islamaumaroc

تاريخنا الإسلامي لا يمكن تفسيره إلا بمنهج إسلامي.

  أنور الجندي

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

إن محاولة تفسير التاريخ الإسلامي عن طريق مناهج واحدة لا يستطيع أن يحقق نتائج حقيقة، فالتاريخ يفسره منهج مستمد منه، والتاريخ الإسلامي يفسر عن طريق منهج إسلامي لتفسير التاريخ، أما التفسير المادي للتاريخ فإنه لا يستطيع أن يستوعب حقائق تاريخ الإسلام. كذلك فإن المنهج الذي يقدمه الفكر الليبرالي يعجز أيضا عن تفسير حقائق تاريخ قام على أساس منهج رباني المصدر، قد حقق نتائج مصدرها الإيمان العميق بالله تبارك وتعالى وأذعانا لفريضة الجهاد التي تضع قاعدة: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله"، وقد جرت محاولة تزييف التاريخ الإسلامي عن طريق المستعمرين عن طريق تزييف الوقائع وإثارة الشبهات حول تفسيرها إيمانا من المستعمر بأن التاريخ سلاح بعيد الأثر في خلق وعي الأمم ونهضتها وجريا وراء خطة تشويه الحضارة الإسلامية رفعا للمسلمين والعرب إلى التنكر لقيمهم وإبطالهم والجري وراء بريق التاريخ والحضارة الغربيين، ومن هذه المراجع كتب فيلبي وبروكلمان التي تعتبر في بعض الجامعات كمراجع أساسية، ومن حق النهضة الإسلامية على الباحثين اليوم تعقب هذه السحوم والكشف عنها وتصحيح أخطائها لأنها تمثل عصبة حقيقية أمام منطلقات لم تكن في أول القرن الخامس عشر ولابد من أن توضع في الاعتبار أن القوى الغالبة والمسيطرة والطامعة في البلاد الإسلامية وثرواتها تعمل على استخدام التاريخ كأحد الوسائل لدعم نفوذها وتحويل نظر المسلمين عن منبع شر من منابع القوة والإيمان بالشخصية والثقة بمجد هذه الأمة ودورها في بناء الحضارة الإسلامية.
وفي العقود الأخيرة ظهر التفسير المادي للتاريخ على أيدي الماركسيين ليزيد هذه المحاولة خطورة، ونجد الآن أمامنا ثلاث تيارات تواجه التاريخ الإسلامي وتحاول تسميم منابعه وتزيفه: يتمثل في الاستشراق الغربي والاستشراق الماركسي والاستشراق الصهيوني، وكل استشراق له غايات وأهداف، ولكنها كلها تجمع على ضرب أمجاد المسلمين وخاصة في تاريخ الرسول وتاريخ القرءان وتاريخ الصحابة والخلفاء.
ولا ريب أن تاريخنا الإسلامي له جوانب القوة وجوانب الضعف وهي لا تنفصل وتفسيرها واضح، هو انه كلما اقترب المسلمون ومن نهج الله في التطبيق صاحبهم النصر والتمكن، وأنهم كلما تركوا هذا المنهج ضربتهم الأمم : " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم"، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " رد الدين كفروا لو تعقلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة" ، هكذا حذر القرءان المسلمين من الانحراف عن نهج الله.
وعلينا أن ندرس تاريخنا وفق منهج إسلامي أصيل يعترف بالوحي وبالمعجزة وبالنبوة قد قال الله للمجاهدين في سبيله : (أن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين). وعلينا أن نعرف أسباب الهزائم والنكبات وأن نكشف عنها وأن نعرف أن التماسنا أسلوب الغرب في الحرب لا يجدي نفعا، فلابد من أن يجمع المسلم من القوة المادية والقوة الروحية، ولقد كان لصيحه الله أثرها الكبير في النصر مما حفز الاكاديميات العسكرية في الغرب إلى دراسة هذه الصيحة بوصفها " سلاح كوني ".
