islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -7-: انهيار الموحدين وقيام بني مرين.

  عبد الكريم التواتي

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

السياسة الداخلية:
تتشابه منطلقات مختلف الدول الإسلامية التي تعاقبت على توجيه الأحداث في المغرب، من حيث أنها جميعها استهدفت إصلاح الأوضاع دينيا، وتوخت إقامة نظام إسلامي مركزي ذى قمة خليفية رئاسية، وابتغت تحقيق وحدة تامة بين مختلف الأقطار التي يتألف منها هلال الشاطئ الممتد عبر البحر الأبيض المتوسط انطلاقا من وحدة الدين واللغة والجنس والمصائر المشتركة.
وسعت كل تلك الدول- وما تزال- لاستمرار تلك الوحدة التي كانت تمت لأول مرة في ظل الوجود الإسلامي، على يد المرابطين والموحدين لمدة غير قصيرة.
وكانت الحجة العلمية للمنادين آنيا لبذل مزيد الجهود لاستعادة تلك الوحدة وإقامتها على أسس واقعية تنبعث من الإمكانيات الحالية ومن شائج القربى والمصالح المتداخلة، وتتخطى الاعتبارات العرضية، التي ما انفكت التجارب المباشرة في مختلف الأنشطة التعاونية تثبت ضحالتها وشكلها الأفقي وتؤكد أن جذورها لا ثبات لها في الأرض، وأنها وليدة ظروف خاصة كانت قياداتنا تجابه فيها محنة الفرقة وتعاني رسوبات الهروب والانسياب.
وهذه الرغبة في الوحدة والتوجيه لم تكن في عصر من عصور تاريخ الشمال الإفريقي محصورة في هذا الفريق دون ذاك، وإنما كانت رغبة جميع السكان قمة وقاعدة، وإن اختلفت الوسائل التي اتبعت لمحاولة تحقيقها وإبرازها إلى عالم المحسوس تبعا لاختلاف المؤثرات البيئية والمناخية.
وإذا كان اختفاء دولة الموحدين من مسرح الأحداث قد أحدث ذلك الفراغ المركزي والقيادي مما أدى إلى تفكك عرى الوحدة السياسية التي كانت قائمة بين أقطار الشمال الإفريقي، وأدى بالتالي إلى قيام دولة الحفصيين وبني عبد الوادي، بجانب دولة بني مرين، وبني الأحمر النصريين في نقاط مختلفة من الرقعة الترابية التي كانت تمتد عبرها الإمبراطورية الموحدية، فإن كل تلك الدول كانت تسعى لتحقيق الوحدة إلا أن المؤرخين يجمعون على أن أكثر هذه الدول الإسلامية الأربع المتواثية على الحكم إثر انهيار الموحدين اهتماما ورغبة في قيام الوحدة واستمرارها، وفي مختلف أبعادها ومعطياتها السياسية والعسكرية والاجتماعية، هي دولة بني مرين.
ذلك لأنهم حين اطمأنوا إلى استبباب الأمن داخل المغرب الأقصى وتيقنوا أن شعورا بالاطمئنان للعهد قد تشربته نفوس الناس وان هؤلاء باتوا يتطلعون لمزيد الرفاهية، وضمان الاستقرار الاقتصادي الأكثر، لم عن القيام بحركة إيجابية لاسترجاع ما اعتبروه المجد السليب والعز الضائع، وعن طريق إعادة الوحدة بين مختلف أجزاء الإمبراطورية الموحدية بوصف أن هذه الوحدة أساسية لضمان العيش الأرغد الكريم، للمجموعة البشرية التي تقطن اصقاع هذه الإمبراطورية، وتؤمن في أعماق أعماقها بمتين الروابط وأقوى الوشائج التي تربط بين وحدتها ومصالحها المختلفة...
ولهذا فلم يكد المرينيون يستشعرون انتشار نفوذهم، وتمكنه من المغرب حتى سعوا-وخاصة في عهدي أبي الحسن وابنه أبي عنان- إلى استعادة وتحقيق تلك الوحدة، وإبرازها ما أمكن في نفس مظهرها الموحدي.
فقضوا أولا على كل الأنظمة المحدثة بعد انهيار الوجود الموحدي في شمال إفريقيا، وغزا أبو الحسن تونس معقل الحفصيين حيث تمكن عمليا من بسط نفوذه عليها إلى حين.
وعلى ضوء هذه الرغبة نستطيع أن نتلمس سياسة بني مرين العامة، والداخلية بصفة خاصة وذلك حسب المعالم الآتية:

أولا:سياستهم الداخلية: أي في المغرب وتلمسان: وقد امتازت السياسة:
1- باستمالة العنصر العربي إلى تأييد الأوضاع القائمة: بما أظهره بنو مرين للبدو العرب من العطف والتشجيع المعنوي، وإغرائهم بشتى الوسائل لتكوين مجتمع عربي خاص بهم، وقد وجدت إغراءاتهم تلك استجابة من هدا العنصر الذي كان شبه معزول عن الحياة العامة والذي ربما كان يكون إحدى عقباتها .ومما ساعد على تأليف عناصره، وجمع شتاته وتوحيد صفوفه، وتواجد أهدافه – بالإضافة إلى الدين الإسلامي الذي هو دين الفاتحين العرب، وباسمه تباشر الدولة القائمة حكمها، وعلى هداه يقوم وجودها – اللغة والمنحدر والعادات الواحدة والتقاليد الموروثة التي تجمع بين تلك الجماعات العربية البدوية، ثم رغبة يعقوب المنصور ثاني ملوك بني مرين الأكيدة في أن يجمع حوله هؤلاء العرب ويؤلف بطانته منهم، وكان بهذا يحاول أحداث تعادلية بين العناصر المتساكنة في البلاد بعدما كان ظهر ميل إلى العنصر البربري في دولتي المرابطين والموحدين، ثم بهذه التعادلية قد يخضد شوكة المتربصين بالدولة الناشئة الدوائر.
فكان هذه العطف والرغبة المرينيان مما سهل تسرب العنصر العربي إلى مختلف اجهزة الدولة، واشتداد أثره وتأثيره في كل اتجاهاتها.
