينة واحدة ونفس واحدة استخلفه الله في الأرض ليعمرها ويعيش فيها، وتتعاقب أجياله فوقها إلى أن يشاء الله وقد ركب في خلقته غرائز تدفعه إلى مؤانسة بعضه لبعض وقد قيل: إن ذلك موضوع تسميته إنسانا فسكون ذكرانه إلى إناثه والعكس، هو أمر جبلي وطبيعي في تكوين نشأة المخلوق على ذلك لحكمة اقتضاها صنعه البديع والإنسان كسائر المخلوقات الحية يتعامل جنسيا، ذكرانه وإناثه، لأنه فطر على ذلك من لدن صانعه فطره على ذلك سبحانه.
والإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يتقذرها، وإنما ينظمها ويطهرها ويرفعها عن المستوى الحيواني ويرقيها، حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية والأخلاقية في هذا المجتمع المترفع عن مجرد الحيوانية. فالإسلام يزيد من مجتمعه الذي يشترك في تكوينه الذاكران والإناث أن يرتفع فيه الطرفان عن الحيوانية التي لا تهدف إلى إقامة أسرة وتأسيس بيت فيه حياة مشتركة بل يريد أن تقوم الحياة الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية التي تربط بين الإنسانية برباط التقوى وإنشاء حياة دائمة مشتركة بقلبين وروحين طاهرين ينظران إلى مستقبل مشترك يلتقي في الذرية المرتقبة والتي يسهر على تكوينها والدان حارسان لا يفترقان.
تلك لمحة قصيرة عن منشأ الإنسان بنوعية الذاكران الإناث في نظرية الإسلام انطلاقا من الآية الكريمة السالفة: ?ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة?.
ويجمل بنا قبل أن نفصل القول في موقف الإسلام من المرأة وهي نصف هذا المجتمع أو تزيد.
أن نستعرض بإيجاز موقف بعض الأمم والشعوب والديانات والمذاهب المختلفة في أحقاب التاريخ قبل الإسلام لنميز بين وضعية المرأة في تلك الأحقاب وبين ما خصها به دين محمد صلى الله عليه وسلم مما يميز بين الحالتين، وذلك حسب المستطاع وما يسمح به الوقت القصير.
فاليونان من أقدم الأمم في تاريخ البشرية وأكثرها حضارة، وفي عصرهم البدائي كانت المرأة عندهم في غاية من الانحطاط وسوء الحال في الأخلاق والحقوق والسلوك الاجتماعي، فلم تكن لا مرأة عندهم منزلة أو كقيام كريم، وإنما كانت مجرد متاع، وما كان الرجال مطالبين بمثل عليا من العفاف وطهارة الأخلاق، حتى كانت النساء المحرفات جزءا من صميم المجتمع اليوناني لا ينفك عنه، ولا يعاب على المرأة إذا عاشرهن أو خادنهن، حتى أصبحت بيوتهن مراكز يؤمها الرجال من سائر طبقات المجتمع.
أما الرومان فقد كانت لهم نظرية أخرى في أول عهدهم وازدهار دولتهم فكان رجل رب الأسرة يتحكم في جميع أفرادها: زوجة وبنين وبنات، وكان العفاف عندهم في أجل مكان من الاعتبار.
ولكن سرعان ما تغير هذا الموقف منهم في شأن المرأة كلما ازدهرت حضارتهم إلى أن انقلب الأمر وانعكست الحال رأسا على عقب فلم يبق لعقد الزواج عندهم اعتبار، وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية، ومنحت المرأة حقوق الإرث والملك، وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطة عليها لزوج ولا لأب، وأصبح الطلاق عندهم أمرا عاديا لا أثر له في المجتمع، وحتى أصبح النساء يعددن سني أعمارهن بعدد الرجال الذين تزوجت بهم أي في كل عام زواج وطلاق، ذكر أحد المؤرخين ما رسل (43 – 104م) أن امرأة تزوجت عشرة رجال في ظرف قصير، وقال آخر جووينل (60-140م) أن امرأة تقلبت في أحضان ثمانين أزواج في خمس سنوات، وهكذا هبط المستوى الأخلاقي إلى أن أصبح كبار علمائهم يعدون الزنى أمرا عاديا كما زعم كاتو (84 ق.م). ولما انحلت عرى الأخلاق وصيانة الآداب عند المجتمع الروماني اندفع تيار العري وإرتكاب الفواحش وجموح الشهوات، وأصبحت المسارح ميادين للخلاعة والمجون والتبرج الممقوت والعرى المشين، وزينت البيوت بصور رسوم كلها عورة سافرة إلى الفجور والدعارة والفحشاء الأمر الذي اضطر معه المسؤولين إلى وضع قانون يمنع نساء البيوت من إحتراف مهنة الفساد وصناعته النافقة. وانتشر بالرغم من ذلك السباق إلى العري والاستحمام في مكان واحد يضم النساء والرجال. ولا يخفى ما يجره ذلك من أباحية واختلاط في الإنسان، الأمر الذي يميت الروابط الأسروية التي هي سر وجود مجتمعات متماسكة متضامنة في السراء والضراء.
