islamaumaroc

صفحة مجهولة من تاريخ الفكر الإسلامي-2

  ابراهيم الكتاني

7 العدد

المورد الأحلى:
ونعود مرة أخرى إلى (المورد الأحلى) أو إلى مقدمته على الصحيح، فصاحبه يذكر: (أنه لم يزل يخطر بباله- إبان اشتغاله بكتاب (المحلى)- أن يختصره، غير متصرف فيه، بأن يختصر أسانيده إلى حيث انتهى مصنفه، ضابطا لهذه الأسانيد من المصنف إلى ذوي المصنفات الذين روى عنهم، ويسردها مقدمة في أول الكتاب، ويقتصر فيما بقي على ذكر اسم الصحابي والمخرج، مثال ذلك: البخاري عن أنس، مسلم عن أبي هريرة... فيحصل من هذا معرفة طرق روايته لما روى، مع السلامة من تكرارها).

ثم أفاض القول في الدواعي للاستغناء عن إيراد الإسناد والاقتصار على ذكر المخرج، من غير أن ينسب ذلك لابن خليل، وقد سبق أن نقلنا عن ابن خليل إحالته على ما تقدم له من ذكر حذف الإسناد، مع أن صاحب (المورد الأحلى) لم يورد شيئا من ذلك منسوبا لابن خليل!
ثم ذكر صاحب (المورد الأحلى) (أنه كان يحجم عن هذا الاختصار أدبا مع مؤلفه رحمه الله- إلى أن رأى الكتاب الموسوم بـ (المستحلى) من كتاب (المحلى) الذي اختصره شيخ الإسلام... أبو عبد الله محمد... الشهير بابن الذهبي، فسح الله في أجله، وتقبل عمله، وقابله مع أصله، ليرى: كيف صنع؟ ويقفوه فيما جمع، ويتبعه، إذ حق مثله أن يتبع.

الطعن في (المستحلى)
فوجده قد حذف من مسائله جملة، وصيره -بعد أن كان فاضلا في نوعه- فضلة، وربما أدخل ترجمة مع أخرى، ورأى أن هذا الفعل فيها أحرى، وهيهات، وأنى له ما طلب، ولكن الدهر يظهر العجب، لأن الكتاب إنما سيقت متونه على ما هو مبني عليه من تراجم مسائله، فإذا حذفت المسالة برمتها وأدخلت أخرى فيما بعدها، ولم يذكر ما يوضحها من ترجمتها بنصها، فقد نزع -والله اعلم- عن الكتاب حلاه، وأمر على من يطالعه من بعده ما منه استحلاه، فليته حصر، قبل أن يختصر.

هذا، مع كونه لم يسلك فيه مسلك الاختصار على شرط قرره، إنما استحل شيئا فسطره، فبتر الكتاب، والله أعلم بالصواب.

وربما أورد على المنصف ما لم يرد، وأقدم عليه ببادئ الرأي ولم يجتهد، وألزمه ما لم يلزم، وحكم عليه- وهو لم يحكم.

فزاد هذا صاحب (المورد) إحجاما إلى إحجامه، وجدد له إفحاما إلى إفحامه، قال: وهو -أي الذهبي - وإن كان أحد مشيختنا -رضوان الله عليه- فالحق أحب إلينا من أفلاطون... كما قال أرسطو، وله نفع الله به -على كل حال- أجر.

(القدح المعلى)
ولما يسر له الوقوف على الكتاب الموسوم بـ (القدح المعلى) في إكمال (المحلى)... ألفاه قد طابق اسمه مسماه، ولفظه فحواه، سبق لبعض ما أمله، لكنه أتى ببعض ما تخيله، فانشرح صدره لما أحجم عنه، واستخار الله  فيه، ورأى أن يضم الكتاب المذكور إليه، على الشريطة المقدمة.