ولمزيد إظهار رغبتهم –أي المرنيين- صادقة في هذا الاتجاه، ولتأكيد عطفهم قاموا بأهم خطوة لأخذ زمام المبادرة في ميدان تعريب ما كان تبقى غير معرب في عهدي المرابطين والموحدين، سواء في الميدان البشري، أو في مختلف مرافق الدولة، وبالأخص خطب الجمع وتعريب الدوواين بتنصيب العرب على توجيهها. وقد استطاعت هذه الجماعات العربية، بما أصبح لها من شفوف ونفوذ أن توجه الأحداث لصالح الوجود العربي،وان تبلور هذا الوجود في احتضانها كل العلوم التي تمت إلى العربية والإسلام بصلة.
ولكنهم –وعلى عكس ما يتهمهم به(هنري طيراس) في كتابه: تاريخ المغرب- لم يعملوا على التعجيل بانهيار هذه الدولة، حين طاردوا - في زعمه- العنصر البربري، لأن فتح الدولة صدرها للعرب وترحيبها بهم، ورغبتها الأكيدة والدائمة في احتضانهم وتقريبهم، ومصاهرتهم ما كانت لتدفع بهم إلى السعي لتحطيمها والتطويح بها، وإن يكن موقف الدولة من العرب، لابد أن يثير حزازات في نفوس أولئك الذين استفادوا من الوضعية السابقة، أو كانوا ينتظرون مزيد الحظوة لدى بنو مرين بوصف انحدار اعراقهم من البربر، وأن هؤلاء_وقد أحسو بأن أطماعهم عورضت باستمالة الدولة للعنصر العربي، قد يفكرون في إحداث كل شغب من شأنه أن يسمح لهم بالأمل في أن تميل الريح إلى صالحهم، ومن غير المستبعد كذلك أن يكون بعض من هؤلاء العرب-وقد استمرأوا عطف الدولة، وأصبحت لهم فيها مكانة- استخف بالعنصر البربري واعتبره جرد مجتمع غير متحضر ودون المجتمع العربي، الشيء الذي يحدث لدى البربر أزمة نفس حادة لأن البربري بطبعه غيور وأنوف لا يرضى بالدون ولا يقبل أن ينظر إليه بمنظار الاحتقار.
أما وصف المقري للحالة التخريبية التي يحكي أن مكناسة قد تعرضت لها حيث يقول:
(دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة، وقد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمان لسان الدين بن الخطيب جديدة، واستولى عليها الخراب، وتكدر منها بالفتن الشراب وعاش في ظاهرها الأعراب).
فإنه أولا: وصف يتناول أوضاع المغرب في أخريات هذه الدولة وأيام كانت تحتضر، وما كان مثل هذا الظرف بصالح للحكم على دولة من الدول.
وهو ثانيا: لا يقوم حجة قطعية على أن سبب هذا التخريب هو وجود العنصر العربي على رأس أجهزة الدولة، وإن يكن من غير المستبعد أن بعضا من أولئك الأعراب الذين لم يجدوا لهم مكانا في الدولة قد أشربت نفوسهم الحقد عليها فتطامنوا مع العناصر المشاغبة من البربر وأحدثوا ما يتحدث عنه المقري من الخراب والدمار.
ب)- امتازت بالعودة إلى التشبث بأبهة الملك وعظمة السلطان اللتين عرفتا بالأندلس لعهد الأمويين:
وفي هذا الإطار كان احتفاؤهم المتزايد بمظاهر الخروج أيام الجمع والعيدين للصلاة، وكانت استعراضاتهم للجيوش قبل توجيهها إلى الغزو، وبعد العودة منه وكان تبنيهم الاحتفالات الشعبية، وخاصة تلك التي تقام بمناسبة عيد الأضحى وعيد المولد النبوي، الذي أصبح الاحتفال به رسميا – كما قلنا – من عهد يوسف بن يعقوب سنة 691هـ.
وإذا كانت هذه الاحتفالات بعيد المولد النبوي في المغرب قد شهدت ولادتها أول- كما أشرنا قبل – في سبتة، وعلى يد أبناء العزفي، فإن بني مرين قد احتضنوا هذه الاحتفالات مع الإشارة إلى أنهم كانوا قد استولوا على سبتة من يد أولئك العزفيين سنة: 729 هـ هذا الاستيلاء الذي سجله القلقشندي صاحب كتاب: ( صبح الأعشى) بقوله:
(...وقام بأمرها – أي سبتة – أبو القاسم العزفي من مشيختها، فبقيت بيده، ويد بنيه إلى أن ملكها منهم بنو مرين سنة: تسع وعشرين وسبعمائة في أيام السلطان أبي الحسن، فصارت تابعة لفاس) صبح الأعشى /ج/ الخامس/ص/160.
وفي إطار أبهة الملك كانت تعقد مجالس المناظرات التي كانت تشهد مطارحات الأدباء، ومحاورة الشعراء ومساجلة العلماء، وإجراء المناقشات في مختلف أنواع المعرفة والعلوم.
وفي هذا الإطار أيضا أحدثوا – وفي بعض مظاهر الحياة الاجتماعية كاللباس تمايزا حسب المراكز الاجتماعية لمختلف الطبقات الشعبية،فقهاء، وأدباء، وجنودا، وقادة، وسوادا، فكان الكتاب مثلا، وبالخصوص، يتعممون بعمامة خضراء ولا يتمنطقون سيفا.
كما اهتموا في الميدان الرياضي والألعاب بنوعين خاصين منهما:
الأول: مصارعة الحيوانات في أعياد المولد النبوي وقد تكون هذه العادة تسربت إلى مجتمعهم من الأسبان الذين ما يزالون حتى يومنا هذا يعتبرون مصارعة الثيران أحب الرياضات الموسمية شعبيا، ومما يشير إلى هذه اللعبة بيتا شعر لابن جزي من قصيدة يمدح بها أبا عنان، جاء فيهما:
لله يوم بدار الملك مر بــه  من العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلى قمرا  يشاهد الحرب بين الثور والأسد
الثاني: الاهتمام بالرماية، وكانت هذه الرياضة بالخصوص، منتشرة في جميع الطبقات بالشمال المغربي، ولاسيما سبتة، وشملت حتى طبقات العلماء والفقهاء.
