islamaumaroc

دور القرويين ماضيا وحاضرا ومستقبلا

  أحمد ابن سودة

العدد 241 محرم 1405 - أكنوبر 1984

صاحب المعالي، صاحب السعادة، أصحاب الفضيلة، إخواني وزملائي في الدراسة علماء القرويين:
لقد كنت متغيبا عن المغرب وعلمت بهذا الحفل المبارك والجمع السعيد، فقطعت أربعة عشرة ساعة طائرا لأكون بجانبكم، وفي هذا الصباح والآن وقبل مجيئي كنا في اجتماع تحت رئاسة صاحب الجلالة نصره الله وحفظه، ولكن لم يكد يحين الوقت حتى أخبرت جلالته بأن هناك جمعا في القرويين، فأمرني أن ألتحق بكم عاجلا وذلك تقديرا منه لهذا الجمع العظيم، وأمرني أن أبلغكم تحياته ومتمنياته لكم بالنجاح مع دعواته لكم بالتوفيق.
إخواني:
من الصعب على من تعلم في رحاب هذا المسجد، ومن الصعب على من التحق به، وسنه لا تعدو الثانية عشرة، أن يقف في هذا اليوم وفي هذا الحفل ثم يتكلم ويتحدث عن الحاضر أو المستقبل دون أن يعود إلى الوراء، أقف هنا لأذكر أساتذتنا الذين تعلمنا عليهم، إن كل سارية كان لها علماؤها، وباب الصومعة كانت لها علماؤها، وكانت القرويين خلية علم وأدب وثقافة تمد المغرب وتمد العالم الإسلامي كله، وتعود بي الذاكرة يوم أن كنا نقف تحت الثريا، تلك الثريا التي تذكرنا بالأندلس وأيامنا في الأندلس ومصيبتنا في الأندلس، تحت الثريا كنا نخطب ونتكلم واقفين نحرك همم هذه الأمة، لا نكاد نخرج من باب الشماعين حتى يلقى القبض علينا، وفي سنة أربع وأربعين ما كدنا نخرج من هذا الباب، باب الشماعين، حتى أخذ الرصاص يتلعلع، وسقط أول شهيد، وهو مولاي إسماعيل العلوي، أذكر هذا للذين لم يعيشوا هذه الأيام، للذين لا يحمدون الله على هذه الأيام، للذين يظنون أنهم في جهنم وهم في نعيم مقيم، يقولون: أنت دائما متفائل، لست بمتفائل، ولكنني واقعي أعرف كيف كانت هذه البلاد وكيف أصبحت، كنا نخطب ونخرج من هنا إلى السجن، كنا نخطب ونذهب من هنا إلى المنفى، واليوم انظروا إلى اجتماعنا، ومن أمر بجمعنا؟ من أمر بأن نتحدث؟ عادة العلماء والمصلحون يتقدمون إلى الحكام ليطالبوهم بالإصلاح، ومن نعم الله على هذا البلد الأمين أن أمير المؤمنين هو الذي يجمع العلماء ويدفع العلماء ويطالبهم بالإصلاح، وهذه نعمة لا تقدر، كم من مصلحين عذبوا في البلدان الأخرى، وكم من حركات إسلامية عذبت وسجنت لأنها قالت كلمة الحق، وفي هذا البلد الأمين الذي أنعم الله عليه، منذ أن أصبح دولة إسلامية تحت إمرة مولانا إدريس الأول رضي الله عنه، وملوكه دائما كانوا حماة للعلم وللعلماء، أذكر هذا ليعرف شبابنا الذي يتنعم بالحرية والاستقلال وبالنشر وبالكلمة أن الجيل السابق، أن الجيل الذي سبقهم، اشترى حرية الكلمة، بحياته، بدمه، بحريته للاستشهاد، وبذلك أن شعوري اليوم هو شعور خاص، أرى العلماء، أرى أول حركة إضراب قمنا هنا في هذا القرويين أول إضراب نظم في المغرب بالقرويين من أجل إصلاح القرويين، هنا في هذا المكان وبهذا المسجد، واليوم ولذلك الفرنسيون ضاقوا بهذا المسجد، الفرنسيون ضاقوا بهذه الجامعة، وفي سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين وقع اجتماع، إما عن غباء وإما عن جهل بهذه القضية، ومن العجيب أن علماء القرويين أنفسهم أصبحوا يشكون في أهلية القرويين، لأنهم