islamaumaroc

فنون الصناعات التطبيقية لمسجد ضريح محمد الخامس -1-

  عثمان عثمان إسماعيل

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

ثانيا: الرخام:
وإذا كان الرخام يلعب هنا دورا ممتازا غير أنه لا يبلغ أهمية فنون أهمية فنون الرخام بمساجد المماليك المعروفة بالقاهرة، ذلك أن الأرضيات والجدران هناك تكون وقفا على أشغال الرخام بينما تتنوع أساليب الزخرفة المعمارية بالمغرب حيث يشارك الزليج والجبص بالجدران الداخلية وينفرد الحجر بالجدران الخارجية.
ويمكن حصر مواضع الرخام داخل مسجد محمد الخامس في أعمدة المحراب الجانبية والداخلية ثم الأعمدة القائمة على جانبي المدخل الرئيسي المحوري بالواجهة الشمالية والمدخلين المماثلين شرقا وغربا، بالإضافة إلى خصتي الصحن الرئيسي ورخام الصحون الجانبية. وفيما يتعلق بمواقع الرخام خارج البناء نشير إلى الخصات المنتصبة أمام الواجهة الرئيسية وصهاريجها وبقية الرخام خارج هذه الواجهة المطلة على صحن مسجد حسان العتيق.

الأعمدة الرخامية بجانبي وداخل المحراب:
يحف بفتحه المحراب مجموعة من ثلاثة أعمدة رخامية من كل من الجانبين ثم أربعة أعمدة أخرى توجد موزعة على جدران المحراب الداخلية وجميعها رخام أبيض اللون إيطالي الأصل ويبلغ مجموعها عشرة أعمدة متجانسة.
وقد تم اختيار الرخام الإيطالي لمؤهلات خاصة يتميز بها تتعلق بنقاء وخصوصية مادته وتفوق وأتقان صناعته. لقد ثبتت سلامة ذلك الاختيار بعد أن أرسلت جميع تفاصيل الزخرفة والقياسات والواصفات على نماذج مغربية من الجص وعادت جميع تلك العينات بذاتها منحوتة في الرخام أعمدة وقواعد وتيجان كاملة الصناعة والزخرفة حسب المواصفات والنماذج المطلوبة بحيث لم يبق إلا فن التذهيب الذي نقذ بكامله هنا بالمغرب في المواضع المقررة لذلك من قبل.
وتبعا لمصطلحات الصناعة التقليدية السائدة اليوم يبدأ العمود من أسفل بما يسمى (قاع) والقاع هو عبارة عن قاعدة العمود. ويلو (القاع) مباشرة (سارية) والسارية تأتي مجموعة من ثلاث وحدات تعرف أوسطها باسم (رأس) وهو تاج العمود، وأسفل الرأس يوجد (عنق) ، وفوق العنق توجد (لحية).

   الأعمدة الرخامية بجانبي أبواب الواجهة الرئيسية:
 يحف بالأبواب الثلاثة بالواجهة الشمالية للمسجد نماذج من الأعمدة الرخامية، فيحف بجانبي كل باب من الداخل عمود رخامي من نفس طراز وصناعة الأعمدة المشار إليها آنفا حول فتحة جوفة المحراب والموزعة بداخله مع فارق واحد أنها هنا بجانبي الأبواب الرئيسية أكبر حجما وأكثر غلظا وهو أمر طبيعي بسبب اختلاف الموقع والغرض.
وتبدأ هذه الأعمدة كما ذكرنا بالقاع وهو القاعدة وفوقه سارية وهي أسطوانة العمود أي بدنه ثم تبدأ المجموعة العليا وأولها (عنق الرأس) وتعرف زخرفته هذه باصطلاح (عنق الرأس بالمحنشة)، وفوق العنق تأتي (الرأس) وتعرف هنا باصطلاح (الرأس بالتوريق) وبعد ذلك نجد (اللحية).

