islamaumaroc

المجتمع الإسلامي وانعدام كل مظاهر الفقر

  مبارك الريسوني

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

إن شرود الذهن حالة من حالات الأمراض النفسية، وإفراز من إفرازات القلق، وهو نتيجة حتمية لمعاناة الطفل نفسيا، ينشأ هذا المرض عن سوء المعاملة في البيت أو عن خلطة مع رفاق السوء أو عن إهمال في التربية وتجاوزات عن بعض الأخطاء أو عن نقصان في المبرة والرحمة والرأفة، أو يمشأ عن سوء التغذية، ونقصانها إلى غير ذلك من العوامل والعلل والأخطاء التي ترتكب أثناء تنشئة الطفل، ولا يغيب عن أذهاننا أن عدم الانتباه في مثل هذه الأحوال يكون اللاإراديا بمعنى أن الطفل لا يتحكم في نفسه، وبمعنى من المعاني فالشرود خلاصة أخطاء الماضي بل رواسب ما يتعرض إليه وما يلاقيه الطفل، ولذلك يصعب عليه التحكم في نفسه، كما يصعب عليه ضبطها وإخضاعها، فالشرود بمعناه الدقيق يتضمن بعض الأفعال ينعدم التناسق بينها، وشرود الذهن تعبير عما يعانيه الطفل ويضمره ويخفيه في نفسه من تناقضات.
وبعد هذا نتساءل، فهل يمكن حمل الطفل مثلا على التركيز بوسيلة من وسائل القمع والضغط والإكراه؟ وهل بوسعه ذلك؟
إن بعض الآباء في تربية أبنائهم يجنحون إلى الطرق اليسيرة السهلة، فلا يجشمون أنفسهم أي عناء أثناء تنشئتهم ليختاروا من المنظومة التربوية ما يلائم ويفيد، ولا يكلفون أنفسهم أية مشقة للبحث عن أسباب العلل التي كانت السبب في الانتكاسة النفسية، على الأقل لاستئصال شأفة الأورام الخبيثة، وإلا ستظل تنمو وتترعرع وتفرز وتفرخ شذوذا وأمراضا وأوبئة تجتاح بقية النشئ وتمتص القيم الأخلاقية والمثل العليا.
اين هم من الحقيقة؟ البعض يعزو كل شيء إلى الطفل نفسه فيصفونه بالعقوق والتمرد والعصيان والرفض، ولذلك يصبون عليه الغضب باعتبار أن ذلك منه تهاونا واستهتارا فيجنحون إلى المزيد من الضغوط والاسترقاق، ويعتبرون كل تبلد إستخفاقا منه فيستأسدون ويعاقبون ويحتقرون ويذلون ويكبلون بالأغلال والأصفاد، أقول الأصفاد وأقصد الذلة والإهانة، أعتقد جازما أن الإهانة تلازم الإنسان ما بقي على قيد الحياة.
" جراح الإنسان لها التئام           ولا يلتام ما جرح اللسان".
لم كل هذا الاضطهاد؟ ولم هذا السلوك الذي يسلك إزاء الأبناء؟
أجل فما أكثر العوامل التي تؤدي إلى انحراف الأطفال وإلى زيغهم وفساد أخلاقهم، بل وإلى فشلهم في الحياة الاجتماعية، وما أكثر أنواع الشرور وبواعث الفساد التي هي قاب قوسين أو أدنى من الأطفال تحيط بهم إحاطة، وتكتنفهم، فلا معنى للتواصل بطرق عقيمة تكون سببا في تكريس المزيد من الانهزام النفسي فيتفاحش الخطب ويتجدر الداء، ويصبح العلاج إذ ذاك مستعصيا وميؤوسا من شفائه.
فإذا لم يكن القائمون بالتربية على علم ببواعث الانحراف، وعلى بصيرة بأسباب العلاج، وطرق الوقاية فإن الأطفال لأمراء سيكونون في المجتمع جيل الضياع والشقاء، وعصبة الفساد، وشرذمة الجريمة.
