islamaumaroc

المادية والصراع

  إبراهيم دسوقي أباظة

238 العدد

هل صحيح أن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع حول المادة....
وهل صحيح ما يدعيه ماركس من أن مطالب الإنسان تنحصر في ثلاثة: الغذاء والكيمياء والإشباع الجنسي.
هل صحيح أن حول هذه الأمور تصطرع البشرية من قدم ... ومن أجلها تتوالى الأنظمة ... من الرق إلى الإقطاع إلى البورجوازية ... إلخ .
يقول ماركس " إن الطاحونة تعطينا مجتمع الأسياد الإقطاعيين بينما تعطينا آلة البخار مجتمع الرأسماليين الصناعيين " .
وهكذا يتناسب مع كل نمط من أنماط الإنتاج ، نمط من أنماط المجتمع ...
والانتقال من نمط إلى آخر لا يكون إلا بصراع شاق مرير ينتهي بفوز طبقة على طبقة .. واستيلائها على مقاليد السلطة في المجتمع ..
فبالأمس دار الصراع عنيفا بين الإقطاع والبورجوازية وانتهى بفوز الأخيرة.. واليوم ينشب صراع جديد بين البورجوازية والبرولتارية ..
وهذا الصراع لابد وأن ينتهي بانتصار البروليتاريا واستيلائها على مقاليد الحكم .
ومناط البحث هو ذلك الصراع الذي يدعيه ماركس بين ما أسماه : بالطبقات ..
هل هذا الصراع حقيقة واقعة يمكن على ضوئها تفسير تاريخ البشرية..
وهل سبب هذا الصراع هو الإشباع الحسي من غذاء إلى كساء إلى إشباع جنسي .
حقيقي أن التاريخ الإنساني يعرف صراعا بين الفئات الإجتماعية ... ولكنه يعرف أيضا وفاقا بين الفئات الإجتماعية ...
فإذا صح القول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع بين الطبقات ، فإنه يصح القول أيضا بأن تاريخ البشرية تاريخ الوفاق بين الطبقات...
فكما اصطرعت فئات أو طبقات حول وسائل العيش المادية ... وحاولت إدراك أهدافها بالوسائل الدموية... فقد اتفقت فئات أو طبقات وحاولت إدراك أهدافها بالطرق السليمة...
هذا الوفاق والاتفاق اللذان ميزا البشرية لفترات طويلة من تطورها... لم يعترف بهما ماركس ومن تبعوه ... ولم يتصوروا لحظة إمكانية قيام هذا الوفاق والاتفاق بين الفئات الاجتماعية في المستقبل ... وهكذا جاءت نظريته وتنبؤاته نكرنا لواقع اجتماعي لا يمكن نكرانه وهو واقع الوفاق والاتفاق الذي يطبع كل مجتمع بشري ينبض بالحركة والحياة ...
ولنا أن نتسائل - من زاوية أخرى- إن كان صراع الإنسان يدور فقط حول المادة وينشب فقط بسببها ؟؟ .
يؤكد ماركس أن أساس الصراع هو المادة.. هو الواقع المادي الذي يعيش عليه المجتمع .
هذه النتيجة يرفضها لأن العلم لا يقبل رد التغيير إلى عامل واحد وهو الواقع المادي للمجتمع إنما ينسب التغيير إلى العديد من العوامل المادية والمعنوية، ومن هنا لا تنحصر اهتمامات الإنسان في نطاق ما هو مادي ضروري للحياة فقط ، ولكنها ترقى إلى ما هو معنوي أيضا...
فكما تنصرف اهتمامات الإنسان بضرورات الحياة المادية من غذاء وكساء إلخ ... تنصرف أيضا إلى ضرورات الحياة المعنوية من مشاعر المحبة والتعاطف والتراحم إلخ ...
فالإنسان لا يحيا بالخبز فقط ... إنما يحيا أيضا بتلك الأمور المعنوية التي تشكل جانبا له خطره من حياته...
فلو كان الإنسان كما فقط لحلت جميع المشكلات الإنسانية... ولكن الإنسان كيف أيضا يتسم بالروح والمدارك والمشاعر.
ومن هنا يصعب حصره في نطاق المادة.. وربطه في أسارها على نحو لا يخرج عنه ولا يحيد ..
ألم يقاتل الإنسان ... منذ الأزل من أجل قيم أخرى غير تلك القيم المادية .
الحروب الدينية هل كانت صراعا حول المادة ومن أجلها؟
لا.............
الحروب الإسلامية لم تندلع من أجل المادة ... والذين قاتلوا واستشهدوا في هذه الحروب لم يقاتلوا ولم يستشهدوا من أجل المادة ، إنما من أجل إعلاء قيمة روحية يؤمنون بها ... يعيشون لها ويموتون في سبيلها.
وإذا كان ماركس ومن تبعوه يتهمون قادة هذه الحروب باستغلال الدين من أجل تحقيق مآرب مادية فإن هذا الاتهام لن يغير من الواقع شيئا.. وهو أن القواعد العريضة لم تكن تقاتل...ولم تكن تستشهد من أجل جاه أو من أجل كسرة خبز... وإنما كانت تقاتل وتستشهد في سبيل الله...وفي سبيل نصرة دين الله .
إن التاريخ البعيد والقريب يقدم لنا العديد من النماذج لأفراد وشعوب ** من أجل إعلاء قيمة روحية ...أو نشر دين ... أو الدفاع عن شرف ....
بل إن صراعات من هذا النوع كانت السمة المميزة للبشرية لعصور ما قبل طغيان المادة أي قبل عصور الرأسمالية " الحرة "  والإشتراكية  " العلمية " ولم يتحول صراع إلى قتال من أجل المادة وحدها سوى على يد الفلسفات المادية من ليبرالية إلى ماركسية .
فهذه الفلسفات قد عزلت الإنسان عن روابطه الروحية وحصرته في إطار المادة فجعلت لها من حياته مكانا طاغيا يناهض إنسانيته....
ونحن لا ننكر ضرورة المادة ولزومها للحياة ... ولكننا ننكر أنها العامل الوحيد المتحكم في حياة البشر... وننكر  أنها السبب الوحيد الذي من أجله يصطرع البشر.
فهذه الجبرية المادية التي يقول بها ماركس ومن تبعوه ... لا تنهض سببا كافيا لتغيير مراحل الصراع الإنساني ... لأن بذور هذا الصراع كما يمكن أن تكون في المادة يمكن أن تكون في الروح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here