وقد اعتذر ابن خليل عن إخلاله (بجامع الإيصال) لأنه لم يجده، وقد وجده صاحب (المورد الأحلى) ومعه (جامع المحلى)، فوعد بأن يضم -إن شاء الله- (جامع الإيصال) عند فراغ الكتاب، ويتلوه (بجامع المحلى) إذ هو الكتاب المشروح، ويسوق بعد ذلك تراجم من روى عنهم أبو محمد، على اختصار نافع، وطرق اتصال رواية مصنفات ابن حزم بالمؤلف، وبه يكمل إن شاء الله المجلد الأخير.

ثم أعلن أنه: (لم يتصرف علي أبي محمد -رحمه الله- في كلمة فما فوقها، محتجا بأن الإمام ابن خليل، وناهيك به، قد تقدمه في هذا، وأنه إنما أحب شيئا ورأى من تقدمه إليه، مستحسنا ذلك لديه، فنحى نحوه.

وأنه لم يقصده فيه بنو الزمان، ولا تكرر إليه في تقاضيه الإخوان، ولم يسأله إياه من يعين على إسعافه، ولا ألزمه ذلك من يجب على اتصافه، ولا اعتذر فيه بعذر، ولا شكى توالى خطوب دهر، ولا قدم رجلا وأخر وأخرى).

وهنا نقف مرة أخرى لنتساءل: هل وفق صاحب (المورد الأحلى) لتحقيق برنامجه، فأتم الكتاب على الوجه الذي قرره، أو حال حائل بينه وبين ما عزم عليه؟
ومن هو مؤلف (المورد الأحلى) هذا؟

إننا لم نعثر إلا على الجزء الأول من أربعة أو خمسة، بناء على أن الجزء الأول قد تضمن تلخيص ما يقرب من خمس الكتاب، وعبارة وثيقة الوقف المتقدمة: المكتوبة على أول ورقة منه، بدل على أول ورقة من الجزء الأول، تكاد تشعر بأن هذا الجزء وحده هو الذي أوقفه المولى الرشيد.

كما أنا لم نعثر في شيء مما وقفنا عليه، أو رجعنا إليه، من كتب التراجم ومعاجم الكتب وفهارسها على ذكر لهذا الكتاب، وإنما وقفنا على تسمية مختصرات (المحلى) لابن عربي الحاتمي -وهو موجود بتونس- ولأبي حيان (الأنوار الأحلى)، وللذهبي.

أهمية بالغة
وعلى كل حال، فلا تخفى الأهمية البالغة التي (لمقدمة المورد الأحلى) بالنسبة للدراسات الحزمية التي يلاحظ الباحث بمزيد الغبطة والابتهاج ازدياد عدد المشتغلين والمعنيين بها، في الغرب وفي الشرق على السواء.

فهي تقدم لنا وثيقتين، إحداهما يحتمل أن تكون أندلسية أو مغربية، من القرن السابع، والأخرى مشرقية من القرن الثامن، مكتوبتين بقلمي حزميين، ونحن لا نكاد نعثر على نظير لهما -فيما وصل إلى أيدينا- إلا عند الحافظ الحميدي (قبل 420-488) في (جدوة المقتبس)، في حين أن أخبار وآراء بقية الحزميين لانكاد نعثر عليها إلا عندهم، وأغلب ما يكونون من خصومهم.

فأما ابن خليل فقد أوردنا من عبارته الدالة على غلوه الشديد في حزميته ما فيه غنية عن إعادة التنبيه عليه.

وأما صاحب (المورد الأحلى) فإن عباراته تفيض بالتقدير الكبير لابن حزم، فهو (الإمام الحجة الناقد ناصر الحق)، و(لا نزاع في عدالته)، وهو (عدل مطلع)، (لثبوت عدالته وكثرة اطلاعه)، (والاحتجاج بما روي عن أصحاب المسانيد، كالاحتجاج بذوي المساند ولا فرق).