وبعد، فما هي أسباب الانحراف ودواعي الزيغ والفساد؟
من المعقول أن الطفل حين لا يجد ما يكفيه من غذاء سيد به حاجياته الجسيمة وكساء يقي به جسمه من شر القيض والزمهرير، ولا يرى إطلاقا – رغم خصوبة خياله – ما يستعين به على بلغة العيش وأسباب الحياة وينظر إلى ما حوله فيجد الفقر والجهل والجفاء والغلطة والشدة والحرمان فإنه لا ريب سيلجأ إلى طرائق ليحتال لنفسه وليغش ويكذب بحثا عن أسباب العيش، وسعيا وراء الرزق فتتلقفه الأيدي العابثة الماكرة وتصنع منه منحرفا شريرا يهوى الجريمة ويمارسها انتقاما ممن حرموه نعمة الكفاف والعفاف، والإسلام بتشريعه العادل قد وضع الأسس الكفيلة لمحاربة الفقر وقرر الحياة الكريمة لكل إنسان، ووضع من التشريعات ما يؤمن لكل فرد الحد الأدنى من مسكن ومطعم وكساء لحفظ الكرامة الإنسانسة وتحقيق العيش الأفضل في مجتمع تنعدم فيه كل مظاهر الفقر والبؤس والحرمان.
ونجد كذلك سببا آخر يدعو إلى الزيغ وانحراف الأطفال عن الطريق المستقيم إن هذا السبب يكمن في شجار الأبوين الدائم، فما ذنبهم؟ وماذا جنوه؟ حتى يحيوا حياة القلق الدائم بين أبوين ملازمين للشجار والتراشق بكلمات بذيئة تتنافى والقيم الإسلامية؟ ويحتد بينهما النزاع في أعظم ساعات اللقاء والاجتماع، والطفل حينما يعيش ظاهرة الخصومة في كل وقت وحين يفتقد الإحساس بالطمأنينة ويشعر بإنعدام الأمن، إذ ذاك يشرع في البحث عن البديل ويفر من محيط الأسرة المبوء باحثا عن رفاق يقضي وإياهم وقته ويصرف في مخالطتهم معظم فراعه، وهو ما هو عليه من قلة الحيلة والتجربة في الحياة فهؤلاء إن كانوا قرناء السوء نال منهم روح الشر والكيد والخبث والرذيلة وأقبح العادات، ومع توالي الأيام سيكون لهذه الخصال السيئة التي تشبع بها انعكاسات خطيرة على البلاد والعباد، والإسلام بما اشتمل عليه من توجيه وإرشاد في هذا المجال مجال الحياة الزوجية ورعاية الأبناء يغني كل باحث أن يروم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله في إلتماس العلاج وطلب الدواء لكل داء اجتماعي ?قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبيل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم?، ففي مبادئه الحكيمة الخالدة رسم لكل من الزوجين أن لا يقبل أحدهما الآخر إلا بعد التأكد من سيرة الثاني والتحقق من السلامة العقلية والجسيمة والنفسية، وخلو كل منهما من عيوب تكون السبب في كثير من النزاعات، وما كل هذه التحريات سوى لتحقيق المودة والمحبة والتفاهم والتعاون لبناء أسرة على أسس سليمة يغشاها التراحم ويحفها نكران الذات من أجل أن ينشأ الأطفال في هذه البيئة السليمة نشأة حسنة يمتصون رحيق الإيمان ويستشفون القيم والمثل العليا من سلوك الأبوين.
ومما لا شك فيه فإن إعداد البيت وخلوه من كل المشاكل لمن أعظم البيئات الصالحة لنشأة الطفل نشأة سليمة كريمة، يعيش محفوفا بين أبوين مؤمنين بارين رحيمين كريمين يسعيان على الدوام والإستمرار في ترك الخلف مفخرة لهما يكون جديرا بحمل لقب الأسرة يعلي من شأنها ويرفع من قدر بلده، هذا هو طموح كل أسرة شريفة الحسب والنسب تتوق إلى المجد وتتطلع إلى الرفعة.
وإذا نحن واصلنا الحديث عن الأمراض الاجتماعية التي تؤثر في الأطفال فنجد أيضا ظاهرة الطلاق وما يواكبها من تشرد، وما يصحبها من ضياع، وما يعقبها من تشتت وفراق، بعض الآباء تنعدم من قلوبهم الرأفة والرحمة فلا يفكرون سوى في أنفسهم وإرضاء شهواتهم وإشباع غرائزهم، وإن مثل هؤلاء الذين يلقون بأبنائهم في أحضان الرذيلة مشكوك في انتسابهم إلى بني آدم?ولقد كرمنا بني آدام? ممن يتميزون بالحكمة وغير مشكوك في سفاهتهم يتصرفون طبقا لما تمليه عليهم غرائزهم.
