islamaumaroc

رسالة للمرحوم عبد السلام بن سودة يعرف فيها بنفسه وببعض مؤلفاته.

  أحمد العراقي

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

انتقل إلى رحمة الله يوم 28 شعبان 1400 (12 يوليوز 1980) البحاثة المؤرخ العدل الأستاذ عبد السلام بن عبد القادر ابن سودة المرى. وقد كان عالما مؤرخا نسابة أديبا، اشتغل طيلة حياته بالبحث والتنقيب عن مصادر تاريخ المغرب ومظانه، وأوسع رجالاته ترجمة وتعريفا. وخص مسقط رأسه " فاسا" بعناية كبيرة، فأفرد مواقعها بالتأليف وكذلك عائلاتها وقضاتها وأمثالها، حتى ليمكن عده بحق مؤرخ فاس بلا منازع في وقتنا الحاضر.
وكان – رحمه الله، كما عرفته في أخريات حياته، وبالرغم من تقدم سنه – مثال الجد والمثابرة على البحث والتنقيب، كريما جوادا لا يبخل بعلمه ولا بكتبه على قاصديه من طلاب العلم والمعرفة، ويكاد بيته لا يخلو منهم في كل حين، يسارع إلى مدهم بمؤلفاته القيمة وبمكنونات خزانته العلمية الزاخرة.
وقد كنت سألته مرة – خلال إحدى زياراتي له في بيته بفاس – عن نفسه ومؤلفاته، فما كان منه – رحمه الله – إلا أن دفع لي بضعة أوراق مبعثرة، ونبه أن بها طلبتي. وكانت هذه الوراق عبارة عن نسخة من رسالة جواب له عن رسالة بعثها إليه أحد الباحثين في نفي الشأن.
تقع هذه الرسالة في أربع صفحات من القطع الكبير، مرقمة من "1" إلى "4". وهي بخط صاحبها، ويلاحظ أنه لم يصرح فيها باسم المرسل إليه، وأنه لم يثبت تاريخ الإرسال. وقد أمكننا تدارك تاريخ الإرسال عن طريق ورقة مستقلة عن الرسالة، هي بقية نسخة أخرى من نفس الرسالة، لكنها تختلف عن الأولى في كونها كتبت بضمير الغيبة، كتبها عن صاحبها أحد تلاميذه، لم يصرح باسمه، وورد في ختامها ما يلي: " حرر بفاس، في 1-10-1961. تلميذكم المخلص: م.ج".
وهذا هو نص الرسالة (1):
ص1:
بسم الله. فاس، في: (1/10/1961)
جناب الأستاذ المحترم.
تحية صادقة، وسلاما عاطرا.
وبعد، فقد تشرفت برسالتكم ذات اللفظ الأنيق والمعنى الرقيق، تطلبون فيها من صفيكم أن يبعث إليكم – بوصفه مؤرخا باحثا في تراث المغرب الخالد – بترجمته الشخصية منذ استنشق نسيم الحياة إلى الآن، مع ما سطرته يمناه من أبحاث ومؤلفات في تاريخ هذا القطر العزيز الذي ندين له بكل ما نملك من غال ورخيص. وأيم الحق إنه لتقدير أعتز به كل الاعتزاز، وأتمنى صادقا أن أكون عند حسن الظن وجميل الثقة اللذين انبعثا من صميم إخلاصكم للبحث وتفانيكم في تدوين أخبار هذه الديار، وما دونه أبناؤها من تراث خالد، لا تبلى جدته ولا تذبل زهرته.
غير أنني – والخجل يحبس لساني وقلمي – أصارح الأخ الباحث بأنني وجدت عبء ذلك ثقيلا على كاهلي، وكأنما كنت أحول جبلا، فيلتوي لساني ويضطرب قلمي، إذ كيف أؤرخ لنفسي.؟ وكيف أكتب تاريخ حياتي ..؟ أم كيف أبوح بسري، فأنشر المحاسن وأطوي المساوئ، وأنت الخبير أن المؤرخ لا أصعب عليه من أن يؤرخ نفسه، في حين يسهل عليه أن يكتب تاريخ الأفراد والشعوب..؟ وما ذلك إلا لأن المؤرخ يخشى أن يتهم بكل ما يتهم به المتحدثون عن أنفسهم حيث يبدأون حديثهم ب " أنا" ويختمونه ب " نحن" وربك أعلم بصحة ما يقولون.
