islamaumaroc

مظاهر النهضة الحديثية في عهد يعقوب المنصور الموحدي في المكتبة المغربية، لعبد الهادي الحسيسن

  محمد بركاز

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

صدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وتحت إشراف اللجنة المشتركة لإحياء التراث الإسلامي بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية بتاريخ : 1403 هـ  - 1983 م كتاب:"مظاهر النهضة الحديثية في عهد يعقوب المنصور الموحدي"
(554 – 595 هـ) (1159 – 1198 م)
لمؤلفه : الأستاذ السيد عبد الهادي الحسين الأستاذ بكلية أصول الدين بتطوان.
والكتاب في أصله عبارة عن رسالة تقدم بها المؤلف لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية بالرباط سنة 1980م.
جاء في تصدير هذا الكتاب من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية : «والكتاب يعد بحق مظهرا من مظاهر النهضة الحديثية، عالج فيه مؤلفه بذكاء وروية وصدق، العصر الموحدي والأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية السائدة في هذا العصر..." ص : 7 من الكتاب.
وعن أهمية الكتاب في موضوعه ومضمونه جاء لمقدمه الدكتور السيد عبد الهادي التازي :
"إن الأستاذ الحسين درس في كتابه هذا أمم فترة من فترات تاريخ نهضة المغرب العلمية، وخصوصا الحديثية فأزاح عنها الغطاء وأعطاها ما تستحق من البحث والدراسة حسب الإمكان" ص : 10 من ج 1.
ثم يضيف بعد ذلك مبرزا لقيمة الكتاب العلمية والثقافية ومنوها بمجهودات الباحث :
"وإني إذ أهنئ الأستاذ الباحث عبد الهادي الحسين على ما بذله من المجهود العلمي وعلى ما قدمه للمكتبة المغربية من دراسته القيمة أتمنى أن يجد المهتمون بهذا الموضوع من تاريخ المغرب ما يساعدهم على استجلاء الحقيقة والوصول إلى الهدف المنشود والله ولي التوفيق" (ج 1، ص 10)
والكتاب موضوع العرض يقع في جزأين : يتضمن الجزء الأول منهما :
تصديرا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتقديما للدكتور : عبد الهادي التازي المشار إليهما سابقا، ومقدمة للمؤلف، ومدخلا تاريخيا للعصر الموحدي، فلمحة تاريخية عن الوضع السياسي والإجتماعي والثقافي خلال هذه الفترة. ثم يشتمل هذا الجزء بعد ذلك على بابين :
أولهما يتعلق بيعقوب المنصور الموحدي، وثانيهما يتعلق بالحديث عن النهضة الحديثية في عصره.
في الباب الأول منهما تناول المؤلف في فصول ثلاثة على التوالي : حياة يعقوب المنصور الموحدي والجانب الثقافي لهذا الملك العظيم، والحركة العلمية في عهده، وموقفه من المهدوية والظاهرية وعلم الفرع وموقف فقهاء المالكية من ذلك.
وهكذا فإن الفصل الأول من الباب يتعلق بحياة يعقوب المنصور الموحدي، الذي قال عنه بأنه ولد بمراكش سنة 554 هـ - 1159 م وتوفي بها كذلك سنة 595هـ - 1199 م، وبالجانب الثقافي لهذا الملك العظيم الذي كان - كما ينقل المؤلف - عالما متضلعا في اللغة، مشاركا في كثير من العلوم، يجيد حفظ القرآن، ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها، وكان يتكلم في الفقه كلاما بليغا، وكان فقهاء وقته يرجعون إليه في الفتوى، وله فتاوى مجموعة ... الخ . (ج 1، ص 60).
ويتعلق الفصل الثاني بالحركة العلمية في عهد يعقوب المنصور الموحدي التي تجلت أساسا في :
علم القراءات، وعلم التفسير، والعلوم اللسانية : كاللغة والنحو والأدب والبيان والعروض، والعلوم الفكرية : كعلم الكلام والأصول والفقه والسيرة النبوية والتصوف والفلسفة والرياضيات والتنجيم والطب كما هو مبين بتفصيل في محله.
ولم يفت الباحث أن يشير في هذا الفصل إلى أكبر رجالات العلم والمعرفة في هذا العصر، وإلى أهم المؤلفات التي كانت معروفة خلال هذه الفترة في مختلف العلوم والفنون وكان لها الصدى العميق في نفوس العالمين والمتعلمين.