وجاءت المسيحية منتشرة في أوربا التي كانت تعيش فوضى أخلاقية متناهية فحاولت أن تظهر المجتمع وأعلنت استنكار البغاء، وتوعدت من يتعاطيه من النساء بسوء العاقبة، ودفعت بالراقصات والمغنيات إلى إعلان التوبة على أيدي الرهبان رجال الدين الذين تشددوا في أمر العلاقات الجنسية، وأعلنوا زهدهم فيها، وأشاعوا في الناس في المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، وهي للرجل باب من أبواب جهنم تغريه وتغرر به حتى الهلاك، لأنها سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح. وقد قال أحد أقطاب المسيحية(تروثوكيان): إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة ناقضة لقانون الله: وقال كرائي سوستام وهو من كبار رجال المسيحية: المرأة شر لابد منه، ووسوسة جبلية، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت ورزء وسوء.
وهكذا  وبفعل دعوة الرهبان أصبحت العزوبة وتجنب معاشرة المرأة حتى يعقد نكاح من علامات التقوى والصلاح والورع وسمو الأخلاق، وضرب في ذلك المثل رهبانهم في الأديرة والكنائس وتشددوا في هذا الأمر، فكان رد الفعل أن انتشر الفساد والإباحية بشكل خطير، نظرا للإحراج الناجم عن تعاليم الرهبان وعن سلوكهم في الظاهر المنفر من معاشرة المرأة ولو عن طريق العقد القانوني، في حين أن الطلاق غير مسموح به دينيا وقانونيا مما يدفع بالزوجين عند سوء العلاقة إلى أن يتحرر كل منهما من قرينه فتبدأ المخادعة والاتصالات اللامشروعة وبذلك أسرع الفساد إلى المجتمع وانحلت روابطه وضع الأسرة التي هي الخلية الأولى لتكوين مجتمع متماسك.
وفي الجزيزة العربية وقد كانت تحتك بجيرانها من الأمم والشعوب التي خضعت لليونان والرومان وغيرهم ممن فسدت أوضاعهم وحالاتهم، فتأثروا كثيرا بتلك الأحوال ونشأ عن أخلاقهم التي عرفوا بها- ومنها عزة نفوسهم وأنفتهم من العار – أن كرهوا المرأة بصفة عامة وأصبح الرجل منهم يستنكف من مولودته ويتقزز من وضع يوجد عليه وفي بيته عدة بنات من صلبه ومن زوجته القانونية، الأمر الذي دفع ببعضهم إلى التخلص من بنته وصبيته فيدفنها في التراب وهي حية تأخذ بلحيته، وهو يضعها في قبر بدون شفقة ولا رحمة، الأمر الذي نهى عنه القرآن وبأسلوب بليغ في النكير ووضع المسؤولية على صاحبها، ?وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت? وما كانوا يفعلون ذلك إلا خشية العار، أن تبقى البنت في بيت أبويها ولا يأتي من يخطبها ويتزوجها فتضطر لسلوك السبيل الفاسد، الأمر الذي يصبح سيئة وعارا على قبيلتها. ولشدة ما كان من وقع كلمة في بيت شعر تلصق العار والستار بأسرة أو قبيلة لا تصحوه صحائف الدهر وتقلباته.
تلك بعض سمات العصر الذي بعث فيه رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم وجاء بالرسالة الخاتمة الشاطة لسائر الأمم والشعوب، وكان من أهم ما جاءت به رسالة الإسلام تصحيح عقيدة الإيمان بأن الله وحده لا شريك له هو صاحب الأمر والنهي والخالق الرازق المدبر المحي المميت بيده كل شيء وإليه المصير. وبعدها العمل على صلة الخلائق بصانعها ومربيها سبحانه، وذلك بتقبل ما أنزله على عبده ورسوله سيدنا محمد، هذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المعجزة الكبرى الدالة على صدق محمد في رسالته هاته، والآن وقد مضى على بعثة رسول الله أزيد من أربعة عشر قرنا والقرآن كما أنزل لم يضع منه حرف ولا كلمة. وها هو يفتح القلوب ويشرح الصدور، ويعيد للأنفس الطمأنينة بعد الذي أصابها من هزات في المعتقد والسلوك والمعاملة. ويعين على تصحيح الأوضاع وإصلاح الأخطاء، ويرأب الصدع ويلم الشعت ويتير للناس طريق الهدى والسعادة في الدارين: ?من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون?.