الرخام بالصحن الرئيسي:
1- خصتا الصحن: يتوسط الصحن الرئيسي صهريج مستطيل يوازي ضلعه الطويل جدار القبلة ويقابل الضلع القصير للصهريج من كل جهة خصة تتوسط صهريجا صغيرا قليل الغور. والصهريج الصغير يتكون من (16) ستة عشر ضلعا مفروشة بالرخام المغربي الملون (صنع الزليج) ما عدا الأبيض منه وهو الذي يكون (القطيب) فهو إيطالي وليس محليا. ويدور بالصهريج حزام من الرخام الأحمر المستورد من البرتغال حوله رخام (أحكل) يعني أسود وهو من صنع مغربي ومادة مغربية.
أما الخصة القائمة وسط الصهريج فهي من رخام أبيض بأسلوب يعرف في الصنعة باسم (خصة بالريشات)، والريشات هي الضلوع التي ينقسم إليها جسم الخصة من الخارج بينما يسمى البدن الأسطواني الذي يحملها فوق القاعدة باسم (العجلوج).
وقد أفادني المعلم (بريك) في عين المكان أن أشغال الرخام في السقايات أو الخصص أو الأرضيات كان هو بصفته الفنان المغربي معلم صنعة الرخام بأشغال الضريح يقوم بمناقشتها مع المعلم محمد بن عبد الكريم (رحمه الله) المشرف العام على الأعمال الفنية ومع مهندس الضريح ثم بقدم عدة نماذج من تصميمه ليقع اختيار أحدهما عند التنفيذ.
2- أرضية الصحن الرئيسي: اتخذت أرضية الصحن الرئيسي لمسجد محمد الخامس من رخام أبيض (طلياني) بالقطيب والدرهم، وعلى هذا النحو مجد أن الصحن الرئيسي قد فرش بالرخام الأبيض المستورد بعد أن ألصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الإتقان رائع الترصيع رائق التركيب والرصف انعطفت حول وحداته الرئيسية البيضاء عناصر ملونة (بالقطيب والدرهم) وهو النوع المشهور في الصنعة المغربية منذ أيام المرينيين وقد أشرت إلى نماذج منه بكتبي عن شالة وحفائرها الأثرية وفنونها الزخرفية.

الرخام بأرضية الصحن الجانبي وخصتي الواجهة وصهاريجها والسقايات:
لقد فرشت أرضية كل من الصحنين الجانبيين بالرخام الأبيض وقد جعلت فواصل بالرخام الأسود بين المربعات الرخامية الكبيرة القائمة على رأسها. وتقف أمام الشواف الأول شرق وغرب الواجهة الرئيسية خصة رخامية من الرخام الأبيض الضارب إلى السمرة وبوسط الخصة قوقعة أشعاعية مفتوحة لا على تتوسطها نافورة نحاسية، ويتكون جسم القوقعة من (14) أربعة عشر فصا وترتفع فوق قائم رخامي قصير أسفله قاعدة رخامية تتشكل من طابقين مثمنين بعدهما قاعدة مستديرة فوقها العمود القصير الحامل للقوقعة. والصهريج المحيط بالخصة يتكون من ثمانية فصوص وأرضيته رخام من نفس النوع وحول ذلك أطار رخام أسود يحيط بالمجموع، وبالإضافة إلى ذلك يوجد الرخام كحوض أسفل كل سقاية من سقايات الواجهة وهو حوض رخام أبيض حافته مشرشرة ومقسم خارجه إلى ضلوع إشعاعية بنفس الأسلوب.

ثالثا: الزليج:  
يبرز فن الزليج بالمجد في دوره الطليعي التاريخي الذي احتله منذ عصر المرينيين بشهادة صاحب روض القرطاس حسيما شرحت مفصلا بكتابي دراسات جديدة في الفنون الإسلامية والنقوش العربية بالمغرب الأقصى. ونرى الزليج بمسجد محمد الخامس في جميع حوائط وسواري بيت الصلاة وفي جدار قبلة المسجد بصفة خاصة كما نراه في صهريج الصحن الرئيسي وجدران الصحون الجانبية بين المسجد والضريح من جهة وبينه وبين المتحف الوطني من الجهة الأخرى.