ج) – وامتاز بإشاعة الرخاء والازدهار الاقتصادي: 
وفي هذا المجال يذكر المؤرخون أنه في عهد يعقوب، شهدت البلاد رخاء عاما شاملا دام خمسة عشر عاما متوالية، وحتى أصبحت القطاني لا تجد لها مشتريا أو آكلا، كما بيع القمح بستة دراهم للصفحة، والكبش بخمسة دراهم والشابل وحدة منه بقيراط.
وسجلت الحركة التجارية – تصديرا واستيرادا – نشاطا ملحوظا وعرفت موانئ المغرب، وبالأخص أصيلا وسبتة حركة تجارية عظيمة، حيث كانت ترسو بواخر البندقية وجنوة، ومرسيليا، مستوردة المنسوجات والسلاح ومصدرة الخيل والجلود والأغنام والشمع والقطن والصوف.
وكانت سجلماسة بتافيلالت مركز ملتقى قوافل الصحراء الرابطة بين شمالي إفريقيا وتوات وإفريقيا السوداء، كما كانت بنكا للذهب المستورد من الخارج وسوقا عامة للعملات الصعبة.
وشهدت الفلاحة ازدهارا توخى في منطلقه نوعا من التخصص باعتبار المزروعات والمناطق الصالحة لها...مما قد يشعر بأن دراسة جيولوجية ما لمعرفة نوعية التربة وما يناسبها من مزروعات، كان عرفها أجدادنا.
فقد اختصت ناحية (سلا) مثلا بزراعة القطن والكتان – والدار البيضاء وآنفا بالفواكه والحبوب، ومراكش بالزيوت، ومكناس بالجنات المغروسات والمعروشات، والتي بلغت – أي هذه الجنات – حسب تعبير ابن غازي إثني عشر مدشرا والتي وصفها لسان الدين بن الخطيب بقوله:
(مكناس مدينة أصيلة، فضلها الله تعالى ورعاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، اعتدل فيها الزمان وأندل الآمان، ودنا من الخضرة جوارها فكثر قصادها، من الوزراء، وبها المدارس والفقهاء، ولقصبتها الأبهة والمقاصير والأبهاء).
وتجدر الإشارة ونحن بصدد ذكر الفلاحة لعهد بني مرين – إلى أن نظام الري لهذا العهد شهد إنتشار للنواعير الخشبية التي كان من جملتها الناعورة الكبرى المشيدة على وادي فاس وذلك منذ سنة: 685هـ على يد يوسف.
وإذا كنا بتعرضنا للأوضاع التجارية والفلاحية لهذا العهد، قد رسمنا صورة مصغرة للرخاء الاقتصادي الذي رفل فيه الشعب ليومئذ، فينبغي أن لا ننسى – في نفس الوقت- الإشارة إلى أن هذا الرخاء – وهذا شأن الحياة والدنيا، منذ أن وعاها الإنسان تاريخيا من عهد الأحجار إلى الأوراق والكتابة وقبل ذلك – كان يتعرض في بعض الأحايين للزعازع والإضطراب والتدهور، وهذا ما سجلته فترة من تاريخ يوسف حيث ذكر أن العملة انخفضت انخفاضا هطيرا هدد اقتصاد الأمة بالانهيار وانخفاض عملة أمتنا – كما نعرف – عنوان على انخفاض مستوى المعيشة فيها، وهي بالتالي تضعضع فاضح لقوة الشراء فيها، وكذلك علامة على ما يسميه علماء الاقتصاد في القرن العشرين الذي نحيا ربعه الأخير بالتضخم المالي، والتضخم المالي مرض تسعى كل المجتمعات الواعية لمجاربته وتجنبه ليعتدل ميزاتها التجاري والاقتصادي بما يضمن الازدهار والانتعاش ويحقق النماء والرخاء ومن ثمة الهدوء والاستقرار.
وتفاديا لتردي الأوضاع اقتصاديا، ومحافظة على ارتفاع معنوية الأمة، وصيانة لمستوى المعيشة المحترمة، شن المرينيون سياسة مد يد المساعدة للمحتاجين.
وفي هذا الإطار خصص أبو عنان – مثلا – للمساكين الوافدين على مختلف الزوايا، التي أقيمت في أماكن متعددة من البلاد، بما فيها الفلوات والصحاري طعاما يوميا يكفي الوافدين.
كما كان كل ملوك بني مرين يوزعون – بمناسبة عيد المولد النبوي – مائة ألف دينار على الفقهاء، والطلبة والحفاظ والأشراف، وكل الحضور ممن يقوم بمهمة ما في هذه المناسبة، فكان كل واحد من الحضور يأخذ عشرة إلى مائة دينار.
وفي إطار قيام نوع من التكافل الاجتماعي أحسته كل الطبقات الشعبية ولا سيما الموسرة، أحدث نظام من التعاون الوطني، تجلت آثاره العملية فيما بوشر يومئذ من وقف وتحبيس لعدة عقارات وأراض على المشاريع العامة بينما كانت مثل هذه الأعمال للعهدين قبل المرينيين قليلة غير سائغة أو لا يقولون بها كما جاء في عبارة ابن سعيد عند حديثه على هذه النقطة لعهد الموحدين، فقد قال – فيما نقله عنه الأستاذ المنوني من مخطوطة، (ولكن الأوقاف عندهم على عظمة سلطنة بني عبد المومن والمرابطين قبلهم كانت قليلة ولا يقولون بها).

السياسة الخارجية:
أ) – في النطاق العام: سجلت سياسة بني مرين الخارجية العامة، تجاه الدول، بما فيها موقفها من جيرانها في الأندلس وشمالي إفريقيا مظهرين إثنين متباينين لمرحلتين من وجودهم.
