islamaumaroc

الزهد والرقائق من مخطوطات خزانة القرويين، لأبي عبد الرحمان عبد الله بن مبارك

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 236 رجب 1404/ ماي 1984

لعل الثقافة العربية الإسلامية من أقدر الثقافات على مسايرة أحوال النفس البشرية في السراء والضراء، وعلى مراقبة سلوكها في الشدة والرخاء، وعلى تخطيط ما ينبغي أن تقوم على أساسه في المعاملات العامة ليبتعد الإنسان بالاطلاع عليها عن الدنيا، وليمارس كل ما يرفع من قيته الإنسانية التي تجهله لا يحيا لنفسه فقط، ولكنه يحيا لنفسه وللناس.
ولقد عنى أهل العلم والأدب والسياسة والأخلاق، بتتبع الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الغاية، فألفوا الكتب الهادفة، وجمعوا الحكم النافعة، وضربوا الأمثال المختلفة، وانتقوا من السير ما يصلح لتهذيب النفوس وترويضها على الخير، وعمدوا إلى المقارنات والموازنات، فأثرت الخزانة الإسلامية بما وضعوا، وافتخرت بما ألفوا، واحتفظ لنا التاريخ ببعض كتبهم التي ما زالت إلى الآن تساهم بدورها الخلاق، رغم مرور السنين والأعوام، وتوالي الدهور والقرون.
ومن بين هاته الكتب ما كان يتعلق بالزهد والرقائق، ويرتبط باستمالة النفس للخير عن طريق الدين، وعن طريق الاتعاظ بأحداث الزمان، ليعرف الإنسان حقيقة نفسه، وأنه في هذه الدنيا عابر غير مقيم، أما الدار الآخرة فهي دار الشقاء أو دار النعيم.
ولم يكن الغرض من الزهد أن يصبح الفرد سلبيا في هذه الدنيا لا يعمل من أجل إصلاحها وتطويرها ونشر ما يرفع من قيمتما، بل الغرض منه إعداد الإنسان إعدادا كاملا لتحقيق العدالة عن طريق الحق والإحسان والالتزام بالمبادئ السامية التي تهدف إلى وضعه في مسار مضيء، وصراط مستقيم.
ولقد كانت كتب الزهد محببة لدى النفوس الطاهرة يتسابق الناس إلى انتساخها وحفظها وروايتها فيصطحبونها في أسفارهم، ويورثونها أبناءهم، ويحبسونها على الخزانات العامة، لتكون هداية للقراء وتربية للمطالعين والدارسين.
وفي خزانة القرويين عدد لا يستهان به، إلا أن أقدمها هو كتاب الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك الذي يعد من أنفس الكتب في هذا الباب وهو كتاب مجزأ في الأصل على ستة عشر جزءا تتفاوت أوراقها عدا ولكنها جمعت في مجلد واحد ضمن مجموع يحمل رقم 1061.
إن المخطوطة التي تحتوي عليه قد كتبت بخط أندلسي جميل وقد أصيبت بتلاشي قوي فيما يتعلق بالأجزاء الثلاثة الأخيرة ومقياسها 23 x 18 ومسطرتها 18 وقد تعهدتها يد الإصلاح في كثير من أوراقها، وسفرت تسفيرا عاديا، وفي غلافها تذهيب بسيط، وليس عليها أي تحبيس، إلا أنها كانت في ملك من يمسى أحمد بن عمر العميري حسب ما في ورقتها الأخيرة كما كانت في ملك من يسمى محمد الأمين الشهير بابن الخراط الحنفي فلقد اشتراها في ذي القعدة عام 1139 هـ حسب ما في واجهة الكتاب.
