islamaumaroc

المنتقى من أدعية المستغيثين بالله، للحافظ أبي القاسم ابن شكوال

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

من أشهر الكتب الموجودة في ذكر طبقات العلماء والأدباء بالأندلس كتاب الصلة لخلف ابن بشكوال الذي وضعه مؤلفه ذيلا لكتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي.
وأصبح هذا الكتاب صورة من صور الاعتناء العلمي بالأندلس، وأضاف إليه عدد من العلماء والأدباء إضافات متعددة، وعقبوا عليه بعض التعقيبات نذكر من بينهم : ابن الابار وابن فرحون وابن الزيبر وابن عبد الملك حسبما هو معروف ومتداول في تاريخ النشاط الفكري بالأندلس.
ومن هذا المنطلق أصبحت شهرة ابن بشكوال ذائعة، وصار علما مشهورا لا تخلو كتب الأدب والتاريخ من ذكره، ومن تصوير مقدار علمه، ودرجة كفايته، وما بلغه من التقوى والعدالة في تصرفاته وسلوكه.
وكم يكن هذا المؤلف على خبرة بالجانب التاريخي فقط، بل كان محدثا شهيرا، وفقيها بارعا، وصوفيا ورعا، وحافظا محققا، ومطلعا على كثير من معارف عصره. فقد ذكره ابن الابار فقال عنه : إنه أسند إلى شيوخه نيفا وأربعمائة كتاب بيم كبير وصغير (1).
وكان زيادة على اعتنائه بالرواية، حسن السلوك، مهتما بالتأليف، حتى إنه ليقال عنه: إنه ألف أكثر من خمسين كتابا، أشهرها كتاب الصلة المذور، وكتاب الغوامض والمبهمات، ذكر فيه من جاء اسمه في الحديث مبهما فعينه (2). وقد أشار الأستاذ محمد بن شنب في دائرة المعارف الإسلامية إليه وقال عنه : إنه لا يعرف من بين مؤلفاته الخمسين إلا التأليفين السابقين.
هذا، وأني لما تتبعت ترجمة ابن بشكوال في كثير من الكتب التي أشارت إليه، وجدت عند ابن خلكان ذاكرا لكتاب سماه : كتاب المستغيثين بالله تعالى عند المهمات والحاجات، والمتضرعين إليه سبحانه بالرغبات والدعوات، وما يسر الله الكريم الإجابات ولكرامات.
وهو نهج من التأليف كان يلجأ إليه المسلمون كثيرا ليتنقلوا من بعض المظاهر المادية المتعلقة بذكر الأسباب العادية، إلى مظاهر روحية تطمئن بها النفس، ويركن العبد فيها إلى ربه، ويتضرع إليه في سرائه وضرائه، ولا يبالي أن تكون الوسائل وفق ما عهده الناس في سلوكهم المعتاد، أو كانت وفق جذبات ربانية، لا تعلل إلا بالطاعة والاستسلام، والالتجاء إلى الله في كل حين. فإن على العبد الدعاء، وإما أمر الاستجابة فموكول إلى الله، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما من أحد يدعو إلا أتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم". وجاء في حديث آخر : " ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث : إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه من السوء مثلها".
ومسألة الدعاء مسألة ذوقية، تتدفق من نفس المتضرع دون أن تجد حاجزا بينها وبين من وجهت إليه، وغالبا ما تفيض فيضا ينصب على ما حوله فتنمو البركة، وتزكو الخيرات، وتسمو النفس عن مباذلها، وتتوجه إلى الله من غير أن تبحث عن علة أو سبب لتحقيق رغباتها، إلا أن يكون الأمر مرجعه إلى هبة سماوية يمنحها الله لمن يشاء من عباده.
وهذا هو السبب الذي دفع ابن بشكوال إلى تأليف هذا الكتاب الذي ضمنه كثيرا من الأحوال الصوفية، وجعله ديوانا لكثير الأحداث المفصحة عن قيمة الدعاء عند الاضطرار، وعن الاستجابة التي يمنحها الله لمن شاء من عباده المضطرين.
ولا يوجد لحد الآن على نا أعلم أصل لهذا الكتاب الذي أشار إليه ابن خلكان، وإنما يوجد من ملخص وجيز غير كامل احتفظت به خزانة القرويين ضمن مجموع يحتوي على كتابيين مسجل تحت عدد 1334.
