islamaumaroc

الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية

  مصطفى بغداد

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

إن الحضارة الإنسانية في سباق بين التربية والدمار كما يقول الكاتب الشهير ويلز، ومن ثم فإن دور التربية هام في إخراج الإنسان من حد الهمجية إلى حد الإنسانية كما أكد على ذلك الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: لولا العلم لصار الناس مثل البهائم، ومن ثم يكون دور المربي هو نقل التجارب المختلفة إلى المتعلم حية نابضة ملائمة لبيئته وتكوينه وتبعا لرغباته وميولاته. وعندما يقول كنط : أن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية ندرك مدى الخطورة التي تتحملها التربية في التأثير وفي الرفع من قيمة الإنسان ومن شأنه وجعله قادرا ومسؤولا وشاعرا بإنسانيته وشخصيته وكرامته.
وتبعا لذلك يؤكد ألمان في كتابه التربية والطبيعة أن في مقدور التربية كل شيء، أعطوني دزينة من الأولاد في صحة جيدة واعدكم بأن آذ واحدا منهم فاروضه لكي يصبح طبيبا أو عالما أو فنانا وحتى متسولا أو سارقت، وذلك مهما كانت جنسيته أو آباؤه أو أجداده.
أن الدلائل متعددة والاستشهادات كثيرة ومتنوعة في أبعاد مفهوم التربية والمربي وصدى المجهودات التي يمكن للمربي أن يبذلها ويصل بها إلى الأهداف والغايات، لقد كان السفسطائيون يلحون على دور المربي إلى درجة أنه يقر بذلك: أنا سفسطائي بمعنى أنى أربي. غير أن أفلاطون قد ثار على تجارب هؤلاء واعتبرها تجارب ناقصة محدودة ونادى بأعلى صوته: أن تكوين شخص يتطلب خمسين سنة، ويجدر بنا هنا أن نؤكد على أهمية التربية وعلى مفهوم العلماء والمربين لها لكي يتسنى لنا الإحاطة بدلالاتها ومعانيها وبأهدافها وكذا بالدور المنوط بالمربي.
إن التربية تتعلق بالذهن والقلب كما يقول ليتري في معجمه، ويضيف قائل : أن التعليم يلقن والتربية تكتسب. غير أن العلماء الذين اهتموا بهذا الميدان اهتماما علميا تجريبيا يلحون على أن التربية جزء لا يتجزء من الوجود الإنساني تماما كاللغة والفن والعلم، ولذلك تحتم أن تكون هناك فلسفة للتربية كما يقول أوليفيه روبول في كتابه : فلسفة للتربية، ودور المربي هنا لا ينحصر في ناحية معينة، ولكن يرتبط بالعاطفة والوجدان والعقل والتفكير، وبالسعي الحثيث لإبراز المقدرات والمهارت والميولات والإتجاهات، ومن هنا يبدو الارتباط القوي بين المعلم كمدرس والمتعلم إرتباطا قويا متماسكا، ونجد في رسالة أفلاطون في تأديب الأحدث تصريحا لذلك: " يجب أن يكون المعلمون مرآة صافية لتلاميذهم بعيدين كل البعد عن الرذائل المدمومة، ومن كان كذلك فليبعد وينحى عن التعليم. وقد اهتم العلماء المسلمون بهذا الدور المعلم اهتماما كبيرا. ذلك أن تعريفهم للتعليم كان يرتكز على الآدب أولا كما يشير إلى ذلك صاحب كشف الظنون ومفتاح السعادة، ولتاج الذين السبكي في معيد النعم ومبيد النقم تحليل شاف وشامل لدور المعيد في إتمام العملية التربوية والتعليمية، وإذا ألقينا نظرة على رسالة الغزالي " أيها الولد" نتأكد من ذلك ونزداد إيضاحا وشمولا، ويؤكد أبو نصر الفارابي في رسالته (السياسة) على أن أولي الطبائع الرذيلة يجب أن لا يعلموا العلوم، لأنهم إذا علموها استعملوها في ما لا ينفع، ولذلك فالمدرس يجب أن يحملهم أولا على تهذيب أخلاقهم وسلوكهم وطبائعهم، ومن ذلك أيضا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته في فصل خاص عن التعليم وفضائله، ومن ذلك أيضا رسالة ابن الزرنوجي في أحوال المعلمين وآداب المتعلمين، كما أن المقري في ازهار الرياض اهتم بالتعليم في المغرب قديما، وقارنه بالتعليم في العالم العربي، وكل ذلك وغيره أشارات توضح الحالات والمواقف التي تواجه المدرس والمشاكل التي تعترض طريقه في التبليغ والأداء. ومهما يكن متفتحا مستفيدا من كل التجارب مرتبطا بالواقع، متفهما ومستوعبا للتقدم والمدنية والحضارات الإنسانية.