نسخت هذه المخطوطة سنة 465 هـ وقد كتبت في ورقتها الأولى أربعة أبيات لم أستطع أن أميز البيت الأخير منها يقول ناظمها :
كتبت وقد ألفيت لا شك أنني    ** لـى يدي ويبقى كتابيــا
واعلم أن اله سائلها غــدا       ** اليت شري ما يكون جوابيـا
فإما نعيم في الخلود وراحة     ** ما جحيم لا يطاق عذابيــا
وفي الصفحة الأولى من هذا الكتاب إشعار بأنه منقول برواية أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي (1) عن نعيم بن حماد (2) عن ابن المبارك إلا إننا إذا تأملنا الأمر الواقع فإننا نجد أن هناك رواة سابقين لهؤلاء لم تشر إليهم الصفحة الأولى مع أن النزاهة العلمية تقتضي ذكرهم. وإن إطلالة عابرة على الكتاب تقرب لنا ذلك، وأقصد بالتقريب عدم القدرة على الإلمام بكل ما يجب الإلمام به، لأن الراوي الأول الذي جمع الكتاب لم يذكر اسمه، ولم نعرف عنه لحد الآن شيئا إلا ما يتصل بربط روايته لهذا الكتاب بالمحدث القرطبي الشهير قاسم بن أصبع (3) فهو قد روى عنه هذا الكتاب بواسطة أحمد بن عون الله (4) بالنسبة للجزء الرابع عشر وبواسطة أبي بكر محمد بن اسحق بن منذر بن السليم (5) بالنسبة لسائر الأجزاء.
وقد جرت عادة الراوي الذي وضع الكتاب أنه لا يذكر السلسلة كاملة إلا في أوائل الأجزاء فإذا تجاوز ذلك اقتصر على ذكر الترمذي، ونعيم بن حماد، ولعل ذلك هو الذي جعل الناسخ يقتصر في الواجهة على ذكر روايتيهما فقط دون غيرهما، مع أنه لو صح الاكتفاء بالاختصار والاقتصار، كان ذكر قاسم بن أصبع معهما واجبا، لأنه هو الرابط الأساسي بين هذا الكتاب وبين الأندلس، فلعله قد حمله معه فيما حمل حين عودته من الرحلة الشرقية التي عادت بالفضل الكبير على نشر الحديث بالأندلس والمغرب (6).
ومن الجدير بالذكر أن أول باب من كتابه، رغم أنه كتاب زهد ورقائق، قد خصه للترغيب في العمل وإلى الدعوة إلى المبادرة إليه واستشهد فيه بحديثين شريفين يعتبران من أنفس جوامع الكلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الأول : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، وأما في الحديث الثاني فقد قال : «اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.
وكان في استشهاده يستعمل طريق السند شأنه في ذلك شأن المحدثين ويعتمد على العنعنة سواء فيما يتعلق بالأحاديث أو فيما يتعلق بالأخبار والسير المقتبسة من حياة الأنبياء والأمراء والصالحين .
ومن المعلوم أن كتاب الزهد هذا لم يكن غفلا عند المهتمين بتاريخ التدوين لأنه كتاب اشتهر بمنهاجه وبخطة مؤلفه المتصلة بتعداد الموضوعات الصالحة لهذا النوع من التذكير والتوجيه ولم يكن وحده الذي اشتغل بهذا الموضوع فقد اهتمت به جماعة من المؤلفين المشهورين ذكر صاحب كشف الظنون بالجزء الثاني من كتابه عددا منهم ونقل عن ابن تيمية ما يأتي (7) : ومن أجل ما صنف في ذلك وأندره كتاب الزهد لعبد الله ابن المبارك وفيه أحاديث واهية وكذلك كتاب الزهد لهناد بن السري ولأسد ابن موسى وغيرهما وأجود ما صنف في ذلك الزهد للإمام أحمد لكنه مكتوب على الأسماء وزهد ابن المبارك على الأبواب وهذه الكتب يذكر فيها زهد الأنبياء والصحابة والتابعين ...».
وإذا كان ابن تيمية يشير إلى أن بعض الأحاديث الموجودة في كتاب ابن المبارك واهية فإن هذه التوهية تحتاج إلى تحديد عملي من أصحاب التحقيق ليلا تتسرب الأوهام إلى كل ما أتى به خصوصا إذا علمنا أن أكثر الذين يتحدثون عن ابن المبارك ينعتونه بالصدق والنزاهة والحذق والفطنة مما يصعب معه الانسياق إلى حكم ابن تيمية اللهم إلا إذا راعينا أقوال الذين كانوا يرون أن ابن المبارك كان يكثر من الأخذ ويظنون أن هذا الإكثار قد يكون سببا في تسرب بعض الأحاديث الواهية إلى كتابه (8).