أما في الفصل الثالث فقد تعرض المؤلف فيه لموقف السلطان يعقوب المنصور الموحدي من المهدوية والظاهرية وعلم الفروع وموقف فقهاء المالكية من ذلك.
وهي مواقف كانت لها أهميتها من حيث آثارها البعيدة على الحركة العلمية والثقافية سواء خلال هذه الفترة أو فيما بعدها من تاريخ المغرب الثقافي والحضاري بصفة عامة.
فعن موقفه من المهدوية التي أقامها المهدي ابن تومرت على : عصمة الإمام، وعلمه بالغيب، يقول المؤلف : "استمر الأمر على ذلك - آي على تعظيم المهدي ابن تومرت ووصفه بالعصمة - إلى زمن الخليفة يعقوب المنصور الذي لا يرى رأي الموحدين في عصمة ابن تومرت، ولم يكن من المومنين بإمامت ، وكان يستخف بعقول من يقول بها" (ج 1، ص 169).
ولكنه بالرغم من ذلك ف‘ن خلافته - كما كان الشأن عند سلفه - كانت تنضوي تحت لواء "الدعوة المهدوية"، على أن ذلك لم يكن منه سوى مجرد مراسيم وشكليات يقصد بها جمع كلمة الموحدين تحت شعار موحد لتدعيم أركان الدولة وحمايتها من أخطار الفتنة والتفرقة (ج 1، ص 170).
وبقي الأمر على حاله إلى زمن ولده إدريس المأمون الذي أجهز على العقيدة المهدوية بصفة نهائية ووضع حدا لها حيث كتب إلى الناس قائلا : "... فتلك بدعة قد أزلناها وأسقطنا اسمه - أي المهدي بن تومرت - ولم تثبت له عصمة فلذلك أزلنا عنه رسمه فيمحى ويسقط ولا يثبت .. الخ". ثم يشير إلى أن أباه يعقوب المنصور كان ذلك عزمه فيقول : "وقد كان سيدنا المنصور هم أن يصدع بما الآن صدعنا، وأن يرفع عن الأمة الحزن الذي رفعنا، فلم يساعده لذلك أمله، ولا أجله لزواله أجله .. الخ"، (ج 2 ص 172)، إلا أن المؤلف يحاول في آخر المطاف بعد إثباته لتبرأ بعض خلفاء الموحدين من هذه العقيدة وبعد مناقشته لمهدوية ابن تومرت أشيهية هي أم غير شيعية؟ أن يجعل منها دعوة سنية محضة لا يرى فيها أدنى شائبة لا من الشيعية ولا من غيرها من الفرق الأخرى اعتمادا على دعاء كان يدعو به ابن تومرت. كما نقله عن ابن القطان. وما المهدوية في نظره سوى وسيلة اعتمدها المهدي ابن تومرت لتحقيق هدفه السياسي الذي كان يطمح إليه. (ج 1، ص 175).
أما عن موقفه من الظاهرية فقال عنه المؤلف بعد استقصاء كل الآراء في الموضوع ومناقشتها مناقشة علمية دقيقة ومركزة : "ولهذا يتبين لي - حسبما وصل إليه بحثي - أن يعقوب المنصور الموحدي لم يكن ظاهريا داوديا، ولا ظاهريا حزميا، وإنما كان ظاهريا في شكل آخر يعمل بظاهر كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام. فهو يجتهد لنفسه كباقى المجتهدين لأن مادة الاجتهاد
موجودة بين يديه، كتاب الله وهاته المصنفات الحديثة المتعددة بهذا أمر العلماء أن يرجعوا إليها ويستنبطوا منها شأنهم في ذلك شأن باقي العلماء المجتهدين ويكفيهم ما كفاهم". (ج 1، ص 199) ثم يعمم ذلك بالنسبة للموحدين كلهم فيقول :
"إن دعوة الموحدين وفي مقدمتهم الخليفة يعقوب المنصور كانت للاجتهاد المطلق ونبذ التقليد واستنكاره والرجوع إلى مصادر التشريع الإسلامي..الخ". (ج 1، ص : 200).
