islamaumaroc

الشعر الإسلامي بواعثه وظواهره

  عبد العزيز الساوري

238 العدد

إذا رجعنا إلى أقوال الباحثين والدارسين في تعليل بداية ضعف الشعر الإسلامي – أكانت قبيل الإسلام أم بعده ؟ - ألفيناها تتلخص فيما يلي :
أ - يقول د. عبده بدوي : " نذكر أننا إذا تتبعنا الشعراء زمنيا ابتداء من القمم كامرئ القيس إلى من يطلق عليهم مصطلح الشعراء المخضرمين نجد أن هناك خط انكسار كلما اقتربنا من الإسلام، ذلك لأنه كان قد ساد ضعف عربي عام، ساد الجزيرة العربية، فقد وصل الأمر إلى حد أن الأحباش لم يخل لهم وجه الجنوب فقط ، وإنما رأيناهم يهددون مكة نفسها ، وكلنا يذكر مقولة عبد المطلب : ( أما الإبل هي لي ، وأما البيت فله رب يحميه ) ، وما نعرفه أن خلاص مكة من هذا الزحف القادم من الجنوب كان سماويا ، ومن تم كان صوت الشعر واهنا في هذه الفترة ، ثم حين جاء الإسلام كان لا بد من فترة لاستيعاب قيمه الروحية الكبرى، ولقد وضع الشعراء في أزمة حقيقية ، فبعضهم- كلبيد- صمت وعكف على القرآن، وبعضهم – كالأعشى- تمزق وسهل إغراؤه بالانصراف عن الإسلام ، بعد أن كان قد احتشد له ، وقال قصيدة في النبي، وبعضهم قد واصل رحلته في ظل الإسلام كحسان بن ثابت مع ملاحظة أن عملية التحول الشعري عنده كانت بطيئة، ونظرة إلى مدحه للنبي عليه الصلاة والسلام تؤكد أنه في كثير الأحيان كان ينظر إليه في ضوء المفاهيم القديمة عن الملوك وكبار القوم، فالأضواء الروحية لا تبرق بفرح في قصائده، والحديث عن السماء يقل عن الحديث عن الأرض . المهم أن قضية ضعف الشعر كانت سابقة على مجيء الإسلام وواصلت السير، ولعل مقولة الفرزدق التي جاءت في كتاب ( الموشح- في مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر-) للمرزباني ( ت 384ه ) توضح هذا ، فهي تقول : ( .. أن الشعر كان جملا بازلا عظيما ، فأخذ امرؤ القيس رأسه ، وعمرو بن كلثوم سنامه ، وعبيد بن الأبرص فخذه ، والأعشى عجزه ، وزهير كاهله ، وطرافة كركرته ، والنابغتان جنبيه، وأدركناه ولم يبق إلا المذارع والبطون، فتوزعناه بيننا..) (1)، ثم إنه يجب ألا يغيب عنا أن الهدف من الشعر قد تغير- وهو في تغيره قد ابتعد عن بعض خصائصه، فبعد أن كان الشعر عملية إبداع تستمد وجودها من الحياة، أصبح عملية أخلاقية تستمد كيانها من الدين، وإذا كنا نعرف هذا الموقف بوضوح عند الخليفة عمر إلى حد التعامل مع البعض بالضرب، والسجن، والنفي، فإن هذا الموقف ينسحب على الكثيرين ، على حد ما نعرف من مجالس تغلب، فقد حكي أن معاوية قال لعبد الرحمن بن الحكم بن
العاص : ( يا ابن أخي ، إنك شهرت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فإنك تغر الشريفة في قومها ، والعفيفة في نفسها والهجاء ، فإنك لا تعدو أن تعادي كريما أو تستشير به لئيما. ولكن أفخر بمآثر قومك ، وقل من الأمثال ما توفر به نفسك ، وتؤدب به غيرك )(2).
