islamaumaroc

ورود لفظ (أمر دينها) في تجديد الدين على رأس كل مائة سنة.

  عبد الفتاح أبو غدة

العدد 242 ربيع1- نونبر 1984

نفى بعض العلماء الفضلاء المعاصرين ورود هذا اللفظ: (أمر دينها) في حديث (تجديد الدين) على رأس كل مائة سنة، وهو وارد ثابت في روايات هذا الحديث في غير كتاب، وإني استيفاء للموضوع بطرفيه، أسوق أولا روايته التي خلت من هذا اللفظ، ثم أسوق بعدها روايته التي جاء فيها هذا اللفظ، ومن الله أستمد العون والسداد.
قال الإمام أبو داود في "سننه" 4: 109، في أول كتاب الملاحم، في (باب ما يذكر في قرن المائة): "حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا – عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة – فيما اعلم – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها". انتهى، وليس في روايته هذه لفظ (أمر) كما ترى.
ويمثل لفظ أبي داود من طريق أي وهب ايضا رواه الحافظ ابن عدي في مقدمة (الكامل) ص 152، والحاكم في "المستدرك" 4: 522، في كتاب الفتن، وفيه بلفظ (ولا أعلمه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...)، وبمثله رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" 2: 61 دون ذكر لهذه الجملة بالمرة.
وبمثله أيضا من طريق ابن وهب أورده السخاوي في المقاصد الحسنة" ص 121 – 122، والعجلوني في "كشف الخفاء" 1: 243، وقالا: "رواه أبو داود، والطبراني في "الأوسط" وسنده صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وكذا صححه الحاكم، فإنه أخرجه في "مستدركه" من حديث ابن وهب" انتهى. وبمثله أيضا أورده السيوطي في "الجامع الصغير" 2: 281 بشرح "فيض القدير" للمناوي، وقال: "أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي في المعرفة"، وقال السيوطي مثل ذلك في "جمع الجوامع" – الجامع الكبير – ص 1671.
وجاء الحديث في غير موضع من كتب الحفاظ المتقنين، وفيه لفظ (أمر دينها)، وإليك طائفة منها:
1- رواه البيهقي في "مناقب الشافعي 1: 53، من طريق ابن وهب أيضا، فقال راويا عن شيخه الحاكم: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو محمد بن عبد الله الوراق، أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا عمرو بن سواد السرحي وحرملة بن يحيي، قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة – فيما أعلم – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: - إن الله – يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها". انتهى. فجاء الحديث فيه لفظ: (أمر دينها). كما ترى.
2- وقال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" 253:10 من طبعة مطبعة السعادة الثانية، في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه: "وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة.
وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود،من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يبث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها، قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية".
3- وقال الحافظ السيوطي في "الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة" ص 27 "حديث: إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة، من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه".
4- وقال الحافظ السيوطي أيضا، في رسالته "تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد" ص 53 "ومن الأحاديث الدالة على استمرار الاجتهاد إلى قيام الساعة، وإلى وجود أشراطها: قوله صلى الله عليه وسلم: "يبعث الله على رأس كل مائة سنة، من يجدد لهذه الأمة أمر دينها".
5- وقال الحافظ الزبيدي في "إتحاف السادة المتقنين بشرح أسرار إحياء علوم الدين" 1 26، في المقدمة، وهو يقرر أن الإمام الغزالي كان مجدد القرن الخامس، ما يلي: "روى أبو داود في الملاحم، والحاكم في الفتن وصححه، والبيهقي في كتاب "المعرفة" له، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها".
6- وتعرض المحبي في "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" 3: 344- 347، في ترجمة الإمام شمس الدين الرملي الشافعي (محمد بن أحمد)، المولود سنة 919، والمتوفي سنة 1004 رحمه الله تعالى، لمسألة تجديد الدين على رأس كل مائة سنة، والمجددين، واستهل الكلام بقوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها، رواه أبو داود وغيره".
7- وقال الحافظ ابن عبد البر في "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" ص 75، في (باب قول أحمد بن حنبل فيه – أي في الإمام الشافعي – وثنائه عليه): "حدثنا محمد بن إبراهيم، قال نامحمد بن أحمد بن يحي، قال نامحمد بن أيوب الرقي، قال سمعت أبا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار يقول: سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني يقول: كنت عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل وجرى ذكر الشافعي، قال: فرأيت أحمد يرفعه ويرفع به، فقال: بلغني أو قال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها، قال : فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى".
8- وجاء في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض 3 182 من طبعة المغرب، و2: 377 من طبعة بيروت، في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه ما يلي: "قال أحمد – بن حنبل - : وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يبعث الله لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها".