ويمكنني بهذه المناسبة أن أتساءل : هلا اعتبرنا دعوة يعقوب المنصور الموحدي هذه دعوة إصلاحية سلفية سابقة في إبانها للدعوة الإصلاحية التي جاءت فيما بعد على يد كل من الإمام الشيخ ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ثم من بعدهما على يد محمد بن عبد الوهاب في الحجاز، وفي عصر النهضة على يد كل من : جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضى ... وغيرهم من المصلحين والسلفيين سواء في المشرق أو في المغرب الذين نادوا بالرجوع إلى الإسلام في ينابعه الأولى أي إلى الكتاب والسنة ؟؟.
وكما كانت مواقف المنصور الموحدي من المهدوية والظاهرية واضحة، كان موقفه أيضا من علوم الفروع وفقهاء المالكية واضحا كذلك. ويحدثنا المؤلف عن هذا الموقف فيقول :
"لقد كان للمنصور موقف خاص من الناحية الدينية يمكن أن يوصف بأنه ثورة على المذهب المالكي في الدولة الموحدية، فهو أولا قد طارد علم الفروع، وأمر بإحراق كتب المذهب في سائر البلاد. وإن كانت عملية الإحراق قد بدأت ببلاد الغرب الإسلامي قبل هذا التاريخ بقرون كما في الصفحة 206. كما أمر الناس أيضا بترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض فيه، والعمل بظاهر القرآن والسنة. غير أن المذهب المالكي كان متغلغلا في المجتمع المغربي وله جذور عميقة في نفوس المغاربة، فلم يكن من السهل أن يتخلى أصحابه عن مذهبهم أمام هذه التهديدات وأنواع المحن". (ج 1، ص 209).
وعن رد فقهاء المالكية وموقفهم من ثورة هذا الملك ضدهم وضد المالكية في فروعها الفقهية يقول المؤلف : "إن الفقهاء المالكية لم ينهزموا أمام تحديات المنصور الموحدي رغم ما أصابهم من أنواع العذاب من أجل التخلي عن مذهبهم المالكي، فلم يضعفوا ولم يستسلموا بل بقوا صامدين متجلدين إلى أن انتصروا أخيرا النصر النهائي في عهد المرينيين ومن بعدهم إلى الآن. فانمحت دعوة المنصور وتغلب مذهب مالك آخر الأمر وكتب النصر له ولأصحابه، وأضحى هو المذهب السائد الرسمي للمغرب إلى يومنا هذا". (ج 1، ص 210).
وتجدر الإشارة إلى أن موقف يعقوب المنصور كان ضد المالكية كمذهب لا ضد مالك، وفي الباب الثاني المتعلق بالنهضة الحديثية في عهد يعقوب المنصور الموحدي تعرض فيه المؤلف في فصلين :
إلى دخول الحديث إلى المغرب والأندلس، وإلى الكتب الحديثية التي كانت تدرس زمن المنصور الموحدي وإلى مراتب أهل الحديث، وإلى مؤسسي مدرسة الحديث بالغرب الإسلامي في الفصل الأول. فذكر من المحدثين والفقهاء في هذا الفصل :
محمد بن وضاح (202 – 277 هـ / 817 – 890 م) العالم المحدث الذي كان أول من أدخل علم الحديث بمعناه المتعارف عليه لدى علماء الحديث إلى بلاد الأندلس فكان يجتمع عليه الناس لسماع الحديث ويتكلم على الأسانيد، (ج1، ص232).
والمحدث الكبير يقي بن مخلد القرطبي(201 – 276 هـ / 816 – 889 م).
وقاسم بن أصبغ البيساني القرطبي (244 -340 هـ / 858 – 952 م)  وتلميذه خالد بن سعيد القرطبي (ت سنة 352 هـ/ 963 م)، الذي كان إماما في الحديث حافظا له بصيرا بعلله عالما بطرقه مقدما فيه على أهل وقته.
