islamaumaroc

عالمية الإسلام -2-

  محمد كمال شبانة

238 العدد

والإسلام بعد هذه المبادئ الأساسية - ينظر إلى وجود الإنسان في الحياة وأعماله وأخلاقه وعلاقته الاجتماعية التي تستدعي منه الجهد و التفكير - على أنه شيء جوهري في ذاته، كما يعتبر إصلاح الإنسان كفرد، وإصلاح المجتمع الإنساني - هدفا رئيسيا من أهدافه، ويوجه الدين الإسلامي والأنظار إلى الدار الآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب كوازع يبعد النفس عن الشر والإثم، وحافز يدفعها إلى البر والتعاون، فضلا عما في فلسفة الحياة من الابتلاء حيث يجزى كل حسب عمله، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}(1).
كذلك حث الإسلام في قضاياه الرئيسية على الاستمتاع بالدنيا وخيراتها، ونهى عن التنسك والانقطاع للعبادة والتخلي عن الكسب { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}(2).
هذا، وقد أقر الإسلام فكرة الدولة والسلطان، وأمر الرسول بممارسة هذا الشأن { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله}(2)، كما أمر الإسلام المسلمين بأن يمارسوا هذا الحق بدورهم { وعد الله الذي آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم...} الآية(3)، فالآية تضمنت وعدا بالاستخلاف للمؤمنين في الأرض، وتمكينا لدينهم في أمن واستقرار، وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال إلا إذا كانت لهم دولة وسلطان بما تحمل الآية من معنى وقد باشر النبي بالفعل سلطات الدولة، فقضى بين الناس في الشئون المختلفة... عائلية ومدنية ومالية، وأقام الحدود، ونفذ الحكام، وولى العمال على الأقاليم، ونصب القواد في الحروب، وقاتل الأعداء، وفرض الجزية، ووزع الغنائم، فتوطدت بذلك الدولة، تنفيدا لما أشار به القرآن الكريم في مثل هذه الشؤون وسار الخلفاء الراشدون - ومن نهجوا نهجهم - على هذا المنوال، بعد أن فهم المسلمون أن الطاعة واحبة لأولي الأمر ورد الأمور إليهم، طبقا للآية الناطقة بهذا المعنى في إطلاق يفيد الاستمرار { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتمن تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحين تأويلا}(4).
ولقد حث الإسلام على مبادئ أساسية لضمان استقرار الدولة، وسعادة أفراد الرعية، متى تمسك حكامهم بتنفيذها، وتكفل المحكومون بالتزامها، كالمحافظة على كيان الدولة ووحدتها، والأخذ بنظام الشورى أفرادا وجماعات في كل الأمور العامة المشتركة، لاسيما منها ما يتصل بشئون الدولة، وطريق ذلك وكيفيته متروك لرئيس الدولة وأصحاب التخصصات ومن يعنيهم الأمر، وفقا لمقتضيات الظروف والأحوال وتطوراتها(5).
كما أشار الدين الإسلامي إلى أن دعائم الدولة قوامها الرجل والمرأة، كل بنصيبه الذي أهلت له طبيعته وتكوينيه الفسيولوجي، فالواجبات والحقوق بين الرحل والمرأة على السواء، وأن مسئولية المرأة وأهليتها المدنية مستقلة عن الرجل، يشمل ذلك المباحثات والمحظورات والتبعات ونتائجها مهما كانت(6).
وهكذا... لو تتبعنا مبادئ الإسلام ومعالمه في شتى شئون الحياة سياسيا واجتماعيا... فسنجدها كفيلة بتحقيق أسمى ما تصبو إليه البشرية من سعادة دنيوية وأخروية، فقد استعرضنا في عجالة أبرز الجوانب السياسية والاجتماعية في التشريع الإسلامي، والتي تعتبر نموذجا عالميا لدولة تنشد الحرية والرخاء والأمن.