ونورد هنا مفهوما لأحد المربين العرب، قستنطين زريق في التربية العربية يؤكد فيه ما يلي : لا أعني بالمعلم صاحب المهنة ، ولكن أعني به المعلمين الفنانين والأدباء والقادة وكل من لهم تأثير على من يحيط بهم ويعيش معهم. وقد كان الكاتب الشهير والمربي الكبير جيلبرت هايت صاحب كتاب فن التعليم، كان يقول دائما : المعلم طبيب، معتبرا التعليم نوعا من التطبيب، غير أنه يجعل من المعلم معالجا مستمرا، فالإنسان لا يسلم بدمه للطبيب إلا إذا لمس فيه تقديره للمسؤولية، بينما الآباء يسلمون أطفالهم للمعلمين وهم لا يدرون عنهم شيئا، ولذلك وجب أن يقدر المدرسون هذه المسؤولية الملقاة على عاتقهم تقديرا كاملا.
ومن هنا نجد اهتمام المدرسين والمربين بمتاهج وطرق خاصة وجدوا فيها ضالتهم المنشودة، فقد كان بستالوزي معجبا بمبادئ روسو وتعاليمه، وقد ربى ابنه على ضوئها، غير أنه غير وعدل منها بعد ذلك لأنه كان يحب تعليم الضعفاء والفقراء، بينما كان روسو يهتم بأمير ويربيه تربية ارسقراطية، وكانت الطبيبة الإيطالية منتيسوري مهتمة إلى حد بعيد بضعاف العقول، وذوي العاهات، ولها في ذلك طريقتها الخصاة، بينما فكر ديكرولي في الفرق الحاصل بين أطفال البادية وأطفال المدينة فوجده شاسعا، ولذلك اقترب منهم وجعل مدرسته الديكرولية في منتصف الطريق مطلة على الأشجار والحيوانات حتى يتسنى للطفل أن يلمس عن قرب مختلف التجارب، كما كانت فصوله عبارة عن معامل فيها المختبر والانابيب، والمدرسون عنده يجب أن يكونوا مقتدرين واعين بسمؤولياتهم تمام الوعي كما أن مدرسة فروبل أو الروضة تعتمد على المفهوم الافلاطوني للترويض، إذ العقل يروض كما تروض الأجسام، ولذلك تستقبل أطفالها للتدريب والممارسة اليومية. ويمكن هنا أن نشير إلى أن هربرت الألماني قد وجد في التداعي مجالا فسيحا لنقل المعارف والتجارب المختلفة، ولذلك كان يمهد للدرس تمهيدا إضافيا يترك فيه المجال للتلاميذ ليستظهروا ويفكروا، وقد لقيت هذه الطريقة صدى كبيرا وسادت مدة طويلة.
وإشارتنا هنا إلى هؤلاء المربين هو في الأصل إشارة إلى المدرسيين والمعلمين وإلى الدور المنوط بهم، وقد صدق الشاعر العربي الذي يقول :
يا أيها المعلـم غيـــره                هلا لنفسك كان ذا التعليـم
لا تنه عن خلق وتاتي مثله          عار عليك إذا فعلت عظيـم
فابدا بنفسك وانهها عن غيها         فإذا انتهت فأنت حكيـــم
فهناك تسمع أن وعظــت             ويقتدى بك وينفع التعليـم
وإذا كانت التربية الحديثة مرتبطة الارتباط التام بشتى العلوم في أساسا تبقى تربية لها إطارها ولها معناها وفحواها وإبعادها، ذلك أن المربين انطلاقا من مونتاتي و روسو وهوبز ولوك إلى جون ديوى وغيرهم قد سلكوا طرائق متعددة، هدفهم تعليم النشء وأفادتهم وتكوينهم لمواجهة معضلات الحياة وآفاقها. ولذلك يثبت المربون مرة أخرى أن الإنسان يحتاج إلى التربية لأهداف ثلاثة : لأن التراث لا ينتقل من جيل إلى جيل بالوراثة، ولأن الطفل مخلوق كثير الاتكال، ولأن البيئة نفسها كثيرة التعقيد.
