islamaumaroc

نحو فلسفة إسلامية: التفاؤل الإسلامي

  حسن السائح

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

كل حركة لابد لها من باعث، والحاجة هي الباعث لحركة الفكر، فالإنسان يتكلم ليحقق فعلا أو ليطالب بتحقيق فعل... والباعث يستمر بشرط أن يكون يطلب نتيجة أي يكون متيقنا أنه سيحصل على شيء، وذلك هو التفاؤل بأنه يستلقى الجواب بالكلمة، أو الفعل وبالحصول على ما يرجوه لتحقيق ذاته.
التفاؤل أساسي لاستمرار الباعث، لأن التفاؤل تخطيط لكل جوانب الواقع الذي يستطيع المتكلم أن يرجو وراءه شيئا... فلو لم نكن متفائلين لكنا متشائمين نعترف بالعجز عن التعامل مع الواقع فلذلك لا نطلب منه شيئا، ولا نبعث على الحركة لتحقيق الحاجات أو تصبح قدرين أو هروبين استسلاميين.
ولهذا كان الفكر الإسلامي متفائلا في معاملته مع الواقع لأنه ينطلق من الإيمان، أي الثقة بالموضوع لأنه ينشأ عن مطلب يقره الخالق، ولأن الباعث نتيجة نسبية تحمل الإسلام على دفع الإنسان إليها.
ومن هنا كان التفاؤل يطبع كل حركة، وكانت كل حركة حية مؤمن بها لأنها متولدة عن الإيمان بالمبدإ والحق وما يريد الله أن يكون.
وقد قسم الإسلام الباعث إلى ضرورة لحفظ النفس والعقيدة والمصلحة العامة، فكانت هذه القضايا مجال دفع المسلمين إلى العمل واستشهادهم كما أن (الحالة) التي يعيش عليها الإنسان من فقر أو غنى وصحة أو مرض، لم تمنعه أن يكون متفائلا لثقته بالله فكان الباعث دائما إلى العمل ولم يعرف الإسلام الاستثمار لأنه لا يقرر حق الإنسان فيما يملكه الله وحده وهو أن يغير حالته بما هو أعلى وأحسن. ولهذا فقد طبع التفاؤل حياة المسلمين وكانوا دائما في حركة لأن لكل حركة باعثا، ولأن الباعث الديني أقوى من الباعث العقلاني.
ومما يزيد في حركة الفكر الإسلامي علاقة الجسم بالأعراض النفسية (بسيكوسوماتيك) ذلك أن تحريم الخمر والمخدرات ولحم الخنزير والوقاية من الإجهاد النفسي وآثار المغامرات وتحريم القمار، كل ذلك يغلب جانب الموضوعية على تأثير الذاتية... وبهذا يتحرك الفكر من ميكانزم أكثر صفاء.
وهذا ميكانزم الذي خص به التفكير الإسلامي من ذو فعالية في خلق حضارة جديدة تغاير معطيات مختلف الحضارات التي سبقت الإسلام. فقد جعلت من الإنسان قادرا بعقله ووجدانه على الإبداع والقدرة على النقد النزيه والموضوعية العلمية.  
ولقد بث هذا الميكانزم روحا قوية سواء في ميدان التصور والتحليل للموضوع حيث يعتمد هذا التصور على نية سليمة، هي أساس كل إرادة إنجاز فعل أو على مستوى العقيدة المحكمة القوية الواثقة بالإيمان الذي لا يصاحبه شك، أو على مستوى المنهجية التي تفرق بين الأهداف والغايات والوسائل والأساليب لتحقق إرادة الله وهي إرادة كرامة الإنسان أو على مستوى المعرفة وهي كلها متسامية متعالية تتجاوز مصالح الفرد والجماعة إلى تحقيق (الجوهر الإنساني).
وإن هذا الميكانزم الذي خص به التفكير الإسلامي يرتكز على المعرفة غير المحدودة بالعقل والتجربة ومن التقابل بين المحدود واللامحدود والمتناهي والامتناهي يتجاوز التفكير معطيات العقل أو البيئة وحدها. متظل المعرفة متنامية بلا حدود.
فالعلوم الإسلامية لا تحد المعرفة بقدرة العقلية البشرية المحدودة في المطلق، كما تدفعه للاندماج في الوحدة التصويرية للموضوع دون أن تخل بأجزاء الموضوع.
إن هذا الميكانزم هو تشكيل جديد للعقل الإنساني ليوجه مسؤولية البناء والتعمير وتحقيق العدل والمساواة والسلام، واقة الفكر الإسلامي أنه فقد أساليب التفكير التي انتهجها المسلمون الأولون، فأغرقوا في الكلام والقشور والشكل وغفلوا عن الروح والجوهر.
ويجب أن نحتاط ونحن ندخل (عالم الإعلاميات) أي العالم الذي يسلب الإنسان الوعي الذاتي ليخضع لتوجيه الآلات، فالوعي بإنسانية الإنسان ضروري لحياة العالم بأسره، لأن الإنسان له عقل وروح ولا تستطيع الآلة امتلاك الروح إذا استطاعت امتلاك العقل، المعادلة بين – الثنائيات – وتوحيدها بالتقابل والتكامل عن وعي إنساني، ولابد من تجاوز التناقضات إلى التناغم والوفاق لتحقيق التطور والاستمرار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here