وبعد، يمكننا الآن أن نستلهم كتاب الله ونتجول في أرجائه لنرى منزلة المرأة في الإسلام، بعد الذي اعتراها من تقلبات وأوضاع منذ آلاف السنين ولدى مختلف الأمم والحضارات، فالإنسان داخل في عموم قول الله تعالى: ?ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون?.
غير أن زوجية الإنسان تمتاز عن زوجية الأشياء الأخرى بما في ذلك الحيوان الذي هو أكثر شبها بالإنسان في مضمون الزوجية التي عن طريقها يتم استمرار وجوده فالإنسان كرمه الله بالعقل وألهمه واستخلفه في الأرض ومهد له سبل الحياة فيها وملكه أمرها، وسخر له جميع ما عليها من نبات وحيوان، وما أودعه في باطنها من خيرات . ?هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شيء عليم? والفطرة الحيوانية في الحيوان هي نفسها في الإنسان يقوله سبحانه: ?جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذاركم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير? ويقول: ?نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله?.والشبه المقصود هنا والله أعلم هو ملازمة ما بين الزوجين من هذا النوع من العلاقة الدائمة المستمرة دون سائر أنواع الحيوانات فالزراع يلازم زرعه وأرضه وإنتاجه يرعاه ويحافظ عليه باستمرار. والزوجان يحافظان على علاقتهما دوما وبرعيان ما ينتج عن علاقتهما الجنسية بالعناية تنشئة وتربية ورعاية لأنه استمرار لهما في هاته الحياة. والسر الذي أودعته الفطرة التي فطر الله الناس عليها هو ما أشارت إليه الآية: ?ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة?، فهو الاطمئنان والسكون وتبادل العطف والود والرحمة والتكامل المتجلي في الآية: ?هن لباس لكم وأنتم لباس لهن?، وهكذا انفرد الإنسان دون بقية الحيوانات والمخلوقات الأخرى بأن علاقة زوجية ليست علاقة جنسية عابرة فقط وإنما هو التكامل والتعاون والحب والرحمة والمودة والحفاظ على بقاء السلالة البشرية عن طريق هذا الاتصال الجنسي وما ينجم عنه، فبالرغم من مدلول الآية: ?وحملته أمه وهنا على وهن?، وقوله تعالى: ?حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا?، فإن علاقة هذا الحمل ومستقبله مرتبط بوالديه بشكل لا وجود له في غير الإنسان من الحيوانات كما تفيده الآية: ?زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين? فهذا الحب وهذا الحنان الفطري هو الذي يقيم أواصر النسب والمصاهرة بين أفراد الإنسان، وعنه تنشأ روابط الأسر والعائلات ومنها تتألف القبائل والشعوب مصداقا لقول الله جل شأنه:: ?وهو الذي خلق من الماء بشرا فجمله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا?، وقوله: ?يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أثقاكم?، فرابطة الرحمة وأصرة الصهر والنسب هي في الحقيقة حجر الزاوية فبطبيعة التمدن الإنساني، ويتوقف قيامها ومتانتها على أن يكون الأولاد من الآباء المعروفيين المعلومين، وذلك سر حفظ الإنسان من الزلف والاختلاط...حتى بعد موت الأبوين تظل هاته الروابط قائمة فيما خلفوه من بنين وأموال ?وأولو الأرحام بعضهم أولى بعض في كتاب الله?، أما مجهولو الآباء فقد قطعت هاته الآصرة منهم بحكم الله ?وما جعل أدعياكم أبناءكم?.
وقد ميز الله الإنسان من بين المخلوقات بغريزة الحياة، فالحياة غريزة طبيعية فيه دون غيره من المخلوقات، ومن ثم كان مجبولا على الرغبة في ستر بعض أجزاء جسمه تلك الأجزاء التي هي أدعى إلى إثارة فتنة بعضه ببعض وقد بين القرآن هذا عندما تحدث عن آدم وزوجه وقد سترا بعض تلك الأعضاء كما تقتضيه الفطرة والحياة التي أودعها الله فيهما، فجاء إبليس اللعين يوسوس بينهما ليبديا ما ستراه حياء ?فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سؤاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هاته الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فد لاهما بغرور?. فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم نبههما سبحانه إلى شيء آخر فقال: ?يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سؤاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون?.