إن التساهل في الحكم ليس من طبيعة البحث العلمي ولهذا كان من الواجب التعرض إلى اتجاه آخر لا يجد في ابن المبارك إلا النزاهة والصدق والتحري، فهذا نعيم ابن حماد وهو الراوي الأول لكتاب الزهد يقول : "سمعت ابن مهدي يقول ما أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونفس القولة رويت عن ابن المديني عن ابن مهدي" (9).
وإذا كان هذا النص يدل على شيء فإنما يدل على الثقة التي أولاها بعض رجال الحديث لهذا الرجل الورع فهم يعتدون بروايته حتى عن الذين قد يتسرب الضعف إلى أقوالهم نظرا لنباهته ولدقة نقده، ولعدم انقياده إلى الأقوال دون ربطها بملابساتها التاريخية، ويؤيد ما قلناه ما روي عن اسحق بن إبراهيم أن الرشيد أخذ زنديقا فأراد أن يقتله فقال : أنى أنت من ألف حديث وضعتها فقال أين أنت يا عدو الله من أبي اسحق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفا حرفا (10).
إن الثقة هي الصفة الغالبة على ابن المبارك رغم التوهية التي أشار إليها ابن تيمية، وإلا فكيف نعلل اعتماد عدد من الأئمة الصالحين وذوي الفضل والتحري في الرواية عنه أو عمن روي عنه، فقد روى عنه سفيان الثوري وهو من شيوخه وروى عنه معمر بن راشد وأبو اسحق الفزاري وابن راهويه ومحمد بز مقاتل المروزي وعبدان بن عثمان وحبان بن موسى. ومن المعلوم أن البخاري قد أخذ عن بعض هؤلاء وعن ابن المبارك نفسه، وما اعتاد البخاري على الروايات المسموعة عنه إلا دليل على ثقة أهل الحديث فيه وعلى عدم شكهم فيما يرويه رحمه الله.
وقد ذاعت كثير من الأحاديث التي رواها بنفسه عن عدد من الأئمة فهو قد روى عن الثوري وعن شعبة وعن الأوزاعي وعن مالك رضي الله عنه بل إن مالكا كان يراه جديرا بالاحترام والتقدير لما يتصف به من العزم والهيبة وحسن الأخلاق، ولما يتحلى به من آداب العلم وتواضع العلماء، فقد ذكر يحيى بن يحيى الليثي المصمودي أن مالكا قد تزحزح في مجلسه احتراما لابن المبارك وأنه لم يتزحزح لأحد سواه وقد أثنى عليه ثناء جميلا وقال للمحاضرين في مجلسه  هذا ابن المبارك فقيه خراسان تقديرا له وإعظاما (11).
لم يكتسب ابن المبارك شهرته عن طريق التحري العلمي فقط، وإنما اكتسبها أيضا عن طريق سلوكه الالتزامي الذي جعله يحرص على نفع الناس بعلمه وماله، فهو رجل حريص على أن تكون السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وسيرة أعلام الإسلام من العلماء وغيرهم متجسدة في أعين الناس تسجل لهم في الكتب ليقتدوا بها ولتمارس أمامهم في السلوك البشري ليعلموا أنها ليست خيالا أو وهما وإنما هي حقيقة مشخصة يستطيع الناس تصورها والاقتداء بها، ولهذا نرى عددا من الذين يذكرونه يتعمدون ذكره في المواقف الأخلاقية المثالية ليكون هو وما يرويه مثالا عمليا لحقيقة المسلم المرغوب فيه.
لقد تعرض لذكره ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار كما تعرض له الجاحظ في كتابه البيان والتبيين إلا أن طريقة ابن قتيبة كانت تسير وفق خطة المحدثين في حين أن الجاحظ كان يسير على نسق الأدباء الإخباريين.
كان ابن قتيبة يروي عنه بواسطة حسين بن حسن المروزي ومن جملة ما رواه حديث نبوي يعد من أهم الأحاديث الزجرية الدافعة إلى الأخذ بيد المنحرفين وإلى الحث على توجيههم التوجيه السديد، فإن المسلمين يمثلون وحدة متآزرة وإن أي خلل يصيب بعضهم فإن تبعاته تنصب على سائرهم ولهذا قال ابن قتيبة (12) : «حدثني حسين بن حسن المروزي قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال اخبرني الأجلح عن الشعبي قال : سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر : يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن قوما ركبوا البحر في سفينة واقتسموها فأصاب كل واحد منهم مكان فأخذ رجل منهم الفأس فنقر مكانه فقالوا ما تصنع ؟ فقال مكاني أصنع به ما شئت فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا وإن تركوه غرقوا وغرق".