وقد رأينا أنه، (لم يتصرف على أبي محمد في كلمة فما فوقها)، ورأيناه ( يحجم عن الإقدام على اختصار (المحلى) أدبا مع مؤلفه، ولا يجرؤ على الإقدام إلا تحت تأثير جلالة: (الإمام محمد بن خليل العبدري)، ثم إنها تتضمن معلومات مفيدة عن عدة كتب:

فابن خليل يحدثنا عن (الإيصال) بأنه: (عدم -اليوم- عندما لا يتأتى وجوده كاملا أبدا) كما يحدثنا في الوقت نفسه أنه (وقعت إليه جملة كبيرة منه) بينما يحدثنا صاحب (المورد الأحلى) عن وجود (جامع الإيصال) و(جامع المحلى) في الشرق في القرن الثامن، مع أن ابن خليل لم يجد الأول في القرن السابع، رغم أنه أندلسي فيما يظهر.

ومع أن النقد اللاذع الذي وجهه صاحب (المورد) لكتاب (المستحلي) للذهبي يمثل وجهة نظر حزمي مغال في تعظيم ابن حزم، فإنه ستبقى له قيمته ولا شك، ما دمنا لم نعثر على (المستحلي) وتتبين -إذ ذاك- بالمقارنة بينه وبين (المحلى) قيمة ما وجهه إليه صاحب (المورد) من اتهامات.

معلومات لم تكن معروفة من قبل:
زملائي المحترمين: هذه معلومات طريفة لم تكن معروفة، ولم يسبق نشرها قبل الآن، فعسى أن تكون إذاعتها -لأول مرة- في هذا المؤتمر الذي يضم جملة وافرة من المعنيين بالبحث والتنقيب في مختلف الأقطار، سببا في العثور على كتاب (القدح المعلى) وبقية أجزاء (المورد الأحلى) ومعرفة مؤلفيهما، فنضيف بذلك حلقة جديدة إلى معلوماتنا عن ناحية من نواحي تاريخ الفكر الإسلامي جديرة بالعناية والاهتمام.

تعقيب:
هذا - وبعد الفراغ من إلقاء ملخص التقرير السابق، وقف رئيس الجلسة الدكتور صلاح الدين المنجد مدير معهد أحياء المخطوطات العربية، التابع للجنة الثقافة بجامعة الدول العربية، وبعد ما أشاد بالحديث وهنأ على التوفيق فيه، أعلن أن بعثة اللجنة إلى تونس للوقوف على نوادر المخطوطات بها وتصويرها، قد عثرت هناك على مجموع به عدة رسائل لابن حزم، ومن بينها كتاب (القدح)، وأن مصور هذا المجموع يوجد الآن بمعهد المخطوطات بالقاهرة.

ولكني أخشى أن يكون الدكتور المنجد واهما في قوله، وأن يكون عثور اللجنة بتونس على (القدح المعلى) لابن سعيد خيل للدكتور أنه الذي تحدثنا عنه.

وقد أكد لي الأستاذ الكبير حسن حسني عبد الوهاب -وكان من الحاضرين- أنه هو الذي كان معروفا وجوده بتونس، أما (قدح) ابن خليل فلم يسبق له أن سمع به هو الآخر.

ثم إن (القدح المعلى) لابن خليل لابد أن يكون في مجلد أو أكثر، فقد قدمنا أن (تتمة أبي رافع الفضل) تقع في 536 صفحة من المطبوع، أي جميع الجزء الحادي عشر، وما يقرب من الربع من الجزء العاشر، و(قدح ابن خليل) لابد أن يكون أكبر منها -حسبما يفهم من كلامه السابق، أو في حجمها على الأقل، فلا يمكن أن يكون- والحالة هذه- مجرد رسالة من بين رسائل يضمها مجموع.
وعلى كل حال، فما دام الأمر يتعلق بمصور موجود بمعهد المخطوطات بالقاهرة فإن التأكد من الحقيقة ليس بالأمر الصعب.

وإنا لنتمنى -مخلصين- أن يكون ما قاله الدكتور هو الواقع، فتتحقق بذلك الأمنية التي تمنيناها في آخر التقرير، وتتضح -تعبا لذلك- حقائق ظلت مجهولة لدى الباحثين لحد الآن.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here