وهكذا نرى الإسلام يسير بتدرج في ضبط هذا الجانب الحيواني في الإنسان بصفة خاصة لأن الله تعالى كرمه وإصطفاه ليكون خليفته في الأرض ومن تم ميزه عن غيره من المخلوقات بأن علمه كيف يتصرف جنسيا، ووهبه صفة العقل والتفكر، وأنعم عليه بصفة الحياء وبذلك أمكنه تصريف غريزته الجنسية على شكل منضبط سليم دائم مستقى.
وبما أن البعض من أفراد هذا الإنسان تدعوهم ضرورة القرابة الدموية إلى أن يكونوا على اتصال دائم ومستمر في كل الظروف الحياتية فقد حرم عليهم القرآن هذا الميلان الجنسي بصفة قاطعة ودائمة فقال: ?حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعتكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نساءكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف?.كما حرم عليهم ذوات الأزواج والمحصنات من النساء. وحرم أيضا الاتصال بمن سوى ذلك بدون عقد ونكاح ومشروع مما يعد زنى، فقال: ?ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا?.
وبهذا سدت أبواب الفوضى الجنسية بحكم الإسلام، وإذن فباب المتعة الجنسية مقيدة بقيود نص عليها القرآن: ?وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين?، وقال:?فانكحوهن بإذن أهلهن?، وقال:  ?محصنات غير مسافحات ولا متخذات أحدان?، هذه ميزة الإسلام لا يأمر بكبت العلاقة الجنسية ولكنه ينظمها ويضع في طريقها ترتيبات وشروطا إذا توفرت كان أثرها طيبا، وأنتجت مجتمعا متماسكا، فالصلة الجنسية إذا فقدت شروطها كانت محرمة ومستقذرة، وتعود على فاعليها بشر مستطير، وإذا وقعت داخل الإطار الشرعي في دائرة الزواج المستكمل للأركان والشروط كانت مباحة ومستحسنة ومرغبا فيها، وتصبح عبادة إذا صاحبتها النية والقصد إلى إحصان المرأ نفسه من الوقوع في المحرمات. وقد علمنا المعلم الأكبر محمد صلى الله عليه وسلم هذا فلنستمع إليه يقول: " من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ".
ثم يقول في حديث آخر: " والله لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ويقول صلى الله عليه وسلم: " لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه" يم يقول: " إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها ملائكة حتى ترجع".
ويقول: " إذا رأى أحدكم إمرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها".
وقصده من هذا صلى الله عليه وسلم سد أبواب الفوضى الجنسية وإرشاد المسلمين إلى ما فيه صلاح أمرهم وانتظام شؤونهم، وهذا كله داخل في الوقاية من جريمة الزنى التي هي جرم فظيع في نظر الإسلام.

تنظيم الأسرة:
وعندما تناول الإسلام تنظيم الأسرة راعي في ذلك تكوين كل عضو من عضوي الأسرة: الزوج والزوجة. ونظر إلى ظروف كل منهما وتكوينه الجنسي والعاطفي، وأناط بكل منهما ما يصلح له فألقى على الرجل بمسؤولية كل متاعب الحياة، التي من شأنه أن يضطلع بها. وفي مقدمتها النفقة، فليس على المرأة أن تنفق على نفسها ولا على ما تنجبه من أولاد حتى ولو كانت ذات مال.
وعلى الزوج الإطعام والكساء والعلاج والسكن والتربية للزوجة والبنين في كل الحالات.
وحتى في حالة الرضاعة. وعلى الزوجة الحمل وما له وعليه، والأوضاع وتربية الرضيع والطفل وتنظيم البيت. فلنستمع إلى القرآن الكريم وهو يقول: ?والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده?.
فحقوق كل من الزوجين مضمونة بحكم الإسلام ?ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة?. ولعلها درجة الإنفاق والله أعلم.
وإذا كانت قوامة الرجال على النساء بحكم الآية الكريمة: ?الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم?، أثبتت نوعا من الأفضلية فليست هناك مفاضلة تقتضي أن أحد الجانبيين محتقر عند الله فالتفاضل الحقيقي عند الله إنما هو التقوى، وإنما هنا مفاضلة في العلم على ما يقوم به أمر الأسرة وقيادتها وزيادتها للخير وإبعادها عن الشر، وهو ما يستفاد جانب منه من قوله سبحانه: ?وبما أنفقوا من أموالهم?.
ثم قد يكون هناك فرق في القدرة على التفكير وتحمل الصدمات التي قد تعترض المرء في حياته ومما لا ريب فيه أن الرجال في هذا أشد تحملا من النساء.
