islamaumaroc

إحياء الكراسي العلمية بجامع القرويين: المجالس والكراسي العلمية ما هي إلا نواة للجامعة الشعبية التي سبق الإسلام إلى نظامها

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

انطلقت يوم الجمعة 9 محرم 1405 هـ موافق 5 أكتوبر 1984 عملية إحياء الكراسي العلمية بجامع القرويين بفاس، وذلك في إطار العناية البالغة التي يوليها أمير المؤمنين، جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله للتعليم الإسلامي الأصيل ولدور المسجد في حياتنا الجديدة ربطا للحاضر بالماضي وتقوية للمبادئ الدينية ودعما لحركة التوعية الإسلامية، على المستوى الجماهيري العام.
وبهذا المناسبة أقيم حفل كبير بجامع القرويين ترأسه السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير المدغري وبحضور السيد مستشار صاحب الجلالة الأستاذ السيد أحمد بن سودة، والسيد مولاي المهدي العلوي الامراني عامل صاحب الجلالة والسيد العلامة الأستاذ الحاج أحمد بن شقرون رئيس المجلس العلمي بفاس وعميد كلية الشريعة بجامعة القرويين والسادة رؤساء المجالس العلمية الإقليمية وعدد من سامي الشخصيات العلمية والسلطات المحلية وجمهور من المؤمنين والمؤمنات.
وقد تحدث بالمناسبة كل من السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والسيد مستشار صاحب الجلالة والشيخ محمد المكي الناصري رئيس المجلس العلمي بالعدوتين باسم المجالس العلمية، والسادة الأساتذة العلماء: محمد الزيزي، ومحمد الأزرق، وعبد الكريم الداودي.
وننشر في هذا العدد كلمتي السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والسيد مستشار جلالة الملك الأستاذ السيد أحمد بن سودة.
على أن ننشر في العدد القادم بحول الله كلمة فضيلة الشيخ محمد المكي الناصري، رئيس المجلس العلمي بالعدوتين، وقصيدتين شعريتين للعلامة الأستاذ أحمد بن شقرون، رئيس المجلس العلمي بفاس، وعميد كلية الشريعة بجامعة القرويين، والعلامة الأستاذ محمد حماد الصقلي..
  


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السيد مستشار صاحب الجلالة ابن القرويين البار الأستاذ الكبير السيد أحمد ابن سودة السيد عامل صاحب الجلالة – السيد رئيس المجلس العلمي الاقليمي بفاس – السادة رؤساء المجالس العلمية 
بالمملكة المغربية – حضرات السادة العلماء – حضرات السادة الكرام. السلام عليكم ورحمة الله.
في رحاب هذا المسجد العظيم وفي وجوه المتميز بالجلال والوقار والمتأرج بالسكينة والطمأنينة تتراءى للمرء أجيال مرت كانت لها هنا مجالس وكان لها علماؤها وأدباؤها وشعراؤها وزعماؤها وأهل الحل والعقد فيها، فكم درس الناس هنا من علم، وكم شهدت هذه البقعة الطاهرة من مجالس وحلقات، وكم عاشت من أحداث، وكم تخرج فيها من علماء، وكم نبغ من أدباء، وكم ظهر من بين أبنائها من سياسة وزعماء.
