islamaumaroc

العبرة الكبرى من الدروس الحسنية الرمضانية.

  محمد بن محمد العلمي

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

إن المملكة المغربية دولة ذات سيادة، دينها الإسلام، ومذهبها الإمام مالك بن أنس، ولغتها هي اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هذا هو المنطلق السليم ! وهذا هو المنبع الصافي الذي لا ينصب ولا يغيض !
وملوكنا الأبرار، ابتداء من الدولة الإدريسية، وحتى الآن في ظلال الدوحة العلوية المباركة إنما هم امتداد لذلك النور المحمدي الوهاج، يكلمون ويتممون تلك الرسالة الخالدة.
ومما هو جدير بالإعجاب والتنويه والإشادة، تلكم الرسالة النبيلة التي يضطلع بأعبائها صاحب الجلالة، مولانا أمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين، بكل إخلاص وتفان واستماتة، ويقظة ووعي وأمانة، وسعي دؤوب، لا يمسه أي نصب أو لغوب. أليس هو الساهر الأمين على إحياء وازدهار الأخوة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها؟ أليس هو ذلك الملك العظيم، الصالح المصلح الذي يهتم أعظم اهتمام، بشؤون الأمة الإسلامية جمعاء؟ أليس هو الذي يجدد باستمرار، التقليد المجيد، الذي درج عليه أجداده الغر الميامين بإحياء الكراسي العلمية، وإكرام العلم والعلماء، والتشاور معهم والأخذ برأيهم فيما فيه نفع عميم للبلاد والعباد؟ ! وذلك نابع من كون الإسلام دين يعامل الناس بالإنصاف والسوية، ويلزم بالشورى بين الراعي والرعية. فالله اختار لنا أن تكون أمة وسطا، رحمة بنا، وحفاظا على وحدتنا وألفتنا، ضمانا لاستمرار حياتنا، ووقاية لنا من أضرار التطرف التي تهددنا من كل صوب وحدب، من تلكم الإيديولوجيات الدخيلة والعميلة شرقا وغربا.
فالطريق مفتوح على مصراعيه في وجه الأمة الإسلامية، لتتبوأ الصدارة من بين الأمم. ومن أجل ضمان ذلك، يجب الحفاظ على تلاحم الأسرة واتحادها وتماسكها وتضامنها في ظل التعاليم الإسلامية الرشيدة، والعمل بجد واجتهاد ومواظبة على حمايتها من عوامل التفكك والتمزق والانحلال. فإنه بالتخطيط الإسلامي المحكم، والعمل المتواصل المنظم للدعوة الإسلامية الموحدة، يتغلب المجتمع الإسلامي على كثير من الأزمات، ويتصدى لكثير من التحديات وينتصر على كثير من المكايد والدسائس، والمعوقات والمثبطات.
فعلينا نحن المسلمين كافة، فرادى وجماعات، أن نتحمل مسؤولياتنا التاريخية بكل شهامة وإخلاص، في الداخل والخارج، حتى يواصل الإسلام سيره، وينشر إشعاعه، ويسترجع مركزه الممتاز.
وليست الدروس الحسنية الرمضانية، سوى حلقة ذهبية من سلسلة تاريخ الإسلام المجيد، تحفزنا وتشحذ طاقاتنا، الحسية والمعنوية، لنكون في مستوى مشارف القرن الحادي والعشرين. إذ من واجب قادة المسلمين في كل الربوع والأصقاع، ومن واجب الزعماء البارزين، أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي، والدعوة الإسلامية. فكل مسلم يعتبر واليا وراعيا مسؤولا عن رعيته في دائرة اختصاصاته ومسؤولياته والمهمات المناطة به.
ولقد امتاز المغرب على امتداد العصور والأجيال، بملوك بررة، كرام بأقوالهم وأفعالهم، جعلوا الحفاظ على الإسلام، والدفاع عنه، ونشره بين الأنام، مهمتهم الأولى، وشغلهم الشاغل. ففي الإسلام – والفضل لله – طاقات زاخرة بالعطاء والجود، ما تزال مكنونة لم يتم استثمارها إلى حد الآن. فما علينا إلا أن نكشف الستار عنها، ونستثمرها لكي نستفيد منها. والإسلام دين يقرر ويكرس كرامة الإنسان، ولا يرتضي له أبدا التعرض للذل والاضطهاد والهوان. فهو دين السلم والأمن والطمأنينة والحرية والوفاء بالعهود.