يقول العقاد في هذا الصدد:
"إن هذه الخصائص الإنسانية باقية في صميم الإسلام، صامدة للحضارة العصرية، كما صمدت من قبل لحضارات العصور القديمة الأولى، فهي التي صبغت تلك الحضارات بالصبغة الإسلامية، وهي التي جعلت تاريخ العالم من القرن السادس للميلاد إلى القرن الخامس عشر تاريخ الفكر الإسلامي والآداب الإسلامية، و لم ينفصل التاريخان بعد ذلك، لأن الإسلام فقد خاصته التي لازمته عدة قرون، ولكنهما انفصلا لأن المسلمين تخلفوا عن الركب و أصبحوا غير مسلمين إلا باللقب والعنوان(7)"
الإسلام وتحديات العصر الحاضر
يرى المؤرخ توينبي، في هذا المجال أن المسلمين يواجهون حضارة العصر بنزعتين متناقضتين: إحداهما يسميها "النزعة الهيرودية" وينسبها إلى "هيرود" ملك اليهود، الذي قابل حضارة الرومان في السكن والملبس والمعيشة، والأخرى"نزعة الغلاة"، وينسبها إلى نساك إسرائيل الذين كانوا يصرون على القديم، وينكرون كل مخالفة للعادات والموروثات..
ولكن الأستاذ العقاد يعقب على "توينبي""، فيقول:
"... ولو أراد "توينبي" أن يتوسع في الأمثلة لعمم القول على الطبيعة الإنسانية، في مواجهة كل حديث ومقابلة كل تغيير" وللعقاد الحق في هذا... " فالهوادة و التشديد - كما يرى طبيعتان في النفس البشرية، تبرزان في كل عصر، تتقابلان وتتناقضان في كل دعوة، وقد ظهرت هاتان الطبيعتان في طوائف المسلمين منذ الصدر الأول للإسلام، فكان منهم أبو ذر الغفاري المتقشف المتنسك، كما كما منهم الصحابة الذين أقبلوا على معيشة الحضر واليسار..، والذين يقول المسعودي عن بعضهم: إن الثمن الواحد من متروك الزبير بلغ بعد وفاته خمسين ألف دينار، وأنه خلف ألف فرس، وألف أمة. و أن غلة طلحة من العراق بلغت ألف دينار كل يوم، وأن عبد الرحمن بن عوف كان على مربطه ألف فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف من الغنم، وأن منهم من بنى دورا بالحجاز والشام والإسكندرية(8). إلى آخر ما روي من أخبار هذا الشأن، ربما طغت المبالغة فيها على الحقائق الصحيحة والإحصاء الدقيق.
ولا نذهب بعيدا في أعماق التاريخ " فنحن في العصر الحاضر نعرف الرخصة والهوادة كما نعرف الشدة والصرامة، ونواجه الحضارة الأوروبية بالنزعتين معا، أو نتوسط بينهما، تارة مع المحافظة وتارة مع التجديد، ومن لم يتوسط منا تشبث بالمحافظة حتى الجمود أو اندفع مع التجديد".
"وأحسب أن هذه النزعات جمبعا كانت على اختلافها الذي تشهده اليوم في تاريخ كل دعوة ومواجهة كل تغيير، فهي طبيعة الناس لا تتبدل ولا تختلف مع الأزمنة بغير الصور والأشكال، وحسبنا أن ترى في الإسلام متسعا لها مع الحضارة العربية كما استع لها مع الحضارات الأولى، فإنما يعنى المسلمين من الإسلام أن يظل كما كان عقيدة إنسانية عامة، وأن يكون الإنسان مسلما حقا حتى يتشدد، ومسلما حقا حتى يترخص، فلا يقطعه الإسلام عن زمنه، ولا عن مزية من مزايا حضارته ومعارفه وصناعاته، ولا يكون المسلم الحق غريبا مع حضارة الغرب الحديث وهو لم يكن غريبا مع حضارة الفراعنة والفرس والروم".
لقد كان الإسلام عقيدة "إنسانية" ودعوة "عالمية" يوم تقطعت الأسباب بين الأمم، وتمزقت الأنساب بين بني آدم وحواء، فاليوم - والدعوة الإنسانية على كل لسان- خليق بالإسلام أن يجعلها في كل قلب، وأن ينفذ بها إلى كل ضمير(9).
