islamaumaroc

افتتاحية: عمل ريادي ورسالة متواصلة

  دعوة الحق

العدد 247 رجب 1405- أبريل 1985

يشهد انتشار الاسلام في القارة الافريقية وبخاصة في جناحها الغربي الواسع، على الدور الهام والرائد الذي قامت به المملكة المغربية، طوال تاريخها المجيد، ماضيا وحاضرا، في عملية هذا الانتشار اشعاع اسلامي وثقافي واجتماعي وحضاري، يطور مستويات الحياة، ويفجر ملكات الانسان من أجل حياة أفضل.
والحقيقة التي أثبتها التاريخ، هي أن المملكة المغربية بعد وصول الفتوحات الإسلامية إليها، تحولت إلى مصدر ينتشر منه دين الله على إفريقيا كلها، وينبثق منه إشعاعه على جميع المستويات، وينطلق منه العمل الريادي إلى بناء ونماء الإنسان الإفريقي المسلم في ظل الإيمان والحرية والوحدة.
وفي كثير من أطوار التاريخ ومراحله المتعاقبة، يتعذر فهم تاريخ بعض الدول الإفريقية واستيعاب تحولاته المختلفة، بدون ربطه بتاريخ المغرب، ذلك أن الوشائج القوية التي ربطت المغرب بإفريفيا، وشائج ظهرت على أكثر من مستوى، جعلت للمغرب ولإفريقيا تاريخا مشتركا، ساهمت فيه العقيدة والدين كما ساهمت فيه العلوم والمعارف إلى جانب المساهمة التي بذلها رجال الفتح من أجل نشر الرسالة المحمدية، وتحرير الإنسان، وإعادة بنائه على أسس جديدة من الحرية والعدالة والمساواة.
وبفضل الأدوار الطليعية التي قام بها المغرب على هذا الصعيد بدون أن يكل أو يهن وتضعف إرادته أمام التحديات والمصاعب، انتشرت في إفريقيا الغربية على إمتدادها الشاشع، قيم الإيمان بدين الإسلام الذي انبثق نوره وبزغ فجره في الجزيرة العربية ليعم العالم أجمع باذن الله ومشيئته، وفي كنف هذا الإيمان ظهرت قيم التسامح والتساكن بين الأفراد وبين الجماعات وبين الدول، وانتقت القيم التي تمجد الفردانية وتعلي مصلحة الأحاد على مصلحة المجموع، وحلت محلها قيم العمل المشترك من أجل الخير وسيادة المحبة والإخوة الإسلامية.
وعبر آلاف الزوايا والرباطات الدينية والجهادية التي تنتشر في إفريقيا الغربية واصلت رسالة الإسلام انتشارها في هذه الربوع، فعمت الديار وأرسلت شعاعها إلى أصقاع أخرى من إفريقيا، فأصبحت أصقاعا تنتمي إلى أمة الإسلام والمسلمين.
وإذا تأملنا واستقصينا الدور التاريخي لهذه الزوايا والرباطات، لم نجده يقتصر فقط على نشر أصوله وتعليم فروعه للأجيال، أو على رفع رواسب الجهالة عنهم وشدهم إلى نور الإيمان والمعرفة، بل ويتعداه إلى تمكين هذه الأجيال من تحسس شخصيتها من منظور الإسلام، ومن العمل على تطوير وصيانة قيمها ومقوماتها وكيانها الذاتي وفق المباديء والحقائق التي جاء الإسلام مقررا لها، ومن بينها مقومات المشاركة الجماعية في الذود عن الإسلام، وحماية مقدساته، بهدف الوصول إلى ذلك الأفق الإنساني الذي رسمه الإسلام للأفراد والدول والأمم والجماعات، وأفق التوحد في ظل العبودية لله وحده وأفرادها له سبحانه وتعالى وأفق التعايش في إطار من السلام والمحبة والصفاء المفضي إلى الهناءة والسعادة.