 مرحلة توطيد أركان الدولة، ورفع قواعدها وتميز وجودها الذاتي، وحماية الآمنة والكفيلة بإعطائها بعدا محددا، ومرحلة التقعيد والتنظيم، والرفع من المستوى المعاشي في الداخل لجعل الأمة تنطلق في التشييد والبناء وأعداد الطاقات الشعبية لرفع شأن الدولة وبناء مجد الوطن. وفي المرحلة الأولى: (اتسمت سياسة المرينيين الخارجية تجاه جيرانهم بالخصوص بنوعين مختلفين من العلاقات، ففي علاقاتهم مع الجيران الأقربين، وأعني بهم أولئك الذين كانوا يشاركونهم النفوذ الزمني وداخل الرقعة الترابية التي اعتبرت رقعة متماسكة متحدة طيلة الوجود العربي منذ الفتح الأول الإسلامي إلى أن استلموا – أي المرينيين هذه الرقعة – من يد الموحدين، ونعني بهذه الرقعة الجغرافية الشمال الإفريقي كله، أو ما نسميه اليوم ونطلق عليه (المغرب العربي الكبير) فقد كانوا يلتزمون- فيما يخص هذه العلاقات – التمسك بمبدأ إخماد كل حركة انتقاضية ضدهم وضد وجودهم، ومناهضة كل فكرة انفصالية تستهدف تجزئة الإمبراطورية الإسلامية الممتدة من حدود مصر الغربية إلى ساحل الأطلسي هنا بالمغرب، وربما في الأندلس. ومن هذه الزاوية، وتقيدا، بل تنفيذا لهذا الالتزام، لم يهادنوا العزفيين الذين كانوا يسيطرون على سبتة، وكانوا أقاموا فيها نوعا من الاستقلال الذاتي، وإنما نازلوهم وحاصروهم إلى أن أرغموهم على الاستلام والخضوع لطاعتهم، والدخول في الوحدة الوطنية الكبرى، ولم يهادنوهم حتى أتموا استرجاع سبتة على يد أبي الحسن كما أشرنا قبل، ومن هذه الزاوية أيضا (وانطلاقا مما أوجبته من التزامات كانت هذه السياسة تصطبغ على الدوام بالصبغة الدينية، وكانت محاولاتهم المستميتة والمتتابعة لإرغام بني عبد الواد الذين كانوا بدأوا ينشؤون دولة انفصالية في المغرب الأوسط، والحفصيين الذين حاولوا بدورهم إقامة كيان مستقل لهم في تونس، وكل ذلك على أنقاض دولة الموحدين المنهارة وهكذا أرغموا جميع هذه الحركات الانفصالية على العودة إلى الوحدة الوطنية، وكما كانت عليه لعهد المرابطين والموحدين.
وتمكن المرينيون من قطع أشواط إيجابية لتحقيق هذا الهدف الوطني الشعبي في آن واحد، وبالأخص في عهد أبي الحسن عندما تمكن من استراد تونس لإمرته ولتأكيد عزمه على مقاومة كل حركة تمردية أقام هناك طويلا لتوطيد دعائم هذه الوحدة بما يجعلها شيئا مفروغا منه وضروريا لبقاء وجود دولة بني مرين، تماما كما كان الشأن بالنسبة للدولتين قبلهم.
وحاول إبنه أبو عنان سلوك نفس الطريق لما آل الأمر إليه، لولا الأحداث التي شهدها عهدها معا وأظهرها بأنهما ليسا رجلي الساعة، وأنهما دون أحداث التصدعات الوحدوية، بل أظهرها دون مستوى هذه الأحداث بما واكبها من كوارث وضوائق لم تكن في الحسبان، ذلك أنه في الوقت الذي كان يباشر فيه أبو الحسن الأعمال التي من شأنها – ولو في نظره على الأقل – أن تدعم هذه الوحدة التي ما تزال مهلهلة ظهر في الجو حدثان خطيران عاقاه عن متابع جهوده الوحدوية وكل تحركاته في هذا السبيل.
وكان أحد الحدثين خارجا عن النطاق البشري إلى حد ما، بينما كان الآخر – جملة وتفصيلا، ابتداء ونهاية، من صنع البشر، الذي " خلق هلوعا إذا كسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا".
والعامل الأول أو الحدث الذي عاق مواصلة تحقيق الوحدة، والخارج عن النطاق البشري، كان هو ما حدث من طاعون جارف ابتدأ وتفشى في تونس ومنها امتد إلى باقية أصقاع الشمال الإفريقي، حتى أوشك أن يعم أقطار المغرب العربي، فقد حصد السكان، وأفقر منهم البلاد، وأرجف الناس- وقد بلغتهم أنباء هذا الطاعون الذي استأصل جيوش أبي الحسن – أن من بين ضحاياه أبا الحسن نفسه.
وكان هذا الإرجاف مما دفع بأبي عنان بن أبي الحسن – خوف تشتت الكلمة وتصدع المملكة – إلى الوثوب على العرش، والحلول محل أبيه، وإلى الاستبداد بالسلطان والانفراد بالحكم مكان هذا الأب الذي حيكت حول مصيره المشكوك فيه تلك الأراجيف.
وقد أفزعت هذه الأنباء أبا الحسن، وجعلته يخف بالعودة إلى المغرب مقر ملكه ودار سلطانه آملا في استعادته المشروعية، وقطع ألسنة المرجفين فركب البحر عابرا بأسطوله الضخم العظيم الذي قيل إن قطعه يومئذ كانت تبلغ خمسمائة قطعة.
وتشاء سخرية الأقدار أن تتمم فصول مأساة أبي الحسن بنهاية مفزعة مروعة، فهاجت العواصف والزوابع البحرية التي حطمت أسطوله الضخم ذاك وتغرق جميع قطعه التي تناثرت كأوراق الخريف، ويغرق كل من كان في صحبته من رجال حاشيته وبطانته المقربين، بما فيهم أربعمائة من فطاحل علماء المغرب العربي، كان أبو الحسن دأب على مرافقتهم معه أينما حل وحيثما ارتحل...
قالت كتب التاريخ وتمكن أبو الحسن بأعجوبة أن ينجو وحده من المأساة، حيث هيأت له الأقدار – لما كانت تعده لنهايته من فواجع مؤلمة – لوح خشب ارتمى فوقه وأخذ يسبح به إلى أن رمته الأمواج على شاطئ من شواطئ المغرب... ليجد نفسه وجها لوجه أمام ابنه المتوج مكانه.