9- وقال الحافظ تاج الدين السبكي في مقدمة "طبقات الشافعية الكبرى" 1: 199، وهو يتحدث عن فضائل الإمام الشافعي رضي الله عنه ما يلي: "عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي، يجدد لهم أمر دينهم.
ذكره الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وقال عقيبه: نظرت في سنة مائة، فإذا هو رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز، ونظرت في رأس المائة الثانية، فإذا هو رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن إدريس الشافعي. قلت – القائل السبكي - : وهذا ثابت عن الإمام أحمد سقى الله عهده".
10- وقال الحافظ ابن حجر في "توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس" ص 48، والحافظ السيوطي في "تقرير الاستناد في تفسير الاجتهاد" ص 60، ما يلي واللفظ لابن حجر: "أخرج البيهقي بإسناده إلى أبي إسماعيل الهروي – وساق الحافظ ابن حجر سند الهروي – عن حميد بن زنجويه، قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي، فيبين لهم أمر دينهم" وإني نظرت في مائة سنة، فإذا هو من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية، فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي".
   في ترجمة الإمام الشافعي "وبإسناده – أي الإمام البيهقي – قال: الحاكم سمعت الشيخ أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: كنا في مجلس القاضي أبي العباس بن سريح سنة ثلاث ومائة، فقام إليه شيخ من أهل العلم فقال له: أبشر أيها القاضي، فإن الله يبعث على رأس كل مائة سنة – لهذه الأمة – من يجدد أمر دينها، وإنه تعالى بعث على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وبعث على رأس المائتين أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وبعثك على رأس الثلاث مائة". انتهى. مصححا ما فيه من سقط وتحريف.
ففي هذه النصوص الإحدى عشرة، المنقولة عن الأئمة الحفاظ المشهورين، الضابطين المتقنين- وهم الإمام أحمد والبيهقي وابن عبد البر والتاج السكبي وابن كثير وابن حجر والسيوطي والزبيدي – وغيرهم، جاء لفظ (أمر دينها)، هذا الكلام موصول بما قبله، وخاصة السياقتين الأوليين من النصوص المتقدمة، فقد جاء فيها لفظ (أمر دينها) من طريق ابن وهب صراحة.
وذلك كله يشهد لورود هذا اللفظ، وثبوته في حديث (تجديد الدين)، عند هؤلاء الحفاظ الأجلة المثقفين، الذين كان أولهم في القرن الثلث وآخرهم في القرن الثاني عشر، والحديث بهذا اللفظ أيضا في القرن مسموع ومتناقل على ألسنة كثير من العلماء في عصرنا، وقد تبين ثبوته في النصوص التي أوردتها.
فما وقع من بعض المعاصرين من إنكار ورود هذا اللفظ، ونفي مجيئه في الحديث، اعتمادا منه على رواية نسخة "سنن أبي داود" المطبوعة، وهي رواية واحدة من أربع روايات لكتاب "سنن أبي داود" خطأ بالغ، لا ينبغي التورد فيه.
وذلك أن نفي لفظ ما – قد ذكر في حديث ثابت – نفيا قاطعا، لا ينهض به إلا المحدثون الحفاظ الأفذاذ، المشهود لهم بقوة الحفظ، وكثرة المحفوظ، وسعة الاطلاع فعلا عن كتب السنة: الجوامع والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء والفوائد والأمالي، وكتب العلل والطبقات والمشيخات...، مع استمرار التتبع، والتفرغ للحديث الشريف.
وأما من كان لا يتصف بهذه الصفات، فلا يسوغ له الحكم بالنفي البات على لفظ ذكر أو نقل في حديث ثابت.
وقد وقع مني مرة أني نفيت في كتاب من كتبي – بعد المراجعة والرجوع للفهارس المرشدة – وجود حديث في "صحيح مسلم"، وقد عزاه إليه الإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، خيرا، فوجدته فيه كما قال الإمام الحافظ السيوطي عليه الرحمة والرضوان.
فالفهارس المرشدة الموجودة اليوم لبعض الكتب، ووفرة الكتب المطبوعة من كتب السنة المطهرة: ليست كل شيء في استيعاب هذا العلم والحكم فيه على الحديث نفيا، فلابد في علم الحديث الشريف من الحفظ فعلا، مع باقي الصفات التي أشرت إليها آنفا.
وقد وقع لمن علق على "مشكاة المصابيح" للتبريزي 1: 62، عند قول التبريزي رحمه الله تعالى في الحديث – 174 وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار. رواه (ابن ماجه من حديث أنس) انتهى. قوله كما يلي:
"كذا في الأصل، وفي جميع النسخ بياض، ويظهر أن المؤلف تعمد تركه، لأنه لم يجد من أخرجه كما أشار إليه في مقدمة الكتاب.
وكذلك لم أجده في شيء من كتب السنة المعروفة، حتى الأمالي، والفوائد، والأجزاء، التي مررت عليها وهي تبلغ المئات، ولا أورده السيوطي في "الجامع الكبير" انتهى.
وهذا نفي قاطع بالغ كما ترى، في حين أن الحديث المذكور أورده الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 460، والمحدث العجلوني في "كشف الخفاء" 2: 350، عند حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ففيهما: "روى أبو نعيم في الحلية"، والحاكم في "مستدركه" 1:ح 115- 116 وأعله، واللالكأني في "السنة" 1: 106، وابن منده ومن طريقه الضياء في "المختارة" عن ابن عمر رفعة: "إن الله لا يجمع لهذه الأمة على ضلالة أبدا، وأن يد الله مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار" انتهى.
فالحديث موجود في كل هذه الكتب التي تحت أيدي الجميع، ونفاه بقوله: "لم أجده في شيء، من كتب السنة المعروفة، حتى الأمالي، والفوائد، والأجزاء، التي مررت عليها وهي تبلغ المئات". انتهى.
فالنفي للحديث، أو جملة منه، أو لفظة منه، ليس بالسهل السائغ لأمثالنا، فاقدي الحفظ، مالكي الكتب، فلابد في هذا العلم الشريف من الحفظ القوي الواسع الحاضر، مع الأوصاف التي أشرت إليها سابقا، ومع الأناة والتروي والتقيد في لفظ النفي والاحتياط ما أمكن، والله تعالى أعلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here