يقول المستشرق تولستوي:" إن محمدا من عظماء الرجال الذين خدموا الإنسانية، فلقد هدى أمة برمتها... وفتح لها طريق الرقي والمدنية".
ويوقل برناردشو:" لا تمشي مائة عامة حتى تكون أوروبا قد أيقنت بملاءمة الإسلام للحضارة الصحيحة".
فإذا ما اتجهنا إلى محصلة قول هؤلاء المفكرين وأمثالهما فيمن يدخلون يوما بعد يوم في الإسلام من الغرب أو الشرق من غير المسلمين، فإننا نرى مثل هذه النتيجة الحتمية، فقد صدر في تونس تقرير عن المعتنقين للدين الإسلامي من الأجانب، وذلك خلال عام 1980م، ويتضمن التقرير ما يلي:
3 إسبان، 20 ألمان، 4 أمريكيين، 18 إيطاليين، 3 بريطانيين، 5 بلجيكيين، 1 بلغاري، 1روماني،1 نمساوي، 30 فرنسيا، 1 فنلندي، 2 فيتناميين،4 سويسريين، 2 هولنديين(10).
كما جاء من المملكة العربية السعودية مؤخرا أنه قام ثمانية وخمسون شخصا أجنبيا بإشهار إسلامهم في جدة، وهم عبارة عن 50 شخصا من كوريا، و6 من الفلبين، وواحد من سنغافورة، وآخر لبناني الجنسية(11)، وذلك بالإضافة إلى من سبق إسلامهم من مثل تلك الجنسيات، وتلا ذلك حتى الآن في المغرب.
كذلك ذكرت إحصائية صدرت في الإمارات العربية المتحدة عن دائرة القضاء الشرعي، أن 145 رجلا وامرأة قد أعلنوا إسلامهم في الإمارات خلال 1983م.
ومن بين هؤلاء 33 هنديان 25 من سيريلنكا، 24 فليبينيا، 12 بريطانيا، 7 لبنانيين،14 أمريكيا، 4 من باكستان، 3مصريين، 3 فرنسيين، 2 من كل من سويسرا وإسبانيا واليابان وتايلاند والسودان والنمسا وفلسطين، وواحد من كل من سوريا وألمانيا وأثيوبيا وبولندا والصومال (12).
وهكذا نلمس في نهاية هذا العرض "عالمية دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنسانيتها...".
"مسلمون في كل مكان"
تحت هذا العنوان كتب الأستاذ/ محمود مهدي في صحيفة الأهرام المصرية الصادرة يوم 21/10/1983م ما يلي: " أذاعت وكالة الأنباء الفرنسية هذا الأسبوع نبأ نشرته بعض الصحف العالمية في صفحاتها الأولى يقول إن عددا يتراوح بين ثلاثين إلى خمسين ألف فرنسي قد أشهروا إسلامهم خلال السنوات القليلة الماضية.
وأهمية هذا النبأ، كما أعتقد ويعتقد كل الذين يعملون في مجال الفكر الديني ويتابعون عن قرب الصحوة الإسلامية العالمية في الأعوام الأخيرة ترجع إلى عدة أمور، من بينها أن النبأ صحيح مائة في المائة ولا مجال للشك فيه، فلم تنشره مجلة عربية أو إسلامية حتى يمكن أن يقال شيئا من المبالغة قد لحق به، وإنما نشر في مجلة " لا كتواليتية روليجيوز" وهي أكبر مجلة كاثوليكية تصدر في فرنسا، وعنها نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إلى جميع صحف و إذاعات العالم.