وتمعن الأقدار في سخريتها بأبي الحسن، حين يمتنع ابنه أبو عنان عن تسليم السلطة لصاحبها وقد تحقق الآن من بطلان كل ما حيك حول مصير أبيه، وقد يكون أبو عنان قطع أشواطا غير قصيرة في تنفيذ ما خطه من سياسة، وسنه من قوانين وقد يكون أقام – مدة غيبة أبيه، دعائم جديدة للدولة، وبنى كل شيء على أساس التخمين بأن أباه انتهى، وأنه وحده الآن المسؤول، وقد يكون أعتقد في حركته وما اتخذه من موقف، أنه بكل ذلك لم يأت أداء ولم ينزع يدا من طاعة، ولا خرج عن جماعة.
كان يمكن أن يفكر في كل ذلك، ولكن هذا لا ينجيه من المسؤولية الأدبية التي عليه أن يراعيها أمام شخصيته – بالإضافة إلى أنها أبوه- كانت تطرح في الآفاق سعيا لتدعيم هذا الملك الذي يتربع دسته، وتوطيد أركان هذا السلطان الذي يحاربه ويقاومه، مع أنه كان في إمكان أبي الحسن أن يقيم ملكا خر وسلطانا جديدا في تلك الأصقاع التي تمكن من إخضاعها لسيفه تحت شعار الوحدة الوطنية.
وكان في الإمكان أيضا حسم هذا النزاع الذي نشب بين الوالد وابنه أن لو تناول هذا الأب حاربته الأقدار عاكسته الأحداث، وأيد ابنه، ما دام قد قام بالأمر وواصل المسيرة، لأن الدولة أهداف وأفكار وأن هذه استمرار وتواصل وأن الناس مهما يكن مركزهم الاجتماعي والسياسي يذهبون، بينما الأفكار والفلسفات الصالحة تبقى وتخلد بخلود صلاح القيمين عليها، وبما تحمله في أعماقها من بذور الخلود والتجاوب مع الأحداث.
ولكن نشوب المعارك بين الرجلين – ولكل وجهة هو موليها، ولكل بواعث مقبولة في حدود النزعات البشرية – وزج جيوشها في معارك طاحنة وحروب إبادية لم يترك المجال صالحا لدعاة وحدة المغرب العربي أن يباشروا ما كانوا يأتونه من أجل تدعيم الفكرة، وإنما على العكس من ذلك أتاح الفرصة لمريدي الفتنة والانفصال والتصدع أن يحققوا أطماعهم.
وهذا التصدع والانفصال هو ما آل إليه الأمر، فقد تمكن الحفصيون من إثبات وجودهم المستقل، وواصل بنو عبد الواد جهودهم في نفس الطريق، ولقد حققوا بعض ما كانوا يريدون وكثيرا مما كانوا يأملون.
أما العامل أو الحدث الثاني الذي أعاق أبا الحسن عن تحقيق حلمه في الوحدة، والذي وصفناه بأنه من صنع البشر، فقد كان – للأسف – عبث الأعراب من بني سليم وبني هلال وما أثارو، من فوضى وثورات دموية، فقد استشرى إضرارهم بالأمن والنظام، وتطاولوا على سكان البوادي بعموم الشمال الإفريقي، يفرضون عليهم الأتاوات، ويستخلصون منهم بالقوة، والإكراه والقسر ما يريدون أو يحتاجون إليه من طعام وأقوات.
أما كيف كان وجود هذه الجماعات من الأعراب سببا في إعاقة الوحدة، فإنهم حين شاهدوا استماتة أبي الحسن في مقاومته لدعاة الانفصال من الحفصيين بتونس، وكيف تمكن منهم وأخمد فتنتهم، وأحوا أن الناس هناك استتبوا إلى الدعة والهدوء بفضل يقظة أبي الحسن هذا وصموده، وكيف إنجاز الحفصيون الثائرون إلى الجماعة، وكان هؤلاء الأعراب وقود ما كان ثار من الفتن، والمحرضين على فكرة الانفصال التي تيسر لهم الاصطياد في الماء العكر، مما جعلهم غير مستعدين للتنازل عما اكتسبوا بفضل العدوان الذي أضفت عليه الاضطرابات مشروعية ما أثاروا في وجهه عديدا من الثورات، واضعين أنفسهم رهن إشارة كل من يقدم لهم ثمنا أكبر من دعاة التفرقة والانفصال.
ثم دفعتهم رعونتهم وما استمرأوه من فوضى أن يتجرأوا ويفكروا في أن يقطعوا على أبي الحسن طريق العودة إلى مقر مملكته براء مما اضطر معه إلى ركوب البحر كما رأينا، وزيادة في عرقلة أعمال أبي الحسن وإغاظته له أمدوا بني عبد الواد والحفصيين بالعون العسكري لتنفيذ مخططاتهم الانفصالية حين تطوعوا كجنود مرتزقة مما تحقق معه عمليا ما قدروه وسعوا إليه، وتبخرت فكرة الوحدة وتم الانفصال...
وإذا كان أبو عنان قد حاول – بعد انتهاء خلافه مع أبيه بوفاة هذا الأب في ظروف غامضة عاشر صفر سنة اثنين وخمسين وسبعمائة هـ/752هـ/ أن يعيد الكرة، وينتهج نفس سياسة أبيه فيما يخص قضية الحرص على بقاء المغرب العربي موحدا ولو بحد السلاح، فإن الأحداث الدموية الفظيعة التي كانت ارتكبت بسبب خلافه مع أبيه كانت قد خلقت ندوبا في القلوب، وجروحا في النفوس وأحدثت فجوات بين مختلف الطبقات الشعبية جسد عميقة في كل أجزاء هذه الإمبراطورية، ولم يكن بسبب ذلك من السهل أو الميسور طمر تلك الفجوات ولا حتى بناء قناطر لعبورها، بما يتسنى معه تحقيق الفكرة أو بقاء جذوة الإيمان بالعمل لها حية متوثبة.