1- زليج الحوائط والسواري:
 تعرف الصناعة التقليدية هذا الأسلوب من الترصيح بالزليج في حوائط وسواري بيت الصلاة باسم (صنعة شعاير) وتسود بهذه الصنعة هنا الألوان الأبيض والأزرق المعروف في فن الزليج باسم (برايا) ثم اللون الأصفر المسمى (خابوري).
وتجدر أثناء دراسة الروافع ودراسة العمارة بالمسجد الإشارة إلى أن سواري المسجد الحاملة للعقود ليست أعمدة رخامية مستديرة وإنما هي دعائم مربعة المقطع (50X50 سنتيمترا) شيدت من الملاط المسلح وكسيت بالزليج وهذا هو تفصيل زخرفة السارية بالزليج: يبدأ العنصر الأول من أسفل بدون قاعدة وإنما بقسم أسفل يسمى (الجنار) في موضع قاعدة العمود، وتكسو بدون السارية حلة من (صنعة شعاير) وهي المحلاة باللونين الأزرق والأبيض كما مر بنا ويعلو الإطار العام المحيط بكسوة بدن السارية زخرفة تعرف باسم (الضفيرة) وتأتي فوق الضفيرة (شرافة) فوقها (حزام علوي) يختم مراحل صنعة الزليج بالسارية من الأرض إلى بداية أشغال الجص التي تغطى موضع التاج الحامل لرجل العقد.

2- زليج جوفة وواجهة المحراب:
 وعلى الرغم من أهمية الدور الكبير الذي يلعبه فن الزليج في جنبات ووسط بيت الصلاة، فإن الصنعة التي ظهرت في جوفة المحراب وواجته كانت أحفل، بل أن صنعة زليج المحراب المذكورة قد طغت بروعتها على بقية أشغال الزليج بمجموع أركان المسجد.
لقد تفنن المرحوم المعلم أحمد العلوي رئيس تعاونية الزليج بمدينة فاس في إبداع تلك النماذج المنسجمة التي جاءت منمقة مرحلة تلو مرحلة من الأرض إلى بداية أشغال الجص الموجود بجوفة المحراب بنفس إرتفاع نظيرتها بجدار القبلة.
ونظرا لتراجع كتلة المحراب وملحقاته عن مستوى حائط القبلة لأسباب تتعلق بالتخطيط والهندسة العمارية لملحقات المحراب في التقليد المغربي، لهذا نجد أن زخارف المحراب الداخلية بجوفته ترتبط ارتباطا عضويا مع واجهة المحراب المعمارية من كل الجانبين بقدر المساحة. التي تشغل إتساع بلاط المحراب، وهكذا أصبح أمامنا ثلاث وحدات واضحة وهي: جوفة المحراب محور التخطيط والبناء ثم كتلة من كل جانب تشكلان مع كتلة المحراب تصميما معماريا وزخرفيا واحدا يتصدر البلاط المحوري وهو بلاط المحراب.
وتعرف صنعة الزليج داخل جوفة المحراب في الصنعة المغربية باسم (معشر بالقطيب مقوم على ثلاثة) يعلوها (ضفيرة) فوقها كتابة ثم شريدا من كتابة أخرى (توريق مؤلف) إلى أن يتوج ذلك كله (شرافة) عليا أخيرة.
وهذا النظام نفسه يستمر بواجهتي المحراب الجانبتين على نفس النسق والصنعة والألوان بحيث يبقى الاختلاف الوحيد بدخله المحراب المسطح الذي يحف بالمحراب الرئيسي من كل جانب، وهذه الدخلة التي تمثل المحراب المسطح بكل من جانبي المحراب المجوف قد غشيت مساحتها بزليج من الصنعة المعروفة بإسم (إثني عشرى بالقطيب).