يرون أن الذين تعلموا اللغات الأجنبية سبقوهم إلى المناصب، ولذلك تجد أن أكثرية أبناء العلماء لا يحسنون اللغة العربية، يرسلون أبناءهم إلى الإرساليات والبعثات الفرنسية، لأنهم يريدون أن يحتاطوا لأنفسهم ولم يفكروا: (كما بدأنا أول خلق نعيده)، هنا يصدق؛ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولكن إذا فتن العلماء وزاغ المواطنون فإن الله أكرمنا بملك حكيم يعرف ما يقول ويعرف ما يعمل، لأنه تخرج من مدرسة محمد الخامس، وكنا سمعنا الآن في الفقرات التي ألقاها صاحب المعالي صديقي الأستاذ عبد الكبير العلوي المدغري، فإن صاحب الجلالة محمد الخامس هيأ لأبناء أبنائه المدرسة المثالية، التي تحافظ على الأصالة في إطار التحديث والعصر، وتنهل من حياض العلوم الجديدة مع المحافظة على القديمة.
إننا لسنا كبعض الدول، لا أذكر أية دولة، لا ماضي لها ولا تاريخ لها، نحن في هذا المسجد ونحن في هذا البلد الذي من مزاراته إدريس الثاني، الذي من مزارته أبو بكر المعافري، الذي من مزاراته ابن الخطيب، الذي من مزاراته ابن غازي وغيرهم وغيرهم وغيرهم، من الذين تضيق الساعات لذكر أسمائهم. فنحن لنا ماض كبير، ولذلك فهذه الجامعة لها دور أساسي، ولعلمائها دور أساسي هو أشرف من المناصب وأكرم من الوظائف، عند أصحاب هذه الجامعة إرث الأنبياء: القيام بالرسالة، وليتساءل الماديون ماذا سيعمل هؤلاء العلماء؟ إن أكبر وأغلى بضاعة مطلوبة في العالم كله هي العلوم التي لديكم.
أنتم مطلوبون في أوربا، في آسيا، في إفريقيا، في بلدكم، علماء القرويين وطلبتها لم يكونوا كثيرين في الماضي، كنا عام 36 لا نتعدى ما بين حضريين وبدويين ثمانمائة، وكانوا قائمين برسالة الإسلام في المغرب كله، ثم بعد تلك المدارس تخرج الأطباء والمهندسون، لأنهم جميعا لم يعدوا أن يقوموا بالدور الذي كان يقوم به الصفارون والحدادون والنجارون ولكن العلماء كانوا متميزين.
فاس كانوا يقولون إنها كانت مترفهة، لماذا؟ لأن كل أهل فاس كانوا علماء، ولكن هناك العلم النظري، فكانت جامعته هي القرويين وما دار حولها من المساجد، ولكن كانت هناك جامعات كثيرة: الحدادين والصفارين والطرازين إلخ... والآن كل المدارس تقوم بتلك الأدوار، ولكن يبقى للقرويين دورها، ولكن هذا يتطلب أن يكون علماء القرويين راضين ومحبين للمعارف، المسألة فوق الوظيفة وفوق المنصب، بحيث نريد أن نكون أصحاب رسالة أولا، نريد أن نكون أصحاب رسالة، لا علة للعلماء، لا عذر لهم بعد اليوم، جلالة الملك، السلطة، الدولة، تهيئ لهم القيام برسالتهم، هذه الوضعية لا توجد في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، وبذلك فإنني عند ما أتذكر كيف كان يعاقب العلماء ويمنعون من التدريس لأنهم قالوا كلمة الحق، وكيف كان يسجن ويقتل الخطباء لأنهم قالوا كلمة الحق، ما كنا نظن أننا سنعيش حتى نكون هنا جالسين ومعنا ممثل صاحب الجلالة عامل، يعني جنرال اليوم، كان ينتظرنا جنرال أمس، أما الآن فهو موجود من صاحب الجلالة، ممثلو صاحب الجلالة كلهم حاضرون، وجلالة الملك عنده علم بكم، وقلبه معكم، ويدعو لكم، وهو يقول لكم: تقدموا وأنا في مقدمتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here