ص 2:
فإذا تفهمتهم عذري، وعلمتم حق العلم وضعي وموقفي من مطلبكم، سهل عليكم أن تلتمسوا لي مبررا فيما تلاحظونه من اختصار واقتصار على الواجب الأكيد. وأملي ألا تغيب هذه الملاحظة عن أذهانكم، وأنتم تكتبون تاريخ حياة أخيكم ومجهوداته في هذا الميدان في كتابكم الذي تنوون إخراجه للناس عن وطننا المفدى بالمهج والأرواح.
وها هي الترجمة المتواضعة:
عرفت الحياة في مدينة فاس الفيحاء، عاصمة المغرب العلمية والفكرية وموطن الآباء والأجداد منذ القرن الثامن الهجري. واشتهرت أرومتي التي أنتسب إليها باسم " ابن سودة" بالأندلس والمغرب، الأسرة العربية الشهيرة التي هاجر حدها الأعلى من الأندلس إلى المغرب أيام الأمير أبي عنان المريني. وقد عرف بهذا الجد القادم الوزير الخطير لسان الدين ابن الخطيب في كتابه الإحاطة (2).
واتخذ فاسا دار إقامة، تناسل بها أحفاده من القرن الثامن إلى الآن. وتكفلت كتب التاريخ الشهيرة بترجمة أعلام هذه الأسرة في القضاء والعدالة والخطابة والفتوى والتأليف (3).
وكان ميلادي بمسقط الرأس فاس سنة 1319هـ. وتربيت بين أحضان سيدي الوالد حفظه الله (4)، والأعمام وأبناء العم، وما منهم إلا عالم أو قاض أو خطيب أو موثق. وتولى كبير تربيتي وتعليمي جدي من قبل الأم العلامة الخطيب سيدي العابد بن العلامة المحدث أحمد رحمهما الله (5).
ودخلت للدراسة في كلية القرويين، فتلقيت العلوم الإسلامية على جلة من أعلامها، ذكرتهم في الفهرسة مع وافر من ترجمتهم. ولما أسس النظام القروي سنة 1350 منعت من الالتحاق مع جماعة من الزملاء بسلك الامتحان لأننا من الوطنيين، فبقيت أدرس لنفسي، وأختار ما يوافق مشربي، وكنت مغرما بكتب التاريخ والأنساب. ووجدت في خزانتنا الأحمدية (6) ما (يشجعني) على تغذية هذه الرغبة التي صارت جزءا مني لا أقصد دون تحقيقها بكل ما أملك من وقت وفكر.
واشتركت في الحياة العامة للبلاد، واتصلت بكثير من رجال العلم والأدب والتاريخ في بلادنا، ولم آل جهدا في الاستفادة من كل من عنده شيء يشبع هوايتي، وفي أثناء ذلك اشتغلت بالتوثيق العدلي. ثم عينت في البحث بحرم خزانة القرويين الذي كان متراكما بها (7)، فكانت النتيجة حسنة، مع الخطابة في ضريح المولى إدريس الأزهر إلى سنة 1369 حيث سعى بعض الطغاة المسيطرين في ذلك الوقت في حرماني من الخطابة وما إليها، لأغراض شخصية ذهبت (لذتها) وبقي وزرها عليه.
وبعد إعلان الاستقلال عينت في وظيفة بخزانة القرويين وما زلت فيها إلى الآن (8).