إذن يكون المدرس هنا مطالبا بنقل التراث، وهو في نقله له مطالب وبفهمه واستيعابه وإدراك أبعاده ومراميه، وهو مطالب بأن يبعد المتعلم عن كل إتكالية وكل خمول، مبعدا الطفل في ذات الوقت عن كل تعقيد. وهذا يفرض أن يكون المدرس مسايرا لحاضره ومواده.
ومن هنا فقد أكد جون ديوم على نقل هذه المسؤولية، ولذلك اعتبر المدرسة المؤسسة الوحيدة التي يمكنها أن تغير العالم، وهو شيء تعجز عنه سائر المؤسسات الاجتماعية.
ويعطينا الأستاذ ساطع الحصري في آراء فن التربية والتعليم نموذجا آخر لدور المدرسة، ذلك أن نابليوم عندما سطا على ألمانيا قوى جيشه، وعساكره، وأسطوله، ولكنه أهمل المدرسة، فاستغل العالم الألماني والمربي الكبير فيحثه هذا ليوقظ الشعب الألماني، فكان بحق مهيئا لهذه النهضة الحضارية التي عرفتها ألمانيا، لذلك يقول بسمارك أنها نهضة فيخية.
ونستدل هنا أيضا بموقف محمد علي في مصر الذي اهتم بالجيش اهتماما كبيرا مهملا دور المدرسة والمربين، ذلك أنه استدعى تقنيين ومهرة من تركيا وغيرها ليشيدوا الأسوار والقصور، وبمجرد ما انتهى عصره وجد الناس حضارة غير حضارتهم وتراثا غير تراثهم.
إذن تكون التربية بهذا المعنى نقل التراث وإخراج الجيل من سباته وغفلته والمساهمة في توعيته وتكوينه حتى يكون مسايرا للركب الحضاري والتقدم الإنساني في جميع المجالات، ولذلك يطرح أوليفيه ربول في كتابه فلسفة التربية هذه الظاهرة الخطيرة قائلا : أن إضرابات 68 في فرنسا لم تكن ضد المعلمين والمناهج والطرق بقدر ما كانت ضد المجتمع بصفة عامة، وعند ما انتدبت اليونيسكو ادجارفور لوصف وتحديد الحالة التي يعيشها العالم في مجال التعليم أثبت شيئا أساسيا وهو أن التعليم يجب أن لا يقتصر على المدرسة وحدها بل يجب أن تشترك في ذلك هيئات ومؤسسات أخرى، وبذلك يصبح تعلما وليس تعليما يستهدف بث الوعي ونشر المعرفة في إطار ما أطلق عليه التربية الدائمة.
وهذا ما يفسره لنا جون دبوى في كتابه تربية وديمقراطية : تعني التربية أن لا يوقف الإنسان تربيته على الإطلاق، وهذا ما يفسر لنا ثورة الكثير من المربين على التربية التي تلقوها، ألم يثر ديكارت بما يؤكد على ذلك في كتابه مقالة – على التربية التي تلقاها معتبرا إياها غير مجدية وغير مسايرة للواقع وللركب الحضاري والحياة الجديدة ؟
إن الكثير من المواقف والكثير من النماذج تثبت الواقع التربوي وتنقل إلينا أيضا رؤى المربين وأراءهم ووجهات نظرهم في ضرورة تجديد المسار التربوي وإنعاشه.