وقد تأكد أبو عنان، وكل المرينيين الذين جاءوا بعده من عبث محاولاتهم في هذا المجال ومن عدم جدوى كل تحرك فيه، كما تأمدوا أن ليس في الإمكان إرغام الناس على ما يرفضون وما لا يريدون، وخاصة عندما لا يكون هذا الأمر الذي يرغمون عليه صادرا عن ذوي الماضي الطاهر ولا عن ذوي النيات الحسنة والخالصة العمل لوجه الله الكريم وصيانة دين نبيه الشريف.
وأما موقف المرينيين من جيرانهم الآخرين وأعني بهم بني الأحمر النصريين الذين كانوا مملكين في القسم الغربي من جزيرة الأندلس، فإنه رغم الغيوم التي رانت على علاقات الدولتين، بسبب ما كان أبداه النصريون من محاولات الاستيلاء على سبتة، قبل أن تصبح نهائيا تابعة لفاس، فإن مواقف المرينيين من أولئك النصريين اتسمت بكثير من صور التعاون المتبادل، والقائم على المهاداة، وعلى نوعية من الدفاع المشترك، وإن يكن المغرب هو أبدا الذي عليه الغرم وتحمل تبعات الدفاع عن الأندلس.
وبهذا عرفت العلاقات بين الطرفين روحا من المودة والتآخي. تحول إلى تضامن وتحالف، مع الاحتفاظ لكل طرف بحرية التصرف، بما يؤكد ذاتيته الخاصة.
وأرى أنه من هذه الزاوية عالج النصريون قضية التجاء أخوى أبي عنان لكنف أبي الحجاج سلطان غرناطة بإيعاز من أبي عنان نفسه، حين اتسعت رقعة ملكه، بضم تلمسان ومعظم أراضي المغرب الأوسط.
وحين عاد أبو عنان هذا، وطالب بإرجاع أخويه إلى حضرته حين بلغته تحركاتهما لمحاولة الاستعانة بالنصارى على أخذ ما سمياه حقوقهما المشروعة ولكن أبا الحجاج رفض في إصرار تلبية رغبة أبي عنان معللا رفضه بأنه لن يخفر ذمته، ولن يسيء جوار المسلمين المجاهدين والملتجئين، وإن يكن من الملاحظ – وفي إعجاب – أنه وحتى أمام هذا الموقف السلبي من النصريين لم يندفع أبو عنان لغزو الأندلس رغم قدرته على ذلك.
ويعلل الأستاذ عبد الله كنون مبدأ إحجام المرينيين عن غزو الأندلس بينما لم يقفوا من جيرانهم بني عبد الواد والحفصيين نفس الموقف بأن المرينيين (كانوا يعرفون ما نزل بسلفهم الموحدين من الضعف والانحلال بسبب ذلك القطر الأندلسي ومحافظتهم عليه، ولئن قيل إنه كان سبب عزهم ومجدهم، فقد يقال أيضا إنه كان سبب تعسهم ونحسهم، فمن المحقق أنه لولا واقعة العقاب لم يمكن للمرينيين أن يستولوا على المغرب، ويقلصوا ظل نفوذ الموحدين عنه، فهذه العبرة التاريخية هي التي كانت تثنيهم عن المغامرة في أخذ الأندلس، ولنفرض أنهم أخذوها أليس ما يلزمها من التحصين الدائم، والدفاع المستمر منهكا لقواهم، كاسرا لشوكتهم يوما ما، كما سبق ففعل بالمرابطين وبني مومن، ولهذا فإن فكرة الاستيلاء على الأندلس لم تدر قط بخلد ملوك المرينيين، وإنما كانوا كلما عبروا إليها، واستولوا على حصن أو بلد سرعان ما يسلمونه لبني الأحمر، قاصدين بذلك إزالة النفرة من أنفسهم وتقوية الروابط معهم، ولم يكونوا يبقون بأيديهم إلا خبل طارق والجزيرة الخضراء وجزيرة طريف لربط خيط المواصلة بين العدوتين، وإنزال المقاتلة وادخار المؤونة مما مصلحته عائدة على الأندلس.) النبوغ /ج الأول/ 180/182/وهكذا انتهى المرينيون إلى أن من مصلحة الجميع ومن مصلحة المنطقة ذاتها أن يوجد بين مختلف أنظمتها نوع من التعايش السلمي وتبادل العون والتضحية والتسليم بالحدود التي فرضها الوجود الواقعي لكل دولة المتساكنة في رقعة الإمبراطورية الموحدية القديمة.
وهكذا أعاد الحفصيون استقلالهم بمعونة الثائر (أبي محمد بن تيفراجين) الذي كان طارده أبو الحسن حيث فر إلى مصر للنجاة من تلك المطاردة، وقد عاد إلى تونس ثامن عشر الأولى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة /751هـ
واكتفى ابن تيفراجين بتمثيل دور ابن أبي عامر مع هشام المؤيد في الأندلس.
وفي نظري أن إدراك المرينيين لهذه الحقيقة هو الذي جعلهم يعدلون عن نهج سياسة العداء مع جيرانهم، ويتحولون عنها إلى شن سياسة جديدة تقوم على حسن الجوار والتفاهم، وتنسيق الخطط الكفيلة بتحقيق الرفاهية لكل منطقة وإبعادها وسكانها عن كل خطر.
وهذا التحول في سياسة بني مرين تجاه الدول سواهم، هو ما نسميه المرحلة الثانية، في وجودهم الدبالوماسي، أو مرحلة التقعيد لملكهم والتنظيم لمختلف سياساتهم ومرافق شؤونهم والعمل عل خلق إزدهار إقتصادي ضروري لكل مجتمع ودولة يريدان استشعار الاستقرار والاطمئنان إلى جميل المكتسبات والقدرة الذاتية على حماية الحرية والاستقلال.

ج) – علاقة المرينيين بإفريقيا والشرق الإسلامي:
فيما أسميناه المرحلة الثانية لوجود بني مرين الدبلوماسي يمكن إدراج علاقاتهم في هذا الكجال مع كل من إفريقيا والشرق العربي الإسلامي.
والملاحظ أن بني مرين في مرحلتهم هذه – وفيما أقاموه فيها علاقات مع خصوص الشرق وإفريقيا تبنوا مبدأ تمتين الروابط الإسلامية، مع التقيد بمبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين الداخلية.