عطاء استمر قرونا عديدة لم يفتر ولم يحد عن الخط الذي رسمه له مؤسسوا هذا الجامع ورواده، ثم أراد الزمان أن يأتي عليه كما يأتي على كل شيء، فعلمت الشيخوخة والموت عملهما في رجاله فضعف من ضعف ومات من مات وأصبحت صهوات المنابر خالية من فرسانها، وأطراف أغصان الكراسي فارغة من أطيارها، وخيم الصمت والحزن والفراغ وكأننا في فقرة قديمة ليس فيها إلا ذكرى الماضي وحزن الفراق، وشعر أبناء هذا الجامع باليتم فهم كلما طافوا بمنابره وجاسوا حول سواريه بكوا شعرا ونثرا وسرا وجهرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأراد الله تعالى أن يظهر نعمته على الناس فشمل بعنايته وحفظه طائفة من بقية ذلك السلف الصالح من علماء هذا الجيل العتيق بقين أملا ورجاء وذخرا وملاذا، وشاء الله تعالى أن يتدارك العلم والعلماء في هذا المسجد العظيم على يد ملك من صلحاء وعلماء ملوك المغرب هو أمير المؤمنين الحسن الثاني الذي اهتم لحال العلم والعلماء في هذا المسجد وأمر حفظه الله بإحياء الكراسي العلمية وإرجاعها إلى سالف عهدها وماضي عزها، وبدأ حفظه الله بإنشاء المجلس العلمي الأعلى وجعله أمينا على هذه الكراسي العلمية حتى يعطيها ضمانة تشريعية كافية لبقائها واستمرارها، بل إنه حفظه الله رسم لهذه الكراسي العلمية منهجها وحدد لها اتجاهها حتى تكون أداة من أدوات ربط ماضي الأمة بحاضرها ووسيلة من وسائل بناء مستقبلها، وهذه فقرات من الخطاب السامي الذي ألقاه جلالته عند إنشاء المجلس العلمي الأعلى، وسيظهر لكم من خلال هذه الفقرات مدى رعاية جلالته بهذه المجالس ومدى رعاية جلالته لهذه الكراسي ومدى اهتمامه الدقيق بالتفكير فيها وفي مناهجها الدراسية وفي منطلقها وغاياتها، يقول جلالته حفظه الله مخاطبا رؤساء وأعضاء المجالس العلمية:
" إنكم حضرات العلماء ولست أدري ولا أريد أن أدري من هو المسؤول هل أنتم أم الإدارة أو السياسة أم البرامج، أصبحتم غائبين عن الميدان اليومي في المغرب، بل يمكنني أن أقول أنكم أصبحتم غرباء، وذلك ليس من تلك الغربة التي يقال فيها وطوبى للغرباء، فهذه الغربة نؤدي ثمنها جميعا، كنا أطفالا أم شبابا أم كهولا أم شيوخا نؤدي ثمنها، لأنه أصبح الإسلام في الجامعات أو في المدارس الثانوية لا يعدو أن يكون دروسا لتعليم نواقض الوضوء أو مبطلات الصلاة، فإن هو تحليل النظام الاقتصادي والاجتماعي والاشتراكي المحض الصرف الإسلامي، أين هو تعليل وتلقين الطلبة والتلاميذ على أن الين قبل كل شيء هو المعاملات، ولا أعني بالمعاملة التحفة أو القضاء، أعني بها حتى المعاملات الدولية، حتى معاملات الشورى في البرلمان، حتى معاملة السلطة مع الرعية، حتى معاملتها مع الأقلية منها كانت نصرانية أو يهودية، بحيث ما من نقطة دستورية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية إلا ونجد لها الجواب في الإسلام وحتى إذا لم نجد لها جوابا لا نجد بابا نغلقا أمامنا للتشريع بما يطابق العقيدة والنظام، فلي اليقين – يقول جلالته – أنكم ستنفخون بروح جديدة في وطننا العزيز، ذلك أن الدروس التي ستخلقها من جديد تلك الكراسي هي كراسي العلم بدون النظر إلى التقاعد أو غير التقاعد، فالتقاعد يكون ربما فيما يخص الأعضاء لا فيما يخص الفكر ولا الحفظ ولا اتقان التلقين، ستجدون في هذا المجال وسيلة لتبينوا حتى لطلبتنا الذين في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية وكلية الآداب وكلية الحقوق الذين يريدون أن يطعموا ما تلقوه من معلومات في كتب جديدة عصرية بوسائل عصرية أن يطعموا معرفتهم وعلمهم بالأصول وبركائز تربيتنا وتثقيفنا ودوافع المشرع الإسلامي لم يغلب الفرد على الجماعة مهما كان قدره وكيفما كان شأنه، بل يغلب كتلة الجماعة لصالحة على الفرد الضال.
