islamaumaroc

في الفلسفة الإسلامية ( في المعادلات الثابتة: الفطرة، الحرية، العدل، المساواة )

  حسن السائح

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

الحرية هدفها العدل
لماذا خلق الإنسان في كبد؟ ولماذا يكون مضطر للصراع ؟
هناك معادلات ثابتة وهي إرادة الحياة، فإذا لم يملك الإنسان الإرادة لم يكن حيا أو خليقا بالحياة وأحرى بالصراع في الحياة !
فإرادة الحياة فطرة في ذاتية الإنسان، وهي المحركة له والدافعة لحركته، ومن فطرة الإنسان أن يحقق ذاته بيولوجيا في صراع مع الآخرين الذين يحققون وجودهم على حسابه، فالجماعة صراع مستمر يحاول كل فرد أن يطوع الآخرين لإرادته قصد نمائه، ولا يعترض طريقه إلا نفس الصراع الذي يملكه كل فرد ليحقق حياته بنفس الطريقة ! وكما يواجه الإنسان صراع الآخرين ؟ يصارع الطبيعة نفسها، ليثبت تفوقه عليها حتى لا يقسط فريسة لها، لأن من طبيعة الطبيعة أن تلاحق حياة الإنسان في قوتها المريرة، فلذلك يظل مستعدا لها في تقلبات جوها، وغضب زلازلها وبراكينها، ورياحها وأمطارها، وجذبها وجوائحها، والإنسان وسط هذه العواصف يواجه (العدم ) بالوجود والموت بالحياة.
إن الطبيعة الصماء في سكونها المرعب، لا يقاومها الإنسان إلا بوعيه، وحذره. وأية لحظة يفقد فيما وعيه، يفقد في الواقع، خصوصية وجوده .. ووعيه في الواقع هو شخصيته وهويته .. فالوعي الذاتي بالذات وللذات هو حقيقة فطرته وغريزته معا..
فالفطرة هي الوعي الذي يسمو بعقله ووجدانه، والغريزة هي عملية بيولوجية تربط ماديته باستمرارية وجوده، وليس هناك ثنائية وإنما هي وحدة تركيبية تجمع نفسه وعقله وإحساسه، وما يغذي كل ذلك كله من نزعته البشرية التي تربطه بالأرض ..
لهذا فالفطرة قانون ثابت، ومعادلة صحيحة يستخدمها الإنسان في مواجهة معضلات الحياة، ويسترشد بها ليتحرك من أرضية صلبة ليثبت علاقته مع الطبيعة والكون والآخرين من طبيعته الذاتية التلقائية، وحاجاته وطاقاته حتى يكون ملقحا بمصل الإنسان الذي يسيطر على الطبيعة والكون دون أن يسقط فريسة للطبيعة نفسها.
فالواقع أن الإنسان ذري، ولكنه ذرة مرتبطة بباقي الذرات الكونية، يتلاحم معها ويتجاذب، أو يتنافر، وهو ذرة مستكملة لكل عناصر الكون كله، ولا يحقق ذاته إلا في مواكبتها أو مقابلتها، أو مصادمتها، وعلى قدر وعيه لذاته الكاملة قد يحقق الانتصار والسيادة، أو يعاني الشقاء والبؤس.
وما دامت الفطرة بهذه المكانة، فهي في الواقع حقيقته وطبيعته وغريزته. (فالفطرة) تسامي وتعالي وبحث عن المطلق، وهي في الغريزة بحث عن تحقيق الذات والدفاع عن الوجود وتحقيق الرغبات مما يتفق وطبيعة كل الحيوانات، فمن واجب الإنسان أن يعرف كيف يجب أن يكون، لأجل أن يكون، وهذا ما يفرض عنه الانتقال من واقع إلى واقع آخر.. حسب تغيرات الواقع نفسه في تلاطم ذراته المتعددة، والمتصادمة كما تتصادم ذرات الشمس في الفضاء.
إن الإنسان في ذرة كاملة، وآفاته هو تسيبه وعدم تلاؤمه مع الذرات التي نسج حواليه، فهو يكاد أن يكون نظاما قائم الذات في وحدة ذريته، يتلاحم في ذاته تلاحما اجتماعيا ذاتيا واقتصاديا للتبادل مع الطاقة الكونية ذاتها..
وتبقى مشكلته كيف يتعامل مع البيئة المتغيرة باستمرار، لذلك فليس له هدف واضح، ولا أسلوب قار، ولا ميكانزم لا يتغير، وإنما هو في حنين دائم ليتخلص من واقعه الذي يصبح أليما إلى واقع مستقبل يجهله .. ولذلك يحن إليه، وفي عالمه الفسيح الذي لا يعرف الحدود يحاول الإنسان أن يستلهم الحقيقة ! فهي الوحيدة التي يمكن أن تحقق له الاطمئنان النبي، ولذلك حاول أن يتزلف إلى الطبيعة ليقاوم غطرستها وتعنتها واستهتارها به فسجد للشمس وللقمر وللنجوم وللرياح ولأمواج البحر، ولكن لم يستجب له شيء من ذلك، فرجع إلى ذاته يستلهم وعيه الداخلي وعلاقاته الوراثية بالكون، بل رجع إلى فطرته ليتسامى في بحثه عن الحقيقة.