وعلى هذين الأساسين أقاموا علاقات جد قوية ومتينة مع مالي والسودان من شعوب إفريقيا السوداء ومع مصر والحجاز بصفة خاصة، ومع الشرق الإسلامي بصفة عامة من شعوب إفريقيا السوداء، ومع مصر والحجاز بصفة خاصة، ومع الشرق الإسلامي بصفة عامة من شعوب آسيا.
وسنستعرض في عجالة واقتضاب بعض مظاهر هذه العلاقات لإثبات مدى اهتمامهم بهذا الميدان من حياتهم السياسية.
ثم فيما يخص علاقاتهم بمالي والسودان، نذكر أنها اتسمت على الدوام بالتقدير واحترام المتبادلين وأنها بلغت من القوة ودرجة اضطر معها أبو عنان بعد وفاة أبيه أبي الحسن، أو بعد انتحاره بأن قعد نفسه في الدارعين وترك دمه يسيل حتى مات كما يذكر هذه القصة بعض المؤرخين – اضطر أن يبعث وفدا رسميا لكل من هاتين الدولتين يرأسه إبن بطوطة صاحب الرحلة يقدم لهما تفسيرات معقولة – أو على الأقل مقبولة – لما أحاط بوفاة أبي الحسن من تساؤلات واستفهامات وغموض نظرا لما كان يتمتع به أبو الحسن من تقدير عظيم في تينك الدولتين، التقدير الذي دفع بشعبيهما أن يقيما المهرجانات التأبينية أسفا على فقدانه.
واضطر ابن بطوطة لتوضيح الموقف بما يعيد المياه، إلى مجاريها، إلا تمديد إقامته مدة أطول مما كان يقدر، إذ لم يعد إلا بعد صدور تعليمات أبي عنان له بالعودة السريعة إلى فاس.
قال ابن بطوطة يتحدث عن عودته تلك: (فلما عدت إلى (تكندا) وصل غلام الحاج ومحمد بن سعيد السجلماسي بأمر مولانا أمير المؤمنين آمرا لي بالوصول إلى حضرته العلية، وامتثلته على الفور، وخرجت من (تكندا) يوم الخميس الحادي عشر شعبان سنة: 754 هـ)، في رفقة كبيرة، فيهم جعفر التواتي وهو من الفضلاء). وانظر بحثنا عن البيعة والخلافة في الإسلام في موضوع هذه العلاقات.
أما عن علاقات المرينيين بدول الشرق الإسلامي، فقد كانت قوية مستمرة وفي مختلف الأشكال، وتباين الأحوال وتعدد المناسبات.
ومن كلمات ابن خلدون – وهو يتحدث عم هذه العلاقات المتينة ويصف أبعادها قوله: ( ولم تزل ملوك المغرب على القدم ولهذا العهد يعرفون لملوك الترك بمصر حقهم، ويوجبون لهم الفضل والمزية، بما خصهم الله به من ضخامة الملك، وشرف الولاية بالمساجد العظمة، وخدمة الحرمين الشريفين، وكانت المهاداة بينهم تتصل، وقد تنقطع بما يعرض في الدولتين من الأحوال).
العبر لابن خلدون ج الخامس/ص 479/ ودعوة الحق ص /61 عدد / 8 سنة/ 8.
وقد ابتدأت هذه العلاقات – فيما يذكر المؤرخون – بين أبي يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني والملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، الذي كان استقل بمصر والشام والحجاز، ما بين سنتي 678 إلى 689هـ.
وكانت بداية هذا الاتصال بين السلطانين المغربي والمصري – فيما يبدو – حين طلب الملك المصري من المغرب التدخل لدى ملك قشتالة لصالح حكام مصر كما قد يفهم مما نقله إبن حجر العسقلاني في فتح الباري حين قال:
(أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، قال: حدثني سيف الدين فليح المنصوري قال: أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك المغرب بهدية، فأرسلني ملك المغرب في شفاعة إلى ملك فشتالة فقبلها) دعوة الحق / العدد 5/ ص 61/  السنة 8.
ثم إزدهرت هذه العلاقات في عهد يوسف بن يعقوب المريني (685هـ-706) الذي كان يعاصر – كما قلنا الملك الناصر محمد المنصور قلاوون الصالحي.
وقد أثبت المؤرخون في مضمار العلاقات بين الشرق الإسلامي والمغرب المريني ثلاث سفارات تمت كلها ما بين 700 و 704 هـ.
والأولى كانت تلك التي تمت سنة: 700 هـ وكانت بالخصوص إلى مصر، ورئيسها مجهول وقد أشار إبن خلدون لذكر تاريخها حين قال: (حضر في سنة سبعمائة وزير من المغرب في غرض الرسالة:)، دون الإشارة إلى فحوى هذه الرسالة...
أما السفارة الثانية، فقد كانت بالقصد إلى الحرمين وبرسم الحج، وعبر مصر، وكانت حدثت سنة: 703هـ حين أوفد السلطان بعثة من العلماء مخفورة بقوة من الجيش قوامها خمسمائة جندي، وكان من ضمن أفرادها القاضي محمد بن زغيوش، وكبير علماء المغرب ليومئذ أبو عبد الله القصار، وبصحبته أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري دفين مراكش.
وكانت هذه البعثة تحمل مصحفا أعد خصيصا للحرم المكي مع مصاحف أخرى ومعها هدايا مختلفة لملك مصر وسكان الحرمين، وقد أورد إبن خلدون أيضا خبر هذه السفارة والمصحف الذي أهداه يوسف فقال: (فأمر يوسف بانتساخ مصحف رائق الصنعة، كتبه ونمقه أحمد بن الحسن الكاتب المحسن، واستوسع في جرمه، وضمن غشاءه من بديع الصنعة، واستكثر فيه من مغالق الذهب المنظم بخرزات الدر والياقوت، وجعل منها حصاة وسط المغلق تفوق الحصيات الخرى مقدارا وشكلا وحسنا واستكثر من الأصونة عليه).