وهكذا نحس أن الحلقة قد ضاقت على الشعراء ، وليس معنى هذا أننا نعفيهم من المسؤولية ، ذلك لأن الإسلام لم يدر ظهره للحياة العاطفية ، بل أنه في كثير من الأحيان كان يستثير العواطف ، ثم أنه وسع عليهم الحياة ، فبعد أن كانوا أسرى الجزيرة أعطاهم مسؤولية عن العالم ، بالإضافة إلى مساحات سماوية زرقاء بلا نهاية ومساحات مادية بلا حدود داخل النفس، ثم إنهم على الرغم من كل شيء كانوا يستطيعون أن يقولوا كلمتهم ، ولكنهم استكانوا وآثروا العافية ، مع استثناء لنموذج يكاد يكون واحدا ،ومن المفارقات أن هذا النموذج يكاد يكون واحدا ، ومن المفارقات أن هذا النموذج وجد في عهد عمر بن الخطاب على حد ما نعرف من لجوء حميد بن ثور إلى الكناية والرمز ، ذلك لأن الخليفة حين أمر بعدم التشبيب رأيناه يحول أشواقه إلى شجرة لها حارس شديد ، وكان يعني بهذا امرأة يحبها ، وزوجها يغار عليها (3) : ( من الطويل)
أبى الله إلا أن سرحة مالك  على كل أفنان العضاة تروق
فقد ذهبت عرضا وما فوق طولها من السرح إلا **وسحـوق
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه  ولا **من برد العشي تذوق
فهل الظل من برد الضحى تستطيعه ولا **من برد العشي تذوق
فهل أنا أن عللت نفسي بسرحة  من السرح موجود على طريق
كما أن له قصيدة أخرى لجأ فيها إلى الرمز
جاء فيها (4) ( من الطويل ) :
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة  دعت ساق حر ترحة وترنما
مطوقة طوقا وليست بحلية   ولا ضرب صواغ بكفيه درهما
وعلى كل فما نؤكده هو أن الإسلام فتح مجالات عديدة داخل النفس وخارجها ، وقد كان يمكن لشعراء صدر الإسلام أن يتخذوها قاعدة " للإرسال " ، ومازالت هذه القاعدة قابلة للإرسال ، ولكن الشعراء كما قلنا استكانوا وآثروا العافية ، وقعد بهم الطموح عن السباحة في البحار الكبيرة ، والسموات الكبيرة * " (5).
ب - وقريب من هذا الرأي ما ذهب إليه د. عبد القادر القط ، فهو يقول : " أن ذلك الضعف الذي لاحظناه على الشعر الإسلامي كان قد بدأ في الحقيقة قبيل الإسلام لا بعده. كان قد انقضى عصر " الفحول " ولم يبق منهم إلا الأعشى الذي مات – كما تقول الرواية- وهو في طريقه إلى النبي ليمدحه ويعلن إسلامه ، ولبيد الذي كان قد بلغ الستين وأوشك أن يكف عن قول الشعر، ولم يبق عند ظهور الإسلام إلا شعراء مقلون ، بعضهم مجيد في قصائد مفردة ولكنهم لا يبلغون **هؤلاء " الفحول" .. كان هؤلاء الشعراء الكبار بتجوالهم في أرجاء الجزيرة العربية وارتباطهم بتجمعاتها الكبيرة قد أسهموا بنصيب كبير في خلق شعور قومي – وأن يكون غير واضح ومحدد – بين قبائل العرب الكبرى ، وفي تأصيل كثير من القيم الأخلاقية والإجتماعية اللازمة لنشأة أي شعب متماسك متحضر، وفي التمكين للغة عربية عامة تعلو على سائر اللهجات وتصبح قادرة على التعبير عن مقومات ذلك الشعب وحضارته التي كانت توشك أن تنبثق من ظهر الغيب .. وكأنما فرغ هؤلاء " الفحول " من تلك الرسالة الحضارية قبيل الإسلام فانقضى جيلهم وظل المجتمع العربي بضع سنوات ينتظر رسالة من نوع جديد نحقق للعرب تلك الوحدة التي كانت كثير من مظاهر الحياة في الجزيرة العربي تنبئ بها ، وتستخدم تلك اللغة التي مكن لها هؤلاء الشعراء في الأرض لكي تحمل قيمها الروحية والحضارية الجديدة ... " (6) .
ج- ويرى د. نجيب محمد البهبيني أن الشعر: " كان قد أخذ في العهد السابق للإسلام مباشرة يتجه إلى نحو من التفكير جار حول العقائد والدين. والشعر إنما يذهب هذا المذهب في طور شيخوخته، فأرخصه ذلك، وأوقفه موقف المخالفة
في الإسلام من ناحية أخرى.. وبذلك ذهب مع عصر التقلل ملوك الشعر الذين كانوا أثرا من آثار عهد النضج الفني ، وخلاصة عظمى لأزهر مقاييسه " (7).