وأحمد بن سعيد بن حزم الصدفي من أهل قرطبة (284 – 350 هـ /  897 – 961 م) وأبا عمر الطلمنكى (340 – 429 هـ / 951 – 1037 م) ويونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث (ت سنة 429 هـ/ 1037 م) وهذان الأخيران - كما يقول المؤلف - هما استناذا الجيل كله جيل : ابن حزم الظاهري، وأبي الوليد الباجي، وعلي الجياني وأبي عبد الله محمد بن عتاب وغيرهم الذين سيسيرون بالدراسة الحديثية إلى الأمام على الطريقة التي خطط معالمها محمد بن وضاح وبقي بن مخلد (ج 1، ص 241) وبعد أولئك تقف على علماء ومحدثين آخرين أمثال : أبي عمر يوسف بن عبد البر (368 – 463 هـ / 978 – 1071 م) صاحب التأليف العديدة والتصانيف المفيدة يكفي أن يكون "التمهيد" واحدا منها للدلالة على عظمة الرجل وعلو كعبه في ميدان العلم والمعرفة، وخاصة في الحديث رواية ودراية وفي الفقه، وأبي الوليد سليمان الباجي (403 – 474 هـ / 1012 – 1081 م) والحافظ أبي علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (427 – 498 هـ)، والحافظ أبي علي حسين الصدفي المحدث الشهير (454 – 415 هـ / 1062 – 1120م)، ثم ميمون اللمتوني (ت 530 هـ / 1135 م )، وداود بن عمر اللمتوني والقاضي أبى بكر ابن العربي المعافري (468 – 543 هـ / 1083 – 1149 م)... إلى غيرهم من العلماء والمحدثين.
وبعد ذلك تعرض المؤلف في هذا الفصل أيضا لذكر اهتمام المرابطين بالحديث النبوي الشريف محاورا صاحب المعجب عبد الواحد المراكشي في زعمه بأن المرابطين كانوا لا يهتمون بالحديث النبوي الشريف اهتمامهم بعلم الفروع، ومما نقله المؤلف في هذا الصدد قول صاحب المعجب : «ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم علم الفروع، أعني فرع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يكن من مشاهير ذلك الزمان من يعتني بهما كل الاعتناء"، (ج 1، ص 260).
ثم يرد المؤلف على هذا الزعم في نظره قائلا :
«الواقع أنه ظهر في هذا المهد (المرابطي) من أعلام المحدثين جمهرة كبيرة بلغ بعضهم في ميدانه أرفع مكانة وأعظم تقدير حتى ظهر اعتناء بالحديث النبوي الشريف تمشيا مع الروح الإصلاحية ومكرمة للسنة النبوية ونشرا للتعاليم الإسلامية مما قامت عليه دولتهم بتوجيه من مؤسسها عبد الله بن ياسين الذي طبع رجالاتها بالطابع النير وجمل منهم أبطال الجهاد ورواة الحديث في آن واحد، الأمر الذي جعل قاداتها يمتنون برجال الحديث ويروون عنهم ويسمعون منهم ويستجيزونهم، مما يدل دلالة واضعة على ما طبعوا عليه من ولع بالحديث رغبة أكيدة منهم في الحصول على السند العالي والأخذ من كبار المحدثين» (ج 1، ص 260).
وفي الفصل الثاني تعرض المؤلف لأهم الكتب التي كانت تدرس زمن الخليفة يعقوب المنصور الموحدي... فذكر من بينها : كتاب صحيح البخاري وصحيح مسلم، وموطأ الإمام مالك الذي أولاه الموحدون اهتماما كبيرا كما أولاه المؤلف أيضا نفس الاهتمام عندما تعرض لذكره وذكر أول من أدخله إلى بلاد الغرب الإسلامي، ثم كتاب سنن أبي داود، وسنن النسائي، وموطأ المهدي بن تومرت، و كتاب الترغيب فى الصلاة ليعقوب المنصور الموحدي.
ثم خلص بعد ذلك للحديث عن أمر يعقوب المنصور بقراءة البسملة في الصلاة على خلاف ما عليه المالكية وذلك من باب فتح باب الاجتهاد للعلماء في هذا العصر - كما هو رأي المؤلف - جاء له في هذا المجال : "وبما أن يعقوب المنصور الموحدي فتح باب الاجتهاد للعلماء بعدما كان مغلقا فيما مضى فكل عالم مقتدر له الحق أن يجتهد في كل المسائل العلمية حسب علمه ومقدرته. فها هي البسملة يتعرض لها الشيخ السهيلي في "روض الأنف" ويرجح في شأنها بعض المذاهب على المذاهب الأخرى. وذلك لأن الدولة المنصورية الموحدية أعطت حرية القول للعلماء فلا يتقيدون بأي مذهب من المذاهب بما فيه المذهب المالكي كما كان الشأن من قبل. ومعلوم أن المالكية لا يقرأون البسملة مع الفاتحة في الصلاة سواء في السر أو الجهر بل يكرمون قراءتها" أي أنهم لا يقولون بقراءتها... (ج1 ص 300).
