islamaumaroc

حول تاريخ الأديان السماوية -2-

  محمد كمال شبانة

العدد 240 ذو الحجة 1404/ شتنبر 1984

أنبياء بني إسرائيل
من المعلوم تاريخيا أن من أنبياء العرب من هم من سلالة نوح عليه السلام، وكهود وصالح، ومنهم من هم سلالة إبراهيم عليه السلام، بداية من ابن أخيه لوط، وانتهاء بسلالة ابنه اسماعيل، كشعيب عليه السلام.
وإن أنبياء بني إسرائيل يبدؤون بسيدنا إسحاق، ابن سيدنا ابراهيم، ويتسلسلون – بعد إسحاق – إلى يعقوب الذي نسب إليه بنو إسرائيل، ثم ابنه يوسف عليه السلام، ثم موسى وهارون، وثم إلياس واليسع، وداوود وابنه سليمان، وكذلك أيوب وذي الكفل ويونس،وزكريا ويحيى، وعيسى ابن مريم.
وعلى هذا فإن بني إسرائيل ينسبون إلى سيدنا يعقوب، الذي سمي ب "إسرائيل" بعد عودته من (فدان آرام)، كما جاء في التوراة، حيث يروي سفر التكوين:
"وظهر الله ليعقوب أيضا، حين جاء من (فدان آرام)، وباركه وقال له الله: اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل، فدعا اسمه إسرائيل، وقال له الله: أنا الله القدير، أثمر وأكثر، أمة وجماعة أمم تكون منك، وملوك سيخرجون من صلبك، والأرض التي أعطيت إبراهيم وإسحاق لط أعطيها، ولنسلك من يعدك أعطى الأرض" (1).
فيعقوب هذا - المدعو من بعد إسرائيل – هو ابن لسيدنا إسحاق الذي كان يحب أخاه التوأم عيسو، ولكن يعقوب يخدع أباه – كما جاء في التوراة – "فيحصل منه على بركته، في الوقت الذي كان يظنه أخاه عيسو، وعليه يمنحه بركته". (2)
من زاوية أخرى نعلم أن سيدنا إسحاق هو ابن سيدنا إبراهيم الخليل، أبو الأنبياء عليهم السلام، من السيدة سارة، فلذلك يدعوه الإسرائيليون (ابن الحرة)، كما يخلعون على أنفسهم لقب (أبناء الحرة) في حين يدعون إسماعيل (ابن الجارية) تعصبا منهم كعادتهم بطبيعة الحال.
وقد اتخذ يعقوب أو إسرائيل سكنه في فلسطين التي حدثت فيها قصة سيدنا يوسف ابنه مع إخوته، هذه القصة التي تمخضت عن بيع سيدنا يوسف إلى عزيز مصر، ثم أضحى أمينا على خزائن مصر تبعا لحلمه المعروف.
ويروي القرآن الكريم في إيضاح هذه القصة في السورة التي عنونت باسم صاحب القصة، فيقول تعالى في هذا الفصل في:
?وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، قال: اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم، وكذلك مكنا ليوسف في الأرض، يتوبأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء، ولا نضيع أجر المحسنين? (3)
وتتوارد بعد هذه الآيات قصة يوسف، بل قصة بني إسرائيل كافة، حتى نرى قصة المجاعة التي اجتاحت المنطقة فأصابتها بسبع سنين عجاف، حيث كان الملك قد رواها لسيدنا يوسف، فأعد لها في السنين السبع السمان السابقة حينما تقلد خزائن مصر؛ فقد قصده إخوته لينالوا نصيبهم من هذه الأموال التي تحت يده، فتفرس فيهم وعرفهم، وتبين من بينهم أخاه الشقيق ليضمه إليه، ثم دبر بمعونة رجاله أمر سرقة صواع الملك، والذي بمقتضاه احتفظ بأخيه الشقيق لديه، حتى تعرفوا عليه، ثم بعث بقميصه إلى أبيه الحزين، فارتد بصيرا، وأخيرا عادوا بأبيهم إلى يوسف:
?قالوا: إن لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف، وهذا أخي، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن اله لا يضيع أجر المحسنين. قالوا: تالله، لقد آثرك الله علينا، وإنا كنا لخاطئين، قال: لا تثريب عليكم، اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه أبي يأتي بصيرا، وأتوني بأهلكم أجمعين? (4).