وعلى امتداد إفريقيا الغربية كلها، يلمس الباحث اليوم آثارا قوية الملامح واضحة القسمات، لذلك الوجود الذي مارسه المغرب ممارسة مؤمنة، ونابعة من تفهمه. لرسالته الحضارية في ظل الإسلام، فهذه الأثار نفسها تدل كيف أن المغرب بعد دخوله في الإسلام اندمج في هذه الرسالة وامتزج بها فبادر إلى نقل خصائصها القويمة إلى شعوب إفريقيا، وإلى بلورة شخصيتها الحية في عقيدة الإسلام الذي جعلها تنتقل بما بثه فيها من بذور الإيمان والخير والعدل والمساواة، من طور إلى طور تبدت فيه حضارة هذه الشعوب وطاقتها على المساهمة في إثراء التطور، وقدرتها على إعطاء وجودها قيما وطنية متميزة في ظل الإسلام وفي بوثقته التي انصهرت فيها هذه الشعوب ووحدتها الحضارية والتاريخية.
ومن المنظور الجغرافي البحت، فان الأواصر بين المغرب وإفريقيا الغربية لم تنحل قط أو تنصرم إلا حينما زحفت الجيوش الاستعمارية الغازية، منطلقة من أوربا على المغرب ومن ثم على إفريقيا الغربية، الإستعمار الذي كان دهاقنته وغلاته على يقين تام بأن سقوط المغرب بين أيديهم يعني بالبداهة تصدع هذه المنطقة من إفريقيا وسقوطها بالتالي تحت وطأة الإستعمار، ولهذا السبب فإن المقاومة التي بذلها المغرب بقيادة العرش العلوي المجيد لدرأ خطر الإستعمار عنه، في وقت تكالبت عليه القوة الغاشمة لأوروبا، لم يكن هدفها منحصرا في حماية ذاته وسيادته وكيانه وحسب بل وكذلك في حماية إفريقيا، والدفاع عن سيادتها، والذود عن كيانها.
وجرت الأمور بعد ذلك في هذا المجرى الذي نبه صفوة من رجال السياسة والقيادة الفكرية والثقافية في إفريقيا، إلى حقيقة ناصعة هي أن المغرب هو درعها الواقية من خطر الإعداء والخصوم المتربصين بإفريقيا وهو سندها الذي يحمي ظهرها من الأطماع والمؤمرات وهو العضد القوي الذي يقيها من مخاطر الذوبان والتلاشي والإنحلال.
ونتيجة لهذه الحقيقة، فقد توطدت الأسباب بين المغرب وإفريقيا، على كافة المستويات وفي جميع المجالات، وتضاعفت الصلات الجامعة بينهما، حتى توحدت في النضال المشترك من أجل إجلاء قوى الإستعمار غب ثورة الملك والشعب في 20 غشت من سنة 1953 بقيادة جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه ووارث سره روفيقة في الكفاح جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
إن طرق التجارة في الصحراء والزوايا الدينية والرباطات الجهادية المنتشرة في بلدان إفريقيا الغربية، وإعلام الفقه والصوفية والعلوم الدينية الذين كانوا يجوبون طوال قرون عديدة صحراء المغرب وصحراء إفريقيا، كأنها صحراء واحدة، يضاف إليهم وفود الطلبة والمتعلمين والمريدين الذين يؤمون بدون كلل أرض المغرب للتعلم والحصول على الإجازات أو للتبرك من أعلامه في الصوفية، كل ذلك وغيره شاهد قوي على التأثير الديني والعلمي والثقافي الواسع الذي باشره المغرب في إفريقيا الغربية مباشرة عملت على توحيد هذه المنطقة واحالتها إلى مراكز للإشعاع الحضاري المتنوع واللامحدود، كذلك عملت على صهر شعوبها وقبائلها في دين الإسلام كدين شامل، يجمع الإنسانية  كلها على طريق واحد وعلى هدف واحد.
وتبعا لذلك، يمكن القول كما هو مقرر في كتب التاريخ وكتب الدراسات الحضارية التي تناولت بالتحليل تطور العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية، على هذا المستوى أو ذاك، أن الحضارة في هذه المنطقة كلها، أي في دول إفريقيا الغربية، انبثقت من عمق ورسوخ الصلات بين المغرب وهذه المنطقة، وأن مستواها الذي بلغته في بعض العصور، من حيث الإشعاع والإمتداد ونبض الحياة، لم يرق إليه مستواها الحضاري في ظل أي دين أو عقيدة أخرى، بمعنى أن هذه الشعوب التي إرتفع شأنها الحضاري، وكانت زاهية ومزدهرة، تم لها ذلك في كنف الإسلام.