ومن هذا الجانب فقط والله أعلم تفرعت عدة نقط في علاقة المرأة بالرجل. فبالرغم مما تقيده الآية: ?ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف?، فإن هناك عدة أحكام أقرها الإسلام وهي لصالح الطرفين. وقد تكون لصالح من يظن أنها نقص من حقه، وذلك كأخذ رأى المرأة عند عقد النكاح مثلا بالنسبة للولي والقاضي، فليس للولي، ولو كان أبا أن يعقد على إمرأة بغير رضاها، ولكن إذنه شرط لأخذ الاحتياط في العقد، وإنه مستوف للشروط التي من أهمها الكفاءة المادية والمعنوية حتى لا تقع المرأة فيما لا تحمد عقباه، بدافع من الدوافع العارضة.
ولا يمس هذا بالمساواة في الحقوق وإنما هو تأكيد لتلك الحقوق. بدليل أنه عندما يكشف الحال ويتبين أن من له الحق في هاته المشورة أراد أن يستعمل ذلك الحق، في غير مجله فقد جاء النهي صريحا في قوله سبحانه: ?ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن?. وإذا وقف ولي في وجه زواج إمرأة بغير حق تدخل القضاء وتم العقد بإذنه.
وهكذا يثبت الإسلام للمرأة حق التصرف في أمرها بنفسها بما في ذلك الترابط الدائم في الزواج وحفاظا على حقوق المرأة منع الرجل من الإساءة لزوجته بحكم القوامة التي إنما منحت له للحفاظ على سلامة الأسرة وقيادتها في طريق الخير والصلاح.
وكذلك أعطيت المرأة حق تنمية كفاءتها وما منحها الله من مواهب فكرية في حدود النظام الإسلام وقيوده التي هي في صالح بناء الأسرة، والمرأة من أهم عناصر الأسرة، وبرقيها في العلوم والمدارك واستثمار المواهب التي منحها الله تكون الأسرة في أوج السعادة والازدهار.
وفي الميدان الاقتصادي فالإسلام عكس جميع الأنظمة الوضعية التي قيدت المرأة في هذا الصدد، وجعلتها مرهونة بإذن شريك الحياة في كل أمر تريده في مالها. فالإسلام منحها حق التصرف فيما تملكه بما في ذلك صداقها الذي تأخذه منه شيئا. قال تعالى: ?وآتيتموا إحداهن قنطارا فلا تأخذوانه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا?.   
والميثاق الغليظ هو عقد الزواج.
وإذا كان هذا فيما أخذته صداقا فكيف بما ورثته من موروثها مطلقا وما تكتسبه من عمل يدها.
إنه لا يوجد نظام أعطى حرية التصرف في المال للمرأة كالإسلام، فلا يجوز لأحد أن يقيدها في هذا إلا أن يكون في تصرفها شطط وأسراف فيتدخل القضاء كما يتدخل عندئذ في شأن الرجال سواء.
أما قضية الميراث فإن الله تولى أمره صراحة فقال: ?للذكر مثل حظ الأنثيين?، ولو جاز وستغفر الله سلفا من قولي هذا لو جاز أن ينعت هذا التشريع بنوع من الشطط أو الحيف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لكان الأمر بعكس ما يتوهم الناس فيه مساسا، بحق الرجل، لأن المرأة عندما تأخذ نصف حصة تنصرف فيها ولا تنفق منها على نفسها ولا على أولادها ولا على غيرهم. بينما الاتفاق وكل شؤون المال الذي تحتاجه الأسرة على عاتق الرجل وذلك يجسم أن المرأة في هذا الأمر محظوظة وتلك قسمة الله، ومن لم يرض بها فليحمل مسؤوليته، وأستغفر الله مرة أخرى.
أما قضية الطلاق وانفصام العصمة التي جعلها الإسلام بيد الرجل فالحكمة في ذلك والله أعلم أن الرجل أولا هو الذي دفع مالا في هذا العقد والميثاق الغليظ كما وصفه الله ثانيا أن الرجل غير سريع التأثر عندما يقع ما من شأنه أن يقلق ويغضب من تصرفات قد تحدث في وسط الأسرة، بل إنه يسمع ويرى بتبصر ولا يقدم على إعلان الفصام إلا بعد التروي واستعمال كل الوسائل الممكنة ليتفادى أمر الخلاف، وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذا فقال: ?وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا، والصلح خير?، وقال في نفس المعنى: ?فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها أن يريدا إصلاحا يوفق الله بينها?.