إن الدروس الحسنية الرمضانية تبلور الاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فهي تبشر الأمة المغربية التي هي جزء لا يتجزأ من الوطن الإسلامي الكبير، وتتمسك بعوامل الواحدة، والوعي الكافي الذي ينفع الفرد والجماعة في آن واحد، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة التوبة: ?وما كان المومنين لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون?. وانطلاقا من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: " أفضل الناس المؤمن العالم الذي إذا احتيج إليه نفع، وإذا استغني عنه أغنى نفسه". إن الأهم هو إفساح المجال الأوسع للاجتهاد تحت لواء الكتابة والسنة، ينبوع الشريعة الإسلامية والإسهام بأوفر نصيب، وجهد المستطاع، في إثراء التراث الإسلامي، والفكر القرآني، وجعله مواكبا لجميع العصور.
ولهذا كانت الدروس الحسنية الرمضانية استرسالا مشكورا في انتشار الأنوار المحمدية في هذا البلد الأمين الذي توحده لغة القرآن في طبعه وسجيته، ويرى في القيم الإسلامية المثلى نعمة وأية نعمة ! الدين الإسلامي لا مكان فيه للفروق العنصرية، فهو يتحدث بلغة الصفاء والمساواة، والغاية القصوى التي يتوخاها هي كمال المعنوية. وذلك هو السر الأعظم في العهود الأخوية التي تربط بين أبناء المغرب المسلم في الحواضر والبوادي، في البطاح والنجود، في الأطلس الشامخ، والريف الأشم ! وعليه، فالمؤمنون كما جاء في الحديث الشريف، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم! وخلال انعقاد الدروس الحسنية الرمضانية، تصبح المملكة المغربية ملتقى الشموس والأقمار والنجوم الساطعة وتلك مجالس الذكر تضم المؤمنين على تقوى من الله ورضوان للتدبر في القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ولإبراز ما يدعو إليه الإسلام من تسامح، وإنارة العقول والبصائر والأفئدة ! تلك فطرتنا التي فطرنا الله عليها، وذلك رصيدنا، وتلك ذخيرتنا التربوية القويمة ! فالهداية كلها في الإسلام، وطريق الله أجدى وأفيد ! فلا مجال للزندقة والإلحاد، ولا للنزعات الغبية ! ولا للهامشيات الطائفية! فمن اهتدى بدين الله، فإنه لا يظل؛ والإسلام فيه سلام البشرية، لأنه قائم على التوحيد الذي يمحو كل انحراف وشرك ووثنية، بل يدعو إلى خلوص الطوية، وحسن النية، والمحافظة على الأصول الجوهرية! فلا انحلال، ولا عصبية مع الإسلام ! بل فيه انفتاح الذكاء والعبقرية ! وفيه دروس من بدر، وأحد، والقادسية وأشباه تلك الملاحم البطولية ! وعلى سبيل المثال: معركة الزلاقة، ومعركة الأرك، ومعركة وداي المخازن، وحرب الريف، وهلم جرا...
إن دولة الإسلام، سيف الله المسلول على كل ظلم وطغيان، لذلك فهي دولة الفتوح الواقعية ! وتلك الروح نفسها هي التي تدعونا أجمعين إلى تحرير القدس الشريف من رجس الصهيونية ! كيف لا، وصرخة تلك البقاع المضرجة بالدماء، تنادي وتستصرخ الضمير العالمي؟ ! إذ لم يعرف العالم كله، منذ فجر التاريخ جنسا أبلغ في التحدي والكيد والبهتان والاستعلاء والتعصب المقيت، أكثر من إسرائيل ! ولكننا أصحاب دين يدعو إلى الحياة الكريمة، وإلى العدالة والأخوة الصادقة، وإلى محاربة الشرك والإلحاد، والذل في منطق ديننا، يعني المنية: ?ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين?. والتواصي بالحق والصبر هو عين المنعة لدولتنا الإسلامية. وكل هذه المثل العليا تشد قلب المؤمنين والمسلمين إلى (رباط الفتح)، خلال شهر رمضان المعظم، حيث تعقد المجالس، لتدارس القرآن الحكيم، والحديث النبوي الشريف، مما يقدم الدليل تلو الدليل على أن أمتنا المغربية دائمة الارتباط بالملة السمحاء، وأن لها قصب السبق في الاعتناء والاهتمام بشؤون دينها، إذ منه تستمد ذلك النور الذي تنقشع أمامه الأباطيل والضلالات والانحرافات. فهي تعتمد على دينها وأصالتها للاجتهاد في حل مشكلاتها، وتحسين حالتها، بما يرضيها هي، ويرضي الله ورسوله قبل كل شيء !