إن التكريم هو السمو والإعلام وهو الحق والمروءة، وفوق كل هذا وذاك هو الالتزام، وهو الطاعة والامتثال لكل أمر أمر به الله، والانتهاء عن كل نهي نهى عنه، فالطلاق بالنسبة للأبناء يعني باختصار التشرد والزج بالأطفال في أحضان الرذيلة وكذا الزج بهم في شر كالمفسدين فيتلقون عن هؤلاء الذين لفظهم المجتمع وتنكر إليهم ضروبا من الانحراف وألوانا من الفسوق والفجور.
إن الأطفال الذين حرموا من عطف الأبوة وحنان الأمومة حتما سيحترفون الإجرام، والسبب في ذلك واضح. فماذا ننتظر منهم حينما يجدون أنفسهم في عرض الشارع لا من يرعاهم من الذئاب " إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع" ولا من يحميهم من غوائل الزمن وهو في أشد الحاجة إلى الرعاية والعناية.
إن البيئة الأولى التي تتلقف الطفل هي البيت، إذن هو المدرسة الأولى، وفي ظل الأبوين ينشأ، وفي أحضانهما يترعرع، وكلما صلح البيت صلحت تربية الأطفال، ولذلك وجب على الأبوين أن يراعي كل منهما حقوق الآخر ليحل الوفاق محل الفرقة، وتتحقق المحبة محل الكراهية، وتعيش الأسرة بأكملها على أحسن ما تعيش من السعادة والتفاهم والاستقرار. إن مسؤولية تربية الأطفال تربية حسنة جسيمة وشاقة، ولا يمكن بلوغ المراد فيها إلا إذا إنسلخ كل من الأبوين عن أنانيته، وتنكر لنوازعه الذاتية، واستحال كل ذلك إلى صنع الإنسان ذلك الإنسان الذي ينشد الرفعة، ويتوق إلى ترك أثر حسن في الحياة الدنيا " ولد صالح يدعو له".
وهناك أمور أخرى تكون السبب في تقل العلل النفسية إلى الأطفال كالاستخفاف بوقت الفراغ، وترك الحبل فيه على الغارب فيقضيه الطفل في غيبة عن الآباء دون توجيه وإرشاد منهم.
إن الأطفال ميالون إلى اللعب، ومجبولون على المغامرة، ومحبون للفسحة والتمتع بالمناظر الطبيعية، ومنغرس في أعماقهم حب الاستطلاع وخلال هذا قد يخالطون أصنافا من الأطفال يتأثرون بسلوكهم فينقلون عنهم بعض المساوئ فتصبح طبيعة وجيلة في أخلاقهم، ويصبح علاجها أمرا صعبا أو مستحيلا، وما ذلك سوى نتيجة لإهمال وقت الفراغ. إن وقت الفراغ لمن أهم الأوقات التي يجب استغلالها خير استغلال لتنشئة الطفل تنشئة صالحة وتعويده على ممارسة أخلاق حسنة وقيم ومثل، ولتحقيق هذه الأهداف والمقاصد لابد من التوسل ببعض الوسائل ومن أعظمها تعويدهم على العبادات التي لها أبعد الأثر في إصلاح النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة السلوك، ولاسيما الصلاة التي عصمة من الانحراف والأضرار بالناس، ووقاية من كل شرك، وتحفظ من كل أذى، وعدها الإسلام عمود الدين وقوامه وركنه الأساسي لما لها من الفوائد الروحية والمنافع الجسيمة والآثار الخلقية النفسية (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر).
والزكاة ركن من أركان الإسلام يعمل هذا على الركن تأليف القلوب وتطهير النفوس من الحقد والحسد لتعيش الأسر رغم تباينها المادي في وئام تام وانسجام كامل تكلأهم عناية الله " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".
والصوم تهذيب للنفوس، وتدريب على الطاعة والبعد عن الأضرار بالغير، وهو فوق كل هذا وذاك امتثال لما يأمر به الله.?يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون?.