وعن إقبال العلماء على كتب الحديث في هذا العصر دراسة وشرحا وتحليلا يقول : "أقبل العلماء على هاته الكتب الحديثية شرحا وتحليلا فانتشرت بين الناس وأصبح القضاة والمفتون يفتون ويحكمون بها تنفيذا لأمر الخليفة يعقوب المنصور الموحدي الذي جعل مذهب المحدثين هو مذهب الدولة الموحدية الرسمي". (ج 1 ص 301).
أما الجزء الثاني من الكتاب وهو يتألف من فصلين : الثالث والرابع كانا في الحقيقة عبارة عن تتمة للباب الثاني من الكتاب قبل أن يقسمه مؤلفه إلى جزأين.
في هذين الفصلين : الثالث والرابع يتناول في أولهما المؤلف أعلام الحديث في عهد يعقوب المنصور الموحدي فيذكر منهم : 
1 - العلماء المدعوين لنشر الحديث بمراكش : كأبى عبد الله محمد ابن إبراهيم بن خلف المعروف بابن الفخار المالقي (511 – 590 هـ / 1117 – 1193 م)، وأبي محمد عبد الله الحجري (505 – 591 هـ / 1111 – 1194 م )، وأبي العباس أحمد بن سلمة الأنصاري المعروف بابن الصقيل العدل الإمام في الحديث كما يقول فيه ابن القطان وقد توفي سنة (598 هـ / 1201 م )، وأبي الفضل محمد بن علي بن طاهر المعروف بابن محشوة البجائي نسبة إلى مدينة بجاية بالجزائر (540 -598 هـ/ 1145 - 1201 م )، والقاضي أبي مروان محمد بن أحمد اللخمي الباجي (560 – 635 هـ / 1164 – 1282 م )، وأبي جعفر أحمد بن عتيق الذهبي البلنسي (554 – 601 هـ / 1159 – 1204 م).
مع ذكر ما كان للمنصور الموحدي من فضل في تشييد معهد للحديث بمراكش (بيت الطلبة). 2 -  الأطباء والصيادلة المحدثين : كالطبيب أبي بكر محمد بن عبد الملك ابن زهر الحفيد (507 – 595 هـ)، وأبي الوليد محمد ابن أحمد بن رشد الحفيد الفيلسوف (520 هـ - 1126م / 595 هـ / 1198 م)، وأبي العباس أحمد النباتي الاشبيلي المعروف بابن الرومية وبالعشاب( 561هـ -1165 م / 637 هـ - 1239 م)، وأبي علي حسن بن أحمد البكري الانمبوني الذي كان يعرف «بالزرقالة »، وأبي جعفر بن حسن القضاعي..الخ.
ومنهم كذلك : محمد بن بكر الفهري البلنسي (ت سنة 618 هـ 1221 م )، ومحمد بن علي القرشي الزهري الإشبيلي (ت 623 هـ - 1226 م )... وغيرهم كثير.
3 - العلماء المحدثين الذين عرفوا بالحديث ولم يصلنا تراثهم منهم :
أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي الأنصاري القرطبي (519 – 582 هـ / 1125 - 1180م ) وأبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله الأنصاري (504 – 584 هـ / 1110 – 1188  م ) كان يعرف بابن حبيش، وأبو الحسن على بن أحمد بن كوثر المحاربي الغرناطي ولد سنة 529 هـ وتوفي سنة 589 هـ،  وأبو بكر يحيى بن خلف بن فرج بن صاف المعروف بابن المواق (ت 599 هـ / 1202 م) وأبو محمد عبد الجليل الأوسي الأنصاري القصري  (ت 608 هـ / 12111م) وذكر أن له تآليف منها ما هو موجود بالخزانة الملكية بالرباط رغم تصنيفه في هذه الفئة (ج 2، ص 35)، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن طاهر الحسيني الصقلى الفاسي (ت 609 هـ / 1212 م )، وأبو عمر أحمد بن هارون بن عات النفزي من أهل شاطبة (542 – 608 هـ/ 1147 – 1212 م) وأبو عبد الله محمد التجيبي المرسي (540 – 610 هـ/ 1145 – 1213 م) وأبو محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن القرطبي (556 هـ / 1160 – 1214 م)، وأبو محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري الحارثي (552 – 621 هـ / 1157 – 1224 م)، وأبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمان بن بقي بن خلد القرطبي (537 – 625 هـ / 1142 – 1227 م)، وأبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم الحرالي المراكشي (ت 637 هـ 1239 م) العالم الزاهد، وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن خلف بن صاف المعروف بابن المواق من أهل مراكش المولد سنة 583 هـ 1187 م، ومحمد بن سيد الطراز الأنصاري الغرناطى من أهل غرناطة (588 – 645 هـ/1192 – 1246 م)، وأبو اسحاق إبراهيم ابن محمد بن أحمد بن هارون المرادي الفاسي الحافظ المعروف بابن الكماد (ت سنة 663 هـ / 1264م).