د- وعند د. سامي مكي العاني أن : " القول بأن الضعف قد بدأ قبل الإسلام فيه تعميم ، فحسن وكعب بن زهير ولبيد والعباس بن مرداس والحطيئة والهذليون وغيرهم من المخضرمين، ومن تلاهم في العصر الأموي من الفحول المعروفين كلهم شاركوا في النهضة الشعرية التي امتدت بعد الإسلام ولم تنقطع أو تفتر" (8).
فأين الصواب في هذه الآراء ؟
" ضعف الشعر العربي في صدر الإسلام " يعني وضع تاريخ ضعفه داخل الحقبة الإسلامية ، لأنه لو كان قبل الإسلام لكانت الظاهرة تنصب على الشعر الجاهلي في أعوامه الأخيرة، فيكون العصر الإسلامي، مثلا امتدادا لهذا الضعف الذي لحق العصر الذي سبقه، فإن كانت الظاهرة تعني ضعف الشعر الجاهلي فما علاماته؟ لقد كان لبيد والأعشى وقيس بن الخطيم وحسان بن ثابت والخنساء ، من المبرزين في تلك الحقبة، ومن الذين أدركوا ظهور الإسلام . ولا ننس الرواية  القائلة أن الأعشى وحسان ابن تابث والخنساء أنشدوا بين يدي النابغة ي عكاظ ، فإن دلت الرواية على شيء، سواء صحت أم لم تصح ، فإنها تدل على أن الثلاثة كانوا من كبار شعراء الجاهلية في طورها الآخير، إن لم يكونوا كبارهم على الإطلاق. فإذا أضفنا زهيرا الذي قاربت أعوامه الآخيرة ظهور الإسلام، وابنيه كعبا وبجيرا وبقية الشعراء المخضرمين كالحطيئة وربيعة بن مقروم الضبي ومتمم ومالك ابني تويرة وآخرين كثيرين، وجدنا تلك الحقبة أبعد ما تكون عن الضعف أو بدئه.
نأتي الآن إلى العصر الإسلامي ، ولا نريد أن تعالج بدء عصره الأدبي ، فوضع فواصل زمنية محددة للعصور الأدبية ، على غرار حوادث التاريخ السياسي وقيام الدول وسقوطها ، أمر لا مسوغ له ، وقد ينأى بالباحث عن كثير من الدقة ويسلك* طرقا لا تخلو من الإلتواء والشطط .
ونوجز فنقول : أن الرقعة الأدبية الواسعة لم تتأثر كثيرا بظهور الإسلام بمكة ، طوال السنين التي سبقت الهجرة الشريفة . فالبلاد العربية- ماعدا مكة- كانت امتدادا للجاهلية في كثير من مظاهرها، ومن النشاط الأدبي وحياة القبائل ، وما تعنيه تلك في العلائق المختلفة .
أما الشعر بعد الهجرة فقد شارك كثيرا في الحياة العامة، وقد نجد حركة جديدة في الشعر لم يشهدها الحجاز من قبل. ويحق لنا أن نقول أن الشعر، بعد الهجرة ، كان أقوى منه في الجاهلية ، في تلك البيئة التي انتظمت مكة والمدينة ، إبان صراعها المتعدد الجوانب . إن الإسلام في تلك الحقبة لم يغض من الشعر، بل التمس سلاحا فعالا، مع أسلحته الكثيرة في الدعوة وميادين القتال، أضف إلى ذلك أن الشعر كان جزء من الإعلام الإسلامي في مواجهة أنشطة القبائل العربية الأخرى خارج هاتين المدينتين ، وتحديها ، كما حدث بين شاعر وفد تميم وحسان بن ثابت ، واعتراف الوفد بتفوق شاعر الرسول على شاعرهم .
إذن متى ضعف الشعر؟
لابد من ملاحظة عابرة نقولها هنا، وكان حقها أن تقال في فاتحة هذا المبحث، وهي خطأ المقايسة والموازنة بين العصور الثلاثة : الجاهلي والإسلامي والأموي . فالعصر الجاهلي قد يمتد إلى أكثر من مائة وخمسين عاما، والعصر الأموي يقارب قرنا من الزمان. أما الإسلامي فحوالي نصف قرن، وإذا أسقطت أعوام الدعوة في مكة فإننا نجده لا يمتد إلا إلى أربعين عاما (9). فالمقايسة بين العصور الثلاثة، مع نسيان هذا الفارق الزمني، تنتج انطباعا بضعف العصر الإسلامي وهو انطباع يوحي به قصر المدة لا فقرها لو ضعفها في الإنتاج الأدبي. وليس الخطأ في العصر العاصف السريع بقدر ما هو في الحساب والمقايسة .