وقد ورد هذا الحديث بألفاظ أخرى تؤدي نفس المعنى في كتاب البيان والتبيين وهو مروي عن طريق ابن المبارك أيضا (13) وكان الجاحظ ممن يتعمد الإعجاب بهذا الرجل وينقل عنه من حين لآخر في كتابه فقد ذكر قول أحد أصحاب بن لهيعة حين قال : "ما رأيت أحسن أدبا من عبد الله بن المبارك والمعافي بن عمران » (14).
والواقع يجعلنا نشعر بأن اختيارات ابن المبارك كانت بعيدة الأثر في تهذيب النفوس، مصورة لأبعاد الزهد مرغبة في عدم الانسياق مع الرفاهية التي قد تميت القلب وقد تدفع الإنسان إلى المعاصي فقد نقل الجاحظ في الجزء الثالث من كتاب البيان والتبيين صفحة 111 أن ابن المبارك قال : «كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرم الله عليك فافعل فإن من استوعب الحلال كله تاقت نفسه إلى الحرام.
وهذه الحكمة دفعتني كثيرا إلى التأمل في حقيقة الأحكام التي تعتري المأمورات والمنهيات فقد كنت أرى عددا من الناس يتساهلون في ارتكاب المكروهات واجتناب المندوبات فكنت لا أبالي بما يفعلون ما داموا لا يرتكبوا حراما ولم يهملوا واجبا فإذا بي بعد التأمل فيما نقله ابن المبارك من كلام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أصبحت أرى أن الانزلاق مع المباحات إلى أبعد الحدود قد يحبب اللذة حتى تصير مقربة إلى النفس مستهواة إليها فلا يستطيع الإنسان كبح نفسه وإكراهها على الطاعة ولهذا كانت تلك الأقسام الأصولية التي يتعرض إليها الفقهاء معينة على معرفة الحدود التي يقف دونها الإنسان ليلا يسقط صريع هواه.
والظاهر أن كثيرا من الأحاديث المنقولة في الترغيب والترهيب وإن كثيرا من الأخبار المتعلقة بذلك حينما تنسب إلى ابن المبارك تكون مأخوذة من كتاب الزهد والرقائق الذي قيض الله له أن يبقى موجودا بخزانة القرويين إلى الآن.
هذا وقد أخبرني الدكتور العراقي السيد عبد الله محمد الجيوري الأستاذ بكلية الأدب بمكناس أنه اطلع على نسخة مطبوعة من هذا الكتاب وقد أشار إليها في مراجع كتابه حول الإمام الأوزاعي وذكر أنها نشرت بالهند سنة 1966 م بعناية مجلس إحياء المعارف ولم تتح لي الفرصة للاطلاع عليها فأعرف على أي مخطوطة اعتمد ناشروها. ومع ذلك فما على الباحثين إلا أن يحرصوا على دراسة النسخة الموجودة بالقرويين ليقابلوها بغيرها وليخرجوها إخراجا علميا وليربطوا بينها وبين النسخة المطبوعة وليوازنوا بين أقوال الذين عدلوا ابن المبارك وبين أولئك الذين نسبو إلى كتابه بض الأحاديث الواهية، فالتراث الإسلامي مازال في حاجة إلى الدراسة والنقد وما على المهتمين به إلا أن يشمروا عن سواعدهم ليحيوه وليجعلوه مثار الدرس والتمحيص فهم بذلك سيساهمون في إحياء مجد غبر وفي إرجاع بصيص من النور الحضاري الذي ورثناه عن أجدادنا المسلمين في كل مكان أولئك الأجداد الذين لم تكن أهدافهم حينما ألفوا كتبهم أهدافا إقليمية وإنما كانت أهدافا إسلامية كبرى بل وإنسانية عامة. ويكفينا فخرا أن هذا الرجل الذي نتحدث عنه والذي ساهم بالتأليف في ميدان الحديث والتاريخ والفقه كان من مواليد مرو منة ثمان وعشرة ومائة وقد توفي بهيت منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين (15) ومائة فجمع في حياته بين الحرص على جمع العلم وعلى الالتزام بكل ما يمكنه أن يرفع من شأن الأمة الإسلامية عملا وجهادا، ولم يكن من وراء ذلك يطلب جاها أو مالا فهو الذي يقول : أفضل الزهد أخفاه، ولكنه وإن كان حريصا على الخمول فإن الله تبارك وتعالى أراد له الظهور في هذه الحياة بسبب مواقفه الأخلاقية وبسبب اجتهاده العلمي، فهو الذي يعد من الرواد الباقين إلى تدوين الحديث أثناء القرن الثاني الهجري بحيث يذكر مع الأوزاعي ومالك وحماد بن سلمة ومعمر وابن جريج، كل واحد من هؤلاء يمثل إقليما، فالأوزاعي بالشام، ومالك بالمدينة، وحماد بن سلمة بالبصرة، ومعمر باليمن، وابن جريج بمكة، وابن المبارك بخراسان.