الكتاب الأول لمؤلف مجهول يتعلق بأسماء الله الحسنى وشرحها، وهو كتاب دقيق العبارة ، عميق الإشارة، يبدو أنه من مؤلفات أواخر القرن الثالث الهجري أو أوائل القرن الرابع حسب ما يستنتج من بعض أسانيده، ومنه نقلنا الحديثين السابقين في فضائل الدعاء.
وأما الكتاب الثاني فهو هذا المنتقى المذكور وقد حاول من اختصره أن يجعله قريبا من الأصل، وأن ينقل من أهم أبوابه، وإن يقتبس منه نماذج مختلفة تبرز خصائصه وتفصح عن منهجية مؤلفه، بل كان ينتقي أحيانا فقرات من الأصل تمثل أسلوب المؤلف وتبين درجة كفايته في صناعة البديع.
وبالفعل فقد نقل الديباجة الأصلية ونسبها إلى قائلها فقال : (3) " يقول ابن بشكوال في مقدمة كتابه : " اللهم اجعلنا ممن استعان بك فأعنته، ودعاك فأجبته، وتضرع إليك فرحمته، وتوكل عليك فكفيته، واستعصم بك فعصمته، واستهداك فهديته، وانقطع إليك فآويته، واستنصرك فنصرته، وتاب إليك فقبلت توبته، وأناب إليك فرحمت عبرته، واجعلنا اللهم لنعمائك من الشاكرين، وأدخلنا في رحمتك فأنت أرحم الراحمين، واغفر لنا فأنت خير الغافرين، وصلى الله عل سيدنا محمد خاتم النبيئين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلام عليه وعليهم أجمعين".
ومن مدخل هذا الدعاء الذي جعله مدخلا لكتابه، يتبين الجانب التفاؤلي الذي يطبع عددا من أهر الرجاء الذين يرون أن رحمة الله قريبة من المحسنين.
ومن المعلوم أن الجانب التفاؤلي هبة من الله يودعها في قلوب أهل الجمال، وشيمة من الشيم الايجائية التي تجعل الإنسان لا يقنط من الرحمة، ولا يتصور دوام بلاء، ولا استمرار غم أو هم أو شقاء، فيلتجىء كلما حظ به أمر إلى الدعاء، ويتطلع دائما إلى أنواع الفرج الذي يسره الله لمن إلتجأ إليه، ليستمد من ذلك قوة تدفعه إلى الاقتداء بالصالحين.
ولقد عمد المؤلف إلى اختيار عدد من القصص والحكايات، وكان موقفا في ذلك، وحاول أن يستمد منها كثيرا من المواعظ والعبر، وإن يستند في كثير منها إلى الأخبار المأثورة، وإلى الأحاديث النبوية، وإن يركن أحيانا إلى بعض اللقطات التاريخية، أو إلى بعض الرموز الصوفية، التي قد تصل أحيانا إلى خوارق العادات، فلا يقبلها إلا قلب المؤمن الذي يضع ثقته الكبرى في الله.
لقد ذكر بسنده عن ابن أبي الدنيا عن طريق انس رضي الله عنه أنه قال (4) : " كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، وكان تاجرا يتجر بماله ولغيره، ويضرب في الآفاق، وكان ناسكا ورعا، فخرج مرة فلقية لص مقنع في السلاح فقال له : ضع ما معك ، فإني قاتلك، قال : ما تريد إلى دمي ؟ شأنك بالمال . قال أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال : أما إذا أبيت، فذرني أصلي أربع ركعات. قال : صل ما بد لك. فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال : يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، أسألك بعزتك التي لا ترام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثتني ثلاث مرات. قال دعا بها ثلاث مرات فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه حتى طعنه فقتله ثم أقبل إليه، قال : قم، قال : من أنت ؟ بأبي وأمي قد أغاثني الله بك ! قال : أنا ملك من أهل السماء الرابعة، دعوت بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجة، ثن دعوت بدعائك الثالث فقيل : دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله، ثم قال : أبشر وأعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا أو غير مكروب".