ومن الأمور التي تجعلنا نولي اهتماما كبيرا بهذا النبأ، أن العدد الكبير الذي دخل في الإسلام من الفرنسيين، خلال السنوات القليلة الماضية، يمثل كافة الأوساط الإجتماعية، والإتجاهات الفكرية كما جاء في المجلة التي نشرت النبأ، وذكرت من بينهم مفكرين مثل " روجيهجارودي".. الذي ظل فترة طويلة من أنصار ماركس، وكان مناضلا كبيرا للشيوعية الدولية، و"ميشيل شود كيوتيز" عالم الدراسات الصوفية، كما ذكرت المجلة وفنانين مثل "مريس بيجار" الراقص ومصمم الرقصات، وأساتذة في الجامعات مثل "فانس مونتي" الذي كتب عددا من أعماله عن الإسلام "وبيرينوا ميشان" عالم التاريخ الكبير الذي كتب تاريخ ابن مسعود.
ليس هذا فقط، بل إن من بين الذين دخلوا في الإسلام موظفين وعمالا، وهو ما وصفته المجلة بالظاهرة الجديدة، فقد كانت الهجرة إلى الإسلام في الماضي كما ذكرت المجلة مقصورة أساسا على العسكريين الذي عايشوا الإسلام خلال حقبة كاملة من الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وكان أول هؤلاء وأبرزهم الجنرال (مينو) خليفة(كليبر)، الذي كان على رأس الجيش الفرنسي الذي بقي في مصر بعد حملة (بونابرت) في مطلع القرن الماضي.
وراحت المجلة بعد ذلك تعلق على النبأ بأن هؤلاء جميعا قد اجتذبتهم الإسلام ببساطته، وبأنه دين حي، يتسم بالقناعة و الزهد، وبما يتيحه من إمكانية التوجه إلى الله دون وسيط.
ثم تبقى الأهمية الكبرى لهذا النبأ، والتي تجعلنا نقف عنده طويلا، ونتخذه موضوع حديثنا، وهي أن هذا العدد الكبير من الفرنسيين من مختلف الأوساط الإجتماعية والفكرية يدخلون في الإسلام، وفي الوقت الذي يواجه الإسلام بحملة ضارية يشنها الآن خصومه في أوربا وأمريكا، وتفرد لها بعض الصحف العالمية العديد من الصفحات، كما يشارك فيها للأسف الشديد بالمغالطة والهجوم عدد من الهيئات العالمية والموسوعات العالمية. وقد أشرنا قبل أسابيع إلى نماذج المغالطات التي جاءت في الموسوعة الأمريكية، ونشرنا قبل ذلك بعضا من المغالطات التي جاءت في الموسوعة البريطانية.
لو وضعنا هذا النبأ بجانب هذه الحملة الضارية على الإسلام، لأدركنا على الفور ونحن والحمد لله على يقين من ذلك أن الله سبحانه وتعالى حافظ على دينه، ومظهره على الناس ولو كره الكافرون، وأنه سيظل يستقبل أتباعا جددا كل يوم، وسنقرأ أنباء عن مسلمين جدد في كل مكان إلى أن نرث الله الأرض ومن عليها.
هذا، وقد صدر مؤخرا مؤلف للكاتب الأمريكي ما يكل هارت بعنوان " الخالدون مائة، أعظم محمد رسول الله"، وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة عالمية شرقا وغربا، وذلك لكون المؤلف ليس مسلما، ولا يعرف إن كان نصرانيا أو يهوديا أو ملحدا، ومع هذا فقد وضع اسم محمد صلى الله عليه وسلم في أول القائمة مع الخالدين، بعد أن استعرض الرجال العظماء في التاريخ، فوجد أن أعظم وأخلدهم بكل المقاييس هو النبي الأمي محمد رسول الله.
ولما كان أساس الاختيار عند هذا الباحث لهؤلاء العظماء هو ما تتمتع به الشخصية من عبقرية، إضافة إلى الأثر الذي خلفه، ومدى هذا الأثر اتساعا و عمقا...
وطبقا لهذه المقاييس في نظر المؤلف فقد رأى أن محمدا رسول الله أعمق هؤلاء المائة وأبعدهم أثرا..، يقول ناشر هذا الكتاب بعد أن ترجمه الأستاذ أنيس منصور - كتصدير  له: " ... وإنه لم يحدث في التاريخ أن اكتمل دين بكل عناصره الفلسفية والأخلاقية والتشريعية سوى الإسلام، وأن هذا الدين قد كمل تماما في حياة صاحب الدعوة إليه، وأن الدين قد انتصر في حياته، واتسع بعد وفاته حتى أصبح المسلمون 900 مليون في جميع أنحاء العالم".