إن ابن المبارك ملأ قلوب الناس بحبه وجعلهم ينظرون إليه بنظرة الإعجاب فهو العالم الزاهد الغازي في سبيل الله الذي يتصف بأسمى الصفات وأكرمها والذي قال فيه سفيان بن عيينة : "نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه (16) وكأنه كان يعني بذلك أن الصفات التي كانت تتجلى في الصحابة قد تجلت فيه أيضا فهو قد كان حريصا على الصدق في الرواية وعلى الالتزام بمحاسن الأخلاق وعلى الاجتهاد في إعلاء كلمة الله بمشاركته في الغزو ففضلهم إنما يتجلى في كونهم قاموا بهذه الأعمال وهم في صحبة الرسول عليه السلام.
وعلى كل حال فإن الاطلاع على كتاب ألفه هذا الرجل سيكون متمة للنفر وطهارة للروح وحافزا على التأمل في الثقافة الإسلامية في مهدما الأول وستربطنا الروايات التي روى بها بالنشاط الفكري في المغرب والأندلس وبالالتحام الفكري الذي كان يصل المغرب بالمشرق، والمشرق بالمغرب، ذلك الالتحام الذي نرجو له الاستمرارية إلى الأبد وما ذلك على الله ببعيد.

_____________
1 - هو محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي الترمذي نزيل بغداد المتوفى سنة 280هجرية .
2 - هو نعيم بن حماد بن معاوية المروزي سكن مصر وروى عنه كثير من المحدثين من بينهم الإمام البخاري وأبو إسماعيل الترمذي المذكور توفي سنة 227 هـ وقيل 28 أو 29.
3 - هو قاسم بن أصبغ المعروف بالبياني رحل إلى المشرق سنة 274 هـ، توفي سنة 340 وكان من ألمع الشخصيات التي نشرت الثقافة الإسلامية بالأندلس.
4 - هو أحمد بن عون الله القرطبي ممن وهل إلى المشرق فاستفاد ثم رجع إلى الأندلس فروى كثيرا مما أخذ، توفي سنة 378 هـ.
5 - أنظر ترجمته بكتاب بغية الوعاة للسيوطي صفحة 21.
6 - أنظر الجزء الثاني من نفح الطيب تحقيق محيي الدين عبد الحميد صفحة 253 وكتاب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس لابن الفرضي الجزء الأول ص 406.
7 - يوجد هذا النص أيضا بالفتاوي الكبرى لابن تيمية الجزء الحادي عشر ص 580.
8 -  فجر الإسلام لأحمد أمين ص 212.
9 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي ج 2 ص 64.
10 - تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني الجزء الأول ص 151
11 - تهذيب التهذيب ج 5 ص 386.
12 - عيون الأخبار الجزء الثاني صفحة 12.
13 - البيان والتبيين للجاحط تحقيق السندوبي الجزء الثاني صفحة 20.
14 - نفس المصدر الجزء الثاني صفحة 257.
15 - فهرست ابن النديم صفحة 319.
16 - تهذيب التهذيب الجزء الخامس صفحة 385.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here