ويحكي إبن مرزوق: ( أنه رأى بمكة هذا المصحف الذي بعثه المولى أبو يعقوب بخط أبي الحسن، وكان وجهه محلى بالذهب المنظوم بالجواهر النفسية).
ويضيف إبن مرزوق: ( وقد انتزع ما عليه، وبقي في قبة التراب يقرأ فيه احتسابا، قال ابن مرزوق: (وقد قرأت فيه أعوام) دعوة الحق / ص/62/العدد/ 5/ السنة: 8.
أما السفارة الثالثة فقد حدثت كذلك في عهد السلطان يوسف وفي سنة: 704 أو 705هـ، وكانت هذه المرة مزدوجة الغاية، الحج وحمل هدايا ثمينة لملك مصر، وكانت برئاسة: ( أيد غدى الشهرزوري علاء الدين، وبدلالة أبي زيد الغفائري، وكبير أهل الفتيا بتلمسان أبي الحسن الثنيسي.
وتتحدث الروايات التاريخية أن البعثة حملت معها هدايا سنية إلى الناصر قلاوون بلغت أربعمائة جواد عتيق مجهزة تجهيزا حربيا، وأربعمائة بغل، مع كثير من ماعون المغرب وسائر طرفه، وجملة من الذهب العين)، ويصفها إبن الوردي فيما حكاه عنه ابن خلدون في العبر بهذه الكلمات.
(ثم دخلت سنة 704هـ، وفيها وصل من المغرب كثير، صحبتهم رسول أبي يعقوب يوسف إبن يعقوب المريني ملك المغرب إلى مصر بهدية عظيمة: خيل وبغال نحو خمسمائة بسروج ولجم، ملبسة بالذهب المصري).
ولقد ورد ملك مصر عليها سنة: 705هـ، بالأحسن، هدية فيها من طرف الشرق ما يستغرب من الثياب، والحيوانات الفيل والزرافة، وبعض ما كان غنمه قلاوون في حربه مع التتار، تلك الحرب التي جرت بينهما بظاهر دمشق وانتصر فيها قلاوون، فجعل في هديته لملك المغرب أشياء من مغانه هؤلاء، إشهارا لأمر هذا الفتح بالمغرب، فكان صحبة الهدية عشرون أكاديش التتار، وعشرون أسيرا منهم، وشيء من طبولهم وقسيهم.
ويسجل في إطار توثيق الدولة المرينية علاقاتها الدينية والدموية مع الشرق ما أحدثه ملوكها من كتابة رسائل خاصة موجهة إلى الروضة الشريفة بيثرب، والتي أطلق عليها بسبب ذلك في الأدب المغربي لعهد هذه الدولة: ( بالرسائل النبويات) وكانت تديجها براعات الملوك، ويذيلونها بما ينشئونه من قصائد وأشعار في نفس الموضوع، مما قد تتعرض له في حديثنا عن شعر المولديات، وكانت تردف هذه الرسائل بأوقاف سنية يخصص ريعها لتدارسها وصيانتها.
وكان أبو عنان – متأثرا بآثار أسلافه الذين كانوا يقدرون البيت النبوي الشريف – أول من سن هذه السنة حين أرسل الفقيه البرجي سفيره إلى مصر عظيمة في الشرق، والتي وصفها صاحب كشف الظنون بالدرة السنية، وقال عنها إبن الخطيب في الإحاطة إنها تعلن في الخفاء ببعد شأو أبي عنان ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة في نسب خصله ثم قال إبن الخطيب:
(وكانت متصلة بقصيدة من نظمه، وقد ديجها بخط يمينه، الذي يخجل الروض حسنا – كما هو تعبير تحفة النظار عنها – وقد ظلت هذه الرسالة تقرأ إلى ما بعد سنة: 800هـ/ في المدينة المنورة حسبما جاء في كتاب (نصح ملوك المسلمين) ثم جاء بعد أبي عنان أبو فارس عبد العزيز الأول الذي أرسل بدوره رسالة مماثلة لتلك التي أرسلها أبو عنان، وفي نفس الموضوع، وقد كتبها هو الآخر بخط يمينه موجها أياها إلى المقام الشريف.
وقد أشار إليها إبن حجلة في كتابه: (منطق الطير) حيث قال: (فقد وقف المملوك – يعني نفسه – على الرسالة الملكية السلطانية الفارسية العزيزية المجهزة إلى الحضرة النبوية، المفتتحة بالأبيات الدالية، وهذا هو الفرق بين الرسالتين: رسالة أبي عنان وسالة أبي فارس حيث أخر الأول القصيدة بينما قدمها الثاني – وانتهى إلى ما أنجز في ذيلها من الضراعة والظمأ إلى صاحب الحوض والشفاعة، فقد بلغ برسالته التي قرئت بحضرة الرسول، وهبت عليها نسمة القبول، وإشارة لهذه الرسالة نفسها يقول ابن أبي حجلة في قصيدته التي أنشأها تقريظا:
في النبي الهاشمي رسالــة         يكرر فيها شوقه ويعيـد
وانشدها بالحج في كل مشهد      يطيب بها للسمع منه نشيد
وأم بها من طيبة طيب روضة     بها، قطف الجاني الرضا ويزيد
ثم توبعت تلك البعثات على مختلف المستويات، حتى إذا جاء عهد أبي سعيد عثمان الثاني: 804 هـ، وكان التتار بزعامة (تيمورلنك) يعادون مهاجمة الشام، بعث سفيره أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم إبن نفيس الحسيني العراقي بهدايا إلى ملك مصر، وبرسالة أكد فيها استعداد المغرب لإرسال جيوشه لتشارك في المعارك، إذ كان ذلك ضروريا لسلامة الإخوان المسلمين في تلك الديار.
ويعيد التاريخ نفسه في سنة: 1967م حين هاجمت شرذمة الصهاينة الأراضي العربية وبعث الحسن الثاني فيالق من جنوده الأشاوس لتشارك في معركة المصير لولا ما حال دون هذه الغاية من أحداث... وإن تمكن الجيش المغربي في هذا العهد من المشاركة في معركة (سيناء والجولان) سنة: 1974 من شهر رمضان وفي العاشر رمضان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here