وأعطى للمرأة الحق في أن تطالب أيضا بهذا الفصام وحل رابطة هذا العقد ولكن عن طريق القضاء. فهناك التطليق أن ثبت الضرر وهناك الخلع على مال إن لم يثبت ضرر وبذلك يكون حق المرأة هنا مضمونا شرعيا، مع ملاحظة أن رباط الزواج أمر الله أن يكون سر مديا ولذلك نعته بأنه ميثاق غليظ وقال سول الله صلى الله عليه والسلام: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
أما الشهادة وقد وقع التنصيص على أن شهادة عدل واحد تعدلها شهادة إمرأتين فليس ذلك عن نقص في عقيدة الشاهدة أو في سلوكها. ولكنه مبني على أمر آخر وهو سرعة الانفعال والتأر وقد ينجم عنه الغفلة والنسيان؛ ولذلك ورد التنصيص على هذا المعنى في الآية الكريمة: ?فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى?، وإذن فلا نقص ولا غضاضة على المرأة في هذا، لأنه قد يكون هناك شاهد من الرجال ولا تقبل شهادته لعلة أخرى لا دخل فيها للجنس ولا لكونه ذكرا أو أنثى. والله أعلم.
أما الولاية العامة فهي أيضا لا يوذن أمرهما بنقص في المرأة وإنما نظر الشرع فيها للعاطفة الرقية التي عند النساء. والولاية خصوصا أن القضاء يحتاج إلى قوة وصرامة فمن الصعب أن لا تتأثر عاطفة المرأة وهي تبحث في إعلان حكم بالموت أو الأشغال الشاقة أو الجلد بدون شفقة ولا رحمة كما نص على ذلك الكتاب العزيز في تأديب الزاني غير المحصن?ولا تأخذكم بهما رآفة في دين الله إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المومنين?.ففي مثل هاته الظروف يحتاج الحاكم إلى شيء من القسوة وذلك مالا يتوفر في غالبية النساء، وهناك ظروف خاصة ذكر علماء طب النفس أن المرأة لا تكون كاملة التفكير قوية الإرادة فيها وذلك أيام الطبت الذي ينتاب المرأة فترة من كل شهر قد تستمر ثلث أيامه.
تلك بعض النقاط التي يظهر أن فيها فرقا بين الرجال والنساء وهما طرفا الأسرة وعمدتها، والأسرة هي حجر الزاوية لكل مجتمع يريده الإسلام نظيفا طاهرا قويا متماسكا متضامنا حتى تتكون منه خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتومن بالله.
وليكون هذا المجتمع نموذجا فريدا في القوة والتعاطف والتكامل والتضامن، وضع له الإسلام عدة عوامل توجهه إلى الغاية المنشودة.
1) العامل القائي: فقد أعطى الإسلام عدة تعليمات في هذا الميدان إذا نفذت تقي الفرد والمجتمع من الوقوع في مستنقع الرذائل ففرض نوعا من السلوك من شأنه أن يجعل المجتمع في مأمن من الأخطاء والانحرافات التي تمس بسلامة الأفراد والأسر، وبالتالي المجتمع فجعل حدا لفيضي الإختلاط بين الجنسين للتخفيف من وقع الجاذبية الخاطئة، وبين المحارم التي يجوز معها الإتصال بدون قيد. وهن اللاتي يحرم الزواج بهن في قوله تعالى: ?حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى آخر الآية السابقة?.
ثم حدد العورة التي يجب سترها على الرجال والنساء، وهي في حق الرجال ما بين السرة والركبة وفي حق المرأة سائر جسدها ما عدا الوجه والكفين مع مراعاة أن يكون الساتر فضفاضا حتى لا يشخص أجزاء معينة من الجسم تتير الفتنة وتحرك الغريزة الجنسية، كما إستنكر إبداء الزينة ونهى عنها صراحة في قوله: ?ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. وليضربن بخمرهن على جيوبهن?.
كما أمر الجنسين الرجال والنساء بغض الأبصار معا يدل على أن القصد هو تجنب ما يثير الشهوات لدى كل طرف أراء الآخر.قال تعالى: ?قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمومنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو أبنائهن?. الآية (30-31-النور) كما أن خروج المرأة بدون قيد، لا تراه شريعة الإسلام مناسبا للمرأة المومنة التي تريد الحفاظ على شرفها وعلى حرمة مجتمعها الذي تعيش فيه وتتحمل فيه مسؤولية تكوين الأجيال المستقبلية، فقد أمر الله تعالى نساء نبيه بملازمة بيوتهن فقال: ?وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى?. وقد رأى كثير من العلماء أن هذا غير خاص بنساء النبي، وإن ورد الخطاب لهن، لأن المسلمين مأمورون بالإقتداء بالنبي وصحبة وبالتالي أهل بيته وأزواجه، ومع ذلك فلا بأس أن تخرج المرأة لقضاء مآربها وهي مطيعة لأوامر الله الواردة في الآية السابقة، وفي نطاق موافقة الأزواج على الخروج، فقد ورد النهي عن خروج المرأة بغير إذن زوجها، وإذا خرجت فيجب أن لا تكثر من الحديث مع غير المحارم إلا في حدود الضرورة وقد ورد النهي عن الكلام في قوله تعالى: ?فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا?.