في انتظار أن تكونوا لا أساتذة للعلم، بل أن تكوم كراسيكم أندية، تلك الأندية ما حرمنا الله منها حينما كنا نتلقى العلم على مشايخنا: سي أقصبي رحمه الله والسيد المدني بن الحسني والفقيه الشفشاوني والسيد الطايع بن الحاج والسي عبد الرحمن بن عبد النبي ومولاي عبد الواحد العلوي وأمثالهم، لقد كان لنا الحظ أن أدركنا أولئك الفطاحل وكانت دروسهم أندية فكانوا يخلطون الأدب بالنحويات واللغويات والفقهيات، وكانوا لا يفرون من المذاكرات، بل كانت دروسهم أحاديث، بل كانوا في أكثر الأوقات يجعلون الطالب هو الذي يسأل لأنه يتمتع بما يلقنونه من معرفة وعلوم.
فعلينا أن نعلم مرة واحدة – يقول جلالة الملك – أن المجالس ليست مجالس وعظ وإرشاد، هذا هو المستوى الذي أدى ببعض الدول الاسلامية على أنها ظنت أنها خلقت وسيلة وروحا للدفاع، بل خلقت أوكارا للتشكك، الوعظ والارشاد ليس من مهامكم".
حضرات السادة العلماء:
  تعمدت أن آتي بهذه الفقرات الذهبية من خطاب جلالة الملك حفظه الله ونصره، لأنها نشير إلى منهج وطريقة ونظام الكراسي العلمية من مولانا أمير المؤمنين يمكننا أن نستخلص الحقائق التالية:
أولا: أن إنشاء الكراسي العلمية كان من أسمى أهدافه وأنبل غاياته إرجاع العلماء إلى مواقعهم الطبيعية في المجتمع ومراكزهم في الأمة ليباشروا أداء رسالتهم التي تفرض عليهم في الوقت الحاضر تمكين المسلمين في الانتفاع بالإسلام في كل جانب من جوانب حياتهم العلمية، وتفجير الطاقة الايماتية في الشعب وتوجيهها نحو التنمية والبناء الاقتصادي والاجتماعي واستغلال الكراسي في المسجد استغلالا عمليا يزيد في الرفع من المستوى العلمي والثقافي للجماهير بدل الاقتصار على الوعظ والإرشاد.
ثانيا: إن المهمة الأساسية للمجالس العلمية هي إحياء هذه الكراسي العلمية، ولذلك فإنني أرى وطبقا لمنطوق ومفهوم الخطاب الملكي السامي المشار إليه أن من واجب كل عضو من أعضاء المجالس العلمية أن يكون له كرسي في المسجد لا للوعظ والإرشاد ولكن لتلقين العلم، وأن لا يكون عضوا في المجلس العلمي إلا من كان أهلا لشغل هذا الكراسي، فالمجالس العلمية ليست مكاتب إدارية لتسهيل الوعظ والإرشاد في الإقليم بقدر ما هي خلايا علمية في كل إقليم بنفسها بنشر العلم وتسهر على تنظيم نشر العلم بواسطة علماء الإقليم بالإضافة إلى رعايتها لعمل الوعظ والإرشاد في مناطق نفوذها.
ثالثا : أن المجالس العلمية والكراسي العلمية ينبغي أن تكون نواة للجامعة الشعبية، تلك الجامعة التي سبق الاسلام إلى نظامها، لقد كانت القرويين دائما جامعة شعبية تفتح صدرها لكل طالب، لا اعتبارات في السن، ولا اعتبارات في الطبقة الاجتماعية، ولا اعتبارات في الجنس، ولا اعتبارات في اللون، فالعلم رهن إشارة الجميع والباب مفتوح للجميع والكراسي العلمية في مسجد واحد كراسي متنوعة بتنوع فروع العلم وضروب المعرفة، والطالب يكرع من كل علم ما شاء ويختار الأستاذ الذي يشاء، والعلم الذي يشاء ويستغني عن العلم الذي له فيه زاد كاف، وهكذا أبواب المساجد مفتوحة للشعبيين وللمثقفين، والكل يستفيد من دروس ذلك العالم الذي يجلس على الكرسي العلمي.