ومن هنا فإن مدرس اليوم مطالب بالفعل بأن تتوفر فيه مواصفات كثيرة، وقد حاول بعض الأساتذة في مدينة الرباط أن يجرى استفتاء في هذا الموضوع في أقسام السلك الثاني، فكانت الصفات كلها تؤكد على شخصية المدرس وأخلاقه العالية وطرقه المجدية ومعاشرته الحسنة، كما أجرى أحد المربين الأمريكيين استفتاء بين عشرة آلاف تلميذ من الأقسام النهائية فكانت صفات كلها تدل على المدرس الحقيقي، أن يكون مرحا بشوشا حنونا عطوفا، أن يكون كأحد منا، أن لا يكون له أقارب بيننا، أن يكون عادلا في وضع الدرجات، حلو العشرة، إلى غير ذلك.
ويطرح انجيلا مديس في كتابه التربية الحديثة إشكالية أخرى ذلك أن سنة 58 بفرنسا تستقل المدارس خمس سكان فرنسا مما نتج عنه تعيين مجموعة كثيرة من المدرسين والذين ليست لهم تجربة ولا كفاءة مما نتج عنه ضعف التدريس وانحطاط مستواه.
من هنا ينعكس الدور الأساسي الذي يجب أن تضطلع به دور المعلمين ومدارسهم من تحديد الصفات الأساسية التي يتحتم أن تلازم المدرس الحقيقي. إنها أزمة قد عرفها التعليم كما أكد على ذلك الدكتور عبد الله عبد الدائم في كتابه : أزمة التربية العربية ودور التخطيط التربوي.
وأن الأمر من جهة أخرى قد غدا أكثر إلحاحا وطلبا، وهو غير خفي ولا غامض، خصوصا وأن المربين قد نادوا به منذ القديم ، إنها تربية من المهد إلى اللحد، ولنا في أحاديث رسول الله (ص) درر غالبة في هذا المجال، من ذلك قوله (ص) : يظل المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل، وقوله عليه الصلاة والسلام : منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب مال. وتخطر بالبال هنا قوله الإمام على ابن أبي طالب : علموا بينكم أخلاقا غير أخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم. وهي قولة رائدة في مجال التربية الدائمة والتي نادى بها الإمام علي منذ قرون، وأكد عليها الدين الإسلامي في تربيته الشاملة والهادئة إلى تكوين الفرد واستقامته ونضجه وصلاحه.
ويمكن هنا أن نستفيد من قولة جبران خليل جبران والي ساقها في كتابه (النبي) : " أن أولادكم ليسوا أولادكم، ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكا لكم، أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكن لن تستطيعوا أن تغرسوا فيهم أفكاركم، لأن لهم أفكارا خاصة لهم...
من هذا المنطلق ينبغي أن يكون المربي على علم تام بالظروف والأحوال وكل المعطيات التي تحيط بالمتعلم، وأن يكون في مستوى التوجيه والإرشاد والتبليغ، ومن هذا المنطلق يجب أن يعبد كل الصعاب، وأن يكون نعم المرشد والموجه والمربي.
وإذا كانت نفس النشء صفحة بيضاء كما يقول جون لوك، فإن المربي صاحبها يكتب عليها ما       شاء، لتخرجها سالمة نظيفة، وأن المدرس من جهة أخرى هو الذي يحول فصله من خريف إلى ربيع يشعع فيه النضارة والصفاء واللمعان، وكم تعجبني هذه القولة لأحد الزملاء الأساتذة في مقال له تحت عنوان الأستاذ المبدع والدرس المتجدد المنشور بمجلة الرسالة التربوية العدد السابع – 1977: أن الأستاذ عون تنفيذ، أننا يمكن أن نجد المعلومات في كل الكتب، ولكننا لن نجد الأستاذ المقتدر الذي نريد إلا نادرا، ذلك أن هذا الأستاذ له سماته وصفاته وحديثه وحركاته وتطلعه ومستواه، وهي صفات خاصة به لا يمكن أن نستعيرها من غيره.
لقد حاول المؤتمر الثالث لوزراء التعليم العرب أن يدق ناقوس الخطر، منبها بالدور المنوط بالمدرسين، والشعور التام بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقهم، كما أن الجامعة العربية نفسها في ندوتها عن التعليم المنشورة بمجلة شؤون عربية تحث على ذلك، وتقترح إعادة النظر في شخصية المدرس نفسه وفي تكوينه، وذلك بتغيير البرامج والطرق والمناهج وجعلها ملائمة للعصر والبيئة والمناخ، ذلك أن تعليمنا العربي بصفة عامة تعليم يستمد أصوله وقواعده ومناهجه من نظريات غريبة مختلفة، وهي نظريات لا تسير ولا تتفق مع تطلعات الإنسان العربي وواقعه وطموحاته.