وها هو الأمر يتناول الصلاة فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بأن لا يجهرن بالقراءة في الصلاة وحتى إذا كانت المرأة في صلاة مع الإمام ووقع له سهو فلا تسبح له كما هو شأن الرجال ولكن تصفق، ولم يغفل الإسلام شيئا آخر مما يثير المشاعر نحوهن، فقد ورد النهي عما يمكن أن ينشأ عنه شيء من ذلك فقال تعالى: ?ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زنتهن?. وأمر آخر ربما لا يخطر بالبال أن يتعرض له هذا الباب باب الوقاية من الفتنة وهو ما أخبره عليه السلام أن المرأة إذ تطيبت فمرت بالمجلس فهي كذا يعني زانية وقال إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تلمس طيبا.
والغاية من هذا كله هو الوقاية وهي خير من العلاج كما قيل، فالغريزة الجنسية قوة طبيعية في الرجال والنساء على السواء، ولكن الإسلام لا يكبتها ولا يأمر بذلك ولكنه يريد تنظيمها وتصريفها فيما أمر الله، لأن فيها سر بقاء النوع البشري ?وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسيا وصهرا وكان ربك قديرا?. صدق الله العظيم.
هذه بعض الإشارات إلى ما وضعه الإسلام لوقاية الإنسان من الوقوع في المحرمات، والسير مع الهوى والغريزة الحيوانية مما يفسد المجتمعات ويقوض صروح الأمم والشعوب كما سلف في أعصر سابقة من تاريخ البشرية الطويل، وكما يبدو على مجتمعات توجد اليوم في طريق الازدهار.
أما عندما لا يعمل الإنسان بمضمون هاته التعاليم فيقع في المحظور، فقد فرض الإسلام عقوبات من شأنها أن تزجر المتهاونين والعابثين.
فقد فرض عقوبة الزنى وفرق بين المحصن وغيره، والمحصن هو الذي حصن نفسه بالزواج الصحيح الذي تكاملت شروطه وتمت إجراءاته.
وكانت عقوبة غير المتزوج خفيفة ولكنها رادعة له ولأمثاله من المتهاونين بحدود الله.
يقول الله تعالى: ?الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المومنين?.ومع هاته العقوبة الصارمة يغرب عن المكان الذي وقعت فيه الجريمة عاما كاملا. ومعلوم أن الغاية من ذلك هو زجر العاصي وإبعاده من المجتمع حتى لا يشيع أمره ويتكرر ويصبح أمرا عاديا ومألوفا، والله تعالى يقول: ?إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في اللذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة?.
أما المحصن فعقابه الرجم حتى الموت، وقد وقع هذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقه حضر لديه رجل زنى واعترف بجريمته وامر النبي برجمه حتى مات، كما رجم المزنى بها. وقد يقال إن هذا إفراط في العقوبة مبالغ فيها. والجواب أن الفساد الناجم عن الجريمة أشد فظاعة من العقاب فالعقاب يقع على فرد بينما الجريمة تفسد مجتمعا بأكمله وصلاح مجتمع برمته أولى وأحق من الحفاظ على شخص أبدي خبثه، إن ترك سرى في المجتمع خبثه، على أن الإسلام طوق هذا الجزاء بشروط تكاد لا تتوفر ولا يمكن الوصول إلى تطبيق العقوبة إلا مع إقرار الجاني بنفسه، كما وقع للصحابي الذي اعترف للرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه عدة مرات فلما أصر على اعترافه أمر برجمه، ثم قال يعد ذلك في حقه لقد تاب توبة لو قسمت على كذا من الناس لوسعتهم أنه العلاج مع الرحمة من الله العلي القدير.
وقد قال عليه السلام: " إدرأوا الحدود بالشبهات فما ثبت من حد فقد وجب".
والإسلام من جهة أخرى شدد العقوبة على من يطلق لسانه العنان في أعراض الناس، فمن رمي أحدا بالزنى فعليه أن يثبت ذلك بأربعة شهود يشهدون برأيتهم للفعل في وقت واحد ومكان واحد، ولا يكفي أن يقولوا رأيناهما في مكان خاص ولا حتى تحت ثوب واحد. فإن لم يتم الإشهاد جلد كل من شهد ثمانين جلدة وأصبح منبوذا لا تقبل شهادته بعد، وعد من الفاسقين. ولم يستثن من هذا حتى الزوج، غير أن عقوبته تأتي في شكل آخر وهو أنه إذا رمى زوجته بالزنى حلف خمسة إيمان وحلفت هي الأخرى كذلك الصيفة الواردة في الآية: ?والذين يرمون أزناجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين?.
?ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين?.
ثم يفرق بينهما بدون طلاق ولا إجراء آخر.
وهذا فيما أرى منتهى الحذر والإحتياط من شيوع الفحشاء بين الناس الأمر الذي يمهد لتحطيم معنوية المجتمع بسوء العمل والقول.
وهكذا يعمل الإسلام لصيانة المجتمع الذي ينشئه مبنيا على الإيمان واليقين والصدق والإخلاص لله والنصح لجميع الناس ومعاملتهم بالعدل والإنصاف والمساواة.
على أن الإسلام الذي يريد أن تستمر الصلة بين جنسي الإنسان وثيقة العرى سرمدية في كل ظروفها وحالاتها كما عني بالمرأة طفلة وشابة وزوجة وشريكة حياة لم يغفل أمرها كأم فأوجب رعايتها وصيانتها ومحبتها وإحراسها إلى حد القداسة فقد سئل رسول صلى الله عليه وسلم من لدن أحد أصاحبه إذ قال: " يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك ثم قال من قال أمك وفي الثالثة قال أبوك، وبين القرآن علة هذا فيما يظهر لي عندما قال: ?ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين?. وقال في آية أخرى: ?ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله  وفصاله ثلاثون شهرا?، فعلاقة الإبن بأنه أشد من علاقته بأبيه فهي كأبيه حملته في لحظة عابرة كانت لذتها أكبر من شيء آخر والوالد يخرج من تلك اللحظة وقد لا يعيرها أي إنتباه بينما الأم لا تمضي عليها إلا أيام قلائل حتى تبدأ محنتها بما يعرف عندهم بحالة الوحم وهي من الحالات الإستثنائية في حياة المرأة ولعلها من دواعي إعفائها من عدة مسؤوليات ثقيلة كما سلف.
ثم تتوالى الأيام والشهور فيأتي الوضع وما يصاحبه ويتلوه من تكاليف الرضاع والمعالجة وما أصعبها معالجة ممن لا ينطق ولا يعرف ما يراد به ولا له، ويمتد سنوات وإذا كان الرجل مكلفا بالإنفاق وما في معناه فإن الأم تقاسي من التربية الشيء الكثير مما لا يستطيع القلم وصفه في هاته العجالة ونترك الأمر للمعلم الأكبر صلى الله عليه وسلم فقد استوقفه رجل يحمل أمه الطاعنة في السن على ظهره يطوف بها حول الكعبة وقال: يا رسول الله، هذه أمي عجزت عن الطواف وها أنا أطوف بها فهل أكون أديت حقها علي إذن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ولا بزفرة من زفراتها" تلك القولة الحكيمة أيها السادة هي منتهى ما يمكن أن يعبر عنه لسان في حق الأمهات وما تعانيه كل إمرأة وهي تنشيء الأجيال اللاحقة التي يستمر عن طريقها وعن صنعها وجود هاته الخليقة إلى أن يشاء الله.
فهل نريد نحن في هذا العصر ويدعوا الرقي والحضارة والتقدمية أن تصبح المرأة عندنا مبتذلة في الأسواق والمسارح، وكأنها سلعة تعرض ليساومها حسفا كل من يشعر بأنه يملك قيلي مال في حن أنه لا يملك قلبا شريفا ولا ضميرا حيا.
إننا نريد أن تتعمق المرأة المسلمة في فهم دين الإسلام ومقاصده كلا وما يريده بها من خير وسعادة بدنية ونفسية، دينية ودنيوية، حتى تتشبت وتعتز بشريعته وأحكامه، وتسير وفق المبادئ والأسس التي جاء بها وخص بها المرأة، إن الإسلام يريد المرأة أن تعيش عيشة عزة، وتحيى حياة كرامة ومروة في ظل هداية الإسلام وشريعته الحكيمة، وأخلاقه الفاضلة، وأن تعمل في إطار الحدود التي رسمها لها، والحقوق التي منحها إياها على بناء الأسرة المسلمة، وأن تكون عنصر بناء وإسلام في تكوين المجتمع الإسلامي النظيف كما يريده الإسلام لهذه الأمة التي جعلها الحق سبحانه خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتومن بالله.
والله من ولاء القصد، والهادي إلى سواء السبيل ونعم المولى، ونعم النصير.
والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here