ثم يحضر يعقوب وزوجه إلى مصر حيث يقيم بها ومعه أولاده، في سعة من الرزق، وبسطة من العيش، وتحت رعاية وإعزاز وتكريم، على نحو ما تسرد الآيات التالية:
?فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، وقال: أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين. ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدا، وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل، قد جعلها ربي حقا، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، وجاء لكم من البدو، من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم ? (5).
وهكذا أقام أبناء يعقوب أو بنو إسرائيل في مصر، وتناسلوا فكثرت أعدادهم، كما أسندت إلى بعضهم المناصب الرفيعة، وذلك في عسر الهكوس الذين غزوا مصر فيما بعد سنة 1085 ق. م
إن مقام بني إسرائيل في مصر آنذاك قد طاب لهم، وكان المنتظر منهم أن يبادلوا المصريين نفس المشاعر والعواطف، وأن يعترفوا بالأيدي التي رحبت بهم، والنفوس التي أفسحت لهم بينها، ولكن للأسف تصرفوا مع المصريين تصرف الغادرين "فقد أقاموا بها (بمصر) محتفظين بلغتهم وعاداتهم، وصاروا على طول الزمن جالية كبيرة، متميزة، تتوالد وتتكاثر في محيط الشعب المصري، وظلوا في حياتهم يمارسون المهن والأعمال المختلفة المربحة، ودون اندماج مع المصريين" (6). بل إن تكاثرهم بلغ حدا أربى على تعداد المصريين أنفسهم، وبذلك صاروا عبئا على الشعب المصري، لتكالبهم على جمع المال، بالإضافة إلى روح العنصرية البغيضة التي شاعت بينهم، الأمر الذي أدى إلى كراهية المصريين حتى لقد عزا بعض المفرين قتل موسى لأحد المصريين من بعد لمثل هذه العصبية الإسرائيلية المترسبة ضد المصريين، وذلك في عهد فرعون (رمسيس الثاني).
ولقد أبوا (بنو إسرائيل) أن يندمجوا في الشعب المصري، فعزلوا أنفسهم عنه، وتواصوا فيما بينهم أن يكون لكل سبط نسله المعروف والمميز عن بقية الأسباط، وذلك حتى يضمنوا الاحتفاظ بنسبهم، اعتزازا به، وتعاليا على غيرهم، باعتبار أنهم من درية الأنبياء".
"وهذه العزلة التي عاش فيها اليهود في مصر، مع الشعور المصاحب لها، من التعالي بنسبهم..هو الذي جعل مقامهم في مصر قلقا مضطربا، وهو الذي أغرى فراعين مصر والمصريين بهم، واعتبارهم كائنا غريبا في كيانهم الاجتماعي، حتى لقد بلغ الأمر بأحد فراعين مصر أن ينزل بهم أقصى الضربات وأشد نكالا وبلاءا" (7). وقد تم ذلك في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، على يد رمسيس الثاني، فلهذا أرسل إليهم سيدنا موسى، ثالث أنبياء بني إسارئيل، بعد يعقوب وابنه يوسف، بعد الأخذ في الاعتبار أن إبراهيم الخليل أباهم الذي يفخرون بالانتساب إليه.