لذلك كله فإن المدرس يجب أن يكون ملما بهذه المواصفات باعتباره القائد الأول وباعتباره معدا للأجيال متعهدا لها مشرفا عليها. وحتى يكون في مستوى ذلك فإن تكوينه التكوين الفكري والتربوي والثقافي والتعليمي أمر حتمي، إننا نريد مدرسا في هذا المستوى، إذن لتكن مدارسنا مدارس تربية بمعناها الواسع والشامل للتربية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولتكن أطرنا أطرا مستوعية لهذه القضايا كلها، حتى لا تكثر عندنا أفواج المثقفين العاطلين كما أشار إلى ذلك الدكتور المهدي المنجرة في حديثه عن التعليم والتربية.
إننا نريد الإعداد لمواجهة الحياة وصعابها ومشاكلها ومعضلاتها، ولذلك يجب أن نعي ذلك جيدا لكي لا نقع في أخطاء الآخرين الذين لهثوا وراء العلم والتصنيع ونسوا الأخلاق والمثل والفضائل، فكانوا ناجحين في العلم فاشلين في السلم والإخاء والسلوك.
يجب إذن أن يهتم المدرس بهذه الملمات التي أصبحت التربية الحديثة تلح عليها وتنادي بها، فهل حققنا ذلك ؟ سؤال يحتاج بالضبط إلى تحليل مسهب ومطول، ذلك أن حديثنا عن التربية وعن المدرس باعتباره العمود الفقري فيها يقتضي منا الإحاطة بشتى المجالات التي ترتبط أساسا بالتربية كالقضايا الاجتماعية ودور وسائل الإعلام وما إلى ذلك. لا شك أن العمل التربوي هو عمل جماعي تشترك فيه مؤسسات وهيئات ومجالات مختلفة.
وبكل تأكيد فإن المجهودات المبذولة في هذا المضمار مجهودات طيبة، ومع ذلك فإن ضرورة تعميق الرؤيا وتجديد المناهج والأساليب أمر ضروري وحاجتنا إلى ممارسة سليمة أمر لازم وحتمي خصوصا في مجال تلتقي فيه عقول بعقول وأحاسيس بأحاسيس أخرى.
وتأسيسا على ذلك كله لا يمكن أن تغفل هنا حب المربي لميدانه وعمله ورغبته في تأكيد مسيرته التربوية والتعليمية وتأكيد مردوده وعطاءاته، هذا الحب وهذه الرغبة لهما الأهمية القصوى، وهو حب ينطلق أساسا من تقدير المسؤولية التي تستهدف بكل موضوعية وتقدير إسعاد النشء وإفادتهم وتزويدهم بالخبرات والمهارات والفعاليات لمواجهة مشاكل الحياة ومعضلاتها.
نستطيع أن نلخص في ناهية لا أمر بعد هذا التحليل إلى أن مستقبل الإنسان يكمن في تربيته وفي تكوينه، وأن هذه التربية هي التي تضمن سلوكه وتوجيهه وتشحذ هممه وعزائمه، وقد صدق الامام الغزالي عندما قال أنها تخرجه من حد الهمجية إلى حد الإنسانية، وفي إطار هذه الزوبعة من التيارات الجارفة والأفكار العلمانية المادية والعواصف الهوجاء التي تعصف بمقوماتنا وأصالتنا، في هذا الإطار ما أحوجنا إلى التشبث بقيمنا ومثلنا وأصالتنا، وما أحوجنا إلى التأكيد على تراثنا وثقافتنا الإسلامية التي تضمن سر نجاحنا وتحفظنا من التيه والزيغ والضلال.
إن الإنسان في نهاية الأمر لن يستطيع تحقيق أهدافه وغاياته إلا في ظل تربية هادفة وخالصة من الشوائب والرذائل، بل الأكثر من ذلك أنه لا يصبح إنسانا إلا بالتربية كما أكد على ذلك كنط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here