والحج مؤتمر إسلامي يستقطب عامة المسلمين من كل أنحاء الدنيا، وخلال أداء هذه المناسك تعقد جلسات دورية بين جموع المسلمين للتشاور والتذاكر فيما يهم العالم الإسلامي ويفيد مستقبلهم ?ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات?.
إن الذين ينسلخون عن إيمانهم ويتخلون عن عقيدتهم سيكونون وبالا على أنفسهم وأسرهم وأمتهم لأنهم من المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وسوف يندمون ويتحسون لكن بعد فوات الأوان، ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه.
"شكوت إلى وكيع سوء حفظي       فأرشدني إلى ترك المعاصي"
"وأخبرني بـــأن العلم نور           ونور الله لا يهدي لعاصي"
والحياة عبارة عن فرح وسعادة وشقاء لكن المؤمن في خير على الدوام، لأنه مع الله " ومن يؤمن بالله يهده".
ومن الأمور التي تؤدي أيضا إلى فساد الأطفال وانحرافهم معاشرة رفاق السوء، والخلطة الفاسدة، ولا سيما إذا كان الولد بليد ذكاء ضعيف العقيدة سرعان ما يتأثر بمصاحبة الأشرار ومرافقة الفجار، ويكتسب منهم أحط العادات وأقبح الخصال حتى يصبح الإجرام عادة متأصلة من عاداته ويصعب بعد ذلك إنقاذه من وهدة الضلال. كما أن مشاهدة الأفلام الخليعة وقراءة الكتب الفاسدة وبعض المجلات التي تحرك الشهوات وتؤججها تؤدي إلى الانحلال الخلقي، لأن الصور التي تنطبع في الذهن وتتأصل في المخيلة تجعله يعمد إلى محاكاتها وتقليدها ودون قصد يجد نفسه منقادا إلى أحضان الرذيلة والفساد، ولذلك وجب على الأبوين القيام بمسؤوليتهما المناطة بهما إزاء أبنائهم وذلك بوضع منهج قويم يعتمد على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، ومن مبادئ هذا المنهج الوقاية الكاملة من كل ما قد يكون سببا في غضب الجبار ودخول جهنم، وامتثالا لقوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة?
ومن خلال هذا العرض يتضح بأن الآباء يتحملون مسؤوليات زيغ أبنائهم عن الجادة، وانجرافهم عن الطريق المستقيم، وكل تقاعس منهم أو تهاون أو تخاذل فلن يزيد الأطفال إلا فرارا وسخطا ورفضا لكل قيم المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه.
ومجمل القول فإن الآباء مدعوون في زمننا هذا أكثر من أي وقت مضى للوقوف إلى جنب أبنائهم وفلذات أكبادهم لمنعهم من ممارسات أفعال منافية للمبادئ الإسلامية، إننا في عهد تكالبت فيه قوى الشر والوبغي والإغراء لجذب هؤلاء الشباب إلى اللهو واللعب بغية إقصائهم عما هم مؤتمنون به ومطوقون من أعمال لبناء حاضر الأمة ومستقبلها.
فما على الآباء سوى الاعتماد على منهج الإسلام القويم في تربية الأطفال، ومعالجة انحرافهم، وتقويم سلوكهم، وإصلاح نفوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتلقينهم مبادئ الخير والفضيلة والأخلاق، حتى يروا صغارهم كالملائكة في ظهر أرواحهم، وصفاء نفوسهم، ونقاء سريرتهم، وامتثالهم لأمر ربهم، ويصبحون بعد كل هذا قدرة صالحة لغيرهم في كل مكرمة وفضيلة وإنتاج وتضحية وخلق عمل صالح.
إن خير ما يتحصن به المرء من كل ضروب الشر الضاربة أطنابها كتاب الله، وحينما يرى الطامعون المتسلطون الناقمون على الإسلام والعروبة شباب الأمة الإسلامية متمسكين بالكتاب والسنة سيعودون من حيث أتوا يجترون الفشل ويجرون أذيال الخيبة، وسوء العاقبة، رجائي من الباري عز وجل أن يلهم شباب أمتنا العربية والإسلامية إلى ما فيه عزهم وسعادتهم، وأضرع إليه أن يهبهم الإيمان الصادق والرشد ليكونوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here