ويشير أحد المؤرخين الثقات إلى ما هو شائع بين الإسرائليين من تشاؤمهم تجاه الفترة التي مكثوها بمصر، فينظرون إليها على أنها إحدى المصائب التي مناهم الدهر بها، مع أن واقع الحال يخال ذلك تمام، لو أنهم كانوا عند حسن ظن المصريين بهم، فالشواهد التاريخية تقطع أنهم "لم يستفيدوا قط من هجرة في تاريخهم كله كما استفادوا من هذه الهجرة المصرية: لأنهم نعموا بالعيش الرغيد في جوار النيل، وتعلموا من آداب الحياة، وشرائط الصحة ما زاد في عددهم، وزاد في خبرتهم، بتدبير أمورهم، والدفاع عن أنفسهم" (8).
ولكنهم "بنو إسرائيل" الذين قضى ربهم أن يترواح مقامهم في هذه الدنيا بين الارتفاع حينا، والسقوط حينا آخر، ومن أجل نفسياتهم القذرة الغادرة بعث الله إليهم بأكثر من نبي، رجاء منه سبحانه وتعالى أن ينصلح ما أفسدوه من أحوالهم، وأساءوا فيه إلى غيرهم ممن آواهم، ولكن لم تفد في إصلاحهم أية رسالة من تلك الرسالات، فقد جبلوا منذ القدم على أنهم ما أن يستشعروا في أنفسهم شيئا من القوة والإمكانيات حتى يخططوا للغدر والخديعة، وإيقاع الشر بالمجتمع الذي يعيشون فيه، وتدور عليهم الدائرة في النهاية، كمنا فعل بهم فرعون مصر (رمسيس الثاني)ن فينقبضون في ثياب الخذلان حينا من الدهر، ثم يعودون لمثل عادتهم خيانة ونكرانا وهكذا..
إنه منذ نكبتهم الفرعونية على مأساتهم النازية على يد أدولف هتلر، وهم رمز لعدم العرفان بالجميل، وتحين الفرص لعض الأيادي التي تحسن إليهم؛ فقد اكتشف زعيم النازية مخططاتهم للسيطرة على ألمانيا اقتصاديا وإعلاميا، والحال أنهم ليسوا من الألمان، وأدى ذلك التخطي في مجالاته على اضطراب الأحوال في البلاد، الأمر الذي رأى معه هتلر الوطني أنه لا منقذ لألمانيا، ولا سلامة للبشرية جمعاء إلى بالإجهاز على اليهود، فأذاقهم النار في غير رحمة، وكانت أجسامهم الكريهة وقودا لها آلافا مؤلفة، وبئس المصير.
"وبين رمسيس الثاني – في مصر القديمة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد – وبين أدولف هتلر في ألمانيا في أخريات النصف الأول من القرن العشرين، وقعت مذابح كثيرة لليهود، كان اليهود هم ضحيتها، وكانوا هم سببها، بسبب نفوسهم المتعبة المريضة، التي جعلتهم يرون أنفسهم (شعب الله المختار)، ويصبون غضبهم على شعوب الأرض جميعا، إذا هي لم تقبلهم سادة لها، بالحقد والتآمر، والسيطرة على المقدرات" (9).
وهذا، ولن نذهب بعيدا، فما قامت به اليهودية في ألمانيا الهتلرية من محاولة للقبض على زمام الأمور في الدولة نلاحظه اليوم منهم في أكثر من دولة غربية، بغية السيطرة على المجالات المختلفة، لا سيما المجالات بالتالي في مستقبل الحكم لهذه الدول، خاصة بعد أن تكاثروا وتناسلوا، واكتسبوا بحكم المقام الطويل جنسية الدول التي حلوا بها.
                                                                                                                     "يتبع"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) العهد القديم: سفر التكوين – 1: الإصحاح الخامس والثلاثون: 9-12.
2) المصدر السابق: الإصحاح السابع والعشرون: 30-38.
3) يوسف: 54-56.
4) يوسف: 90-93.
5) يوسف: 99-100.
6) محمد إسماعيل إبراهيم، في "قصص الأنبياء والرسل": 89.
7) اليهود في القرآن: 11.
8) الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين ،للعقاد: 58.
9) أنبياء الله والحياة المعاصرة، للدكتور عبد الغني عبود: 79.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here