وهكذا نلاحظ أن هذه القصة التي رواها في كتابه تهدف إلى إبراز حقيقة الأمانة التي يمنحها الله لمن إلتجأ إليه بصدق، وتقوي صورة الإيمان في نفس المؤمن الذي لا يجد ملجأ يحميه من الكروب إلا الله، ولا يركن إلى أحد يقيه من السوء سوى الرب الكريم الحكيم.
وتعتبر مثل هذه الأدعية تقوية للإيمان، وتربية للإنسان، وتذكيرا بالميزة التوكلية التي تجعل الفرد لا ينسى الله في أحوج المواقف، فترتفع به الثقة إلى درجة تجعله يتوقع الاستجابة كأنها أمر مفروض، سواء كانت وفق ما اعتادته الأسباب، أو كانت من خوارق العادات.
 ويستغل المؤلف نقل بعض الحكايات السائرة التي استمدها من كتب التاريخ والتي كانت تور جوانب من التحدي القائم على الحق، فمن ذلك ما يروى عن الحجاج ابن يوسف الثقفي أنه أرسل بعض أعوانه لإلقاء القبض على الحسن البصري، فإذا بالحسن رضي الله عنه قد التجأ إلى دعاء رجا فيه من ربه أن يحفظه من الحجاج، وأن يحميه من طغيانه، فستره الله ونجاه، وحفظه ووقاه،. وقد ذكرت بعض الكتب أن الحجاج أعاد الكرة ست مرات لإلقاء القبض على الحسن البصري فلم يفلح، بل قال ابن تيمية : إنهم دخلوا عليه فلم يروه بسبب دعائه الذي كان يردده (5).
ولم يشر ابن تيمية إلى مصدر الخير، إلا أننا نجد الإشارة إليه في كتاب بن بشكوال، قال المؤلف (6) :  " قال يونس بن عبد الله : وكان من دعاء الحسن البصري حين طلبه الحجاج فستره الله عنه ونجاه : " يا صاحبي عند كل شدة، ويا منجيني عند كل كربة، ويا وليي عند كل نعمة، ويا حاضري عند كل غربة، ويا مؤنس عند كل وحشة، ويا رازقي عند كل حاجة، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وعلى محمد وسلم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا".
ولا ريب أن هذا الالتجاء إلى الله علامة من علامات التوحيد، تنزه الإنسان من التضرع لغير الله، وتعلمه أدب الطاعة، وتبين له كيفية الرغبة في طلب النجاة من كل سوء، وفي طلب السلامة من كل أذى.
وكان المؤلف في غالب الأحيان ينتقي الدعوات من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرويها بسند يزيل الالتباس. فمن ذلك مثلا، ما روي عن جعفر الصادق أنه قال (7) : حدثني أبي عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ حز به أمر دعا بهذا الدعاء، وكان يقول : دعاء الفرج :
" اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركتك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي، وأنت ثقتي ورجائي، فكم من نعمة أنعمت علي، قل لك عنها شكري، وكم من بلية ابتليتني قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري، فلم يحرمني، ويا من  قل عند بلائه صبري، فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا، فلم يفضحني، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته، يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، هب لي ما لا يضرك، وغفر لي ما لا ينقصك، يا إلهي ! أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، وأسألك العافية من كل بلية، وأسألك الشكر على العافية، وأسألك دوام العافية، وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وهذا الدعاء المعروف بدعاء الفرج، تتدرج فيه الابتهالات، وتبدو فيه حقيقة لإنسان الشاكر الذي يعرف قيمة ربه الذي لا يؤاخذه على المخالفة، ولا يحول بينه وبين المغفرة، فالله لا يخذل عبده، ولا يفضحه ولا يحول بينه وبين طاعته، ولذلك يضطر الإنسان رغم ما تعتريه أحيانا من عوارض الإهمال والنسيان إلى الرجوع إلى ربه، وإلى شكره على ما ينعم عليه من أسباب النعم التي لا تحصى.
ولقد تداولت الألسنة هذا الدعاء الذي يردد في كثير من المحافل، والذي جعلته بعض الطرق الصوفية من أورادها الرئيسية. ولا يخفى على رواد المساجد بالمغرب أن الجزء الأخير منه كان يقرأ علانية أثر كل صلاة بصوت يبعث على الخشية، ويدفع إلى التأمل. ولعلهم يتعمدون الجهر به وبمثله ليحفظ عن ظهر قلب، وليستعمله المحتاجون إليه كلما شعروا بضيق أو حرج.