وإنه ليجدر بنا في مناسبة هذا البحث، واستكمالا لكافة الموضوع، واستيفاء لما يتصل به بأقلام الآخرين، ولاسيما منهم أولئك الذين درسوا الإسلام وهم من غير المسلمين، وتخص منهم بالتنويه من أنصفوه، واعترفوا بفضل صاحب الدعوة عليه السلام، بل رفعه بعضهم إلى قمة العظماء الخالدين.
لكل هذا نورد النص الكامل لما كتبه ذلك الأمريكي ما يكل هارت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، في صدد كتابه "الخالدون مائة، أعظمهم محمد رسول الله".
1- محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ( 570-632م)
لقد اخترت محمدا صلى الله عليه وسلم، في أول هذه القائمة، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك. ولكن محمدا عليه السلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي.
وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات، وأصبح، قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا. وبعد 13 قرنا من وفاته فإن أثر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو قد ولد سنة 570 ميلادية في مدينة مكة جنوب شبه الجزيرة العربية في منطقة متخلفة من العالم القديم، بعيدة عن مراكز التجارة والحضارة والثقافة والفن.
وقد مات أبوه وهو لم يخرج بعد إلى الوجود. وتوفيت أمه وهو في السادسة من عمره، وكانت نشأته في ظروف متواضعة، وكان لا يقرأ ولا يكتب.
ولم يتحسن وضعه المادي إلا في الخامسة والعشرين من عمره عندما تزوج أرملة غنية.
ولما قارب الأربعين من عمره... كانت هناك أدلة كثيرة على أنه شخصية فذة بين الناس.
وكان أكثر العرب في ذلك الوقت وثنيين، يعبدون الاصنام، وكان يسكن مكة عدد قليل من اليهود والنصارى، وكان محمد صلى الله عليه وسلم على علم بهاتين الديانتين.
وفي الأربعين من عمره امتلأ قلبه إيمانا بأن الله واحد أحد، وأن وحيا ينزل عليه من السماء، وأن الله قد اصطفاه ليحمل رسالة سامية إلى الناس.
وأمضى محمد عليه الصلاة والسلام ثلاث سنوات يدعو لدينه الجديد بين أهله وعدد قليل من الناس.
وفي 613 ميلادية أذن الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يهاجر بالدعوة إلى الدين الجديد، فتحول قليلون إلى الإسلام.
وفي 622 ميلادية هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وهي تقع على مدى 200 كيلومتر من مكة المكرمة، وفي المدينة المنورة اكتسب الإسلام مزيدا من القوة، واكتسب رسوله عددا من الأنصار.
وكانت الهجرة إلى المدينة المنورة نقطة تحول في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا كان الذين اتبعوه في مكة قليلين فإن الذين ناصروه في المدينة كانوا كثيرين، وبسرعة اكتسب الرسول والإسلام قوة ومتعة، وأصبح محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأعمق اثرا في قلوب الناس.
وفي السنوات التالية، تزايد عدد المهاجرين والأنصار، واشتركوا في معارك كثيرة بين أهل مكة من الكفار، وأهل المدينة من المهاجرين و الأنصار.
وانتهت كل هذه المعارك في سنة 630 بدخول الرسول منتصرا إلى مكة.
وقبل وفاته بسنتين و نصف السنة شهد محمد صلى الله عليه وسلم الناس يدخلون في دين الله أفواجا..، و لما توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان الإسلام قد انتشر في جنوب شبه الجزيرة العربية.
وكان البدو من سكان شبه الجزيرة مشهورين بشراستهم في القتال، رغم أنهم قليلو العدد، ولم تكن لهم قوة أو سطوة العرب في الشمال الذين عاشوا على الأرض المزروعة.