وكا المؤرخين من المنطقة أو خارجها، سواء كانو مسلمين أو غربيين، يقرون بأن المملكة المغربية التي لم تلعب فقط دور الوسيط في نقل الحضارة الإسلامية إلى إفريقيا الغربية، ولكنها لعبت كذلك ولا تزال تلعب في هذا النطاق بالذات، دورا رائدا، ينشط فعالية هذه الحضارة في هذه المنطقة، ويوسع قنواتها ويفتح لها في كل مرحلة من التاريخ آفاقا جديدة تستشرقها شعوبها وأجيالها المسلمة.
وكذلك يعترف هؤلاء المؤرخون والدارسون لحضارة إفريقيا الغربية الناشئة والمتطورة بفضل الإسلام، بأن دور المغرب ذاك، أعطى لهذه الحضارة أبعادا ومضامن جديدة، جعلت – من جهة – دول إفريقيا الغربية تخلق وتطور حضارتها وفق مقوماتها الوطنية الأصيلة، مندمجة في القيم السامية والنبيلة التي جاء بها الإسلام لهداية المجتمع البشري كله إلى طريق البر والإخوة والمحبة، وجعلت – من جهة أخرى – إمتداد الإسلام وذيوعه، لا سيما في الأقطار الإفريقية أمرا محتوما، نظرا للدعائم والمرتكزات التي أنشأها الإسلام وجعلها ثابتة وقارة في هذه الأقطار، وهي دعائم ا لتسامح والتعايش والتساكن، وهو أمر لم يخل منه تاريخ الإسلام، في أي حقبة من حقبه، وفي أي جانب من جوانب المعمور، وصله بلغ إليه في مشارق الدنيا ومغاربها.
وفي إفريقيا الغربية اليوم على إمتداد رقعتها الجغرافية كاملة، يقوم أكثر من شاهد على التأثير التاريخي الكبير الذي مارسه المغرب فيها خلال عصور مضت كانت كلها عصور إزدهار للثقافات والعلوم والحضارات والمعارف التي أنتجتها شعوب هذه المنطقة في ظل الإسلام، كما يقوم أكثر من شاهد على تواصل هذه التأثيرات واستمراريتها في الوجدان الديني والثقافي والاجتماعي لهذه الشعوب، فكل أثر من آثارها الحضارية النابعة من حضارة الإسلام،  واجد أصله في الحضارة المغربية، النابعة بدورها من حضارة الإسلام، المر في حقيقته، لا يتعلق فقط بالاستمداد من حضارة المغرب بل ويتصل كذلك بالتفاعل بين تينك الحضارتين معا حضارة المغرب وحضارة إفريقيا الغريبة، وبتواصلهما في ظلال الإسلام.
والواقع، هو أن الدور الطليعي الذي قام ويقوم به المغرب في هذه الدائرة، يكتسب مصداقيته من أهلية ذات محاور عديدة، فالمغرب هو همزة وصل بين إفريقيا كلها وبين أوروبا، وموقعه الجغرافي هذا، أعده لكي ينهض برسالة حضارية لا زالت محتومة عليه إلى اليوم، وإفريقيا الغربية من منظور هذه الرسالة تمثل أحد مهاد حضارة الإسلام في عالمنا المعاصر.
والمغرب كذلك هو أقصى نقطة جغرافية في رقعة الإسلام، فهو حدها الذي يمثل الجناح الغربي للعالم الإسلامي برمته، وهذا الموقع بدوره، جعل المغرب بلدا عليه مسؤوليات وواجبات، باعتبار ما يواجهه دائما من مناورات ومؤمرات تستهدف القضاء لا على هويته الإسلامية وحسب، بل وعلى هذه الهوية بالنسبة لمنطقة غرب إفريقيا التي دخلها الإسلام وانتشر فيها منذ قرون عديدة.
والمغرب أيضا يعكس من الوجهة الحضارية البحتة، مركز استقطاب لهذه المنطقة كلها، فطوال العصور الذي ازدهرت حضارتها كان المغرب هو المنبع الذي ألهم المنطقة الحس الديني، وهو المصدر الذي انبثقت منه قيمها الحضارية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وهو المركز الذي تلتقي فيه حضارات وثقافات هذه الشعوب والثقافات التي استمدت من الإسلام قوة، واستلهمت من العقيدة أسباب المناعة والأصالة والإستقرار.