المجالس العلمية في كل إقليم ينبغي أن تحيي هذه السنة وهذا النظام وهذه الطريقة التي جرى عليها السلف والتي كانت هي الطريقة الشعبية الجديدة على مر الزمان بنشر العلم في الأمة الإسلامية والتي أهلت الأمة الإسلامية لتحتل المكان الأول في ميدان العلوم وفي ميدان الفنون على مدى التاريخ، ويوم فرطنا في هذه الكراسي العلمية حصل تقهقر في الجانب العلمي والجانب الثقافي لأمتنا، وتأخرنا في مسيرتنا وتقهقرت خطانا وسبقتنا الأمم، لذلك فإن نظر أمير المؤمنين حفظه الله كان نظرا بعيدا، ورأيه كان سديدا، وتنبه حفظه الله إلى سر تقدم الأمة الإسلامية أيام عزها وإلى أن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، ولذلك نادى حفظه الله بإحياء المجالس العلمية، فهو أبو الفكرة وهو صاحبها وهو الساهر على تنفيذها وهو ما فتئ حفظه الله يولي تعليماته وبصدر أوامره لإخراجها إلى حيز الوجود.
واليوم تأخذ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على عاتقها تنفيذ الأمر ملكي بأمانة وإخراج الفكرة إلى حيز التطبيق وإلى حيز الوجود كما أراد لها صاحبها حفظه الله ونصره، وقد بدأنا بالقرويين لأن القرويين هي أم الجامعة المغربية وهي منطلق الإشعاع العلمي في المغرب وفي العالم الإسلامي لعدة عصور، ولأن علماء القرويين هم علماء المغرب قاطبة يتخرجون من القيروان وينتشرون في ربوع البلاد لنشر العلم، فإحياء الكراسي العلمية في القرويين هو إحياء للعلم في المغرب كله، وبدأنا بمواكب طيبة مختارة من خيرة علماء لتحتل مكانها ولتعود إلى منابرها وليعود إلى هذا الجامع العظيم سالف عزه ومجده، هذه الطائفة الخيرة من العلماء لن تقوم بالوعظ والإرشاد، فالوعظ والإرشاد ليس من مهماتها، ستقوم بتلقين العلم حسب كتب معينة وحسب منهج معين وعلى الطريقة القديمة، طريقة الحلقات العلمية وطريقة الاجازات العلمية، لأننا في سالف عهدنا لم تكن عندنا الشهادات، كان الشيخ يجيز تلميذه حسبما تلقى عنه من العلوم وحسبما نقل إليه من الأسانيد، هذه الطريقة تعود اليوم، والشيخ هو الذي سيجيز تلامذته بالعلوم التي تلقوا عنه، وإن شاء الله سيستفيد من هذه الدروس طلبة كليات الجامعة الموجودة هنا بفاس، وتستفيد منها جمهور المثقفين بمدينة فاس، وتستفيد منها الأطر الدينية من خطباء ووعاظ ومرشدين في هذه المدينة المباركة، وسيستفيد منها كل وارد على فاس، وأن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ستسهر سهرا خاصا ودائما على استمرار هذا العمل وعلى دوامه وعلى نجاحه، وستمده بكامل الدعم وكامل العناية والرعاية حتى يثمر غرسه بحول الله وحتى يحقق أمل أمير المؤمنين، لأن الواقع أن هذه العملية خلفت فرحة عظيمة وكبيرة في قلب كل غيور على القرويين وفي نفس كل محب للقرويين وفي كل من له أيمان صادق قوي، فينبغي لنا أن نحافظ على هذا الأمل وعلى هذه الفرحة ليكون إن شاء الله طاقة لإحياء كراسي علمية في أقاليم أخرى وفي جهات أخرى وليمتد الإشعاع إشعاع القرويين من جديد كما كان في الماضي ليشمل المغرب كله.
أيها السادة الأفاضل لا أطيل عليكم، وتسأل الله تعالى أن يجعل ثواب هذا العمل في صحيفة أمير المؤمنين وأن يرعاه ويحفظه كما رعا هذا المسجد العتيق وأن يحيي به وعلى يديه كل أمر نافع في هذا البلد وفي هذا الوطن كما أحيا هذه الكراسي العلمية وأن يمد في عمره حتى يرى في شعبه ما يحب ويرضى وأن يكلأه بعينه التي لا تنام وأن يحفظه بالسبع المثاني والقرءان الكريم وأن يقرا عينه بسمو ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد وصاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد وسائر أفراد أسرته النبيلة الطيبة إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here