وكان الإلهام يعوض الغريزة المتنامية على حساب الفطرة السليمة، ثم تنامت الفطرة إلى الوحي لتعرف بداية منطلقات الخلق الأولي قبل أن يصبح الإنسان سويا.. فمعرفته بالتاريخ وأولية نشأته كانت في الواقع أقوى استجابة للتخطيط لغده، فالماضي لم يتمثل في الذاكرة التي ستجلي صورة المستقبل ويدفع بالإنسان إلى الخلق والإبداع ومواجهة التغير ليحقق التطور.
إن كل معرفة هدفها هو ماذا سيحدث في المستقبل، وكيف يجب أن يحدث ... فعندما عرف الإنسان أنه احتمى بالأشجار ليتقى البرد والحر، لم يفكر قط في استعادة الصورة إلا ليشيد حصنا يقيه الحر والبرد، وليبحث عن سبب لذلك، وكان القانون الثاني يعد الفطرة قانون السبب والمسبب، والملة والمعلوم .. وبهذه المعادلة الثابتة أصبح قادرا أن يحقق لنفسه تقدما مستمرا، فالنار سبب الإحراق، والماء سبب الإطفاء، والنار تتغير، وتغير حسب قوتها وحطبها والمكان الموضوعة فيه ،،، وبتدخل الإنسان استطاع أن يغير وبوعيه للتغيير أصبح قادرا أن يطور...
فالتغير قد يكون انتكاسا، أما التطور فهو تقدم مستمر وإذا فمن الثوابت قانون الفطرة وقانون الحركة وقانون العلة والمعلول .. وهو القانون الذي يربط الإنسان الفرد بالمجتمع، وبالطبيعة وبالكون كله ولا يستطيع الفلاسفة الماديون أن يقيموا علاقات الإنسان على الديالكتيك وحده، أي قانون التناقض باعتباره المحرك للإنسان في جدليته مع المجتمع والطبيعة، كما لا يستطيع الليبراليون أن يقيموا العلاقات على أساس الحرية المطلقة التي تحدد موقفها من الآخرين .. فالمعادلات متعددة ومتناسقة وهي وحدها التي تعدد الثوابت، كما أنها محددة نفسها بالثوابت .. وقادرة على تفسير حركة التاريخ وهدفيته ..
الفطرة معادلة ذاتية توازنية وعضوية، ومسايرة الفطرة مسايرة للتطور الطبيعي الذي ينتج عن تفاعل الذات فيما بينها باستمرار، وتفاعلها مع الخارج (أي خارج الذات ) ليس حركة تضاد تخلق الحركة والحيوية ولكنه تضاد وتكامل وتقابل .. وهذا ما يجعل التفكير الإسلامي رفض لم (الديالكتيك) الذي ليس إلا جانبا من حركة التفكير والذي ليس بقانون ثابت، إذ نلاحظ في الطبيعة قوانين ثابتة لا ترتكز على التضاد.. فمعادلة (الأكسجين والإدرجين ) لتكوين الماء ليست تضادا لأن نتيجتها واحدة ونمو البذرة في الأرض عندما تتوفر على الماء والهواء والضوء وعناصر التكوين، ليست قاعدة تضاد وإنما هي حقيقة ثابتة متى توفرت الشروط وكذلك بالنسبة لنمو المجتمعات لا يحتاج تكوين الأسرة إلا لشروط خاصة بحيويتها.. ولعل من الواضح أن الطبيعة في مسيرتها لا تنتكص إلى الوراء، بل هي في تطور دائم تخضع لقانون النشور والارتقاء، وقانون الحاجة تخلق العضو بغلاف عالم الإنسان العاقل فإن تدخل (الإنسان) يساعد على سرعة التطور ما دام يسير وفق القوانين الثابتة، ولا يعترض مسيرة التيار بل يضاعف من استخدام المعادلات بطريقة الفهم الواعي الشمولي وإلا أحدث تغييرا قد لا يكون في صالح الإنسان نفسه ...
إن تدخل الإنسان لا يكون بالعقل وحده ولا بالوجدان وحده، بل لا بد من التكامل بين مختلف قدراته وملكاته، وأن ينسجم ذاتيا مع الموضوع الذي يعالجه وهذه الشمولية عبر عنها الفلاسفة القدماء بالعقل الكلي، ولكن الدين وجدها واضحة في الوحي وخلاصة الوحي في الدين، والعقل الأولي الشمولي في الفلسفة تتجه دوما إلى مستقبل الإنسان ليستطيع حل المشاكل التي يعانيها ولكن الوحي هو الحق الذي لا شبهة فيه، وأهم هذه المشاكل سؤاله لأبدي : لماذا يعيش الإنسان ؟ أما غذاؤه وقوانينه وعلمه، فهي قوام الشخصية (لاستمرارية ناسية كل التطلعات الغدية، واستطاع الإسلام بفلسفته المتكاملة والمنطلقة من الفطرة أن يعطي أجوبة لحل المشاكل الإنسانية، فلم يقر مبدأ الديالكتيك لأنه لا يعطي تغيرا لغاية الوجود بل يسلب الإنسان من إرادته وعزمه ليضعه في جبرية قهرية، ولكن الإسلام وجد في الفطرة أداة الحاجة الإنسانية للتسامي وفي الغريزة الحاجة البشرية لاستمرارية وجوده ... وأعطى الإسلام للفطرة حظا متعادلا مع القدرة الذاتية والقدرة السامية ليطور حالته، ويجيب عن أسئلته، ويستمر في المعاناة ... 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here