4 – العلماء المحدثين الذين وصلت إلينا آثارهم :
منهم : أبو زيد عبد الرحمان بن عبد الله الغثعمي السهيلي الإمام (508 هـ - 581 أو 583 هـ) صاحب تأليف "الروض الأنف". و"السهيلى هذا معحدث حافظ، عالم بالتفسير والأخبار والأنساب. فقيه أصولي مجتهد.. الخ ). (ج 2 ، ص 60)، وأبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الأزدي الاشبيلي المعروف بابن الخراط (510 -582 هـ / 1116- 1186 م) من أهم كتبه، "الأحكام الشرعية"، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد الفهري الاشبيلي الحافظ (496 – 586 هـ / 1102 -1190 م)، وأبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الفاسي المعروف بابن القطان (562 – 628 هـ/ 1166 – 1230 م) قيل عنه أنه كان "من أبصر الناس بصناعة الحديث وعلومه، وأحفظهم لرجاله، وأشدهم عناية بالرواية وكان بصيرا بطرق الحديث، عاكفا على خدمته، ناقدا مميزا صحيحه من سقيمه، مثابرا على التلبس بالعلم وتقييده، ذا حظ وفير من معرفة الأدب نثره وشعره" (ج 2 ، ص 93)، وأبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي الكلبي المحدث الحافظ اللغوي الأديب المعروف بابن دحية الكلبي (ت 633 هـ 1135 م) وأبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي البلنسي (565 – 634 هـ /1169 – 1236 م)...
وفي الفصل الرابع يجمل المؤلف حديثه عن أثر النهضة الحديثية بعد يعقوب المنصور الموحدي فيقول : «وباختفاء يعقوب المنصور الموحدي من الميدان السياسي سنة 595 هـ / 1198م. أضحت الحركة الحديثية تتعثر في طريقها، وصارت تلك الجذوة الوضاءة تخفت شيئا فشيئا. وبزوال الدولة الموحدية وانقراضها على يد المرينيين توقفت النهضة الحديثية المباركة، ورجع العمل المباشر بحديث رسول الله صلى اله عليه وسلم، وضرب على يد العلماء المحدثين، وأصبح المغرب يرجع إلى الوراء بعدما تقدم إلى الأمام وتنفس الصعداء من الجحود، ولما تولى يعقوب المريني (ت 685 هـ) مملكة المغرب طلب منه أهل المغرب الرجوع في القضاء إلى مذهب مالك فأمر قضاة المغرب بذلك وترك العمل بالأحاديث"، (ج 2، ص 133) ورغم ذلك - كما يضيف المؤلف – "لم يغمط علم الحديث رواية ودراية في هاته الفترة، بل بقي آثار تلك النهضة الحديثية الموحدية تتجلى آثارها في بعض العلماء" (ج 2، ص 134)، وذكر من بينهم :
أبا فارس عبد العزيز الجزيري السبتي، وابن الشاط السبتي، وابن عبد الملك المراكشي وابن رشيد السبتي، وأبا محمد الكرطوسي، ويحيى السراج وعبد المهيمن الحضرمي السبتي.
بعد ذلك يتساءل المؤلف في آخر صفحات الكتاب : هل تحققت دعوة يعقوب المنصور الموحدي إلى العمل بالحديث النبوي الشريف؟ وما هي الآثار التي تركتها هاته الدعوة في الوسط العلمي آنذاك في المغرب الإسلامي ؟".