أما مؤلفاتي فهي:
1) " دليل مؤرخ المغرب الأقصى"، ذلك الكتاب الذي حوى من مصادر تاريخ المغرب ما جعله عمدة الباحثين في المغرب والمشرق، وصيره مرجعا عند كثير من المؤلفين (9). جمعت فيه أكثر من ألفين وثلاثمائة اسم كتاب. وذكرت فيه أكثر من ألف وفاة. وقد طبع أولا بتطوان (10)، في جزء واحد. ثم تولت إدارة دار الكتاب بالبيضاء طبعه مرة ثانية، في جزأين مع زيادة وتنقيحات عديدة (11).
2) " زبدة الأثر مما مضى من الخبر في القرن الثالث والرابع عشر". جعلته ذيلا لكتاب " نشر المثاني في أخبار أهل القرن الحادي عشر والثاني"، لمؤرخ فاس الشيخ محمد بن الطيب القادري المتوفى سنة 1187 هـ. وقد سرت على نسقه في ترتيب التراجم على تاريخ الوفيات. وابتدأت بسنة 1171 وانتهيت بسنة 1370 شخصية مغربية. ولا زال الكتاب في مسودته.
3) " اتحاف المطالع بوفيات أهل القرن الثالث عشر والرابع". وهو اختصار لزبدة الأثر، وكالذيل على " التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار أعيان المائة الحادية و (الثانية) عشر"، للشيخ القادري المذكور، في مجلد واحد. وسيقدم للطبع إن شاء الله (12).
4) ذيل اتحاف المطالع. ابتدأت فيه من أول سنة 1371هـ، وما زال العمل فيه مستمرا إلى الآن. ذكرت فيه تاريخ الرجال والوقائع والأحداث والأهوال التي تعرض لها المغرب أيام الأزمة الاستعمارية الأخيرة، ولم أترك (شاذة) ولا (فادة) إلا اقتنصتها وأحللتها مكانها اللائق بها بنزاهة قصد وإنصاف في القول والحكم، وهو يبلغ (مجلدا).
5) "إزالة الإلتباس عن عائلات سكان مدينة فاس"، جمعت فيه أكثر من 1700 أسرة استوطنت فاسا، وكان لها بها ذكر سواء كانت لا زالت موجودة أو اضمحلت ولم يبق إلا اسمها. ذاكرا بعض أفراد العلم أو السياسة أو الجاه، مع ذكر كثير من أعلام التاريخ و (معالم) الآثار التي تنسب إلى كل أسرة إلى الآن. وهو في مجلد (13)
6) الفهرسة، جمعت فيها تراجم الأشياخ والمفيدين الذين أخذت عنهم أو اقتبست من أنوراهم، وهم أكثر من مائة وستين رجلا، في مجلد (14).
7)  أمثال أهل فاس وما إليها، جمعت فيه ما يقرب من أربعة آلاف مثل يستعملها أهل فاس سواء باللغة الدارجة أو الفصحى، مع شرح البعض منها إن كان استعماله في معنى بعيد عن لفظه. ولا زلت أعمل فيه إلى الآن (15).
8) وهناك عدة أبحاث ومقالات وموضوعات ما زلت أشغل نفسي بتحريرها وتتبع مصادرها ومواردها (16).
9) وأملي أن يوفقني الله لخدمة هذا البلد الأمين بما أخرج من مؤلفات وما (أذيعه) من أبحاث تفيد الباحث وتروي ظمأه من أمجاد الآباء والأجداد. والسلام.

--------------------------------------
1) بيان الرموز المستعملة في متن الرسالة (...): استدراك أو تصويب. ص متبوعا بعدد = إشارة لرقم صفحات الرسالة مخطوطة. ./.. = نهاية صفحة وبداية أخرى من الرسالة مخطوطة.  2) هو أبو القاسم محمد بن محمد بن علي ابن سودة المري، قدم من غرناطة إلى فاس سنة 754هـ.
(ترجمته في = الإحاطة، لابن الخطيب، جـ3، ص 168-171).
3) وقد أفردهم بالتأليف=
- سليمان الحوات في كتابه " الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة" (دليل. ج1، ص 101)
- العابد ابن سودة في كتابه " الأنباء المنشودة من شمائل رجال بيت بني سودة " (دليل. ج1، ص 71).