ولكن الرسول استطاع لأول مرة في التاريخ، أن يوحد بينهم و أن يملأهم بالإيمانن وأن يهديهم جميعا بالدعوة إلى الله الواحد، ولذلك استطاعت جيوش المسلمين الصغيرة المؤمنة أن تقوم بأعظم غزوات عرفتها البشرية، فاتسعت الأرض تحت أقدام المسلمين من شمالي شبه الجزيرة العربية، وشملت الإمبراطورية الفارسية على عهد الساسانيين وإلى الشمال الغربي، واكتسحت بيزنطة والإمبراطورية الرومانية الشرقية.
وكان العرب أقل بكثير جدا من كل هذه الدول التي غزوها وانتصروا عليها. وفي 642 م انتزع العرب مصر من الإمبراطورية البيزنطية، كما أن العرب سحقوا القوات الفارسية في موقعة القادسية في 637 م وفي موقعة نينوي في 642م وهذه الانتصارات الساحقة في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لم تكن نهاية الزحف العربي والمد الإسلامي في العالم.
ففي 711 اكتسحت القوات الإسلامية شمال إفريقيا حتى المحيط الأطلسي، ثم اتجهت القوات الإسلامية بعد ذلك إلى مضيق جبل طارق، وعبروا إلى إسبانيا، وساد أوروبا كلها شعور في ذلك الوقت بأن القوات الإسلامية تستطيع أن تستولي على العالم المسيحي كله.
ولكن في 732 وفي موقعة تور بفرنسا، انهزمت الجيوش الإسلامية التي تقدمت إلى قلب فرنسا.
ورغم ذلك فقد استطاع هؤلاء البدو المؤمنين بالله وكتابه ورسوله أن يقيموا امبراطورية واسعة، ممتدة من حدود الهند حتى المحيط الأطلسي، وهي أعظم امبراطية أقيمت في التاريخ حتى اليوم، وفي كل مرة تكتسح هذه القوات بلدا، فإنها تنشر الإسلام بين الناس.
ولم يستقر العرب على هذه الأرض التي غزوها، إذ سرعان ما انفصلت عنها بلاد فارس، و إن كانت قد ظلت على إسلامها، وبعد سبعة قرون من الحكم العربي لإسبانيا والمعارك المستمرة، تقدمت الجيوش المسيحية فاستولت عليها وانهزم المسلمين.
أما مصر والعراق مهدا أقدم الحضارات الإنسانية فقد انفصلتا، ولكن بقيتا على دين الإسلام. وكذلك كل شمال إفريقيا.
وظلت الديانة الجديدة تتسع على مدى القرون التالية، فهناك مئات الملايين في وسط إفريقيا وباكستان و أندونيسيا.
بل إن الإسلام قد وحد بين أندونيسيا المتفرقة الجزر والديانات الأخرى واللهجات، وفي شبه القارة الهندية انتشر الإسلام وظل على خلاف مع الديانات الأخرى.
والإسلام مثل كل الديانات الكبرى.. كان له أثر عميق في حياة المؤمنين به، ولذلك فمؤسسات الديانات الكبرى ودعاتها موجودون في قائمة المائة الخالدين، ربما بدا شيئا غريبا حقا.. أن يكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في رأس هذه القائمة، رغم أن عدد المسيحيين ضعف عدد المسلمين، وربما بدا غريبا أن يكون الرسول عليه السلام هو رقم واحد في هذه القائمة، بينما عيسى عليه السلام هو رقم 3 وموسى عليه السلام رقم 12.
ولكن لذلك أسباب: من بينها أن الرسول محمدا صلى الله عليه و سلم قد كان جوره أخطر وأعظم في نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى عليه السلام في الديانة المسيحية، وعلى الرغم من أن عيسى عليه السلام هو المسئول عن مبادئ الأخلاق في المسيحية، وهو أيضا المسئول عن كتابة الكثير مما جاء في كتب " العهد الجديد".
أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الإجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده وفي القرآن الكريم وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم و آخرتهم.
والقرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملا، وسجلت آياته وهو مايزال حيا وكان تسجيلا في منتهى الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد، وليس في المسيحية شيء مثل ذلك، فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعليم المسيحية يشبه القرآن الكريم، وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق، ولذلك كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى عليه السلام على الديانة المسيحية.
فعلى المستوى الديني كان أثر محمد صلى الله عليه وسلم قويا في تاريخ البشرية، وكذلك كان عيسى عليه السلام.
وكان الرسول عليه السلام - على خلاف عيسى عليه السلام - رجلا دنيويا، فكان زوجا و أبا، وكان يعمل في التجارة، ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب، ويمرض، ثم مات.
ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قوة جبارة فيمكن أن يقال أيضا إنه زعيم سياسي عرفه التاريخ.
وإذا استعرضنا التاريخ.. فإننا نجد أحداثا كثيرة من الممكن أن تقع دون أبطالها المعروفين .. مثلا : كان من الممكن أن تستقل مستعمرات أمريكا الجنوبية عن إسبانيا دون أن يتزعم حركاتها الإستقلالية رجل مثل سيمون بوليفار .. هذا ممكن جدا، على أن يجيئ بعد ذلك أي إنسان ويقوم بنفس العمل .
ولكن من المستحيل أن يقال ذلك عن البدو ..وعن العرب عموما وعن امبراطوريتهم الواسعة .دون أن يكون هناك محمد صلى الله عليه وسلم ..، فلم يعرف العالم كله رجلا بهذه العظمة قبل ذلك ، وما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الإنتصارات الباهرة بغير زعامته وهدايته وإيمان الجميع به.
ربما ارتضى بعض المؤرخين أمثلة أخرى من الغزوات الساحقة، كالتي قام بها المغول في القرن الثالث عشر، والفضل في ذلك يرجع إلى جنكيز خان، ورغم أن غزوات جنكز خان كانت أوسع من غزوات المسلمين فإنها لم تدم طويلا..، ولذلك كان أثرها أقل خطرا وعمقا.
فقد انكمش المغول، وعادوا إلى احتلال نفس الرقعة التي كانوا يحتلونها قبل ظهور جنكيز خان.
وليست كذلك غزوات المسلمين.. فالعرب يمتدون من العراق إلى المغرب، وهذا الإمتداد يحتوي دولا عربية، لم يوحد بينها الإسلام فقط، ولكن وحدت بينها اللغة و التاريخ والحضارة. ومن المؤكد أن إيمان العرب بالقرآن.. هذا الإيمان العميق هو الذي حفظ لهم لغتهم العربية وأنقذها من عشرات اللهجات الغامضة. صحيح أن هناك خلافات بين الدول العربية، وهذا طبيعي، ولكن هذه الخلافات يجب ألا تنسينا الوحدة المتينة بينها.
مثلا: لم تشترك إيران المسلمة وأندونيسيا المسلمة في فرض حظر البترول على العالم الغربي فيما بين 1973 و1974، بينما نجد أن الدول العربية البترولية قد شاركت جميعا في هذا الحظر.
وهذا الموقف العربي الموحد يؤكد لنا أن الغزوات العربية التي سادت القرن السابع، ما يزال دورها عميقا وأثرها بليغا في تاريخ الإنسانية حتى يومنا هذا.
فهذا الإمتزاج بين الدين والدنيا هو الذي جعلني أومن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو أعظم الشخصيات أثرا في تاريخ الإنسانية كلها".

____________
1)المائدة:48.
2) المائدة87-88.
3) النساء 103.
4) النساء:58. 
5)محمد عزة دروزة، في "الدستور القرآني في شئون الحياة"(المقدمة).
6) المصدر السابق. 
7) العقاد في "الإسلام و الحضارة الإنسانية" ص40.
8) نفس المصدر ص62.
9) المصدر السابق، ص62.
10) مجلة دعوة الحق المغربية (عدد 8 سنة 17).
11) صحيفة الشرق الأوسط "العدد 1106 السنة الرابعة.....
12) المصدر السابق (العدد 1886ـالسنة السادسة الصادر في 27/1/1984م).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here