3- زليج الصحن الجانبي بين المسجد والضريح:
تتفق كسوة حائط الضريح المطلة على الصحن الجانبي وكسوة حائط بيت الصلاة في وجود (حزام مثمن بلا قطيب).
أما السقاية الموجودة بالجانب الضيق لمستطيل ذلك الصحن فقد جعلت جوفتها من زليج (معشر بلا قطيب)، في حين جعلت السقاية الأخرى وهي الصغرى الجانبية (معشر بلا قطيب مقطوع بالزقاق) ويستمر الحزام العلوي (إثني عشرى بالقطيب).
وبالنسبة للتصميم العام لزخارف الحائط الشمالي ونظيره الجنوبي بالصحن الجانبي نجد بالوسط عقدا كبيرا حوله عقد من كل جانب أصغر مساحة وقد غطى الزليج بتراكيبه الهندسية وألوانه المتعددة خلفيات العقود والمساحات المحيطة بها بل أن السواري الفاصلة بين العقود جعلت كلها من الزليج كذلك، وإذا تخطينا شريط الحجر المزين بزخارف مضفرة أعلى عقود الزليج نصل إلى شريط أعلى من الزليج هو الآخر.
ولعلها على غير العادة تبدو ظاهرة الإطار الزخرفي (إطار الزليج) هنا جديدة وذات ثراء زخرفي معماري كبير حيث يدور إطار مزلج بجميع وحدات الواجهة تتعدد أشكاله الهندسية وفنون التسطير من خلاله بدون قطيب.
وما دمنا بصدد زليج الصحن الداخلي نذكر بمثال آخر من الزليج يدور بكل من خصتي الصحن الرئيسي صانعا أرضية متعددة الأوان بالقطيب. 

4- زليج السقايات بالواجهة الرئيسية:
مر بنا في دراسة فنون الحجر وجود سقايتين بالواجهة الرئيسية شرق وغرب الباب المحوري يفصل بين الباب وبين كل منها (شواف) وينطوي داخل القوس الحجري الكبير عقد من الزليج مزدوج مفصص نادر المثال نصف دائري يرتكز منبته من الجهتين على عنصر ثعباني (ملفوف) غريب الهيئة والتصميم يكاد يكون مرسوما في عكس الاتجاه المألوف. ويضم العقد الخرخنة المزلج أرضية من الزليج بالقطيب، وقد استخدمت الألوان الأزرق والأخضر والقهوي في وحدات التركيب المعروف بإسم (معشر بالقطيب) بينما استخدم اللون الأبيض للقطيب.
وتدور بأرضية الوحدة الزخرفية الرئيسية بمجموع السقاية زخرفة معمارية عبارة عن حزام مضفر من مربعات ومعينات مفيدة بالقطيب، ويرتكز العنصر الأساسي بالجانبين على خد بتوريق مولف وهو كتلة مستطيلة (بدل السواري) يتوسطها حشوة من زليج مورق حوله إطار من زخرفة هندسية، هذا، وأعلى القوس الرئيسي يوجد توريق مولف بالزليج كبير المساحة يذكر بزخارف الموحدين والمرينيين وبالسقايتين الجانبيتين صنعة 24 بلا قطيب.

5- زليج النقوش العربية:
 وإذا كان الزليج يلعب دوره التاريخي في أساليب الزخرفة النباتية كالتوريق والهندسية كالتسطير ويتحاشى التشبيه بالخالق في عدم رسم الأشكال الآدمية والحيوانية، فإنه لا يغفل فن الكتابة العربية ويمنحنا مثالين في نقوش الزليج الكتابية بالمحراب، الأول عبارة عن شريط من الكتابة المولفة بالزليج يدور بجوفة المحراب وجانبيه بنص قرأني هو عبارة عن نقش بالخط الكوفي المورق نقرأ فيه ?بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا...?، أما الثاني فهو طراز من الخط الكوفي المريع يدور بنفس الموقع من المحراب ونقرأ فيه عبارة (بركة محمد) مكررة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here