هذا وإن ابن بشكوال كان في كتابه يسعى إلى بعث الروح الإسلامية في نفس المؤمن، ويحرص على وضع الثقة في الإنسان ليطمئن إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا أدل على ذلك من استغلال الآيات القرآنية لتهذيب الأخلاق وإصلاحها. ويمكن أن يتضح ذلك فيما يأتي، فقد روي بسنده عن عبد الله ابن جعفر بن محمد رضي الله عنهما أنه قال (8) : " عجبت لمن بلي بأربع، كيف يغفل عن أربع : عجبت لمن أبتلي بالغم كيف لا يقول : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، والله تعالى يقول : " فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " (9)، وعجبت لمن أبتلى بالخوف كيف لا يقول : (حسبنا الله ونعم الوكيل) ، والله تعالى يقول : " فاتقبلوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " (10). وعجبت لمن مكر به كيف لا يقول : (وأفوض أمري إلى الله، والله بصير بالعباد). والله تعالى يقول : " فوقاه الله سيئات ما مكروا" (11) الآية. وعجبت لمن رغب في شيء كيف لا يقول : " ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله) . والله عز وجل يقول : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله..." (12).
ولم يقتصر المؤلف على وضع الابتهالات والعدوات أثناء الأزمات، بل ذكر طرقا غريبة تعد من الصدف النادرة التي سجلها المؤرخون، منها ما حدث به الشعبي عن عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب وعبد الله بن عمر وعبد الملك بن مروان فقد قال (13) : " لقد رأيت عجبا : كنا بفناء الكعبة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم : ليقم كل منكم فيأخذ بالركن اليماني ثم يسأل الله حاجته، فإنه يعطى من حينه، قم يا عبد الله بن الزبير، فإنك أول مولود ولد في الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليماني فقال : اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك، وحرمة عرشك وحرمة نبيك صلى الله عليه وسلم، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني الحجاز، ويسلم علي الخلافة، وجاء حتى جلس، فقالوا : قم يا مصعب بن الزبير ! فقام حتى أخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم إنك رب كل شيء، ونصير كل شيء، أسألك بقدرتك على كل شيء، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني العراق، وتزوجني سكينة بنت الحسين، وجاء حتى جلس وقال : قم يا عبد الملك بن مروان، فقام وأخذ بالركن اليماني وقال : اللهم رب السموات السبع، ورب الأرضين ذات البيت، بعد الفقر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك وأسألك بحقك على جميع خلقك، وبحق الطائفين حول بيتك، ألا تميتني من الدنيا حتى توليني شرقها وغربها ولا ينازعني أحد إلا أتيت برأسه، ثم جاء حتى يجلس فقالوا : قم يا عبد الله بن عمر، فقام حتى أخذ بالركن اليماني ثم قال : اللهم إنك رحمن رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك، ألا تميتني من الدنيا حتى توجب إلي الجنة. قال الشعبي: فما ذهبت عيناي من الدنيا حتى رأيت كل واحد منهم أعطي ما سأل، وبشر عبد الله بن عمر رضي الله عنه بالجنة ".
ومن الأشياء التربوية الهادفة في كتاب ابن بشكوال أنه لم يقتصر في كتابه على الأدعية والابتهالات، بل أضاف إلى ذلك بعض الحكايات الي تشجع على الايمان بالله، وتبعث الثقة في تحقيق ما وعد الله به، أو تحقيق ما أخبر الرسول به، فمن ذلك مثلا ما يتعلق بمنافع الصدقات، فقد نقل في كتابه ما يأتي : " قال أحمد بن مطرف أخبرنا بعض شيوخنا من أهل العلم أنه كان عند محمد بن وضاح رحمه الله، فدخل عليه رجل فقال : خطرت الآن عجلة فأصابت الصبي إبنك ومشت عليه، فلم يكترث لذلك، وجعل يقبل على ما كان فيه من إمساك كتابه وأمر القارئ أن يتمادى في قراءاته، فلم يلبث أن دخل عليه رجل آخر فقال : أبشر يا أبا عبد الله ! سلم الصبي والحمد الله ! إنما أصابت العجلة ثوبه وجاوزته ولم تؤده، فقال : الحمد لله، قد أيقنت بذلك، لأنني قد رأيت اليوم الصبي قد ناول مسكينا كسرة، فقلت : إنه لا يصيبه بلاء في هذا النهار، للحديث الذي آتى : أن الله يدفع عن العبد من السوء بالصدقة يتصدق بها (14).