4) توفي سنة 1389هـ (ورد ذكره في الدليل. جـ 2، ص 359، وفي مواضع أخرى).
5) توفي سنة 1359هـ (ذكره في = ورد ذكره في الدليل. جـ 1، ص 35، وفي مواضع متفرقة أخرى).   
6) نسبة إلى جده من قبل الأم القاضي أحمد بن الطالب ابن سودة المتوفى سنة 1321هـ.
(ترجمته في = الإعلام، للمراكشي. ج 2، ص 455 – المطبعة الملكية).
7) عين في ذلك بمعية المرحوم محمد العابد الفاسي، وذلك في 19 صفر 1362هـ(انظر مقدمة فهرس مخطوطات خزانة القرويين، لمحمد الفاسي الفهري، ج1، ص 10-11).
8) ثم عين بعد ذلك في معهد الفتيات لإصلاح خزانتها، ثن استدعي إلى الرباط لمراجعة بعض الوثائق بالقصر الملكي، ثم عين بمعهد العلوم الاجتماعية، وأخيرا بالخزانة العمة، ثم أحيل على التقاعد فعاد إلى فاس حيث عاود الاشتغال بالتوثيق العدلي إلى حين  وفاته.
9) ورد في الطرة ما يلي = " كاالعلامة المؤرخ صاحب معجم المؤلفين، الأستاذ كحالة".
10) وذلك سنة 1950.
11) طبع جـ1 سنة 1960، ج2 سنة 1965.
12) وقد اخبرت دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر أنها عازمة على نشره ونشر ذيله. (مقدمة الدكتور محمد حجي لتحقيقه لنشر المثاني، للقادري. ج 1، ص 4). ومنه نسخة مضروبة على الآلة الكاتبة بالخزانة الحسنية تحت رقم 10651.
(د. محمد المنوتي، صداقة أربعين سنة مع مؤرخ فاس عبد السلام ابن سودة، المناهل ع.20). 
13) بلغ به ذلك ما يناهز 4000 أسرة، وخرجه على الآلة الكاتبة في جزءين، ومنه نسخة بالخزانة الحسنية تحت 10652. (د. محمد المنوتي، صداقة أربعين سنة، المناهل ع.20).
14) وصل بهم بعد ذلك إلى 230، وفرغ من جمعها سنة 1376هـ وسماها مسل النضال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال".
15) وصل بعدد الأمثال بعد ذلك إلى ما يقرب من 20.000، وهي في جزءين، منها نسخة بالخزانة الحسنية تحت رقم 10653. (د. محمد المنوتي، صداقة أربعين سنة، المناهل ع.20).
16) وله بالإضافة إلى ما تقدم مؤلفات أخرها لعله أنجزها فيما بعد أو كان يشتغل بتحريرها ولم يشر إليها في رسالته، ومنها =
- قضاة فاس، في مجلدين
- مجموعة من خطط فاس القديمة والجديدة وما إليها.
- لقطات وسقطات من علامات عدول وقضاة
- تراثنا المغربي حول نزول القرآن الكريم.
- لب الغيبة إلى مكة وطيبة، وهي رحلة حجازية، قام بها ينة 1383هـ.
- ذيل دليل مؤرخ المغرب الأقصى، وقد سماه " تنوير السبيل إلى الدليل".
- باهدراز، وهي رواية أقامها على عادات أهل فاس العريقة، وأرد إعطاء فكرة من خلالها عن هذه المدينة.
- ترتيب فهرس المهدي بن الطالب ابن سودة.
- جمع ديوان أبي حفص عمر الفاسي المتوفى سنة 1188.
- ترتيب كتاب الأنباءالمنشودة في أخبار بني سودة، للعابد ابن سودة.
- إخراج كتاب الطب العربي في عصور دول المغرب الأقصى، لمحمد العبدي الكانوني.
- مقالات مختلفة، نشرت في مجلات مغربية متعددة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here