وتاريخنا الإسلامي غني بصفحات النصر والقوة والرحمة والعدل والإخاء الإنساني، ويتميز بسرعة الحركة على سطحه ونظرها في عمقه – كما يقول أحد الباحثين – أي تلك تقراه فتجد الحوادث متدلفعة متلاطمة وكلها حوادث شخصية. نزاع على السلطان أو حطام الدنيا، فإذا نظرت في العمق ترى حركة المجتمع وحدت شيئا يشبه الركود، المجتمع نفسه يتحرك في بطء شديد، والقرون تمضي والمجتمع على حاله. ولقد تظهر في الطبقات العليا روحا من الانحراف أو الاضطراب ولكن أعماق المجتمع تظل سليمة مؤمنة. أن لب التاريخ الإسلامي في الحقيقة هو العمران وليس السلطان هو الحضارة وليس السياسة.
يقول الدكتور يوسف العش: لقد حاول الكثيرون أن يصموا تاريخنا بكثرة الحروب والفتن والمكايد والاضطرابات، والنظرة الصحيحة تعطي البيان الواضح من أن هذه الوصمات لا أصل لها صحيح، وكل ما في الأمر أن هناك تفاعلات في المجتمع الإسلامي العربي كانت تأخذ طريقها، ولابد أن تأخذ طريقها في ذلك المجتمع، وأن هذه التفاعلات سنة من سنن الله ولن تجد لسنة الله تبذيلا، وهي تفاعلات تحدث في كل أمة بل أن الأمم الأخرى كانت تتلقاها بعنف أكثر مما تتلقاها به المسلمون والعرب، وتاريخ الأمم الأخرى ممزوج بالحروب والفتن والاضطرابات أكثر من التاريخ العربي، فهذا تاريخ فرنسا وألمانيا منذ الثورة الفرنسية (وهما من أعظم الأمم التي ساهمت في تاريخ العالم) أن تاريخهما ملئ بالحروب. حروب الثورة الفرنسية، حروب نابليون، حرب 1870، حرب 1911، حرب 1919، كل ذلك في مدى لا يتجاوز قرنا ونصف القرن، والضحايا التي وقعت في هذه الحروب نتجاوز أضعافا مضاعفة ضحايا الحروب في تاريخنا بأجمعه.
فإذا عرفنا هذا أمكن أن تكون نظرتنا في كتب التاريخ الإسلامي التي يقدمها لاستشراق ناضجة يقظة إلى الغايات الخفية التي ترمي إلى القول مثلا بأن النهضة في العالم العربي بدأت بحملة نابيليون 1798 (والحقيقة أن هذه النهضة بدأت بدعوة التوحيد التي ظهرت في الجزيرة العربية 1740 وفي أماكن كثيرة باسم (العودة إلى المنابع) كذلك حاولت هذه الدراسات أن تصور حركات الاستعمار للاستيلاء على أجزاء من بلاد العرب وإفريقيا على أنها رحلات استكشافية، ومن ذلك الهجوم على الدولة العثمانية التي حمت الوجود الإسلامي أربعة قرون، أو الهجوم على السلطان عبد الحميد الذي عارض رغبة الصهيونة والمؤامرة بالإقامة في فلسطين.
أو ما يصورونه من أن البلاد العربية عاشت تحت سلطان الفرس واليونان والرومان، والحقيقة أن البلاد العربية قاومت كل هذه النزوات، وأنها قبلت الإسلام لأنه حررها من هذا النفوذ.
ولقد كان من أكبر أخطائنا في المدة الأخيرة كتابة التاريخ عن طريق الأسلوب الوطني الذي يعني من شأن الإقليم ويتجاهل الروابط العربية الإسلامية أو عن طريق الأسلوب القومي الذي يتجاهل الروابط الإسلامية التاريخية في " الوحدة الإسلامية الجغرافية والعقائدية "، وقد مرت هاتان الموجتان وجاءت بعدهما موجة الحركات السياسية، والحقيقة أن التاريخ الإسلامي للأمة الإسلامية متكامل جامع لا سبيل إلى فصل قطر بنفسه أو عصر بنفسه، وأن الأمة الإسلامية تجمعها عقيدة وكتاب وفكر موحد، مهما اختلفت لغاتهم وتناءت ديارهم فهم نجابة القارة الوسطى كما أطلق عليهم نابليون، ولا يزالون تجمعهم كلمة الله إلى يوم البعث.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here