وهكذا نرى أن كتاب ابن بشكوال لم يكن خاصا بأدعية المستغيثين، ولكنه في الوقت ذاته كان كتاب توجيه وتوعية، وكتاب رواية لأخبار كثير من الصحابة والتابعين ورجال العلم في الأندلس وغيرها، ولعل ما ستدللنا به من هذه المنتقيات سيكون مقربا للحكم الذي حكمنا به على هذا الكتاب القيم الذي احتفظت به خزانة القرويين إلى الآن: فهو تحفة رائعة تبلور جانبا من الترابط المتين الموجود بين الاتجاه الصوفي عند بعض علماء الأندلس في القرن السادس الهجري، وبين الصفاء الديني الخالص الذي لا يعتد إلا بما وافق الشرع في نصوصه وأصوله، وهو في الوقت ذاته، يبعث النشاط النفسي عند المؤمن الذي يتوجه كلما حز به أمر بالدعاء إلى الله، مطمئنا خاشعا، راجيا من الله الاستجابة والقبول، فأجعلنا اللهم ممن إذا دعوك استجبت لهم، وإذا رغبوا في رحمتك عجلت لهم أسبابها، وإذا التجأوا إليك كنت لهم كفيلا.
يا من يطعم الجائع، ويشفي المريض، ويهدي الضال، ويعلم الجاهل، ويغني الفقير، لا تكلنا إلى غيرك ولا تسد علينا أبواب فضلك، فأنت الرحيم الكريم، وأنت العفو الحليم.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، واجعلنا ممن يأتمرون بأمرك، وينتهون بنهيك.
اللهم اجعل الحق أمام أعيننا نورا نهتدي به، والعدل أمام نفوسنا نبراسا نتمسك به، والجمال أمام أرواحنا عطرا فواحا ننتعش به، فأنت على كل شيء قدير.
اللهم أن هذه نفحة من نفحات كتاب أدعية المستغيثين تدفقت في نفوسنا فدفعتنا إلى المساهمة بهذه الابتهالات التي نتمنى لها القبول والاستجابة عندك، كما استجبت لكثير من المتضرعين الخاشعين.
وسنجعل ختام هذا المقال ما سجلت، المنتقيات من كلام ابن بشكوال صاحب الكتاب، فقد قال : " اللهم استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، وعجل علينا بفرج عاجل منك بجودك وكرمك، وارتفاعك في علو سمائك، يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وعلى آله أجمعين (15).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجزء الأول من كتاب التكملة لابن الابار، طبع مجريط عام 1886 م صفحة 54.
(2) الاعلام لخير الدين الزركلي رحمه الله، الجزء الثاني صفحة 359.
 (3) المنتقى المذكور (ظهر الورقة الأولى).
(3) المنتقى : الورقة الأولى : الوجه الثاني .
(4) فتاوي ابن تيمية ، الجزء الحادي عشر صفحة 280.
(5) المنتقى : الوجه الأول من الورقة الثامنة.
(6) المنتقى : الوجه الثاني من الورقة السابعة والعشرين.
 (8)المنتقى : الوجه الأول من الورقة الثامنة.
(9)سورة الأنبياء : 87 – 88.
(10) سورة آل عمران : 173 – 174
(11) سورة غافر الآيتان : 44 -45
(12) الكهف الآية : 39.
(13) المنتقى : الوجه الثاني من الورقة الحادية عشرة.
 (14) المنتقى : الوجه الأول من الورقة الثالثة عشرة
ملحوظة : مقياس الكتاب 17x13.
مسطرته 13.
أوراقه الموجودة 31.
(15) المنتقى : الوجه الثاني من الورقة الثامنة عشرة
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here