فأجاب بأن "هذه الدعوة لم يستجب لها أغلبية الفقهاء المالكية بل قوبلت من جلهم بالرفض والتمرد مما جمل يعقوب المنصور يعاقب المخالفين منهم أحيانا بالتهديد، ومرة بالتعزير، وتارة بالسجن، والإحراق أخيرا لكتب المذهب المالكي في الساحات العمومية حتى لا يبقى العمل جاريا على مقتضاها».
"فدعوته - كما يضيف المؤلف - مع الأسف لم يستمر بها العمل زمنا طويلا ولم تنجح وذلك لعدة أسباب"، (ج 2، ص 142).
ذكر الملف منها :
1 - إن دعوة الموحدين لمذهبهم كانت تحت الضغط والإكراه وكان تخلي المالكية عن مذهبهم إلزاميا لا عن الاختيار وكل ما كان من هذا القبيل يسرع إليه الزوال .
2 - تشبث الموحدين بعصمة المهدي ابن تومرت وبإمامته التي كان لها أثرها السيء بالسنبة لجل علماء المغرب السنيين الذين اعتبروها بدعة من البدع الضالة، حتى أن يعقوب المنصور نفسه تشكك فيها فيما بعد وكان يقول : أين الإمام، أين الإمام؟ تهكما وأجهز عليها بعد ذلك ولده المأمون - كما تقدم - فتنفس فقهاء المالكية بذلك الصعداء.
3 - موت يعقوب المنصور الذي خلف فراغا كبيرا في الدولة حيث كان يخشاه فقهاء المالكية ويهابون شخصيته القوية. وبموته بدأت تتقلص دعوته إلى العمل بالسنة شيئا فشيئا، وبدأ الفقهاء يستردون نشاطهم وينشرون مذهبهم المالكي من جديد.
4 - وقعة العقاب المشؤومة (609 هـ / 1212م) التي كان لها الأثر السيئ على الدولة الموحدية والمغرب على السواء الذي صار كل شيء ينهار فيه بعد هذه الوقعة الأليمة.
5 - ضعف الدولة الموحدية أخيرا والقضاء عليها نهائيا من طرف خصومها المرينيين.
6 - إحياد الدولة المرينية للمذهب المالكي من جديد ورد الاعتبار إلى كتب الفروع وإلى الفقهاء
المالكية كما كان الشأن من قبل في عهد المرابطين.
7 - تشييد المدارس العلمية والزوايا والرباطات في مختلف جهات المغرب لنشر العلم والثقافة وكان أهم ما يدرس في هذه المؤسسات الفقه المالكي.
8 - ثم إن السبب القوي في فشل دعوة يعقوب المنصور الموحدي - كما يرى ذلك المؤلف - يرجع أولا وأخيرا إلى ما كان للمذهب المالكي من جذور عريقة وعميقة في المجتمع المغربي منذ زمن بعيد من عهد صاحبه الإمام مالك أواسط القرن الثاني الهجري حيث ألفت فيه المؤلفات الكثيرة لعدد من الفقهاء والعلماء المالكية. وأن النشاط الدائب والإنتاج الوفير لمؤلفات هائلة كانت في ميادين شتى ولكنها جميعا كانت في ظل المذهب المالكي. (ج 2، ص  144).
فهاته الأسباب كلها وغيرها كان لها الأثر القوي في شل حركة يعقوب المنصور الموحدي التي عمل من أجلها مدة حياته (ج 2، ص 144).
وباقي الصفحات في الكتاب هي خاصة بالفهارس فهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات، ثم فهرس للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، وفهرس للأبيات الشعرية، وفهارس أخرى للأعلام والكتب والشعوب والقبائل والطوائف والبلدان والأماكن ... والكتاب - بعد هذا العرض المقتضب - يعتبر بحق من أهم ما كتب في الموضوع، فهو فريد من نوعه في هذا الباب، وجديد في مضمونه وجوهره، جدير بالاهتمام والدراسة لا يستغنى عنه باحث مطلع ولا مؤرخ كبير. ولا يجوز أن يغفله فقيه متضلع أو محدث بارع. وهو ضالة المتعلم الهادف لأنه كتاب جمع بين التاريخ والفقه والحديث والأدب والأخبار... زاخر بالمعلومات وغني بالمواد. ولو استغله صاحبه - كما يفصل بعض المتمرسين بالتأليف - لكان حجمه أكبر مما هو عليه الآن.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here