وكل ذلك، يحتم حقيقة من حقائق التاريخ، وهي أن بين المغرب وإفريقيا الغربية جميعها، من الصلات والروابط والوشائج المختلفة ما لا يمكن لهما إطلاقا تجاوزه والقفز عليه لأي سبب من الأسباب، بل إن هذه الوشائج والصلات هي من الرسوخ والتجذر، بحيث تفرض اليوم بشكل خاص، عملا وتعاونا وتعاملا مشتركا على سائر المستويات من أجل التمهيد لقيام مرحلة من الحضارة الإسلامية تجمع هذه المرة بين الأصالة والحداثة، وبين نصوع الماضي وعزم الحاضر وإشراقة المستقبل، خصوصا وأن ما يقوم من أسباب ذلك وحتمياته، هو أكثر وأقوى من نقائضه.
فالاستعمار الذي جثمت قواته على صدر المغرب وإفريقيا الغربية، قد ولى وانقضت فترته، وأسباب التواصل وشروطه تجددت اليوم، بفضل تطور وسائل الإنتقال والمواصلات بين المغرب وإفريقيا الغربية، ثم إن نتائج وثمار هذا التواصل تتضاعف وتزداد مع الأيام، لأن إفريقيا كلها، وهي قلعة من قلاع الإسلام وأحد حصونه المنيعة سيأتي الوقت الذي تطالبها فيه مقتضياته الحيوية، أن تكون إفريقيا مسلحة بالإيمان لكي تقدم عطاءها لأوروبا على هذا المستوى بالذات، فلئن كانت أمم أوروبا لها من القدرة العلمية والتكنولوجية ما يؤهلها اليوم لتصدير إنجازاتها إلى إفريقيا، من حيث الآلية والعلوم التكنولوجية، فإن إفريقيا التي لها قدرة مماثلة على استيعاب هذه الإنجازات واستخدامها، عليها أن تبحث من الآن عن طاقتها وإمكانياتها الذاتية التي ستشكل عطاءها إلى أوروبا.
والمملكة المغربية التي عرفت عبر التاريخ بتأثيرها الحضاري الواسع سواء في أوروبا أو في إفريقيا، تترجح أهليتها في كافة الموازن وفي كفاتها معا، لكي تجدد مرة أخرى رسالتها ودورها في هذا النطاق.
إن إفريقيا الغربية التي تتمذهب مثل المغرب بالمذهب المالكي، وهو سنة تاريخية لم ينقطع العمل بها منذ دخلت شعوب هذه المنطقة في دين الله أفواجا ليوحدها مع المغرب، على طريق العمل والتعاون والتفاهم المشترك، آصرة وشيجة وبالغة الرسوغ، تدل على عمق ومتانة ما بينهما  من أسباب الفعل والتفاعل في نطاق التهييء لاعطاء المنطقة كلها، طابعا قويا من الحضارة والتمدن ومواكبة العصر ومسايرة ما يجد فيه ويستجد من عوامل ومتغيرات، تزيد هذه الحضارة نصاعة، والتمدن رسوخا بفضل ما يتوافر للمغرب وللمنطقة معا من رصيد يجمع بينهما على صعيد القيم والأصالة والتحرر.
ولا يتعلق الأمر فحسب باستثمار هذا الرصيد الحضاري الجامع، بل وكذلك بمواجهة التحديات الحضارية في المستقبل، فالكيان المجتمع والشمولي هو أقدر من غيره بداهة على تحمل وطأة التحديات والاختيارات، والمغرب وإفريقيا الغربية، اللذين يمثلان حضارة وكيانا مذهبيا واحدا، لقادران بمشيئة الله وعونه على ارتياد طريق جديد وأفاق أخرى من التعاون والصداقة، تستمد من أصالة الماضي الجامع بينهما، ومن الثقة في الغد الأفضل، ومن العزم على العمل في الحاضر، كل ذلك في كنف الإسلام والدفاع عنه وحمايته والتصدي لمؤمرات التفتيت والتشتت التي تريد تقسيم العالم الإسلامي، كحلقة من حلقات التآمر الاستعماري على الإسلام والمسلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here