ونحن في الجناح الغربي من الدولة العربية الإسلامية الكبيرة، جنود مجندون للحفاظ على جوهر الإسلام الصافي من التشكيكات الدخيلة. فالتاريخ لا ينسى مثلا – في عهد الدولة العلوية المجيدة – ما قام به المولى اسماعيل، من تطهير البلاد، من فئة (العكاكزة) الضالة المنحرفة، كما لا ينسى التاريخ محاربة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، لفلول برغواطة، حتى قضى عليهم نهائيا. وبالإضافة إلى ذلك فإن العاهل العظيم، يعتبر بحق، مجدد البحوث في علوم الحديث النبوي الشريف، وباعث كتاب الموطأ للإمام مالك، وكتب الأسانيد في هذا الميدان. ويذكر التاريخ كذلك بالكثير من الإعجاب، غيرة الملك العالم، مولاي سليمان، وما تميز به عهده من عبر ومواقف شريفة من الحفاظ على السنة، وإمانة البدعة، معطيا من سلوكه القويم مثالا يقتدى لرعيته. ثم جاء عهد المولى عبد الرحمان بن هشام الذي كان لا تأخذه في الحق لومة لائم... ويعتز المغاربة بعهد المولى الحسن الأول، وما كان يطمح إليه من انفتاح على العالم الجديد، والنهضة العصرية الحديثة، مع الحفاظ كل الحفاظ على أصالته ومقوماته الحضارية والثقافية الإسلامية...وكان المولى عبد الحفيظ ذا باع طويل في علوم الحديث الشريف، وتفسيره لألفية العراقي شاهد على ذلك... كما كان يبز علماء الحديث في مجالسه المشهورة، فيفوقهم درسا وإمعانا وتمحيصا وتحريا ! أما مواقف مولانا محمد الخامس – قدس الله روحه – فهي أكبر من أن نوفيها حقها من الاستقصاء والتنويه، كيف لا، وهو بطل التحرير، ومحقق الاستقلال.. وتحمل أعباء الأمانة بعده، شبله البار، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني – أيده الله ونصره- فقضى القضاء المبرم على شرذمة البهائيين وطهر البلاد، من رجسهم، ثم حرر الصحراء بتكلم المسيرة الخضراء السلمية المظفرة وحقق وحدة البلاد، ويسعى إلى انعتاق باقي الجيوب..واسترجاع مدينتي سبتة ومليلية إلى حضرة الوطن الأب. ويكفينا أن نشير هنا – على سبيل المثال لا الحصر – إلى الاحتفال بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، وذلك سنة 1387هـ/1968م، وإلى انعقاد المؤتمر الإسلامي الأول بالرباط سنة 1969، في أعقاب حريق المسجد الأقصى.. وإلى تنظيم السيرة الحسنية، وانطلاقها في 6 نوفمبر 1975 نحو أقاليمنا الصحراوية، بعد أن أصدرت محكمة لاهاي رأيها الاستشاري حول الصحراء، بكونها لم تكن أرضا خلاء، وأن في أعناق أهلها عهد البيعة والولاء للملوك العلويين الأبرار.. كما نشير إلى مؤتمر فاس فاس الأول والثاني، وإلى مؤتمر القمة الإسلامية الرابع المنعقد بالدار البيضاء، فيما بين 16 و 19 يناير 1984... وإلى الحلقات المتوالية للدروس الحسنية، كما حل شهر رمضان المعظم، وإلى رحلة الجنوب الأخيرة التي فيها أكثر من تجاوب تلقائي بين القمة والقاعدة.. فمن طنجة إلى الكويرة، تتوالى المسيرات الإنمائية المباركة، وتتلاحق النتائج الإيجابية التي أسفرت عنها الحركات الملكية الموفقة، التي تعتبر – ولا شك- مشاعل وهاجة في طريق الوحدة الإسلامية المنشودة.
حفظ الله حامي الحمى، وراعي الرعية، مولانا الحسن الثاني، وأقر عينه بولي عهده، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد المولى الرشيد، فهذا البيت الماجد، استمرار للأنوار المحمدية السرمدية، وله من الله سبحانه وتعالى عناية السبع المثاني الأحدية ! وبارك الله في ذلك الالتحام والانسجام والامتزاج والجاذبية والعشق التلقائي بين العرش والشعب ! فالمشاعر الإسلامية تأتي  في حماه دافقات مشرقات حاتمية ! ونعم التكليف والتشريف في الاضطلاع بأعباء المسؤولية ! فمن الهمة العالية لمولانا أمير المؤمنين، ما ينالنا منه أجمعين من توجيهات سلفية، تزيد رعاياه الأحرار يقظة وصحوة وحمية ! فبارك الله في صوت الحق المنبعث من الأصول الهاشمية العلوية ! فنحن نفخر كل الفخر، ونعتز كل الاعتزاز بناصر الوحدة الإسلامية ! وهذه الدروس الحسنية قد طاب منهلها، ولسان الحال منها يقول: لن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here