ولكن مؤرخين ونقادا يصرون على ضعف الشعر الإسلامي، فإذا أسمحنا لأنفسنا بمجاراتهم فليست ظاهرة الضعف من إنتاج أواخر العصر الجاهلي بعد الهجرة إلى ما قبل وفاة الرسول الكريم، كما مر بنا آنفا، وإنما بعد وفاة الرسول حين شغل المسلمون بحروب الردة، أولا، ثم حين عبثوا في جيوش مجاهدة خرجت من الجزيرة في جهادها الطويل المتواصل، ثانيا.
هنا قد يجد المرء انشغالا حقيقيا عن كل شيء بالجهاد والفتوح، ولعل تلك الأعوام هي التي قسمت أوقات المسلمين بين خوض المعارك نهارا ، والتهجد بالقرآن الكريم ليلا، وبدا أن ليس من فراغ لقول الشعر أو الاستماع إليه. ولا يعني هذا خلو الفتوح الأولى من الشعر ، فقد تجد شعرا كثيرا ولكنه لا يبلغ مقدار ما كان عليه ، قبل ذلك . وقد يكون ذلك العهد ، إذا أصر أولئك المؤرخون والنقاد على رأيهم ، العهد الذي يحسن أن يلتمس عنده بدء ضعف الشعر الإسلامي ، حتى إذا جاء ما يسمى ب" الحرب الأهلية " التي بدأت بمقتل الخليفة عثمان ، وجدنا الشعر ينشط ثانية ليهيئ لازدهاره الغريب في العصر الأموي.

_______________
1 - ص : 553 ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار نهضة مصر 1965م.
2 - العقد الفريد – ابن عبد ربه ( ت 328 ه ) ج 5 ص : 281، منشورات دار الكتاب العربي- بيروت 1402هـ-1982م.
3 - كتاب الأغاني – أبوالفرج الأصبهاني ( ت 356 ه ) ج 4ص : 356-357 ( مصور عن طبعة دار الكتب ) مؤسسة جمال للطباعة والنشر- بيروت ( بلا تاريخ )، والإستيعاب في أسماء الأصحاب : ابن عبد البر (ت 463ه ) ج 1ص : 368 دار الفكر- بيروت 1398ه – 1978م .
4 - ديوان حميد بن ثور الهلالي . تحقيق عبد العزيز الميمني. نشر دار الكتب المصرية 1951 ص 7.
5 - "قضايا حول الشعر" – مجلة ( الشعر ) القاهرة- العدد 28- السنة السابعة أكتوبر 1982 ذو الحجة 1402ه ص : 8-10. 
6 -  في الشعر الإسلامي والأموي . دار النهضة العربية – بيروت 1979 ص : 13 – 14، وفي رسالة شخصي أرسلها إلي د. عبد القادر القط مؤرخة في القاهرة  2/10 /1983 يؤكد مرة أخرى رأيه هذا الذي مر بنا في بداية ضعف الشعر الإسلامي ، فيقول : " أن الشعر العربي كان قد ( ضعف) قبيل الإسلام باختفاء (الفحول) الذين كانوا قد أدوا رسالة كبيرة بإشاعة لغة مشتركة بين العرب وتمجيد طائفة من القيم الأخلاقية المشتركة بينهم " ، ص: 1-2.
7 -  تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري ، ص : 114، مكتبة الخانجي – القاهرة ، دار الكتاب العربي – بيروت- الطبعة الثالثة 1387هـ –  1967 م.                                                           
8 -  الإسلام والشعر ص: 25 ، سلسلة ( عالم المعرفة ) رقم 66 – شعبان- رمضان 1403ه/ يونيو1983 ، المجلس الوطني
9 -  دراسات  في الشعر العربي ( تحليل لظواهر أدبية وشعراء ) – د. محمد مصطفى هدارة ، الجزء الأول ص : 23- دار المعرفة الجامعية- الإسكندرية 1982.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here